
كرتونة بيض 12/8/2026
1 / وقف حسن الكفراوي زمنا طويلا على الطريق الزراعي وهو يبحث عن توكتوك ينقله من قريته الكفر الشرقي إلى قرية الكفر الغربي المجاورة لكن لم يجد من ينقله حيث رفض كل السائقين هذا المشوار رغم استعداده لدفع أي مبلغ ، وأخيرا ظهر له ابن عمته رضوان شلبي على التوكتوك الخاص به وتوقف عنده وسأله في دهشة : خير يا أبو علي واقف كده ليه ، أجابه في يأس : مفيش سواق راضي ينقلني للكفر الغربي مش عارف ليه.
أشار له رضوان بالركوب وقال : أنا سأوصلك ، ثم راح يشرح له قائلا : أصل الجسر الواصل بين البلدين وقع من سنتين ولازم نمشي في طريق طويل متعرج ويعتبر مشوار خسران لأي سواق لأنه مضطر يرجع فاضي خصوصا بالليل ، تفهم حسن الأمر وقال : خد أي فلوس تلزمك ، ضحك رضوان وقال له : رايح فين في الكفر الغربي ؟ ، أجابه في سرعة : عيادة الدكتور بدوي لأني من فترة عندي حصوة على الكلية وكشفت في أكثر من مكان ولا يوجد تحسن وأخيرا دلوني عليه قلت جايز يكون عنده الشفاء.
نظر له رضوان نظرة سريعة ثم سأله في جدية : أين طبق البيض ؟ ، لم يفهم حسن السؤال وتمتم في دهشة : أي بيض ؟ ، ضحك رضوان وسأله : يبدو أنك أول مرة تروح الكفر الغربي صح ؟ الدكتور بدوي لا يأخذ ثمن الكشف نقودا وإنما يأخذ بدلا منه طبق بيض ، فتح حسن فمه في دهشة وبدت على وجهه علامات التعجب والاستنكار بينما واصل رضوان القهقهة بصوت عال وهو يواصل : سكان الكفر الغربي من سنة تقريبا أصابتهم لسعة في مخهم.
قال حسن : فهمني أكثر ، بدأ رضوان يشرح له قائلا : من فترة بدأ الأهالي هناك في التوقف عن التعامل بالعملة المحلية بعد نزول سعرها وانحدار قيمتها واتفقوا على العودة لنظام المقايضة .. يعني مثلا كشف الدكتور يساوي خمس حلقات عند الحلاق واستشارة المحامي يقابلها ثلاث زيارات للسباك ومشوار التوكتوك يعادله عند المكوجي مرتين غسيل وكوي وهكذا … إلخ.
صمت حسن لحظات يحاول استيعاب الأمر ثم سأل فجأة : فهمت لكن ما علاقة ذلك بالبيض ؟ ، أجابه رضوان شارحا : كل خدمة يقابلها خدمة بنسب اتفقوا عليها لكن المشكلة في إن الفلاحين لا يملكون تقديم خدمات مثل أصحاب المهن لكن عندهم مقابل ذلك منتجات زراعية وحيوانية مثل اللبن والقشطة وما شابه .. ولما كان كل بيت في البلد عنده عشة فراخ فوق السطح وفي غزارة في إنتاج البيض اتفقوا على أن تكون العملة الأساسية (طبق بيض) أو نص طبق أو ربع طبق حسب القيمة المتفق عليها.
حاول حسن استيعاب الأمر لكنه سأل : لكن مع التنقل والحركة ممكن البيض يتعرض للكسر وتصبح العملة هشة وتفقد قيمتها ، نظر إليه رضوان نظرة ذات مغزى وهو يقول : البيض لن يكون أكثر هشاشة من الجنيه !!
2 / أدرك حسن صعوبة المشوار من بلدته الكفر الشرقي إلى البلدة الأخرى الكفر الغربي لأنهم يسيرون عبر مدق صغير متعرج كثير المنحنيات بين الأرض الزراعية والترعة الكبيرة وعرف وقتها لماذا نصحوه بعدم الذهاب بسيارته حيث يتحرك التوكتوك بالكاد في هذا الطريق الوعر ، وقد توتر قليلا أول الأمر بسبب الظلام الدامس لكنه لاحظ أن رضوان يعرف طريقه جيدا ويسير بالسرعة المناسبة ثم لاحظ أن تليفونه المحمول يفقد صلته بالانترنت تدريجيا مما يعني أن المنطقة خارج تغطية الشبكات وتساءل في نفسه عن معاناة السكان هناك في الاتصال والتنقل بين البلدين لقضاء حوائجهم.
كان يعرف أن قرية الكفر الغربي حديثة التكوين من سنوات معدودة حيث كانت في الأصل مجموعة من الأحواض الزراعية المحاذية لبحيرات الماء ومنطقة البراري وتابعة لزمام قرية الكفر الشرقي ، ثم قرر عدد من أصحاب الأراضي من البلدة القديمة أن ينتقلوا للعيش وسط أرضهم فبنوا عددا صغيرا من البيوت هناك ثم تزايد العمران حتى وصل عدد السكان إلى أربعة آلاف نسمة لكنها من الوجهة الإدارية لا تزال تابعة للكفر الشرقي ولا توجد بها أي مؤسسات حكومية.
وبعد نصف ساعة بدأت أضواء القرية تظهر حيث لاحظ حسن أن هناك عدد قليل من أعمدة الإنارة يضيء إضاءة متوسطة وفوق كل عامود لوح يعمل بالطاقة الشمسية كما لاحظ أن الانترنت عاد إلى تليفونه المحمول لكن بإشارة ضعيفة ، ولاحظ أن المارة في الطرقات يحملون بأيديهم كراتين البيض والتي هي عندهم بمثابة العملة الجديدة كما لاحظ أن التكاتك هنا غريبة قليلا حيث كل واحد منها يجر خلفه مقطورة صغيرة.
وأخيرا وصلوا إلى وسط القرية حيث ميدان صغير تتقاطع فيه الشوارع وأوقف رضوان التوكتوك أمام بناية من طابقين وهو يقول : سوف أنتظرك هنا حتى تنتهي من كشف الدكتور ونرجع معا ، ثم فتح خزنة مخفية في أرضية التوكتوك وتناول منها طبق بيض وناوله إلى حسن وقال له : هذا ثمن كشف الدكتور كما شرحت لك ولما نرجع الكفر الشرقي نتحاسب بالجنيه ، تناول حسن الطبق ونزل من التوكتوك ثم راح يتأمل ما حوله ..
عند مدخل البناية يوجد في الدور الأرضي مقهى كبير وعن يمينه ورشة لإصلاح الجرارات الزراعية مكتوب عليها (هاي تك) وعن يساره بلكونة لها سلالم مستقلة على الشارع وعليها لافتة كتب عليها (أولاد فتح الله للمقاولات) وفي الدور العلوي على اليسار لافتة كتب عليها (علي صالح المحامي لدى جميع المحاكم) وبجواره على اليمين لافتة مكتوب عليها (دكتور بدوي السعيد باطني أطفال حميات).
توقع حسن أن تكون العيادة قديمة ومتهالكة مثل عيادات الأرياف التي تردد عليها من قبل لكن لدهشته وجدها نظيفة ومرتبة وفيها نظام تهوية جيد يتكون من مراوح صغيرة موزعة بشكل هندسي مع إضاءة خافتة مريحة للأعصاب وموسيقى كلاسيكية تنبعث من سماعات مخفية فجلس في منطقة الانتظار وقد شعر براحة نفسية عجيبة !!
3 / تناول الممرض منصور طبق البيض من حسن ووضعه في ثلاجة كبيرة موجودة في غرفة جانبية ثم دعاه للدخول على الدكتور بدوي .. كانت غرفة الكشف فسيحة والدكتور يجلس خلف مكتب كبير وخلفه مكتبة كبيرة فيها كتب طبية وبجواره طاولة عليها ميكروسكوب ثم سرير الكشف وبجواره جهاز السونار وجهاز رسم القلب وجهاز قياس السكر وعدد من الأجهزة الأخرى.
أما الدكتور نفسه فكانت هيئته مريحة فهو يشبه الأطباء في الأفلام العربية القديمة وليس طبيب أرياف في قرية الكفر الغربي المعزولة عن العالم .. كان أصلع الرأس تجاوز عمره الخمسين بقليل ويرتدي زي العمليات الجراحية التقليدي (سكراب) وفوقه بالطو أبيض ويرتدي نظارة مربوطة بسلسلة إلى عنقه وعلى فمه ابتسامة رجل حكيم حيث أشار له بالجلوس وهو يقول : تفضل .. قل لي على كل مشاكلك.
جلس حسن وبدأ حديثه قائلا : من سنة يا دكتور كان عندي حصوات على الكلية اليمين والحمد لله عالجتها لكن من ستة شهور بدأت أشعر بضعف في المسالك وعجز عن ممارسة الحياة الزوجية رغم إن عمري ثمانية وثلاثين سنة وعندي أولاد وكنت كويس جدا قبل الحصوات وليس عندي ضغط أو سكر أو أي مرض مزمن وأدخن السجائر على خفيف ، ثم بدأ يحكي له عن زياراته لأطباء أمراض الذكورة والضعف الجنسي ورحلته مع المقويات المختلفة وأعطاه كل تقارير الأشعة والتحاليل التي أجراها.
تطلع الدكتور إلى الأوراق وقرأها بعناية ثم قام بالكشف عليه إكلينيكيا وبجهاز السونار وأجرى له بعض الفحوصات السريعة ثم عاد بعدها إلى المكتب ونظر له من تحت النظارة وهو يسأله : أنت من سكان الكفر الشرقي صحيح ؟؟ ، أجابه حسن في دهشة : نعم ولكن ما علاقة ذلك بحالتي ، أخبره الدكتور أن الحصوات لا زالت موجودة وأن هناك نسبة دهون عالية في الكبد وأن ذلك مرتبط بنمط الأكل ودرجة نقاء مياه الشرب.
تساءل حسن في حيرة : وهل الدهون والحصوات هي سبب الضعف ، حرك الدكتور بدوي رأسه نافيا وقال : لا ولكن في سبب واحد أدى إلى كل ذلك مع بعضه هل ممكن تعرفني على طبيعة عملك ؟ ، حكى له حسن باختصار أنه حاصل على بكالوريوس تجارة وورث عن أبيه محل بقالة ثم توسع وأنشأ بجواره محلا لبيع الحلويات والفطائر ثم حصل على ترخيص فرن آلي وأنه مجتهد في عمله.
تناول الدكتور دفتر الروشتات وكتب له الدواء المطلوب وهو يقول : هذا علاج مشاكل الكبد والكلية ، تساءل حسن وهو يضحك مازحا : هل كتبت أدوية .. كنت أظنك ستعالجني بنظام الطيبات وتوقعت أن يكون العلاج بالأعشاب طالما ثمن الكشف كرتونة بيض ويمكن المرة القادمة يكون كوزين ذرة .. هههههههه ، لم يغضب منه الدكتور وإنما ابتسم ابتسامة خفيفة وقال له : الحقيقة أن هذا هو علاجك فعلا وفق العلم والطب أما البيض فهي مسألة اقتصادية بحتة.
تناول حسن الروشتة ثم سأل : والمشكلة الكبرى ما هو علاج الضعف ، أخبره الدكتور أن هذا الأمر مكلف جدا فأبدى حسن استعداده لإنفاق أي أموال لكن الدكتور فاجأه بقوله : علاجك الوحيد لن تقدر عليه فهو لا يحتاج أموال .. علاجك الأكيد هو أن تغادر الكفر الشرقي وتسكن مؤقتا عندنا هنا في الكفر الغربي !!
4 / تعجب حسن من كلام الدكتور بدوي .. هل يمكن فعلا إن تغيير السكن فقط يعالج مشكلة صحية صعبة مثل التي يعاني منها لقد جرب من قبل الذهاب إلى أماكن متعددة لكن حتى أغلى المصايف والمنتجعات السياحية لم يشعر فيها بأي تحسن ، قال له الدكتور في صوت هادئ : أنا قلت لك النصيحة المخلصة لأنك شخص متعلم وعندك قدرة على فهم كلامي لكن أي شخص آخر أنا كنت اكتفيت بالروشتة والمنشطات العادية لأن المسألة مرتبطة بنمط المعيشة والتغذية وليس مجرد تغيير السكن.
تذكر حسن كلام رضوان عن أن سكان الكفر الغربي مخهم لاسع لكن الدكتور يبدو أنه واثق من كلامه ، ورغم ذلك تكلم حسن بنبرة سخرية وهو يقول : هل الموضوع متعلق بأكل البيض مثلا طالما إنه هو العملة المتداولة بين أهالي القرية ؟؟ ، هذه المرة تجهم وجه الدكتور وقال له في نفاذ صبر : قلت لك مسألة البيض اقتصادية فقط .. هي قيمة اتفقنا عليها لمن لا يملك المقايضة ويبدو إن وقتك انتهى والعيادة الآن سوف تغلق.
تطلع حسن إلى ساعته وقال : عيادتك تقفل الساعة عشرة مساءا احنا لسة أول الليل ، أجابه الدكتور بدوي وهو يطفىء الأجهزة الطبية : المواعيد جزء من نمط الحياة الصحي .. كل شيء مطلوب إنه يكون سليم من أول النوم والصحيان حتى الأكل والشرب بما فيه أوقات الترفيه والعبادة .. نصيحتي لك كالآتي .. بعد أسبوعين تنتهي امتحانات المدارس وتبدأ الأجازة اعمل تجربة جديدة وهي إنك بدل ما تروح المصيف تعال أجر شقة عندنا في الكفر الغربي لمدة أسبوعين إنت والمدام والأولاد واعتبرها تجربة جديدة لن تخسر فيها شيء.
صمت حسن مفكرا ثم سأل قائلا : وكيف أدفع التكاليف أعتقد إنها تساوي كمية كبيرة من كراتين البيض ؟؟ كيف يمكن الحصول عليها ؟؟ وهل ممكن أفهم مغزى إن العملة المستعملة تكون البيض بدل الفلوس وما هو الفارق ؟؟ ، التفت إليه الدكتور وتحدث إليه في لهجة الأستاذ للتلميذ قائلا : سوف أشرح لك الموضوع وأتمنى أن تفهم قصدي منه.
هل تذكر من سنوات مضت عندما قامت ثورة يناير .. هل تذكر ما حدث عندما خرجت وزارة الداخلية من الخدمة وتعطل الأمن مدة أسبوع تقريبا .. وقتها قامت اللجان الشعبية بالمهمة مؤقتا لأن خدمة واحدة فقط هي التي تعطلت لكن أحوال الناس كانت عادية وكلهم قبضوا مرتباتهم أول فبراير وحركة الأسواق في المحافظات والمدن والقرى كانت شغالة والمواصلات مستمرة لأن المسألة وقتها كانت عبارة خلافا سياسي بين نظام الحكم والمعارضين له.
تخيل معي الآن أن البلاد مرت بأزمة اقتصادية وليس سياسية لكنها شديدة وخانقة ثم تطورت الأوضاع وتعطل عمل عدة وزارات مرتبطة بالاقتصاد والمرافق مثل التموين والنقل والكهرباء والبترول ومياه الشرب أو غيرها .. ماذا يحدث لو تعطلت وزارة المالية عن أداء مهامها هذه المرة بدلا من الداخلية وانهار النظام البنكي في البلد وفقدت العملة المحلية قيمتها واختفت السلع من الأسواق .. لا بد وقتها من شيء له قيمة يحل محل العملة .. يؤسفني أعرفك إننا سكان الكفر الغربي أصبحنا متوجسين من المستقبل وكل ما في الأمر إننا نحتاط لأسوأ السيناريوهات حتى لو كانت خيالة أو لا يمكن تصديقها الآن !!
5 / عاد حسن إلى التوكتوك ولاحظ أن أضواء الأعمدة الكهربائية قد أطفئت في تمام الساعة العاشرة والنصف مساءا وأن حركة الناس في قرية الكفر الغربي قد قلت للغاية كأن حظر تجول على وشك أن يبدأ في القرية وأسرع مع رضوان بالمغادرة قبل أن يحل الظلام الكامل ، سأله رضوان عما إذا كان قد وفق مع الدكتور بدوي فقال له حسن في حيرة : لا أعرف يبدو إن كلامك سليم وإن سكان الكفر الغربي فعلا مخهم لاسع لكن عموما أنا وجدت الدكتور بدوي شاطر جدا وفاهم شغله كويس لعل علاجه يكون نافع ويحل مشاكلي الصحية.
بعد ذلك ساد الصمت بينهما حتى وصلا إلى الكفر الشرقي والذي لا يزال مزدحما بالناس خاصة حول محلات الملابس والموبايلات والمطاعم والمقاهي المختلفة بينما الشباب العاطل يقف متسكعا على النواصي وبعضهم يتحرش بالفتيات بالنظرات والكلمات البذيئة ، أما الفتيات فلا تعرف سبب وجودهم بالشارع قرب منتصف الليل وفيهن من يعلو صوتها بالضحكات العابثة ومنهن من ترتدي ملابس تميل إلى العري ولا تتوافق مع طبيعة القرية وقال في نفسه أن الكفر الشرقي لم يعد قرية وإنما التقط كثيرا من سمات المدينة القريبة وأصبحت حياة سكانه مختلفة تماما عما كان عليه عندما كان طفلا صغيرا.
تكلم رضوان صائحا : الحمد لله إننا عدنا إلى قريتنا المتمدنة .. انظر فارق كبير بينها وبين الكفر الغربي وسكانها المتخلفين هناك .. أما هنا فتوجد الحياة والسعادة والانطلاق والمرح طوال الليل والنهار ، طلب منه حسن أن يتوقف عند مكتب البريد حيث توجد ماكينة الصراف الآلي لكنه لم يتمكن من سحب أي مبلغ بسبب الزحام الشديد حولها وحدوث مشادات بين الواقفين في الطابور الخاص بها فقرر أن يمر على الفرن والمحل لأخذ إيراد اليوم قبل العودة إلى منزله.
لم يعد الإيراد اليومي مثلما كان في السابق فهناك شبح ركود في البيع والشراء خاصة بعد الارتفاع الأخير في أسعار الوقود والكهرباء وتذكر أن علبة الحلوى التي كان يبيعها بعشرين جنيها من سنوات أصبحت اليوم تباع بثلاثمائة جنيه ، ولم تكن المشكلة في نظره في حدوث الغلاء فهو أمر يمكن التعايش معه إذا كان له سبب محدد واستقرت الأسعار عند مستويات معروفة لكن المشكلة هي أن الزيادة مستمرة وهو مضطر لزيادة أسعار منتجاته كلما زادت أسعار الطاقة وفي نفس الوقت لا يمكنه زيادة رواتب العاملين عنده.
بات ليلته وهو يحمل هم الصباح التالي فهو اليوم المحدد لصرف حصة الدقيق الخاصة به من وزارة التموين ويتوجس من إنقاصها لأي سبب ، تساءل في نفسه عما إذا كانت الدولة مسئولة عن كل هذه المشكلات ثم تذكر مقولة زوجته التي تدافع عن أي حكومة دائما وتقول إن المسئولين فيها مثل رب الأسرة الذي يكد ويجتهد ولا يحصل على ما يكفيه وفق شعار (العين بصيرة والإيد قصيرة) لكن مهمتها أعظم لأنها تتكفل بالملايين وليس أفراد أسرة صغيرة.
وعندما أصابه الأرق ولم يتمكن من النوم ترك زوجته نائمة وخرج إلى البلكونة يحاول تنفس هواء نقي لكن رائحة عوادم السيارات والجرارات الزراعية خنقت أنفاسه فقرر الدخول ثانية ، وفي طريقه تذكر كلام الدكتور بدوي عن انهيار النظام البنكي فقال في نفسه : لا .. مستحيل يحصل أكيد الدكتور عنده وهم ، لكنه عندما مر على الثلاجة توقف أمامها لحظات وخطر على باله شيء ما ففتح بابها وتطلع إلى صفوف من البيض مرصوصة في أحد الأرفف وراح يتأملها باهتمام !!
6 / في اليوم التالي عاد حسن من منزله بعد المغرب وهو في غاية الإرهاق والتعب والتوتر العصبي فقد مر بتجربة سيئة حيث أخبره موظف التموين في الصباح أن التعليمات الجديدة هي أن يقوم بسداد مبلغ عشرين ألف جنيه رسوم عن طريق المحفظة الرقمية التابعة لشركة فودافون من خلال تطبيق فوري في ماكينة صراف بنك مصر وذلك بدلا من الطريقة القديمة وهي التسديد في فرع البنك في عاصمة المركز.
ورغم أن كثيرا من أصدقائه حذره من هذه الطريقة إلا أنه كان مضطرا لاتباع التعليمات حتى يقوم بصرف حصة الدقيق المدعم لذلك توجه إلى ماكينة الصرف الموجودة في قريته الكفر الشرقي ، وجاءت الصدمة عندما قام بالإيداع وتم سحب النقود بواسطة الماكينة إلا أن الرصيد لم تتم إضافته إلى المحفظة الرقمية وحاول عبثا الاتصال بخدمة العملاء في البنك وشركة المحمول لحل المشكلة قبل انقضاء اليوم.
وهكذا قضى يومه في التنقل ما بين فرع البنك في المركز وفرع شركة المحمول ومكتب فوري وكل منهم يحيله إلى الآخر وأخبره موظف فودافون أن صلاحياته محدودة لأن الفرع خاص بالخطوط وليس فيه خدمة عملاء وقام برفع شكوى إلى فرع المحافظة ووعده بحل المشكلة خلال بضعة أيام وأخبره أنها مشكلة روتينية تحدث مع الكثيرين ، وبعد أن أفرغ شحنة غضبه في الشجار والصراخ مع الموظفين في كل هذه الجهات قرر سحب مبلغ كبير من رصيده في البنك تحسبا لضياع مبلغ العشرين ألف التي أكلتها الماكينة.
ورغم ما تعرض له من توتر عصبي إلا أن تجارب الحياة ومرمطة السوق قد علمته أن يكون رجلا عمليا ، وبناء عليه فقد اعتبر أن المبلغ المفقود قد ضاع للأبد وبدأ يتصرف على هذا الأساس فقام بالمرور على أحد تجار الدقيق في السوق السوداء واستكمل حصته حتى لا تتعطل أعماله خاصة واليوم هو الخميس ولن يكون هناك أي استجابة لشكواه قبل صباح الأحد.
وبعد أن نال قسطا من النوم القلق استيقظ عند منتصف الليل وقد قرر أن يستمع إلى نصيحة الدكتور بدوي بقضاء بضعة أيام في الكفر الغربي على الأقل لتهدئة أعصابه من توتر العمل ، وكان عليه أن يقنع زوجته هناء بذلك فاخترع قصة وهمية أنه يريد توسيع مشروعاته في الكفر الغربي وحكى لها أن لديهم إنتاجا كبيرا من البيض لدرجة أنهم جعلوه عملة التداول بينهم بدلا من النقود وأنه يحتاج أن تصحبه هي والأولاد في الذهاب هناك بضعة أيام ثم يسافرون منها إلى المصيف كما هي عادتهم كل عام.
وفي الصباح أجرى اتصالا مع الدكتور بدوي الذي وعده بترتيب كل شيء له واتفق معه على موعد قدومه بعد انتهاء الامتحانات مباشرة ، وأحس حسن بعد المكالمة براحة نفسية وخرج إلى البلكونة يبحث عن هواء نقي ثم خطرت له فكرة من واقع حياته كتاجر ورجل أعمال .. لماذا لا يستغل الزيارة في عمل بيزنس مع سكان القرية بالفعل فتكون زيارة علاج ومكسب معا .. ثم سرح بخياله وبدأ يرتب كيفية نقل البيض من الكفر الغربي إلى محل البقالة الخاص به في الكفر الشرقي وشعر بعدها بتحسن كبير في مزاجه !!

7 / في اليوم المتفق عليه وصل حسن وزوجته وأطفاله إلى الكفر الغربي مستقلين ثلاث تكاتك تحمل حقائبهم وأمتعتهم وكان في استقبالهم عند مدخل القرية منصور الممرض الذي يعمل في عيادة الدكتور بدوي والذي قال له في ترحاب : أهلا يا أستاذ .. احنا مرتبين كل حاجة ، ثم أشار إلى سائقي التوكتوك أن يتبعوه وهو راكب دراجته حتى أوصلهم إلى شارع في وسط القرية يضم عدة بنايات تطل على مساحة واسعة من الأرض تتكون من عدة ملاعب رياضية بألعاب مختلفة (قدم ـ سلة ـ طايرة ـ مضمار عدو ـ جمانيزيوم وغيرها) ومحاطة بسور خشبي بسيط.
ثم توقف عند آخر بيت في الصف حيث كان في انتظارهم صاحبته الحاجة سيدة والتي أجرت لهم شقة مفروشة في الدور العلوي واستقبلتهم في ترحاب ثم نادت على ابنتها الشابة فاطمة وقالت لها : الأستاذ حسن والمدام يبقوا ضيوف الدكتور بدوي .. خدي أولادهم للنادي وخليهم يلعبوا ويتعرفوا على الأولاد هناك ، ثم كلمت هناء وحسن قائلة : دي بنتي وهي مدرسة في المدرسة الابتدائي هنا ومسئولة النشاط الصيفي.
ولم ينتظر الأولاد إذنا بذلك فقد كان شكل الملاعب جميلا ويشجع على المرح والانطلاق فذهبوا معها ، أما هناء فقد تأملت الشقة الواسعة التي تطل على الأرض الزراعية من ناحية وعلى الملاعب من الناحية الأخرى وأعجبت بها وقالت في صدق : الله دي شقة برحة وهواها بحري ونظيف ، ثم قام منصور بنقل الحقائب وأخبر حسن أن الدكتور بدوي سوف ينتظره في النادي بعد العصر ثم انصرف وبعدها وقف الزوجان في البلكونة يتابعان الأولاد وهم يلعبون.
لاحظت هناء أن شبكة الانترنت ضعيفة مما يحرمها من متابعة فيديوهات الطبخ على اليوتيوب والتيكتوك والفيسبوك ويحرم الأولاد كذلك من ألعاب الموبايل لكنها كانت معتادة على التخلي عن ذلك أحيانا لأن الباقة في العادة تنتهي منتصف الشهر وقالت لزوجها : يبدو أن الأولاد سعداء ومبسوطين وممكن بعد كده ينسوا الموبايلات واللعب عليها ، أشار حسن إلى الساحة الواسعة وقال : رغم إننا من قرية مثلها وليس المركز إلا أن هناك فرق كبير بينها وبين بلدنا .. في شيء مختلف هنا ربما كان بساطة المعيشة أو غياب عوادم السيارات أو المساحات الواسعة بين البيوت أو ربما شيء آخر.
كان تيار الهواء الداخل إلى الشقة يغني عن تشغيل المراوح رغم أنهم في شهر أغسطس وتذكرت هناء عملها اليومي في مكتب البريد بقرية الكفر الشرقي حيث تضطر لإحضار مروحة صغيرة خاصة بها من بيتها وتشغلها على مكتبها متجهة لوجهها مباشرة ورغم ذلك ترجع آخر اليوم وقد ابتلت ملابسها بالكامل بالعرق المخلوط بالأتربة والغبار ، فكرت أكثر من مرة في ترك العمل بعد أن توسع زوجها في مشروعاته لكن والدها عارض في ذلك لأنه بذل جهدا كبيرا ووساطات عديدة حتى تم تعيينها في هذه الوظيفة التي يعين فيها الجامعيون بينما هي حاصلة على شهادة دبلوم التجارة ولن تجد مستقبلا فرصة مثلها.
وكان والدها دائما يميل للاحتياط من المستقبل والتفكير بشكل مادي وذلك بحكم عمله في تجارة الذهب هو وإخوته وأولاده الذكور فاحتفظوا بوظائفهم الحكومية على قلة رواتبها إلى جانب تجارتهم المزدهرة ، ويبدو أنها تأثرت بعائلتها فحافظت على الوظيفة كما أنها شجعت زوجها على التوسع في أعماله ووافقت على اصطحابه إلى الكفر الغربي عندما أخبرها أنه يبحث عن مشروع جديد هناك.
وتأملت هناء غوايش الذهب التي تشخلل في ذراعيها وراحت تحلم بالمزيد حيث كان حسن يشتري لها مصوغات جديدة مع كل توسع له ، ولهذا قامت بالتضحية ببضعة أيام من المخصصة للمصيف بل كانت على استعداد للتضحية بالمصيف كله إذا أدى ذلك لمزيد من الأموال ومعها مزيد من شخللة الذهب !!
8 / بعد العصر دخل حسن إلى النادي حيث استقبله الدكتور بدوي وعرفه على الجالسين معه وهم الحاج محمد فتح الله المقاول والشيخ سلامة عبد الحي إمام المسجد والأستاذ حلمي عبد البر ناظر المدرسة والمهندس السيد عبد العاطي صاحب ورشة تصليح الجرارات وأخيرا علي صالح المحامي ، جلس معهم ودردشوا لمدة ساعة في موضوعات عديدة منها تخطيطهم لإنشاء مكتبة عامة في القرية وبجوارها قاعة سينما.
كان الدكتور بدوي يقول : التوازن بين الترفيه والثقافة أمر ضروري حتى لا يصبح الإنسان تافها أو معقدا فلا يصح أن يكون الترفيه هو أساس الحياة وحده ولا يصح أيضا أن يعيش منغلقا عن الحياة ، علق الحاج محمد قائلا : أعمال البناء للمكتبة والسينما تحتاج فقط أسبوعين وتكون جاهزة إن شاء الله ونفتتحها في احتفال كبير ، تكلم الأستاذ حلمي وقال : الكتب جاهزة وهي متنوعة في مختلف الموضوعات ولكل الأعمار واخترت معها عددا من الأفلام الجيدة التي يمكن أن نبدأ بها.
وبعدها انصرف الجميع ما عدا علي صالح الذي قرر الانتظار حتى يحين موعد العمل في مكتبه وكذلك فعل حسن وجلس معه لأنه هو الوحيد الذي كان مقاربا له في العمر بينما كان الآخرون فوق الخمسين أو أكثر ، كان حسن يعرف علي من قبل جيدا فهو ناشط سياسي من أيام 25 يناير ومن المحسوبين على شباب الثورة وقتها وهو من أبناء الكفر الشرقي لكنه كان يعيش في القاهرة وتزوج فترة من الصحفية اللامعة والناشطة النسوية أحلام أبو شهبة ثم تعرض للاعتقال بعد 30 يونيو ثم سافر فترة وعاد بعدها واختفى عن الساحة.
وكان حسن متلهفا لمعرفة سبب استقراره في الكفر الغربي فحكى له أن قدم منذ أقل من عام حيث احتفل مع الأهالي بإتمام مشروع الصرف الصحي في القرية بالجهود الذاتية وتحدث عن ذلك اليوم في حماس وقال : وعلمت وقتها أنها ليست أول مرة بل سبق ذلك إنشاء مسجد ومدرسة ابتدائي ومركز طبي والعملية ليست سهلة لأن كل البيوت دفعت وهناك من تولى الإشراف على المشروع وهو الحاج محمد فتح الله وتم الحفر في مسارات محددة ثم عمل بيارة وتفتيش ومصرف عمومي تحت الأرض
هذا يعني ببساطة أن سكان القرية قاموا بتأسيس (مجلس محلي بديل) قام بتنفيذ العمليات بنجاح لدرجة أنهم كانوا ساعتها يخططون في المستقبل لعمل طريق مرصوف يربطهم بالطريق الزراعي العمومي ، ووقتها قلت في نفسي (على سبيل الخيال والمجاز) لو أنهم امتلكوا ألواح طاقة شمسية للكهرباء وأنشأوا محطة تنقية مياه (مرشحة) فهم لم يعودوا في حاجة إلى حكومة جمهورية مصر العربية الشقيقة !!
ثم تحمس في الحديث على عادته وكأنه يترافع في المحكمة أو يكتب مقالا ناريا وقال : جدير بالذكر أن القرية منتجة ونشاطها زراعي ومعروفة بإنتاج الفواكه والبيض يعني أنها لا تعيش عالة على الدولة بل العكس هو الصحيح حيث تدفع الضرائب وكافة الرسوم والمفروض أن تقوم الدولة بواجبها نحو القرية وتتكفل بمرافقها وبل وتتيح لها التمثيل النيابي العادل لكن الحكومات أهملت ذلك وكانت توافق على مشروعات الجهود الذاتية بشرط ألا يكون لها توجه سياسي ولا أن تتلامس مع أي حزب أو تيار سياسي.
ثم علا صوته وهو يستطرد بنفس النبرة الثورية : والمستبد دوما يريد أن يكون هناك حالة انفصام تام بين حركات الاحتجاج السياسية وحركات الاحتجاج الاجتماعية لأن التقاءهم خطر داهم عليه ، تخيل معي أن هذه القرية قررت في وقت ما تحت ضغوط ما ولسبب ما أن تتوقف عن دفع الضرائب والرسوم الحكومية وانتقلت العدوى إلى قرى أخرى ، والضرائب هي أعلى مصادر تمويل الموازنة والريف يشكل أكثر من 57 % من سكان مصر أي أكثر من النصف بقليل .. هل يمكنك تخيل ذلك ؟؟
لم يكن حسن يفهم كثيرا في السياسة فقد كان في أثناء ثورة يناير مشغولا بتأسيس محل الحلويات وأصابه الغضب وقتها من حظر التجول ونزل إلى مدخل القرية مع الشباب لعمل لجنة شعبية تحمي الأهالي وفي 30 يونيو كان مشغولا بالحصول على قرض من البنك لتمويل الفرن وكان كل همه أن تهدأ الأوضاع بأي ثمن حتى تدور عجلة الاقتصاد .. لكن بعد مرور سنوات طويلة ظل محتاجا لشخص يشرح له لماذا يحل البيض محل العملة !!
9 / تذكر حسن أن علي صالح حضر يوما إلى قريتهم فقال له : على فكرة لقد التقينا من قبل ، حاول علي تذكر ذلك وبدت عليه الحيرة فضحك حسن وقال : من أكثر من عشر سنين حضرت معاك لقاء كنت تتحدث فيه مع أهالي الكفر الشرقي وكانت مدام أحلام موجودة معاك وعملت يومها تحقيق صحفي نشر في الجرايد هل تذكر ؟؟
ابتسم علي وبدأ يستعيد الذكريات البعيدة .. كان الاجتماع في إطار نشاطات مبادرة دعم التنمية المجتمعية التي كان يتبناها وقتها وذلك في زمن الأحلام الوردية وقال : الاجتماع وقتها سبب لي صدمة كبيرة لأني أول مرة أعرف مجتمعنا على حقيقته .. بلاد كاملة بسكانها كانت غايبة عن يناير ويونيو وعايشين في عالم تاني.
سأله حسن : طيب والكفر الغربي وحكاية البيض ؟؟ ، ضحك علي وقال : تجربة لا بأس بها من أفكار الدكتور بدوي وهو من دعاني أول مرة للبلد وطلب مني أكون معاه هو مثقف وعنده رؤية معينة للاقتصاد والاجتماع ، ثم حكى له أن الدكتور بدوي من أهل الكفر الشرقي وسافر إلى إنجلترا هو شاب وتعلم هناك وعمل في مستشفياتها وتزوج من أمريكية وسافر معها فترة إلى أمريكا ثم قرر في لحظة ما أن ينهي كل ذلك وقرر العودة إلى مصر واشترى أرضا في الكفر الغربي وفتح عيادة فيها.
ولأنه مر بتجارب حياتية كثيرة فقد بدأ في القرية بتقديم الخدمة الطبية مقابل خدمة تعادلها مثل الحلاقة وكوي الملابس وتوصيلة توكتوك وتصليحات السباك وهكذا ثم جاء موضوع البيض ليكون بديلا لمن لا يملك خدمة .. ربما كان يريد تطبيق إحدى النظريات أو يقوم بعمل دراسة ما ، والحقيقة أن قطاعا من السكان تجاوب معه لكن أيضا هناك قطاع كبير يتعامل بالعملة العادية وكذلك التجار الأغراب الذين يملكون محلات تجارية في القرية كما أننا جميعا نتعامل بالعملة خارج القرية وفي المصالح الحكومية وغيرها.
ونفس الشيء ينطبق على الشيخ سلامة الذي قضى ثلاثين سنة في السعودية ثم عاد منها واشترى أرضا في الكفر الغربي وتبرع بجزء منها لتأسيس المسجد والمدرسة والمركز الطبي وتم البناء بالفعل لكن التكاليف كانت كبيرة فاكتفى بتشغيل المسجد فقط لأنه لا يستهلك مصاريف تشغيل ، أما المدرسة فقد رفضت الحكومة اعتمادها لعدم وجود ميزانية للرواتب لكن صديقه الأستاذ حلمي تطوع مع عدد من المدرسين من أبناء القرية بتعليم الأطفال على أن يحضروا الامتحانات في مدارس الكفر الشرقي ، وأما المركز الطبي فهو يحتاج ميزانية ضخمة للتشغيل اليومي ولم يعمل حتى اليوم.
سأله حسن عن عمله وهل له عائد جيد فأخبره علي أن أحواله جيده لأنه حتى الآن هو المحامي الوحيد في البلد لكنه في الواقع يقوم بدور يمكن تسميته (رئيس لجنة فض المنازعات) حيث كان من طباع الأهالي الميل لحل المشكلات وديا بعيدا عن المحاكم وتدخلات الإدارة الحكومية ، وقد استأجر شقة بجوار الدكتور بدوي في عمارة الحاج محمد فتح الله التي تعتبر مقر إدارة القرية مؤقتا ويعتره الأهالي بمثابة عمدة أو رئيس الوحدة المحلية.
وحكى له علي عن قصة عائلة رضا فتح الله الذي كان من أبناء المدينة وعضوا في الاتحاد الاشتراكي وحصل على قسم كبير من أرض الكفر الغربي التي كانت تابعة للإصلاح الزراعي منذ أكثر من نصف قرن ، ثم ورثها الحاج محمد الذي بدأ حياته موظفا في وزارة الري ثم في مجلس المدينة ثم كان أول شخص يسكن القرية ويبني فيها بيتا وشجع الآخرين على اللحاق به وأنشأ مزارع برتقال وأدخل المرافق تدريجيا إلى المنطقة وله عدد من الأبناء كلهم مهندسون في تخصصات مختلفة ومقيمون معه بالقرية الآن.
وزوج أخته هو المهندس السيد عبد العاطي صاحب ورشة إصلاح الجرارات لكنه ليس مهندسا وإنما هو خريج المعهد الفني للقوات المسلحة وعمل في القوات الجوية ضابط صف ثم ضابط مخلة خمسة وعشرين عاما وأحيل للتقاعد برتبة نقيب وهو يحرص على أن يزين الورشة بصوره العسكرية وكأنه جنرال في الحرب العالمية ، وبسبب اسمه اشتهر عند الأهالي بلقب (عبد العاطي كفتة) نسبة للجهاز الشهير الذي كان يعالج الإيدز وفيروس سي.
تساءل حسن في دهشة : وهل له خبرة حقيقية في إصلاح الجرارات ؟؟ ، أجابه علي بلهجة ساخرة : إنه يفهم في كل شي ، عاد حسن إلى التساؤل : ومن أين اكتسب كل هذه الخبرات ؟؟ ، غمز علي صالح المحامي بعينه وأجابه بلهجة ذات مغزى خاص : لقد كان يعمل في وظيفة مميزة وهامة جدا .. قائد خط الجمبري !!
10 / عاد حسن في المساء ليجد هناء تحكي له بانبهار عن الحاجة سيدة التي جعلت الدور الأرضي كله (مشغل ملابس) يحتوي على ماكينات خياطة وتريكو وصوف حيث قضت معها الوقت كله وشاهدت الفتيات أثناء العمل ، ثم ناولته كرتونة كبيرة هدية منها تحتوي على ملابس داخلية وجلباب بلدي وحذاء فلاحي (بلغة) ومعها رسالة موقعة من الدكتور بدوي مكتوب فيها (راحة الجسم تبدأ من القدمين) وهي جملة كانت مشهورة في إعلان تليفزيوني قديم عن أحد الأحذية الرياضية.
وعندما ارتدى تلك الملابس الواسعة الفضفاضة تذكر ما كان يرتديه أجداده خاصة (اللباس أبو دكة) الذي كان يسمح بالتهوية ولا يضغط على المنطقة مثل البوكسر وأحس براحة كبيرة ، بعد ذلك تناول طعام العشاء المكون من البيض والفول والزبدة والجبنة القريش والعسل والفطير المشلتت وتذكر فيلم (خرج ولم يعد) ، وجلس بعدها مع زوجته في البلكونة المطلة على الملاعب ليشرب الشاي بالنعناع وسط موجات النسيم العليل التي تحرك الأشجار وفي الخلفية صوت صرصور الحقل المميز.
قالت له زوجته في حماس : البلد دي فيها خير كثير وأنا متفقة معاك على إنك تعمل مشروعات هنا .. إيه رأيك في محل حلويات في وسط البلد أو معمل لإنتاج الكتاكيت والبيض أو ممكن تشتري أرض وتعمل فيها مزرعة لتسمين العجول ومصنع لمنتجات الألبان ، تعجب حسن من أفكارها التجارية رغم إنها موظفة وبعيدة عن السوق لكن يبدو أن جينات تجار الذهب حاضرة بقوة في خلايا المخ عندها.
تجاوب معها في الحديث عن المشروعات المستقبلية وراح يستعرض أفكارا مختلفة من عنده مثل منحل للعسل وتربية دود القز لإنتاج الحرير ومزارع سمكية ومصانع لعصير الفواكه وإنتاج العطور وسرجة للطحينة والزيت وغيرها ، وفي النهاية عرضت عليه أن تبيع جزءا من مصوغاتها الذهبية لتشاركه في أحد المشروعات وعندما أبدى دهشته من ذلك قالت له : أبويا كان دايما يقول إن الذهب في حد ذاته ليس له قيمة إلا إذا تحول إلى مصدر لمزيد من الذهب !!
ورغم أنه تاجر إلا أنه كان يسمع هذه العبارة لأول مرة وبدأت فكرة الاستقرار في الكفر الغربي تلعب في رأسه بعد أن كانت مجرد كذبة بيضاء يبرر بها لزوجته هذه الرحلة الغريبة ، وفي اليوم التالي ذهب إلى صلاة الجمعة وهو يفكر في الأمر وساعده على ذلك جو المسجد البسيط البعيد عن الزخارف والتعقيدات والذي أضفى على نفسه قدرا كبيرا من السكون والطمأنينة.
وبعد الصلاة كان على موعد مع علي صالح والدكتور بدوي لحضور حفل افتتاح المكتبة العامة التي تأسست بالجهود الذاتية ، في البداية ألقت مديرة النشاط الصيفي الأستاذة فاطمة كلمة رحبت فيها بالحضور وتكلمت عن قواعد الاشتراك والاستعارة والأفكار المستقبلية للمشروع مثل إقامة معرض للمشغولات المنزلية وأعمال فنية من التراث الشعبي وتكلم الحاج محمد فتح الله عن جهود البناء والتشييد للمكتبة وتحدث الأستاذ حلمي عن أهمية الثقافة ودورها في تنمية الوعي وتربية النشىء وأعلن عن مسابقة لكتابة الأبحاث الأدبية.
وتساءل حسن في نفسه عن جدوى مشروع المكتبة الذي لا يدر مالا ولا ربحا لكن فجأة خطرت على باله فكرة أنه ربما يتاجر في الورق يوما ما أو يصنع قراطيس من الكتب القديمة ولذا قرر الحضور والاستفادة قدر الإمكان خاصة وأن قيمة الورقة البيضاء الفارغة وحدها صارت أكبر من ورقة أخرى ملونة ومطبوعة وهي العملة الورقية نفسها التي يعرفها الناس باسم الجنيه !!
وتذكر حسن عبارة رضوان الشهيرة وهو يحكي قصة مسميات العملة عند عامة الشعب والتجار .. في الستينات كان اسمه الأهيف من رشاقته وهيبته وفي السبعينات أصبح اسمه لحلوح عشان بينجز مع الناس وفي الثمانينات بقا اسمه جندي عشان الناس كانت بتتحامي فيه وفي التسعينات بقا اسمه بلبل عشان بيطير بسرعة وفي الألفينات لما اتدهور بيه الحال بقا اسمه الملطوش لانه شبع تلطيش من باقي العملات وحاليا يبحثون عن اسم يليق ربما كان (المرحوم) !!
11 / بعد الحفل دار بينهم حوار في موضوعات متعددة حيث تساءل حسن عن تمويل مشروعات الجهود الذاتية وهل يشترك فيها كل أبناء القرية وفاجأه الحاج محمد فتح الله قائلا : في حاجات إجبارية زي الصرف الصحي وحاجات اختيارية زي المكتبة.
تكلم علي صالح قائلا : مش قادر أفهم طريقة اختيارات الناس ولا طريقة تفكيرهم حتى الآن من أيام انتخابات 2012 .. هنا عالم بعيد عن السياسة لكن لهم رؤية متفقة مع مصالحهم ووقت اللزوم عندهم إرادة التعبير عنها من خلال صندوق الانتخاب.
وكانت نتيجة الانتخابات البرلمانية والرئاسية وقتها مثيرة للغرابة في الأرياف وظلت صادمة لشباب الثورة وقتها وربما حتى الآن .. كان التصويت في البرلمان كاسحا للإخوان بينما نفس هذه القرى صوتت للمرشح أحمد شفيق بالإجماع رغم أن الفارق الزمني بين النتيجتين هو ستة شهور فقط .
أجابه الشيخ سلامة وفسر هذا التناقض بقوله : شوف يا با الحاج الإعلام بيقول إننا أعطينا صوتنا للإخوان في البرلمان عشان السكر والزيت والدعاية الدينية والإخوان بيقولوا إننا أعطينا أصواتنا لشفيق في الرئاسة عشان احنا فلول وجهلة والإعلام غاسل دماغنا لكن الحقيقة لا دي ولا دي احنا في المرتين كنا قاصدين اللي عملناه وعارفين كويس بنختار ليه.
احنا أعطينا الإخوان في البرلمان عشان ده المجلس اللي بيعبر عن رأي الناس ولازم يكون فيه حد يعارض عشان الحكومة تتفرمل شوية وتبطل تبقى مفترية ، فسأله علي : وليه الإخوان .. في أحزاب معارضة كتير ، فأجاب في بساطة كأنه يحادث شخصا ساذجا وقال : يا با الحاج مفيش أحزاب في مصر دي حاجات في مصر والجرايد بس لكن اللي خبط على بابي تلاتين سنة هم الإخوان بس.
حك علي رأسه محاولا أن يفهم ثم سأل حائرا : طب ليه انتخبتوا شفيق ؟؟ ، تدخل الحاج السيد عبد العاطي في الحوار وقال له : لا يا أستاذ الرياسة موضوع تاني لازم الريس يكون متوافق مع الجيش عشان المركب تمشي الرياسة لا يمكن تسلك مع أي معارضة ولا يمكن تصفالهم ، فقال علي : لكن ده اختيار الناس الحر ، فقال في هدوء : يا أستاذ لو شايف إن اختيار الناس بس كفاية تبقى لا مؤاخذة أنت فهمك محدود في السياسة وعموما هم اختاروا ده ولم يتم إجبارهم عليه.
وتدخل الحاج محمد فتح الله وقال له : يا متر احنا مش بصمجية ولا متخلفين احنا غرضنا نحافظ على بلدنا ، وأشار إلى ساحة القرية وهو يكمل قائلا : شايف .. دي مدرسة وجامع ومحطة صرف صحي وبيت مال للمحتاجين كل ده عاملينه بالجهود الذاتية احنا ملناش بلد تانية ومش حمل معركة تقوم أما هم فريق منهم ممكن يروح قطر والتاني يروح الإمارات.
وأكمل كلامه : يا متر .. احنا مش قابلين وصاية من أي حد .. وقتها حضر هنا الجماعة بتوع الثورة مستمرة وسمعناهم ونفضنالهم لأنهم بيقولوا شعارات مش ماشية مع مزاجنا ولا حياتنا وبعدها حضر الجماعة السنية (يقصد السلفيين) وكلمونا عشان نهدم المقام اللي في الجامع الكبير فقلنا لهم ده مستحيل .. هو الكل ليه عايز يمشينا على هواه احنا أحرار في حياتنا وعيشتنا وديننا وشغلنا.
تكلم الأستاذ حلمي متابعا : يا باشا احنا بنسمع كلام عجيب من بتوع المرأة (يقصد المجلس القومي للمرأة) يقولك المرأة وحقوقها وغيره من الكلام الكبير وهما لا يعرفوا أي شيء عننا .. عندك أنا مثلا أنا ومراتي كنا موظفين الصبح وبعد الظهر أنا بأساعدها في شغل البيت وهي بتساعدني في شغل الغيط حياتنا مستقرة ومش أنا لوحدي احنا فعليا عايشين أحسن من البندر.
قال علي في خفوت : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، أجابه الناظر في قوة : يا باشا أنا متفق معاك لكن احنا تعبنا لغاية ما وصلنا لمستوى معيشة متوازنة ومش مسموح لأي حد يحاول يغير فيها ويكفي إننا بنزرع وننتج بجد ونورد الأكل وغيرنا فالح في الكلام بس يا باشا احنا قاريين وعارفين كل حاجة لأن الكل فاكر نفسه هو الفهيم الوحيد وعامل علينا أبو العريف !!
12 / لاحظ حسن أن الدكتور بدوي لا يشترك في الحوار وأنه يكتفي بالمتابعة والابتسام فتوجه إليه بالسؤال عما إذا كان من الأفضل أن تتم المشروعات الخدمية بالتبرعات الاختيارية أم يتم فرضها على الجميع ، وهنا سكت الجميع ليسمع كلام الدكتور بدوي الذي بدا وكأنه يستعيد ذكرى بعيدة ثم قال :
عندما كنت في أمريكا قمت بزيارة لإحدى قرى ولاية بنسلفانيا والتي تسكنها طائفة مسيحية قليلة العدد تعرف باسم (الآميش) ولهم طريقة حياة معينة منها أنهم يتعاملون فيما بينهم بالمقايضة ولا يتعاملون بالنقود ويعتمدون على إنتاجهم المحلي الزراعي بالأساس ويرفضون استعمال الأجهزة الكهربائية الحديثة مثل السيارات والمصابيح والموبايلات فيستعملون عربات تجرها الجياد ومصابيح تشبه لمبة الجاز القديمة ويكتفون بتليفون أرضي واحد في البلدة ويلتزمون جميعا بذلك بدافع ديني وإن كانت الأمور تغيرت حاليا بالطبع مع الأجيال الجديدة.
ثم اعتدل في جلسته وتابع : وعندما جئت إلى الكفر الغربي وجدت أن الظروف متشابهة لكن ليس بدافع ديني ولكن كان هناك عزلة عن الجوار بحكم الأمر الواقع وتوقعت إن ممكن قرية حديثة التكوين تكتفي ذاتيا من السلع والخدمات بقدرتها على الإنتاج المحلي فقط خاصة إن كل الأهالي شاركوا في مشروعات المرافق زي الكهربا والصرف الصحي ودق الأبيار العمومية ومحطة ترشيح المياه وبرج المحمول.
ثم سكت قليلا وكأنه يتوقع سؤالا استفهاميا من حسن لكنه واصل وكأنه قيل بالفعل وأجاب عنه : لكن كانت في عدة مشكلات أولها إن الناتج المحلي ممكن يكفي الاحتياجات الأساسية من الغذاء فقط وينفق إنفاق محدود على المرافق لكنه لا يغطي بقية الخدمات مثل التعليم والصحة وغيرها خاصة مع الزيادة السكانية وكمان مش كل الأهالي دفعوا في المسجد والمدرسة والمكتبة والسينما والنادي وغيرها من الخدمات لأن بعضهم شايف إنها مهمة حسب مصلحته وبعضهم شايف إنها مش مهمة.
تدخل الحاج محمد فتح الله وأكمل : وكمان المرافق نفسها كانت متوسطة المستوى يعني مثلا برج المحمول كان قديم وبيلقط من أقرب برج بالعافية وبعد مجهودات مع شركات المحمول وكمان الكهربا كلها بماكينات تدور بالجاز والسولار مع قليل من الألواح الشمسية لأن مفيش خط كهربا واصل هنا وبالنسبة للتكاتك اضطرينا نضيف لها مقطورة صغيرة من تصنعينا عشان تنقل البضايع تعويضا عن وجود عربات نقل وهكذا ولما جينا نبحث تأسيس مركز طبي وجدنا التكلفة عالية جدا.
تكلم حسن وقال : فكرة الاكتفاء الذاتي مثالية لكن الواقع إنه ده مرتبط بوقت محدد وبشرط إن الظروف تفضل ثابتة لكن مثلا قلة مياه النيل حرمتنا من زراعة الرز وقبلها مشكلة القطن وفعليا مساحة الأرض لا تغطي القمح والفواكه معا فإذا زرعت قمح أكلت الوجبة الأساسية فقط لكن إنت محتاج معاها سلعة تزود الدخل زي الفواكه.
استمع له الجميع باهتمام وهو يتابع : لا أحد في العالم يمكنه أن يعيش بمنتجاته وحدها لكن الأهم هو إن يكون عنده إنتاج كبير يغطي احتياجاته زي اليابان التي تستورد كل شيء لكن في نفس الوقت تنتج ما يعوضها ويزيد ولا تعيش على القروض ولا المعونات ، واحنا لو اشتغلنا على زيادة إنتاجنا نقدر نوفر تكاليف المركز الطبي ونحسن المرافق وكل الخدمات ولا تكون قائمة على العمل الخيري فقط وكل ده يصب في النهاية لمصلحة الإنتاج وهكذا.
عقب الدكتور بدوي : كلام ممتاز ولاحظ إنك لو ساعدت الأهالي على زيادة إنتاجهم وتنوعه وتوفير فرص عمل لأولادهم سوف يؤدي تلقائيا إلى قدرتهم على المساهمة في مشروعات كانوا عاجزين عن الدفع فيها من قبل أو شايفين إنها ليست أولوية الآن ، لكن الأهم هو إن زيادة الإنتاج تحتاج عقل وموهبة وتخصص لأن قليل جدا من الناس من يملك القدرة على التجارة والاستثمار ، ثم نظر إلى حسن نظرة ذات معنى وفهم حسن أنه هو المقصود بكلامه فأومأ برأسه مبتسما واتخذ في قرارة نفسه أهم قرار في حياته وهو البقاء في الكفر الغربي !!

13 / في صباح اليوم التالي جلس حسن في البلكونة مع زوجته هناء وقال لها ضاحكا : من فين نبدأ يا وزيرة التخطيط ؟؟ ، ردت عليه وقد رتبت لكل شيء وقال : إذا كنت عايز مكسب سريع افتح محل زي كل التجار الأغراب وبيع للناس هنا أي حاجة وهات بضايع من الخارج زي السجاير والموبايلات وأدوات التجميل لكن إذا كنت عايز مكسب كبير ومضمون استثمر في المهارة الإنتاجية للسكان هنا وأولها الإنتاج الزراعي والحيواني وبعدها الإنتاج الصناعي للملابس زي مشغل الحاجة سيدة يعني المفروض تكون رجل أعمال وليس رجل مال.
سكت حسن محاولا استيعاب كلامها الذي أعجبه ودخل مزاجه وسألها : معنى كلامك إننا نبدأ في مجال الفراخ البلدي والبيض لأن البلد مميزة فيها ، ردت عليه قائلة : نعم لكن بشرط إنك لا تنافس إنتاجهم فتقضي عليه ولكن ادخل معاهم شريك واعمل معمل كبير وخصص لكل واحد منهم قسم ينتج منه بدل عشة فوق السطوح ووفر لهم الأعلاف والخدمة البيطرية واشتغل على تسويق منتجاتهم في بقية القرى مقابل الحصول على المشتريات الأساسية لهم.
قال حسن : يعني الاقتراح هو إننا نؤسس جمعية تعاونية إنتاجية ، قالت : أنا شرحت الفكرة العامة لكن طريقة التنفيذ ترجع لك ولهم ونفس الأمر بعد كده ممكن تكراره في بقية الأنشطة وكمان لازم تتفرغ للمشروع وتشوف حد ينوب عنك في إدارة المحل والفرن في الكفر الشرقي ، قال حسن : أنا فعلا اتصلت بابن عمتي رضوان شلبي وعرضت عليه إنه يتولى الإدارة مكاني هناك بدل شغله على التوكتوك ووافق ، ثم ضحك حسن وقال : لكنه اشترط إنه يأخذ مرتبه فلوس وليس بيض زي سكان الكفر الغربي اللي احنا بقينا منهم !!
وفي المساء عرض حسن الفكرة على الأستاذ علي والدكتور بدوي والحاج محمد فتح الله وأعجبتهم الفكرة وبدأوا في البحث عن قطعة أرض مناسبة وطريقة الإعلان عن المشروع وفتح باب الاشتراك وقال الحاج محمد : أحسن قطعة أرض تصلح للمشروع موجودة في أول البلد اللي كنا خصصناها للنقيب عبد العاطي عشان يصلح فيها الجرارات فإذا وافق ممكن نبدأ نجهزها ونبني فيها فورا ، ثم طلبوا عم عبد العاطي كفتة وعرضوا عليه الفكرة ووافق لكن بشرط إنه يكون مساهم في الإدارة ووافق حسن مضطرا حتى لا يتسبب في إحداث مشكلات من البداية.
لكن الطبيعة الحذرة عند حسن جعلته يتساءل في نفسه عن النقيب عبد العاطي كفتة ومدى مهارته الإدارية فهو في الأصل فني ميكانيكا سابق في القوات الجوية ولم يعمل في مجال الإنتاج الحيواني لكنه كتم ذلك واكتفى بالسؤال قائلا : هل ممكن أعرف دور عم عبد العاطي بالتحديد في الإدارة عشان بس نرتب الصلاحيات ولا يحدث أي تضارب في الاختصاصات ؟؟ ، أجابه عبد العاطي مسرعا : طبعا مهمتي هي أهم وظيفة في الإدارة وهي الإشراف على حراسة المشروع يا أفندم.
تنفس حسن الصعداء وشعر بالارتياح لذلك لأن مهمة عبد العاطي سوف تكون خارج المشروع واستمع إليه وهو يقول في حماس : سأسهر على الحراسة بالليل وأحميه بالنهار يا أفندم أنا عندي قوة تحمل غير عادية بص شوف تحت ذقني تلاقي أثر صاروخ مر من تحتها في الحرب وفضلت في مكاني وقتها ولم أترك موقعي ، شعر حسن بالدهشة لوجود أثر صاروخ في الرجل وابتسم الحاضرون لأنهم سمعوا هذه القصة مرارا وتكرارا لكنه عرف بعد ذلك من علي أن عم عبد العاطي لم يحضر الحرب لأنه التحق بالجيش بعدها بسنوات كما أن خدمته كلها كانت في مطارات المنطقة الغربية !!
14 / انتشرت فكرة المشروع في القرية وأبدى الكثير من الأهالي استعدادهم للاشتراك وفي خلال أسبوع كان الحاج محمد فتح الله قد انتهى من أعمال البناء وتشغيل ماكينات الكهربا وسط حماس المشاركين وشعورهم بالتفاؤل ، وفي اليوم المحدد افتتح المشروع وحقق في الأيام الأولى نجاحا كبيرا وارتفعت الروح المعنوية للأهالي بشكل كبير وحقق حسن أرباحا لم يحققها في أي مشروع سابق له وانتعشت محلاته في الكفر الشرقي وامتلأت بمنتجات الكفر الغربي.
وبعد فترة قليلة حضر إليه جماعة من الفلاحين المقيمين بالكفر الغربي وطلبوا منه تأسيس مزرعة لتربية الأبقار ومنتجات الألبان وتكون شركة مساهمة بينهم جميعا لأن قطاعا من السكان لا يعملون في مجال البيض والدجاج وإنما خبرتهم في الإنتاج الحيواني ، ولم تمض أيام قلائل إلا وكانت خطوات البناء تبدأ بجوار معمل البيض وتم توفير الأعلاف ثم شراء العجول الصغيرة وتجهيز المعدات اللازمة لصناعة القشطة والجبنة والزبادي والسمنة البلدي وغيرها من المنتجات.
ومع دوران العمل تشجع قطاع ثالث من السكان وعرضوا تأسيس مزارع سمكية في أرضهم التي تقع بجوار البحيرة وعرف حسن أن عددا منهم له خبرة في هذا المجال فقرر مشاركتهم وبدأ العمل في إنشائها وصارت جاهزة في زمن قياسي ، ثم عرض قطاع رابع من السكان أن يقوموا باستصلاح مساحة من أراضي البراري التي تجاور منازلهم لزراعة نبات عباد الشمس ثم تأسيس مصنع هناك لإنتاج الزيوت.
بعد ذلك ثم قامت جماعة أخرى بتقليدهم وعرضوا تخصيص مساحة من أرضهم لزراعة نبات البنجر وعمل مصنع للسكر وعرض أخرون إمكانية زراعة الكتان وعصر بذورها وإنتاج الخيوط لصناعة النسيج ، وبدأت الأفكار المتعددة تظهر مثل مناحل لصناعة العسل بجوار منطقة الحدائق ومصانع للعصير الطبيعي بجوار مزارع الفواكه ومصانع للعطور في القرية بدلا من تصدير النباتات العطرية كمادة خام وغيرها من المشروعات.
ثم قررت زوجته هناء أن تشارك الحاجة سيدة في تكبير المشغل وتأسيس مصنع صغير لإنتاج الصوف والتريكو والمفارش المنزلية والملابس وقامت ببيع جزء من الذهب الخاص بها وأنفقتها على التجهيز وشراء الآلات اللازمة والتحق بالعمل فيه عدد كبير من السيدات والفتيات ، وفي النهاية قرر حسن أن يمارس مهنته الأصلية فأنشأ محل حلويات وفرن عيش بعدما طلبت منه بعض السيدات أن يشاركوه ويكون الفرن الحديث في خدمتهم بدلا من أفران المنازل البدائية.
وظل حسن يستعمل التكاتك ذات المقطورة لنقل البضائع بين الكفر الشرقي والكفر الغربي لكن بعد فترة زادت حركة النقل بين البلدين وظهرت الحاجة إلى توفير طريق نقل كبير بالإضافة إلى مصدر دائم للكهرباء والإنترنت ، وعرض الأمر على الحاج محمد فتح الله الذي اقتنع بوجهة نظره وأخبره أن الحل الوحيد هو مخاطبة الجهات الحكومية في المركز أو المحافظة لإصلاح الجسر الواقع على النيل بين البلدين مما يسمح بالنقل ومد كابلات لتوصيل الكهرباء العمومية والإنترنت للبلد.
وبعد أيام من هذه المناقشة أخبره الحاج محمد أنه حصل على موعد لمقابلة المحافظ وعرض عليه وعلى الأستاذ علي صالح أن يصحبوه في هذا الاجتماع ووافق حسن على الفور رغبة في إنجاز أعماله ، أما الأستاذ علي فرفض وشكك في إمكانية مساعدتهم من قبل أي مسئول حكومي وقال قولته المشهورة : إحنا بالنسبة لهم منسيين وممكن يفتكرونا في حالة واحدة بس وهيي ساعة الجباية لما يقرروا إنهم يحصلوا مننا فلوس أو يستغلونا لمصالحهم !!
15 / في اليوم المحدد دخل حسن إلى قاعة الاجتماعات الكبرى في مبنى المحافظة لأول مرة في حياته وجلس في المقعد المخصص له بجوار الحاج محمد فتح الله ثم بدأ الضيوف في التوافد حيث حضر أولا بعض الصحفيين ثم عدد من ممثلي الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية في مراكز المحافظة المختلفة ثم عدد من ممثلي الغرف التجارية والنقابات المهنية الفرعية وأخيرا دخل عدد من رجال الأعمال ونواب البرلمان يصحبهم الشيوخ والقساوسة فظهر الاجتماع وكأنه للاحتفال وليس للعمل.
وبدأت الفعاليات بكلمة من السكرتير العام للمحافظة حيث رحب بالحاضرين ثم أعلن عن قدوم معالي الوزير المحافظ الذي دخل وسط التصفيق الحاد وفلاشات عدسات المصورين وخلفه بعض الحرس والموظفين ، وتساءل حسن في نفسه عن كيفية الحصول على الموافقات اللازمة في ظل اجتماع يحضره أكثر من أربعين شخصا يجلسون إلى مائدة اجتماعات كبيرة لا يسمع أخرهم أولهم ثم بدأ الحاضرون في إلقاء الكلمات الرسمية وأعطي لكل شخص خمسة دقائق.
كانت الكلمات كلها جوفاء وليس فيها أي تعبير عن واقع القرى والمراكز وبعضها فيه إطراء للحكومة ونفاق للمسئولين مع شعارات عامة وعبارات تقليدية محفوظة وشعر حسن بخيبة أمل كبيرة لأنه كان يتوقع مناقشات أكثر عمقا حول موضوع الاجتماع والذي كان عنوانه الاستثمار والتنمية المحلية ، وتأمل حسن في الحضور وجميعهم يرتدي البدلة الكاملة والكرافتة وأيقن في نفسه أنه لا أمل يرجى من أصحاب الياقات البيضاء الذين يقولون ولا يعملون.
ثم جاء الدور على الحاج محمد فتح الله فتحدث باختصار من الورقة التي كتبها علي صالح المحامي وذكر فيها تجربة الكفر الغربي في الإنتاج واحتياجهم إلى إصلاح الجسر الذي يربط ضفتي النيل عند القرية لتسهيل حركة النقل خاصة وأن الحكومة الحالية معروفة بمنجزاتها الجبارة في بناء الكباري والطرق في كل شبر من البلد وختمها بدعوة المحافظ لزيارة القرية والاطلاع على التجربة الرائدة التي قامت على فكرة جديدة هي (الاستثمار الإنتاجي التعاوني البناء).
بعد ذلك قام الجميع لتناول وجبة الغداء وأثناء ذلك تكلم حسن مع الحاج محمد وسأله عن موضوع الجسر فأجابه قائلا : أنا قدمت الطلب لسكرتير عام المحافظة قبل الاجتماع وقال إنه لا توجد اعتمادات مالية حاليا لكنه سوف يدرجها في الخطة ويلحقها بموازنة العام القادم ، شعر حسن بالإحباط لكن الحاج محمد واصل قائلا : لكن مضيت منه موافقة على تشغيل معدية على النيل ومد خط كهرباء من شركة الملح والصودا مؤقتا وهي في أطراف المحافظة المجاورة لنا وقريبة مننا.
وفي المساء عاد حسن إلى الكفر الغربي واستقبله علي صالح وهو يقول ضاحكا : إنتو عملتوا ايه هناك .. المواقع الإخبارية كلها كاتبة عن الاجتماع مع المحافظ ، تعجب حسن من كلامه وقال له في إحباط : كان عندك حق إنك ترفض حضور الاجتماع .. يبدو إنك مريت بالتجربة دي قبل كده ، ناوله علي الموبايل وقال له : ههههه طبعا ولا يمكن أحضر التمثيليات .. لكن بص اقرأ موقع المحافظة الرسمي كاتب إيه عن المحافظ.
تناول حسن الموبايل واطلع على المكتوب وكان المانشيت الأساسي بعنوان : (وزير التنمية المحلية يشيد بتجربة السيد المحافظ في الاستثمار الإنتاجي التعاوني البناء) وتحته كافة التفاصيل التي كتبها علي ليلة أمس وألقاها الحاج محمد فتح الله في الاجتماع وقد نقلت بالحرف بما فيها الأخطاء الإملائية والنحوية التي تعمد علي أن يفتعلها على سبيل السخرية ، وأرجع حسن الموبايل وضحك في مرارة وهو يقول : تصدق بالله .. إنت زودت من إحباطي !!
16 / تجاوز حسن شعور الإحباط سريعا واقتنع بالمثل العربي الذي يقول (ما لا يدرك كله لا يترك جله) ففي خلال أيام تم مد خط كهرباء دائم من شركة الملح والصودا وصناعة معدية كبيرة سهلت نقل البضائع إلى الضفة الشرقية من النيل ، وبعد ثلاثة أسابيع توفر عند حسن التكلفة اللازمة لبناء وتجهيز المركز الطبي فأسرع إلى الدكتور بدوي يبشره بذلك وأنه الآن صار قريبا من تحقيق حلمه بتقديم خدمة طبية متميزة لأهالي الكفر الغربي.
سأله الدكتور بدوي أولا : قبل ده أخبار صحتك إيه ؟؟ ، أجاب حسن ضاحكا : الحمد لله تحسنت للأفضل على كافة المستويات وبقيت عشرة على عشرة وميت فل وأربعتاشر وقوة أربعة وستين حصان رغم إن مجهودي في العمل الآن أكثر من زمان لكن يبدو إن الجو الصحي فرق أو ربما الحالة المعنوية وإحساسي بالنجاح والعمل في بيئة مساعدة ومشجعة ، ضحك الدكتور بدوي وقال : كويس إني اطمنت عليك وتأكدت من دقة تشخيصي الحالة.
ثم أكمل حديثه قائلا : الفترة الأخيرة حققت القرية نجاح جيد جدا في مجال الإنتاج لأنها الآن على أول الطريق الصحيح لكن قبل أي خطوة قادمة يجب إن احنا ننظم نفسنا ونضع قواعد عامة وبناء عليه يجب إنشاء أربع لجان أساسية .. الأولى هي لجنة الإنتاج برئاستك ومعاك كل المشاركين في المشروعات زي الحاجة سيدة وعم عبد العاطي وغيرهم والثانية هي لجنة الإدارة ومهمتها فض المنازعات وإنفاذ القانون برئاسة الأستاذ علي صالح ومعاه مجموعة من المساعدين ويشترط إنهم يتفرغوا للمهمة دي بس مقابل مرتب ولا يكون أي واحد منهم من أصحاب المشروعات لعدم تضارب المصالح فلا يعقل أن يكون المدير هو الخصم والحكم.
ثم سكت قليلا وتابع : اللجنة الثالثة خاصة بالمرافق برئاسة الحاج محمد فتح الله والمهندسين المعاونين له في مختلف التخصصات للإشراف على مهام الإسكان والطاقة والري والنقل والاتصالات وأخيرا لجنة الخدمات برئاستي للإشراف على الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والشباب والرياضة والثقافة وكل ده يجب أن يعرض على الأهالي كل يوم جمعة بعد الصلاة لأن مهمتنا قائمة على رعاية مصالح الناس ولازم يكونوا موافقين على تمويل المركز الطبي وهل سيكون مجانيا أم بمقابل رمزي وهل سيكون الاشتراك فيه إجباري أم اختياري ونفس الشيء ينطبق على قناعتهم بأهمية التعليم والإنفاق على مستلزماته.
عرضت الفكرة على أهالي الكفر الغربي بعد صلاة الجمعة ونالت استحسان الجميع وموافقتهم وتم بالفعل إنشاء اللجان الأربعة وتحديد مهامها ومسئولياتها وكيفية تقييم أعمالها ومحاسبة القائمين عليها ، وفي الأيام التالية دارت عجلة الإنتاج بصورة فاقت المتوقع وتم إنشاء مصنع لإنتاج الملح من الملاحات المجاورة للبحيرة ومصنع للطوب من محاجر الجبل الغربي المتاخم للقرية وإنشاء مراعي للأغنام في منطقة البراري بالإضافة إلى استغلال الأراضي البور وزراعتها باستعمال مياه البحر المالحة لزراعة أنواع مناسبة من الأشجار ثم استغلالها بعد ذلك في صناعة الأخشاب.
واقترح الحاج محمد فتح الله إنشاء مصنع لتدوير القمامة بدلا من إلقائها في المصرف العمومي واستغلالها في صناعة الورق والمنتجات البلاستيكية والمعدنية وتم الانتهاء من ذلك في زمن قياسي ، أما منطقة المصرف بعد التنظيف فقد تحولت إلى متنزه سياحي يضم مرسى على النيل مما سمح باستقبال المراكب من القرى الأخرى لقضاء الأعياد وشم النسيم وغيره من المناسبات في أجواء جيدة ، أما التغيير الأكبر في القرية فكان التخلي تماما عن العملة المحلية واستبدالها على نطاق واسع بالعملة الجديدة المرتبطة بالنجاحات المتعددة وهي (كرتونة البيض) !!
ثم بدأت أخبار الكفر الغربي ونجاحاته المتعددة تنتشر في القرى المجاورة خاصة بعد أن قامت الأستاذة فاطمة بتأسيس صفحة على الفيس بوك تعلن فيها عن النشاطات المختلفة مصحوبة بالصور والفيديوهات خاصة احتفالات افتتاح المركز الطبي ووضع حجر الأساس لمشروع مصنع الورق ، لكن ظل موضوع استعمال البيض بدلا من العملة مجالا للتندر والسخرية وبدأت القرية تعرف على السوشيال ميديا باسم (كفر البيض) مع تعليقات طريفة من أبناء المركز والبندر في المحافظة والمحافظات المجاورة وخلال أسابيع معدودة تحولت القرية إلى ترند يشبه جروب شكاوي أهالي قاع الهامور وبدأت تتردد أخبارها وتشتهر في العاصمة وسائر المحافظات.
17 / في مساء إحدى الليالي فوجئ الأستاذ على صالح المحامي بأخر شخص كان يتوقع رؤيته بعد القطيعة كل هذه السنين إذ دخل عليه في مكتبه زوجته السابقة والمذيعة اللامعة حاليا أحلام أبو شهبة وقد تحملت عناء رحلة شاقة من العاصمة إلى الكفر الغربي ، جلست على أقرب مقعد صادفها وهي تضحك وتقول : كنت عارفة إن الأفكار الغربية دي لا يمكن تكون طالعة إلا من مخ لاسع زي مخك !!
ضحك علي رغما عنه ولم يتمكن من تحديد مشاعره بوضوح لأن هذه المرأة الجالسة أمامه الآن مختلفة تماما عما كانت عليه وهي فتاة شابة يافعة من عشرين عاما عندما تعرف عليه لأول مرة وأحبها وارتبط بها ، وفي ثوان معدودة كانت ذاكرته تستحضر مشاهد فلاش باك متنوعة من الماضي البعيد .. فقد كانت أحلام في أول أمرها ناشطة إسلامية محجبة ثم عضوة في حركات التغيير الشبابية في مطلع الألفية ثم واحدة من رموز ثورة يناير والداعين لها ثم عضوة في تجمعات شباب الثورة وفي تلك الفترة تم الزواج بينهما.
وبعد سنة واحدة اكتشف علي طموحها بعيد المدى للشهرة والثراء على حساب أي شيء وحاول التمسك بها إلا أنها كانت تسابق الزمن للوصول إلى ما تريد ثم حدث الانفصال بينهما بعد الثلاثين من يونيو حيث كانت من قادة حركة تمرد ثم خلعت الحجاب وتحولت إلى ناشطة نسوية وتأرجحت بين اليسار والليبرالية ثم تزوجت مرتين زيجات فاشلة من رجل أعمال ثم من أحد كبار المسؤولين وظهرت عليها آثار الثراء وامتلكت فيللا فاخرة في أحد الكومباوندات الراقية جدا وسيارة أحدث موديل ثم صارت مذيعة بإحدى القنوات الفضائية الخاصة رغم أنها حاصلة على مؤهل متوسط ثم أخيرا ركبت الموجة وصارت من دعاة الكيميتية رغم أن عائلتها تنتمي لقبيلة عربية معروفة في الصعيد قدمت من ليبيا في العصر الخديوي.
تأملها علي بهيئتها الجديدة حيث الشعر الأشقر وعدسات العين الملونة وآثار عمليات التجميل الواضحة في الوجه والجسد وهي تضحك ضحكة مصطنعة وتقول : اسمح لي أنال شرف السبق الصحفي وتوافق تعمل معايا حوار صحفي مصور ، دار في مخيلته مسار علاقته بها في الماضي عندما كان يطلق عليها أحيانا على سبيل المزاح لقب (كوابيس) بدلا من اسمها (أحلام) لكنه تجاوز ذلك سريعا وطلب لها وجبة عشاء من منتجات الكفر الغربي وأصر على تكون مكوناتها ظاهرة أمام الكاميرا ثم تحدث بكلمات موجزة عن الموضوع ولم ينس أن يذكر اهتمام المحافظ بالفكرة في لهجة ساخرة ثم استعاد روحه الثورية وبدأ (يخبط في الحلل) !!
قال مخاطبا الكاميرا : هدفنا هو أن تقوم كل مؤسسة بدورها الأصلي لأن الحقيقة أن الجميع يعمل في غير تخصصه بما في ذلك كل المؤسسات الحكومية ، لماذا لا نتعجب من قيام مستشفى جامعي عريق بعمل إعلان مدفوع الأجر في الفضائيات يطلب فيها تبرعات لشراء أجهزة حيوية في أقسام الطوارىء ، بينما الجمعيات الأهلية منشغلة بدعم الحملات الانتخابية الرئاسية والأحزاب السياسية تنظم مسابقات في تحفيظ القرآن ودورات في الشطرنج ، والأندية الرياضية تحولت إلى شركات عابرة للقارات.
لماذا لا نتعجب من وجود منافذ لوزارة الدفاع تبيع اللحوم والمواد الغذائية والجمبري بينما تنظم وزارة الداخلية الحج والعمرة ، والأزهر والكنيسة هي مؤسسات دينية لكنها حاضرة في المشهد السياسي حتى اليوم وشيوخ الطرق الصوفية المفترض فيهم الزهد والبعد عن الدنيا يحتلون المواقع المتقدمة في الأحزاب والبرلمان بينما أعضاء البرلمان غير متاح لهم الرقابة والتشريع ويقوم كل منهم في دائرته بوظيفة المجلس المحلي من رصف الطرق وإصلاح المجاري ، والحكومة نفسها كانت تشتري الدولار من السوق السوداء ، والجامعات تحولت إلى مدارس ثانوي وتم عزلها عن أي مشاركة في العمل العام.
والنقابات المهنية فقدت دورها وتحولت إلى مقاهي وانحدرت لدرجة أن إحدى النقابات المفترض فيها استقلالية الرأي قد عجزت عن نشر نعي وعزاء محترم لأحد كوادرها والذي توفي في المعتقل وذلك بسبب الخوف من أجهزة الأمن ونفاق بعض أعضاء مجلسها ، ألم تر كيف صار اتحاد القبائل العربية هو الترند الأكبر في كل الصفحات وظهرت علامات الدهشة والتعجب والاستنكار من وجود مؤسسة تحمل هذا الاسم وتقوم بدور سياسي علني وهو أمر متماشي مع الفوضى الحالية وتوظيف في غير محله أثار التخوف من العودة للفكرة القبلية وتحولها إلى ميليشيات بدلا من تحولها لكيانات اجتماعية فاعلة لرعاية أبنائها تحت إشراف وزارة التضامن التي تنشغل بأمور سياسية بعيدة عن دورها الاجتماعي الأصلي !!
18 / أذيع الحوار الصحفي للأستاذ علي صالح المحامي وأحدث دويا واسعا ، ولم يكن ذلك بسبب انتقاداته للمؤسسات ولا إنجازهم كل ما فعلوه بالجهود الذاتية وإنما بسبب السخرية المستمرة في حواره من العملة المحلية واستبدالها بالتعامل عن طريق كراتين البيض خاصة وأن الحوار قد أذيع في نفس الليلة التي صدر فيها قرار تعويم جديد وصل فيه سعر الدولار إلى أرقام فلكية وصارت قيمة الجنيه أقل من (سنت).
وفي الاجتماع الأسبوعي عقب صلاة الجمعة تباينت الآراء حيث كان من رأي حسن أن الشهرة التي نالتها قرية الكفر الغربي سوف تلفت الأنظار لها وتجبر الحكومة على الاهتمام بها واعتبارها نموذجا ناجحا بينما كان رأي الحاج محمد فتح الله مختلفا وقال : إنت راجل طيب .. النموذج الناجح مكروه من الحكومة لأنه يؤكد فشلها وممكن يغضبهم ويدفعهم للانتقام مننا بكل وسيلة أو على الأقل تبدأ التدخل في شئوننا وتفسد كل ما فعلناه وترجعنا لحالة بقية القرى المجاورة بل ربما يتم التعامل معنا مثل تعاملهم مع جزيرة الوراق ويطردونا من بلدنا ويبيعوها للأجانب.
تكلم علي ودافع عما حدث وقال : إن عاجلا أو آجلا كانت مسألة الكفر الغربي في طريقها للانتشار وعلى رأي المثل (اللي يزمر ميخبيش دقنه) ، وأيده الدكتور بدوي في ذلك وقال : الأوضاع الاقتصادية الحالية دفعت الحكومة للبحث عن أي مصدر للجباية أو أي أرض للبيع لأنهم محتاجين عملة صعبة بأي طريقة ، ثم شرح ذلك وذكر أمثلة من القرى المحيطة وأكد أن الدور كان قادما عليهم لا محالة وربما كان المنقذ الوحيد للقرية هو تحولها إلى قضية رأي عام وتحقيقها لهذه الإنجازات وأكد أن انتشار أخبارها في الفيسبوك أمر جيد لأن السوشيال ميديا تصيب الحكومة بالرعب وتجعلها تتحسس مواضع قدمها.
تكلم الشيخ سلامة وقال : يجب أن نتوقع جميع الاحتمالات ونرتب أوضاعنا على ذلك والخطوة الأولى هي شرح الظروف الحالية بكل وضوح لكل أهالي القرية وهو دورنا جميعا ، وافقه الجميع على ذلك وانفض الاجتماع وكتبت الأستاذة فاطمة ملخصا بذلك على الصفحة الرسمية للقرية على الفيسبوك وشرحت فيها كافة الاحتمالات وأظهرت التعليقات حالة مرتفعة من الوعي لدى الأهالي واستعداهم لكافة المشكلات المتوقعة وإصرارهم على التمسك بمشروعاتهم وإنجازاتهم وعملتهم الجديدة (كرتونة البيض).
وفي صباح السبت فوجئ أهالي الكفر الغربي بعدد من التكاتك الغريبة تدخل إلى الميدان الكبير في القرية وتحمل عددا من الموظفين من المركز ومعهم ماكينة صراف آلي صغيرة قاموا بتثبيت قواعدها فوق أحد الأرصفة ثم وقف أمامها عدد من المصورين والتقطوا لها صورا عديدة من زوايا مختلفة ومنها صور لبعض هؤلاء الموظفين وهم يقفون أمام الماكينة وكأنهم يسحبون منها الأموال رغم أنها لا تعمل بسبب عدم توصيل التيار الكهربائي لها.
وبعد انصرافهم اقترب حسن من الماكينة وعرفها على الفور لأنها كانت موجودة في الكفر الشرقي وهي التي سحبت أمواله وابتلعتها وكانت قبل ذلك في المركز وقبلها في مدينة كبرى لأنهم يضعون الماكينات الجديدة في العاصمة ويوزعون الماكينات القديمة على المحافظات ، وبدأ الأهالي في التساؤل عما إذا كان ذلك علامة على اهتمام الحكومة بالقرية وبداية الالتفات إليها ودعمها أم أن الأمر لا يعدو أن يكون خطوة من خطوات (الصب في المصلحة) !!
وفي المساء عرضت القنوات الفضائية كلها خبرا من سكريبت موحد مصحوبا بالصور والفيديوهات وتناقلته اللجان الإلكترونية التابعة للحكومة على السوشيال ميديا نصه كالتالي : وزارة التنمية المحلية تؤكد أنه لا صحة لوجود قرية تتعامل بكراتين البيض بدلا من العملة المحلية وأن الأمر لا يعدو أن يكون مزحة تناقلها رواد الفيسبوك وتحولت إلى إشاعة مغرضة من أهل الشر وأعداء الوطن للتشكيك في الإنجازات الجبارة للحكومة وبث روح السلبية في المواطنين ودعوتهم للتذمر والشكوى وتهيب الوزارة بالجميع التيقن من المعلومات من المصادر الرسمية وعدم الانجرار خلف الدعوات المغرضة والأفكار الهدامة !!

19 / توالت الأحداث عاصفة اعتبارا من صباح يوم الأحد التالي حيث حضر موظف من المحافظة وقابل الأستاذ علي صالح المحامي وسلمه القرار الرسمي من وزارة التنمية المحلية بإنشاء وحدة محلية لقرية الكفر الغربي وتعيين رئيس مؤقت لها هو النقيب السيد عبد العاطي المعروف بلقب (عبد العاطي كفتة) وتشكيل مجلس قروي معاون له يختارهم هو بمعرفته ، وعلى الفور قام علي بإبلاغ الأهالي عن طريق الصفحة الرسمية للقرية على الفيسبوك وتصاعدت نبرة الرفض من قبل الأهالي من خلال التعليقات.
وفي المساء استقبل الدكتور بدوي في المركز الطبي ثلاثة من الموظفين الحكوميين القادمين من المركز أحدهم طبيب من مكتب الصحة والثاني من مصلحة الضرائب والثالث من الدفاع المدني وكان مستعدا لذلك ، طلبوا منه تراخيص المركز الطبي وكانت كلها مستوفاة مما دعا موظف مكتب الصحة أن يقول : لا يوجد عندي خبر من إدارة العلاج الحر بأنه تم منح الترخيص بالعمل ، أجابه الدكتور بدوي في نبرة تحد واستفزاز : لأنكم يا دكتور حكومة فاشلة ونظامها الإداري متخلف وكل مؤسسة عبارة عن جزيرة منعزلة عن بقية المؤسسات .. روح شوف الخلل اللي عندكم وبعدها إبقى تعالى فتش عندنا.
اطلع موظف الدفاع المدني على التراخيص الخاصة به وكانت سليمة فالتزم الصمت بينما تحدث مندوب مصلحة الضرائب وقال : أعتقد لازم نحسب الضرائب المستحقة على المنشأة من تاريخ مباشرتها للعمل ، ضحك الدكتور بدوي وناوله مزيدا من الأوراق وقال : المنشأة تابعة لجمعية خيرية مشهرة رسميا في وزارة التضامن الاجتماعي ومعفاة من الضرائب طبقا للقانون لكن طبعا لا يوجد عندك علم لنفس لأنك جهة جباية مهمتها جمع المال من الناس دون مقابل .. يا حضرة الموظف المحترم الضرائب في كل دول العالم يتم جمعها للإنفاق على مصالح الناس .. تقدر تقولي إمتى آخر مرة الحكومة تذكرت قرية الكفر الغربي أو خصصت لها أي ميزانية .. الآن فقط ظهرت القرية في سجلاتكم.
قال الموظف في لامبالاة : أنا موظف صغير ولي مهمة محددة ولست من المسئولين ، ضحك الدكتور بدوي مرة أخرى وقال : تمام وليس لك مهمة هنا لكن أنا لا أوافق أن ترجع خائبا دون تحصيل أي شيء .. يمكنك محاسبتي ضريبيا على دخل عيادتي الخاصة خلال الفترة الماضية لكن لن أسلمك قيمة الضرائب نقودا ولن أدفعها في المصلحة .. حضرتك سوف تستلم مني الحصيلة الضريبية في صورة (كراتين بيض) وهي العملة الرسمية في قريتنا ، شعر الموظف أن الدكتور بدوي يستهزأ به وأحس الآخران بسخافة الموقف فأثروا السلامة جميعا وانصرفوا.
بعدها تم استدعاء النقيب عبد العاطي لمقابلة المحافظ في صباح اليوم التالي فذهب مصطحبا معه الحاج محمد فتح الله الذي وافق على أن يكون عضوا في المجلس القروي المعين هو والأستاذ حلمي ، وعند عودتهم من الاجتماع قابلهم حسن عند أول البلدة وسألهم عما حدث هناك فأجابه النقيب عبد العاطي وهو منشكح وعلى وجهه ابتسامة عريضة : فتحة خير يا حسن بيه .. المحافظ وافق على ضم الكفر الغربي للخطة الاستثمارية للمحافظة ووافق على تصليح الجسر الكبير ، أما الحاج محمد فكان صامتا وعلى وجهه علامات الوجوم الشديد.
ودون أن يسأله حسن عن سبب ذلك تكلم الحاج محمد ببطء وقال في نبرة مكتئبة : المحافظ عايز يهدم معمل البيض ويبني مكانها محلات تجارية لأحدث البرندات المستوردة في كل المجالات ومعاها مول كبير يضم منطقة مطاعم فاست فوود على الطريقة الحديثة وعايز يعمل إزالة للمنتزه اللي عملناه على أرض المصرف ويخصص أرضها لمستثمر أجنبي عنده استعداد يدفع فيها ملايين وقرر إلغاء نشاط المزارع السمكية لأن جهة سيادية في الدولة عاملة نفس المشروع على بعد عشرة كيلو في الناحية الثانية من البحيرة وأصدر قرار إداري بوقف العمل في محاجر الجبل الغربي بحجة إنها خطر على البيئة !!
20 / وفي مساء يوم الإثنين جاءت مجموعة من التكاتك الغريبة وفيها عدد من الموظفين من وزارة الكهرباء ووزارة الري ووزارة الإسكان وتوجهوا من فورهم إلى ورشة عم عبد العاطي بصفته رئيس المجلس القروي وتحدث أحدهم إليه قائلا : عندنا تعليمات بعمل محاضر للإشغالات غير القانونية .. كل شيء هنا مخالف من أول الألواح الشمسية ومحطة الصرف الصحي وماكينات الري لغاية برج المحمول ومصنع تدوير القمامة .. لازم الحصول على موافقة وزارة البيئة والجهات المختصة ودفع الرسوم المقررة.
خرج الحاج محمد فتح الله وأولاده غاضبين عندما سمعوا حديث الموظفين وتعجب حسن من رد فعل الحاج محمد هذه المرة لأنه معروف بالهدوء ورزانة العقل بالإضافة إلى أنه رجل دولجي من حزب الكنبة ومؤيد للحكومة على طول الخط ولا يحمل أفكارا إصلاحية غريبة مثل الدكتور بدوي ولا هو ثائر حالم مثل علي صالح المحامي وكان دائما يبرر للدولة تقصيرها ويلتمس لها الأعذار ويجتهد في العمل بالجهود الذاتية لتعويض دور الحكومة الغائب في تسليم ورضا بالأمر الواقع.
انفعل الحاج محمد على الموظفين وهو يقول صائحا : إيه مشكلة الألواح الشمسية .. دي حاجة أنا عملتها وركبتها على سطح بيتي .. فين الإشغال هنا وفين الإضرار بالبيئة دي أكثر طريقة نظيفة وأمان لتوليد الطاقة .. ممكن أفهم ؟؟ ، كانت لهجته متحفزة فرد عليه الموظف بنبرة متحدية وقال : لا .. إنت مش حر في بيتك وفي موافقات ورسوم للألواح الشمسية .. إنت عملت إشغالات في القرية على مزاجك كأن مفيش حكومة ولا وزارات ولا إدارة محلية.
زاد انفعال الحاج محمد وصاح في وجه الموظف : ما هو فعلا مفيش لا حكومة ولا وزارات ولا محليات .. هو ده الواقع بالنسبة لنا .. كنتم فين كل السنين اللي فاتت لما كنا مش لاقيين مية الشرب ولا عارفين نعيش .. دلوقتي بس جايين عايزين تقوموا بدوركم .. لن أسمح بإزالة أي شيء وأعلى ما في خيلكم اركبوه ، رد عليه الموظف بالسباب وكاد يحدث بينهما اشتباك بالأيدي لولا تدخل الحاضرين لتهدئة الطرفين لكن الصوت العالي جذب مزيدا من الأهالي فشعر الموظفون بالخوف وكتبوا المحاضر على عجل ثم غادروا القرية سريعا.
وفي صباح يوم الثلاثاء حضر إلى القرية موظف كبير من فرع البنك القومي في المحافظة وطلب مقابلة حسن والذي استقبله في مكتبه بترحاب لكن مع الحذر واستمع إليه وهو يقول بابتسامة لزجة : عندي لك عروض تمويل ممتازة لمشروعاتك يا حسن بيه .. الحقيقة أفكارك في القرية هنا جريئة ومبدعة ، ثم بدأ يعرض عليه تسهيلات ائتمانية متنوعة من أول القروض الضخمة ذات الفوائد المنخفضة وحتى قيام البنك بالمشاركة في تنفيذ المشروعات الحالية والمستقبلية وألمح بشكل غير مباشر أن العمل مع البنك مضمون لأنه الممول الأكبر لكافة مشروعات الأجهزة السيادية في الدولة.
استمع حسن في صبر إلى حديثه الذي استمر نصف ساعة متواصلة ختمها بقوله : إيه رأيك يا حسن بيه .. تحب نبدأ بأي مشروع ؟؟ ، ابتسم حسن وتحدث بنبرة ساخرة وقال : أحب الأول إن البنك يرجع لي مبلغ عشرين ألف جنيه كنت عملت لها إيداع في ماكينة الصراف الآلي اللي بلعتها ولم تظهر في رصيدي حتى الآن رغم مرور شهور عديدة ، ثم حكى له عن الموقف الذي تعرض له وألمح له بلطافة أنهم بنك متخلف وليس لديهم ثقافة خدمة العملاء ولا عندهم إتقان للتكنولوجيا الحديثة الموجودة في كل بلاد العالم.
شعر الموظف أن حسن يتلاعب به فتغيرت نبرته إلى الغضب المكتوم وقال له : يا حسن بيه أنا عاوز أنصحك نصيحة .. من الأفضل لك أن تكون شريك للبنك في مشروعاتك الموجودة داخل الكفر الغربي وخارجه لأن أي رجل أعمال ناجح يجب أن يبحث عن الحماية من تقلبات السوق ومن أي ضغوط سياسية ، أجابه حسن بابتسامة ساخرة ولهجة عابثة : أفهم إنك الآن تقوم بتهديدي وإلا أنا فاهم غلط ؟؟ ، وقف الموظف واستعد للمغادرة وهو يقول : أعتقد الكلام بيننا انتهى لكن تذكر إني حذرتك وعرضت عليك فرصة عمرك ، أشار حسن نحو الباب في إشارة إلى نهاية الزيارة وقال في قوة : فرصة عمري وجدتها هنا وعرفت طريقي الصحيح !!
21 / سرت في القرية أخبار ما حدث بين حسن وموظف البنك وأدرك الأهالي أنهم مقبلون على أيام عصيبة وتوقعوا قدوم المزيد من الموظفين من جهات حكومية مختلفة لإحداث المزيد من تنغيص عيشهم وكركبة حياتهم وبدأت الاستعدادت لذلك ، وفي مغرب يوم الثلاثاء قام الحاج محمد فتح الله بإطفاء الأنوار عن شوارع القرية ومدخلها الوحيد والميدان الرئيسي فيها وتم وقف حركة جميع التكاتك طبق الخطة الموضوعة وإغلاق جميع المحلات التجارية.
وفي تمام العاشرة مساءا دخل إلى القرية عدد من التكاتك وقفت أمام ورشة عبد العاطي كفتة ونزل منها عدد من جنود الأمن المركزي ومعهم عدد من الضباط يرتدون الملابس المدنية وتقدم أكبرهم رتبة وخاطب عبد العاطي بعنجهية واستعلاء قائلا : أنا الرائد علاء عادل من الأمن الوطني ، أجابه عبد العاطي دون أن يقوم من مجلسه وقد تحفز وأخذته الحمية العسكرية التي يكره فيها إن أي ضابط (يتنطط) على الآخرين وقال : وأنا النقيب السيد عبد العاطي ضابط سابق بالقوات الجوية ورئيس المجلس القروي للكفر الغربي حاليا .. خير يا أفندم.
كانت لهجة عبد العاطي متحدية وشعر الرائد علاء أن موقفه سيكون في حرج إذا دخل في نقاش مع ضابط قديم متمرس فقال له في لهجة عملية : عاوزين الدكتور بدوي السعيد .. مطلوب القبض عليه ، أشار عبد العاطي بيده إلى أعلى في غير اكتراث وقال : عيادته في الدور الأول لكن مش عارف هو موجود فيها وإلا خرج ، تركه علاء واتجه مع القوة إلى باب البناية واقتحمه صاعدا السلم وتقدمه أحد المخبرين يحمل كشافا يدويا ودخل من باب العيادة المفتوح واقتحم غرفة الكشف حيث كان الدكتور بدوي يجلس على مكتبه وسط إضاءة خافتة فتوجه المخبرون إليه وهم يصيحون : أهو هنا أهوه إمسكوه.
طلب الرائد علاء من الدكتور بدوي إثبات شخصيته فاطلع عليه ثم وضعه في جيبه وطلب منه النزول معه فاستجاب له دون مقاومة ودون أن يسأل عن سبب القبض عليه ، وعند بوابة البناية خرج الدكتور بدوي وهو يرتدي ملابسه الطبية (سكراب العمليات الأزرق) وقد قيدت يداه في الكلابشات ، وفجأة سطعت الأنوار في الميدان من مصادر متعددة جعلت الليل نهارا ومنها كشاف عملاق أضاء من فوق مأذنة المسجد وتركز نوره على الضباط والقوة المصاحبة لهم مع عشرات الفلاشات التي التمعت في وقت واحد من جهات عدة وانطلق صوت الشيخ سلامة مجلجلا من ميكرفون المسجد ينادي : الصلاة على الأموات يرحمكم الله .. الصلاة على الأموات يرحمكم الله.
أعقب ذلك فورا طوفان بشري من الأهالي خرجوا من كل الشوارع والحارات الجانبية رجالا ونساءا وعلى رأسهم علي صالح المحامي الذي اتجه إلى الرائد علاء في شجاعة وثبات وأجبره على التراجع للخلف وهو يحاول أن يتظاهر بالثبات وقال : في إيه .. في إيه ، قال له علي في صوت قوي : إنت اللي في إيه .. بأي حق تقبض على الدكتور .. معاك إذن من النيابة ؟؟ ، أجابه علاء في توتر وقد بدأ يشعر بخطورة الوضع : إنت عارف معنى اللي بيحصل ده إيه .. عارف عقوبة مقاومة السلطات .. دي مسألة أمن دولة وتخضع لقانون الطوارئ والدكتور متهم بالانضمام لجماعة إرهابية وصدر له أمر اعتقال.
تزايدت أعداد الأهالي وارتفع صوت علي صالح وهو يقول : فين أمر الاعتقال ده وصادر من مين ، أجابه علاء في تلعثم : أمر الاعتقال شفوي ، ثم ارتفع صوته أمرا القوة : خدوه على التوكتوك وأي شخص يفكر في المقاومة أو الاحتكاك بالعساكر سيتم اعتقاله فورا ، خاطبه علي ساخرا : مش مكسوف من نفسك وإنت جاي راكب توكتوك عشان حكومتك الفاشلة مهملة وسايبة بلدنا من غير طريق آدمي محترم ، نظر إليه علاء نظرة حادة متوعدة ثم ركب التوكتوك وأشار للعسكري بالتحرك لكن المفاجأة أن التكاتك سارت مسافة قصيرة جدا ثم تتابعت أصوات انفجار عجلاتها جميعا ثم توقفت عن الحركة تماما !!
22 / حاول الجنود تشغيل التكاتك التي تحمل الضباط والقوة والدكتور بدوي المقبوض عليه لكن بعد محاولات عدة فشلت جميعا في التحرك فقد انفجرت جميع الإطارات بفعل مسامير مثلثة كبيرة الحجم ألقيت على الطريق لأنها جميعا من نوع الشامبر الذي يحتوي على أنبوب داخلي وليس تيوبلس ، ونزل الرائد علاء وهو يصرخ من الغيظ في وجه علي صالح ويقول : إنت عارف ده معناه إيه ، هز علي كتفيه وأجابه قائلا : وأنا مالي .. أنا كنت واقف أتكلم معاك .. الطريق هو اللي زبالة وطلبنا كذا مرة من المحافظة تصلح الجسر والطريق الرئيسي .. روح بقى اركب المحافظ.
ثم أشار علي للأهالي المتجمعين بالانصراف فبدأوا بالتراجع تدريجيا حتى خلا الميدان وجلس علي صالح مع بعض الأهالي على المقهى ووضع ساقا فوق ساق وطلب شيشة وراح يراقب ما يحدث حيث اتجه الرائد علاء وهو يستشيط غضبا إلى النقيب عبد العاطي الجالس أمام ورشة إصلاح الجرارات وقال له بلهجة آمرة : شوف لنا حل في التكاتك عايزين نمشي من هنا فورا ، نظر له عم عبد العاطي وقال دون اكتراث : يا أفندم دي ورشة جرارات مش تكاتك وعموما هات لي عجل وأنا أحاول أركبه.
لأول مرة يتعرض الرائد علاء لهذا الموقف فقد اعتاد على مهاجمة البيوت واعتقال من يريد في دقائق والتحرك بالسيارات وسط خوف الناس لكن في هذه الليلة شعر أن أهالي هذه القرية لا يخافون منه فأضاف ذلك إليه مزيدا من التوتر ، ابتعد قليلا وأخرج تليفونه المحمول وراح يحاول الاتصال بأحد أعوانه في المكتب لكن دون جدوى فلا توجد إشارة وسمع عبد العاطي يناديه ويقول له : البلد هنا خارج تغطية شبكات الموبايل وكان عندنا برج محمول لكن عملوا لنا محضر إشغالات واتعطل.
التفت إليه علاء في حدة وقال : يعني إيه .. لازم تشوف حل .. ابحث لنا عن تكاتك من داخل البلد .. مش إنت المسئول ، قام النقيب عبد العاطي لأول مرة وواجهه قائلا : يا أفندم أنا رئيس مجلس قروي ولسة متعين الأسبوع ده .. أما التكاتك والطرق فهي مسئولية الداخلية ولا يوجد عندنا نقطة شرطة في القرية وغالبية التكاتك من الكفر الشرقي ومع المغرب بتروح هناك .. أحسن حاجة تبعت حد من العساكر يمشي لغاية أول الطريق ويوقف أي توكتوك من هناك.
أصدر الرائد علاء أمره إلى أحد معاونيه بالذهاب مشيا إلى أول الطريق وراح يكرر محاولاته الاتصال بالموبايل لكن لا يوجد اتصال ولا إنترنت وبعد دقائق معدودة عاد العسكري وأخبره أن الطريق مسدود بعدد من الجرارات الزراعية فاحمر وجهه من الغيظ واتجه إلى النقيب عبد العاطي وصرخ في وجهه : إنت المسئول .. الجرارات بتاعتك قافلة الطريق ، أجابه عبد العاطي بنفاذ صبر : يا أفندم أنا صاحب ورشة تصليح مش صاحب الجرارات.
وهنا اتجه الرائد علاء إلى المقهى وقبض على ياقة علي صالح مشتبكا معه وهو يقول : أكيد كل ده من تدبيرك إنت وشيخ الجامع .. قوم هات لي تكاتك من هنا ، أمسك علي ذراعي الرائد بقبضتي يده ونزعهما من على عنقه ودفعه وهو يقول : كل ما تفعله غير قانوني ومش من حقك تلمسني ولا تستعمل العنف .. إنت جيت في مهمة ونفذتها .. أما كونك مش عارف ترجع فدي مشكلتك إنت ، رد عليه علاء بصوت ساخر هاتفا : قانون إيه يا أبو شخة يا ابن دين الكلب اللي بتتكلم عليه.
ثم نادى على الجنود وأمرهم بضرب رواد المقهى بالعصيان فهجموا عليهم وضربوهم بعنف حتى أصيب عدد منهم بجراح وهم يحاولون الدفاع عن أنفسهم ثم أخرج علاء الطبنجة الميري الخاصة به وأطلق منها طلقات في الهواء لتخويف الأهالي وبعدها أشار إلى المسجد وهو يقول آمرا : هاتوا لي شيخ الجامع ابن الوسخة اللي كان بينادي على الأموات ده كمان ، تحرك الجنود لتنفيذ الأمر واتجهوا عبر الميدان إلى المسجد لكن في منتصف الطريق بدأ الأهالي جميعا من خلف الجدران في قذف العساكر بآخر شيء كانوا يتوقعونه .. البيض !!
23 / مئات من حبات البيض انهالت على الجنود والضباط في وقت واحد وتكسرت على أكتافهم وصدورهم واتفقش البيض على ملابسهم وتلطخت بالسوائل اللزجة حيث اختلط بياض البيض بصفاره وراح كل منهم يحمي وجهه تاركا بقية جسده عرضة لهذا الهجوم الغريب ، ولم يجد الرائد علاء مفرا من الاختباء خلف أحد التكاتك وقد غطى صفار البيض شعره وملابسه ثم اتجه إلى الدكتور بدوي وجذبه من ذراعه لينزله من التوكتوك وقال له : أنا أحملك مسئولية كل اللي حصل.
ثم جعله يقف بجانبه وقال له : كلمهم يوقفوا ضرب البيض ، وعندما رأى الأهالي الدكتور بدوي يقف في الميدان توقفوا تلقائيا عن ضرب البيض ثم سمعوه وهي يهتف بصوت عال وقد رفع ذراعيه المقيدتين بالكلبشات عاليا وقال : يا أهل الكفر الغربي .. من اليوم إما نعيش أحرار أو نموت رجالة ، وسادت لحظة من الصمت أعقبها صوت هدير خافت تصاعد تدريجيا ثم ظهرت فوهات الخراطيم العريضة لماكينات الري لكنها بدلا من إخراج الماء كالمعتاد كانت تقذف تيارا هوائيا يحمل كميات هائلة من ريش الدجاج والذي التصق على الفور بسوائل البيض اللزج على ملابس الضباط والجنود وأعطاهم مظهرا مضحكا كأنهم عرائس في برنامج كرتون للأطفال.
ومن مكان بعيد في الجهة الأخرى من القرية كان حسن يجلس مع الحاج محمد فتح الله حيث كانت الكاميرات المثبتة سلفا في الميدان تنقل لهم صورة كاملة لكل هذه الأحداث من وقت دخول القوة بالتكاتك وحتى تغطيتهم بالريش ثم دخولهم المسجد لتنظيف أنفسهم ، وعبر وصلة إنترنت خاصة تم تحميل هذه المشاهد في بث حي على عدد من وسائل التواصل الاجتماعي مع إرسال نسخة خاصة إلى المذيعة أحلام أبو شهبة والتي أذاعتها في برنامجها المسائي على قناتها الفضائية مع شرح تفصيلي لقضية الكفر الغربي.
بعد ذلك اتصل حسن بمدير أعماله رضوان في الكفر الشرقي وأعطاه بعض التعليمات الخاصة بالعمل تحسبا لتصاعد الأحداث وأبدى رضوان قلقه من انتشار الفيديوهات لأنها سوف تثير غضب السلطات ، ومن خلال الكاميرات شاهد حسن الأطفال والنساء وهم يقذفون البيض في حماس وسط الهتافات والزغاريد وابتسم عندما رأى الحاجة سيدة وزوجته هناء والأستاذة فاطمة وهم يشاركون في تلك المهمة مع كافة سيدات القرية فقرر مسح ذلك في المونتاج والاكتفاء بمشاهد الضباط والجنود.
نقلت له الكاميرات أيضا مشهد الرائد علاء وهو جالس على المقهى في حالة يرثى لها تارة يحاول الاتصال عبر الموبايل دون فائدة وتارة أخرى يصرخ في الجنود والمخبرين لتنظيف أنفسهم وتارة يذهب إلى الدكتور بدوي في التوكتوك ويشتمه بسباب قبيح وهو لا يدري أن كل ما يفعله منقول صوتا وصورة في بث حي على الهواء ، لكن انتظاره لم يطل لأنه بعد مضي ساعة واحدة كانت قوة كبيرة من مديرية الأمن تحيط بالقرية من البر والبحر.
دخلت القوة الأساسية عبر لانشات خفر السواحل وعلى رأسها اللواء حاتم مساعد مدير الأمن بالمحافظة بينما دخلت عدة مدرعات صغيرة من الطريق وسط غبار كثيف واهتزار في أرضية الطريق الترابي الضيق ، وفور انتشار الجنود قاموا بتكسير عدد من الإنشاءات في القرية لكن دون المساس بالمنازل ولا بالأهالي وفق التعليمات الصادرة من وزارة الداخلية حيث تسببت الفيديوهات المنشورة من ارتفاع السخط الشعبي وأوجدت تعاطفا كبيرا من كافة المحافظات مع الكفر الغربي.
وعندما اتصل رضوان بحسن أخبره بأنه شاهد المدرعات وهي تمر من الكفر الشرقي في الطريق إليهم فأجابه حسن على الفور : وصلت ومعاها من الحملة الفرنسية من البحر !! ، ثم أوصاه حسن أن يذهب إليه في المركز إذا تم القبض عليه وطلب منه التواصل مع حماه الحاج فتحي إذا جدت أي مفاجآت ، وبعد دقيقة واحدة انقطع الاتصال بينهما وعرف حسن أن القرية في طريقها للمرور بأوقات عصيبة.
24 / دخل اللواء حاتم إلى الميدان الرئيسي في القرية واستقبله الرائد علاء وهو يقول : تمام يا أفندم .. المعتقل في التوكتوك والوضع تحت السيطرة لكن الطريق كان مقفول بالجرارات ، أشار اللواء حاتم إلى المدرعات وقال بلهجة آمرة : خد قواتك وامشي يا علاء بيه وفك كلابشات الدكتور ، حاول علاء الاحتجاج وبدأ في المجادلة فأشار له اللواء حاتم بالصمت وناوله الموبايل الخاص به وأطلعه على الفيديوهات التي نقلت كل ما قام به من ساعة دخوله القرية ونشرت على الملأ ثم ناوله ورقة موقعة من رئيسه المباشر في قطاع الأمن الوطني فقرأها وهو زائغ العينين ثم أسرع لتنفيذ الأمر وقد احتقن وجهه حتى صار مثل حبة الطماطم.
احتشد الأهالي في الميدان وفوق سطح المسجد وأسطح البيوت وفي البلكونات والشبابيك يستمعون إلى اللواء حاتم وهو يتحدث في مكبر الصوت ويقول : أهالي الكفر الغربي الكرام .. مهمتنا هنا إنفاذ القانون فقط وإزالة الإشغالات المكتوبة في المحاضر الرسمية .. الموضوع حاليا خارج نطاق الأمن الوطني ومن اختصاص النيابة العامة وفي أمر ضبط وإحضار للدكتور بدوي والأستاذ علي صالح والشيخ سلامة صادر من رئيس النيابة الكلية على ذمة قضية الإشغالات ومحاضر المرافق .. وبعد يومين السيد نائب المحافظ قادم للقرية للتفاوض معاكم عشان تقنين أوضاعكم وتحقيق كل طلباتكم وفقا للقانون.
اطلع الأستاذ علي صالح على أمر النيابة ثم سار مع الدكتور بدوي والشيخ سلامة إلى المدرعة التي أشار إليها اللواء حاتم دون أن يتم تقييدهم بالكلابشات وعلت هتافات الأهالي بأسمائهم تحية لهم مع التصفيق المستمر ، كان اللواء حاتم حذرا جدا في حديثه وأكد أكثر من مرة على الالتزام بالقانون وذلك تحسبا لوجود كاميرات تصوير مخفية تذيع ما يحدث على الهواء وختم حديثه للأهالي بوجب الصبر لأن البلد كلها تمر حاليا بظروف اقتصادية صعبة جدا وتحتاج إلى تكاتف كافة القرى والكفور والنجوع للخروج من هذه الأزمة وقدم اعتذارا باسم وزارة الداخلية عما فعله الرائد علاء من تصرفات متجاوزة للقانون ثم بدأت الحملة في الانسحاب.
وبعد ساعة واحدة انقطعت الكهرباء بالكامل في القرية واجتمع الرجال في المسجد للتشاور في الأمر وقرروا عدم انتظار نائب المحافظ وإنما تشكيل وفد منهم للذهاب في اليوم التالي إلى المحافظة ومديرية الأمن ، وعندما حضر وقت صلاة الفجر تقدم النقيب عبد العاطي لإمامة المصلين بدلا من الشيخ سلامة الذي غاب عن مسجده لأول مرة في حياته واصطف المصلون استعدادا للصلاة وانتظروا سماع الكلمة المعروفة للإمام وقتها وهي (استقيموا يرحمكم الله) لكن عبد العاطي كفتة لم يكن يعرفها واكتفي بأن نظر على يمينه إلى الصف الأول من المصلين وقال : (عل اليمين حذا).
وابتسم حسن رغما عنه لكن قلبه كان مقبوضا من الحزن والغضب المكتوم وراح يتساءل عن سر تصرف الحكومة مع التجربة الناجحة للكفر الغربي ، وعندما قضيت الصلاة خرج مع الحاج محمد فتح الله من باب المسجد ولاحظ أن وجهه يحمل غضبا شديدا حيث سار أمامهم حتى وصل إلى ماكينة الصراف الآلي الموجودة في الميدان ثم تناول فصيبا معدنيا كبيرا وانهال عليها بالضرب العنيف حتى تحطمت واجهتها تماما وهو يصرخ : يا ولاد الكلب يا فاشلين ، واترب منه عم عبد العاطي يحاول منعه قائلا : دي عهدة يا حاج وأنا مسئول عن البلد ، التفت إليه الحاج محمد وصرخ في وجهه : من الآن إنت معزول من رئاسة القرية ولا تصلي بالناس إمام مرة تانية وابعد عني دلوقتي لأني ممكن أبطحك !!

25 / لم يحضر نائب المحافظ ولا تمكن وفد الأهالي من المغادرة ومرت سبعة أيام والقرية معزولة بالكامل عن العالم الخارجي فلا توجد أي اتصالات ولا مواصلات لأن الحملة الفرنسية قطعت خطوط التليفون الأرضي وحطمت برج المحمول فانقطع الانترنت وسحبت المعدية التي كانت في البحر الكبير ثم تسببت المدرعات في انهيار جزء من الطريق الوحيد الذي يصلها إلى الكفر الشرقي ، وكانت آخر مكالمة بين حسن والعالم الخارجي هي التي أجراها مع رضوان في أعقاب معركة البيض وانقطع الخط في أثنائها.
قام الحاج محمد فتح الله ومن معه بإصلاح الألواح الشمسية صباح يوم الأربعاء فعادت الطاقة تدريجيا ثم نجح أخيرا في إعادة تشغيل التليفون الأرضي وعندما علم حسن أسرع إلى مكتب الأستاذ علي واتصل منه بمحل الحلويات الخاص به في الكفر الشرقي ، وبعد رنين متواصل رد عليه رضوان أخيرا وهو يقول : أخيرا اتصلت .. أنا قلقلت جدا عليك بعد ما الخط قطع في آخر مكالمة لكن بعدها عرفت إنهم قبضوا على الدكتور والمحامي والشيخ سلامة بس.
سأله حسن في سرعة وهو متلهف : هل في أخبار عنهم ؟؟ ، أجابه رضوان : هم حاليا في ثلاجة حجر المركز ولم يتم ترحلهم ولا عرضهم على النيابة .. تقريبا هم منسيين لأن الأمور هنا تعقدت بشكل رهيب وفي وقت سريع جدا ، شعر حسن بالقلق وهو يسأله : حاول تفهمني .. أنا سبعة أيام كاملة معزول عن أي أخبار ، أجابه رضوان : في الوقت اللي كانت المعمعة دايرة عندكم حصل بعدها يوم الخميس بالليل صب في المصلحة هنا وتم الإعلان عن زيادة أسعار الكهربا والبنزين.
حاول حسن استيعاب كلام رضوان ثم سأله في دهشة : وما هو الجديد .. احنا من سنة تقريبا والأسعار بتزيد كل كام شهر ، قال رضوان : لا .. المرة دي مختلفة لأن يوم الجمعة حصل انتشار للشرطة والجيش في الشوارع والميادين في القاهرة وعواصم المحافظات وكماين على مداخل المدن والطرق الكبيرة وفي نفس الوقت إعلام الحكومة بيذيع أغاني وطنية وبيحذر المواطنين من النزول للتظاهر رغم إنه لا توجد أي دعوات من أي نوع ويوم الجمعة كان هادي جدا.
سكت حسن محاولا استيعاب الأمر بينما واصل حسن : وطول يوم الجمعة في حالة هياج في وسائل الإعلام الحكومية ولجانها على السوشيال ميديا وتحذير مبالغ فيه من الاستماع لوسائل الإعلام الأجنبية المغرضة اللي هدفها تفكيك البلد وانهيار النظام ولما تابعت القنوات الإخبارية العربية والأجنبية لقيت كلامها عادي جدا ومتكرر وقديم وبيتكلم عن الأزمة الاقتصادية في البلد اللي كلنا أصلا عايشين فيها وشايفينها بعينينا وتعجبت من حالة التخويف الموجهة ولم أفهم سببها لأنه لا يوجد شخص واحد نزل الشوارع يومها ولا حتى كانت الفكرة مطروحة من أساسها !!
عاد حسن للتساؤل : ربما كانت كلها إجراءات احترازية وربما هناك تهديدات تعلمها أجهزة الدولة ، أجابه رضوان في سرعة : جايز لكن المشكلة إن رئيس الوزراء عمل مؤتمر صحفي مساء يوم الجمعة ومعاه وزير الكهربا ووزير البترول وأعلن عن بداية تخفيف الأحمال بسبب ظروف الحرب الأهلية في أنجولا والتوترات العسكرية بين بوليفيا وباراجواي والانقلاب العسكري في كمبوديا وبعد انتهاء المؤتمر بساعتين انقطعت الكهرباء عن الأرياف في كل المحافظات ما عدا أربع ساعات فقط في الفترة المسائية وعرفنا بعدها إن المدن حصل فيها قطع تبادلي للكهربا بين الأحياء لكن في القاهرة كان الانقطاع ساعات قليلة وفي أماكن فيها فضلت منورة.
شعر حسن بالتوتر وسأل : الكهربا قطعت بالكامل ؟؟ طب والفرن اشتغل ولا لا ؟؟ ، أجابه رضوان : اضطرينا نستعمل المولد عشان نشغل المكن وكان عندنا سولار احتياطي وخبزنا الكمية اللازمة ليوم السبت لكن المشكلة إن تاني اليوم الصبح عربية أنابيب الغاز غابت عن الحضور واستعملنا الأنابيب الاحتياطي وعملنا نص الكمية اللازمة ليوم الأحد وبعدها مر علينا موظف من وزارة التموين وقال لنا إن في تعليمات جديدة وهي إن الأفران تحاول تشغل نفسها بالطرق البدائية مؤقتا يعني بدون غاز طبيعي لأن في تأخير يومين أو ثلاثة في الإمداد وفي مساء يوم الأحد حصل انقطاع كامل للغاز عن المنازل في المحافظات ثم في صباح يوم الإثنين انقطع عن القاهرة وبدأ الناس يشعرون بقلق حقيقي !!
26 / بدأ حسن يستوعب كلام رضوان في المكالمة وهو يواصل : في صباح يوم الإثنين بدأ الإعلام الحكومي ولجانه على السوشيال ميديا يروجون أن هناك مؤامرة دولية خارجية لتركيع البلاد وإجبارها على مواقف سياسية معينة لكن الوطن لن يركع وخرج المتحدث الرسمي باسم الحكومة وناشد المواطنين أن يكونوا على قدر المسئولية وأننا يجب أن نصبر ونتحمل من أجل بناء الوطن وأننا يجب أن نأكل من جوعنا ونشرب من عطشنا لكن في منتصف اليوم بدأ تكدس السيارات أمام محطات البنزين في المحافظات وصرف كميات محدودة جدا لكن المواصلات العامة فضلت شغالة أما في القاهرة فلم يحدث فيها شيء.
سأله حسن عن الفرن فأجابه : استعملنا مؤقتا وسائل بدائية لكن في نهاية اليوم صرفت للعمال يوميتهم وقفلنا بناء على نصيحة حماك الحاج فتحي لكن محل الحلويات والبقالة شغالين وعندنا كهربا من المولد بالليل لكن بنقفل الساعة عشرة ، سأله حسن عما حدث بعد ذلك فقال : القنوات الأجنبية أذاعت خبر إن حصل اتفاق مع الحكومة إنها توجه كامل المدخول الدولاري لكل من تحويلات العاملين بالخارج وقناة السويس والسياحة والصادرات لتذهب كلها مباشرة لسداد فوايد القروض المستحقة للشركات الأجنبية والمؤسسات الدولية المانحة وفي مساء يوم الثلاثاء توقفت المواصلات العامة في المحافظات كلها ثم بدأ تكدس السيارات أمام محطات البنزين في القاهرة واستمر مترو الأنفاق وحده في الخدمة.
لم يصدق حسن ما يسمعه بينما واصل رضوان : في حالة شلل كاملة في النقل والمواصلات وانقطاع جزئي للكهرباء في عواصم المحافظات وانقطاع كامل في الأرياف وشحن الموبايلات بيتم بالكهربا من اللي عنده مولدات وبثمن غالي عشان يقدروا يتابعوا اللي بيحصل من النت واحنا حاليا شبه معزولين ووسيلة النقل الوحيدة هي الدراجة لمن يريد الذهاب إلى المركز وفي حالة خوف من تأخر صرف الأسمدة والمبيدات والأعلاف بالإضافة إلى مشكلة نقل السلع من القرى للأسواق في المدن لأنها متاحة فقط لمن لديه مخزون بنزين يكفيه كام يوم أما لو استمر الحال أكثر من أسبوع فاحنا داخلين على العصور الوسطى وربما العصر الحجري.
وأكمل رضوان حديث وكأنه يكتب التاريخ : الطريف إن قوات الجيش والشرطة تمركزت أمام مؤسسات الدولة الحيوية لحمايتها لكن لم يقترب منها أحد أساسا لأن التكدس كله أمام محطات البنزين ومستودعات الغاز والأفران وفي النهاية حصل يأس عند الناس ورجعوا بيوتهم خاصة بعد ما ظهر رئيس الوزراء مرة تانية مساء أمس الثلاثاء ووعد بحل المشكلة في خلال أيام وطلب من المواطنين الصبر وأنهم يعتبروا نفسهم في حالة حرب مع الإرهاب لكن صباح اليوم عرفنا إن مترو الأنفاق تعطل هو وكافة المواصلات الداخلية في القاهرة وتم الإعلان عن أجازة مدتها يومين الأربعاء والخميس لجميع المصالح الحكومية.
ثم تابع رضوان قائلا : المشكلة الكبيرة هو إن الحكومة نفت توجيه الدولارات كلها لسداد فوايد القروض واتهمت الإعلام الأجنبي إنه مغرض وللأسف ده شكك الناس أكثر وكل واحد له دولارات راح يصرفها من البنوك صباح اليوم وطبعا البنوك كلها رفضت وسمحت فقط بسحب أي رصيد بالعملة المحلية وبدأ التجار والمستوردين في شراء الدولار من السوق السودا ووصل الدولار إلى مائة وخمسين جنيه وبعدها بدأ التكدس أمام ماكينات الصراف الآلي لأن الناس شعرت بخطر مجهول والمفاجأة إن جميع الماكينات شغالة كويس جدا وبتطلع عملات ورقية جديدة وحلوة.
وأردف رضوان : الأهم من كل ده إني عرفت من حماك الحاج فتحي إن محلات الذهب قررت الإغلاق اليوم ووقف البيع وأنهم بدأوا ينقلوا محتويات المحلات للمخازن خوفا من تدافع الناس على المحلات بعد ارتفاع الدولار وبيقول إنه عنده أخبار إنه في تعويم للجنيه ونصحني أبيع كل الحلويات وأخزن محتويات البقالة وأشتري معاها حبوب وكنت منتظر رأيك ، أجابه حسن بدون تردد : اسمع كلام الحاج فتحي وطمني بالليل على الأخبار.
27 / في مساء يوم الأربعاء عاود حسن الاتصال برضوان الذي أخبره أنه نفذ كل ما تم الاتفاق عليه وقال : المهم طمني على الأحوال عندكم في الكفر الغربي ، أجابه حسن بنبرة متفائلة : الأمور هنا طيبة والحمد لله وكافة الاحتياجات متوفرة وعندنا مخزون من كل شيء يكفينا شهور بالإضافة إن المزارع والمصانع شغالة وإنتاج الفلاحين في البيوت ماشي تمام وحاليا بدأنا في إصلاح المرافق اللي خربتها الحملة الفرنسية وربما بعد كام يوم ممكن نبقى أحسن من الأول.
شعر رضوان بالارتياح وقال : الحمد لله .. الأحوال عندكم أحسن من هنا ألف مرة لأن الأوضاع هنا في تدهور والأخبار سيئة وفي إشاعات مرعبة ، استمع له حسن بانتباه وهو يتابع : الليلة بلغنا إن حصل تدافع من الناس في العاصمة على محلات البقالة والهيبر ماركت في المولات والكل تسابق في شراء وتخزين السلع الغذائية بصورة غير طبيعية وكأننا في انتظار مجاعة وفي أخبار إن في محلات باعت كل بضاعتها ومحلات تانية خزنتها لكن المحصلة النهائية حاليا هي وجود شح في كافة السلع الغذائية لكن في المحافظات والأرياف الأمور طبيعية حتى الآن.
ضحك حسن ضحكة مريرة وقال : من المؤكد انتقال العدوى إلى المحافظات قريبا .. لاحظ إن انقطاع الكهربا والوقود بدأ بالأرياف ثم المدن ثم العاصمة لأن الإمداد فيها مركزي والأولوية فيه للعاصمة أما السلع الغذائية فخط سيرها معكوس لأن الريف هو المنتج والعاصمة مستهلك وعندما يتوقف الاستيراد كمان تبدأ المشكلة في المكان الأكثر في الاستهلاك أولا وبعدها بقية الأماكن .. الخوف الأكبر بعد كده هو شح الأدوية والمستلزمات الطبية لأنها معتمدة على الاستيراد وإذا انعدم الدولار في البلد توقف استيراد كل شيء تلقائيا.
قال رضوان في دهشة : توقعك في محله .. من شوية كان في مؤتمر صحفي لوزير التموين ووزير الصحة ووزير المالية مع بعض وأعلنوا إن كل شيء تمام ولدينا مخزون من الغذاء والدواء يكفي ستة أشهر وأن ما يحدث في العاصمة مجرد إشاعات وأن مشكلة الكهربا والوقود سوف يتم حلها خلال أيام وسوف يتم نشر شاشات عملاقة في الميادين العامة لإذاعة الأخبار الصحيحة وأنه سيتم تشغيل الكهربا كل يوم ساعة في المساء من تسعة لعشرة وأهابوا بالمواطنين عدم الانجرار وراء الإشاعات المغرضة وقامت اللجان الإلكترونية الحكومية بتكرار تخويف الناس من المؤامرة لكن نسيوا إن عدد كبير من الناس فقدوا الاتصال بالنت بسبب انقطاع الكهربا.
قال حسن : إوعى تقول إن بعد المؤتمر الناس هديت !! ، ضحك رضوان وأجابه : لا .. العكس هو الصحيح .. بعد انتهاء المؤتمر الصحفي مباشرة حصل تكدس للناس أمام الصيدليات وانتشرت أخبار إن في تجمهر أمام صوامع الغلال على طول الطريق الدائري للعاصمة وأكد بعضهم أنه شاهد عددا من المواطنين يحملون أشولة دقيق وحبوب من شونة بجوار الصوامع ، وعندما سأله حسن عن دور الشرطة في حماية الصوامع أجابه رضوان قائلا : بعضهم قال إن عساكر الأمن المركزي هم كمان كانوا شايلين شوالات على أكتافهم لكن ناس تانية قالت إنه ده كان التعيين المصروف لهم وحتى الآن لم تتأكد هذه الإشاعات.
سكت حسن محاولا استيعاب الكلام بينما تابع رضوان قائلا : ومن نص ساعة بس تغيرت لهجة اللجان الإلكترونية وصفحات الصقور وبدأ الكلام يتغير واعترفوا إن في مشكلة مؤقتة في السلع والأدوية في العاصمة لكن السبب فيها هو إشاعات أطلقتها جماعة الإخوان وأن أفراد الجماعة اشتروا كل السلع عشان يفتعلوا أزمات ويوقعوا البلد ، قال حسن : معنى ذلك إن في مشكلة حقيقية وربما يكون الظاهر منها فقط هو جبل الجليد .. عموما كلمني تاني بكرة الصبح وعرفني آخر الأخبار.
28 / في ظهر يوم الخميس عاود حسن الاتصال برضوان مرة أخرى الذي رد عليه في سرعة وقال : طمني عليك وعلى الكفر الغربي ، أجابه حسن : الحمد لله نجحنا بالليل في إصلاح كل ألواح الطاقة الشمسية وتم إعادة تشغيل معمل البيض ومصنع الأعلاف والسماد وقدرنا ندور كل ماكينات الري لكن لسة الكهربا مقطوعة عن البيوت ، تنهد رضوان وقال : الحمد لله .. احنا حالتنا بقت زفت .. كلامك طلع سليم والمشكلة انتقلت للمحافظات وحصل تكدس في المدن أمام محلات السوبر ماركت والبقالات ومن شوية ارتفعت أسعار السلع الغذائية بشكل جنوني وبعضها اختفى من الأسواق والناس واقفة طوابير تسحب فلوس كاش من أجهزة الصراف الآلي.
ثم سكت قليلا وتابع بعدها : كل القرى حاليا عملت لجان شعبية لحماية مداخلها خوفا من سكان المدن خاصة مع الأخبار الواردة من العاصمة إن تجمعات من الناس هجمت على مخازن وزارة التموين في عدد من الأحياء ونهبت كل المخزون وفي أماكن تانية حصل سطو مسلح على الجمعيات التعاونية ومحلات الحلويات الكبيرة وحصل في بعض الضواحي القريبة من الدائري سرقات لسيارات نقل عسكرية كانت تحمل مواد غذائية وتموينية وأذاعت بعض القنوات الأجنبية إن المفاوضات بين الحكومة والجهات الدولية تعثرت وفي كلام بدأ يتردد إنه حركة الملاحة البحرية والطيرن ممكن تتوقف في أي لحظة في عموم البلاد بسبب نفاذ الوقود تماما وعدم القدرة على تشغيل محطات توليد الكهرباء العملاقة وذكرت بعض الفضائيات العربية إن الحكومة هي السبب في غلاء الدولار لأنها هي التي تقوم تشتريه من السوق السودا لسد العجز ومحاولة استيراد السلع اللازمة.
تساءل حسن : وهل حصل أي إجراءات من الحكومة لحل المشكلة ؟؟ ، أجاب رضوان في سرعة : صباح اليوم نزلت سيارات تابعة للقوات المسلحة تحمل مواد تموينية لتوزيعها وحصل زحام شديد حولها وبعدها نزلت سيارات تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية ووزعت سكر وزيت ومكرونة لكن عرفت من اتصالي بالناس هناك إن الكميات لا تكفي وإن بدأت شكاوي تأتي من سكان الكومباوندات الراقية حول العاصمة بأن جماعات من سكان المناطق العشوائية تحاول اختراق الأسوار لنهب المحلات الموجودة فيها وتكررت نفس الشكاوي من سكان القرى الراقية في الساحل الشمالي وإن تم الاستعانة بشركات الحراسة الخاصة لحمايتهم ومنع أي تجمعات من الاقتراب منهم وإنهم شحنوا داخل الكومباوندات كميات من المواد الغذائية تكفي لأسابيع.
تساءل حسن مرة أخرى : وفين دور الأمن والجيش ؟؟ ، أجاب رضوان : القوات كلها متمركزة في الميادين الكبرى وحول المؤسسات الحكومية وأقسام الشرطة لحمايتها ولا توجد أي اشتباكات لأنه لا توجد مظاهرات ولا اعتصامات .. كل الموجود مجموعات صغيرة تبحث عن أي سلع غذائية ومنتشرة في كل الشوارع والأحياء ولا يمكن ملاحقتهم لأنهم في كل مكان وغير ثابتين وإذا تمت مهاجمتهم يجروا ويتفرقوا عادي من غير مقاومة وبعدين يتجمعوا تاني في مكان يكون فيه سوبر ماركت أو مخازن حبوب أو صيدليات مفتوحة.
سأله حسن مستفهما : هل في أخبار من المركز عندنا هل في أي أحداث مشابهة ؟؟ ، قال رضوان : حتى الآن يوجد سباق كبير لشراء السلع الغذائية حتى لو بضعف ثمنها ويوجد تكدس أمام ماكينات الصراف الآلي لكن السلع متوفرة .. أنا بعت كمية وخزنت الباقي في أماكن مستخبية ومضطر أقفل مع نهاية اليوم تحسبا إن الكفر الشرقي يتعرض لأي نهب وصرفت يوميات العمال ويوميتي لكن المرة دي مش فلوس ولكن كراتين بيض بناء على طلبهم ، ضحك حسن وقال : أخيرا اقتنعت بكلامي .. عموما انتبه وخللي بالك من نفسك وكلمني بالليل طمني.
29 / في مساء يوم الخميس حاول حسن الاتصال برضوان لكن دون جدوى فلا أحد يرد ثم بعد ساعات اختفت الحرارة من التليفون الأرضي فنزل من مكتب الأستاذ علي إلى الدور الأرضي حيث قابل الحاج محمد فتح الله وسأله عن آخر التطورات فقال : الشباب نجحوا في إعادة تشغيل برج المحمول لكن يبدو إن حصل انقطاع كامل لشبكات الإنترنت في المحافظة أو ربما في البلد كلها لكن حاليا هم شغالين على خط الكهربا المنزلي وإذا نجحوا ربما نقدر نشغل أطباق الدش ونتابع الفضائيات لكن التواصل مع العالم الخارجي صعب حتى الآن.
قال حسن : حتى ظهر اليوم كان التليفون الأرضي شغال لكن يبدو أنه انقطع ، أخبره الحاج محمد أن الخط الأرضي في الكفر الغربي سليم لكن الانقطاع من سنترال المركز وغالبا بسبب انقطاع الكهربا ثم قال : المشكلة في العاصمة والمركز إن محطات المياه والصرف الصحي تعمل بالكهربا وإذا انقطعت فترات طويلة تعطلت كافة المرافق هناك خاصة في الأدوار العالية التي تسحب المياه بالمواتير وأنا اتصلت العصر بأصدقائي في الكفر الشرقي وعرفت منهم إن حصلت محاولات هجوم من عصابة نهب جاءت من المركز وراكبين عجل لكن الأهالي اشتبكوا معاهم.
انضم إليهم عم عبد العاطي كفتة والأستاذ حلمي وبدأوا يرتبون كيفية حماية الكفر الغربي من أي تسلل محتمل رغم وجود انهيار في الطريق الوحيد أسفر حفرة كبيرة يصعب اجتيازها لكن يجب التحسب لكافة الاحتمالات ، واقترح الأستاذ حلمي تركيب كشافات على أول الطريق بحيث يمكنهم رؤية الجانب الآخر من الحفرة بوضوح واقترح حسن عمل حواجز من شكاير الرمل عند المدخل وتمت الموافقة على ذلك ونادى الحاج محمد على عدد من الشباب العاملين معه وأخبرهم بذلك.
وقرب الفجر جاء أحد المهندسين الشباب وأخبرهم أن خط الكهرباء المنزلي يعمل الآن ويمكنهم تشغيل طبق الدش والتليفزيون وعلى الفور قام الحاج محمد بتشغيله وظهرت أولا قناة محلية تظهر مشهدا مثبتا على نهر النيل ويمر فيها شريط الأخبار بشكل روتيني يحمل عناوين من قبيل : أزمة عابرة في التموين والكهرباء .. المؤسسات المالية الدولية تشيد بأداء الحكومة .. العمل متواصل في الخط الأول في مترو الأنفاق .. تكدس طفيف للمواطنين أمام محلات البقالة .. مصرع مواطن وجرح ثلاثة إثر مشاجرة بالأسلحة البيضاء في أحد الكومباوندات .. الداخلية تنفي حدوث إطلاق نار عند صوامع الغلال بالقرب من الطريق الدائري.
وهنا قال عم عبد العاطي : الدنيا فل الفل في الأخبار .. إنتوا قلقانين ليه ؟؟ ، قلب الحاج محمد القنوات وظهرت قناة عربية تحمل مشاهد حية من العاصمة والمحافظات تظهر تجمعات من الناس وهي تتدافع أمام عربات توزع مواد غذائية ثم مشاهد أخرى تظهر اشتباكات بين عدد من المواطنين أمام صوامع الغلال وقد ألقيت الأشولة على الأرض وتناثرت الحبوب خارجها وبعضهم يحاول جمعها بيده أو في أكياس صغيرة ، وأشار عبد العاطي كفتة إلى الشاشة وقال : كلها مشاهد فوتوشوب لتهييج الناس.
قلب الحاج محمد القنوات مرة ثانية لتظهر قناة أمريكية شهيرة تذيع مؤتمرا صحفيا تحدث فيه وزير الخزانة الأمريكي ورئيسة صندوق النقد الدولي ولم يصدق حسن ما سمعه وظن أن هناك خطأ من المترجم الذي قال بوضوح نقلا على لسان المسئولين في هذا المؤتمر أن حكومتنا وافقت على تعيين وزيرين من الأجانب أحدهما للمالية والآخر للاستثمار وشعر بإحباط شديد لأن معنى ذلك أننا رجعنا بالزمن قرنا ونصف وأننا سوف نبدأ من جديد بقيام الثورة العرابية وضحك في مرارة.
30 / بعد صلاة الجمعة تغيرت الأوضاع بشكل دراماتيكي فقد أعلنت جميع القنوات محلية ودولية خبرا واحدا عاجلا بالمانشيت الأحمر وهو : انهيار النظام الاقتصادي والسياسي في البلاد وإعلان الأحكام العرفية والإفراج عن زعماء المعارضة من السجون وتكليفهم بتشكيل حكومة إنقاذ ائتلافية مؤقتة ، وتتابعت بعدها التحليلات المختلفة من الإعلاميين العرب والأجانب حول موقف المجتمع الدولي من التغيرات المتوقعة وتأثيرها على الأمن القومي الإقليمي واقتراحات المتخصصين للخروج من الأزمة الحالية واستعادة الحياة الطبيعية في البلاد.
لكن اللافت للنظر هو ظهور المذيعة اللامعة أحلام أبو شهبة في تقرير صحفي مصور من الأقاليم وبالذات في محافظتهم ومن قرية الكفر الشرقي تحديدا وتحاور فيها أحد أصحاب المحلات التجارية وهو رضوان شلبي حيث كانت تسأله عن الأوضاع في القرى والأرياف وهل تعاني مثلما تعاني العاصمة والمدن ، شرح لها أنهم لا يعانون من أي مشكلة بسبب أن القرى وحدات منتجة وأنهم قرروا حماية بلداتهم من هجوم أبناء المدن واعتمدوا نظام المقايضة المباشرة بين أهالي البلدة الواحدة ثم بين القرى المتجاورة وبالتالي تتوفر جميع الاحتياجات الأساسية ولا يحدث عجز.
تذكرت المذيعة على الفور قصة الكفر الغربي وما دار فيها من أحداث وقعت قبل أن تتفاقم هذه الأزمة وطالبت بدراسة هذه التجربة وتعميمها بدلا من اضطهادها والسخرية منها وأعلنت أنه تم الإفراج عن رجالها المعتقلين الدكتور بدوي والأستاذ علي والشيخ سلامة بعد أن ثبت أن رؤيتهم كانت تستشرف المستقبل وأنهم كانوا يسيرون على الطريق الصحيح الذي يجب أن تسير عليه البلاد كلها.
شعر الجميع بالارتياح والسعادة لسماع خبر الإفراج عن أبناء القرية ثم تابع حسن تقريرها الإخباري الذي قالت فيه : السياسة الخاطئة منذ البداية هي التي تسببت في الأزمة لأن غياب الإنتاج والاعتماد على استيراد كل شيء من الخارج جعل الموازنة العامة تحت رحمة العملة الصعبة ومع تفاقم الديون وإنفاقها في البنية التحتية وحدها دخلت البلاد في فشل اقتصادي لأن مفهوم الاقتصاد الاستثماري والاستيرادي والمضاربة في الأسواق المالية يحقق نجاحات محدودة في المدى القريب لكن على المدى البعيد يؤدي إلى التضخم وتعويم العملة المحلية وطباعة المزيد من الجنيهات دون رصيد.
وعندما تكون النقود المتداولة أكثر من السلع المعروضة تفقد النقود قيمتها تدريجيا حتى تصل الأوضاع إلى مرحلة ما بعد التضخم والتي تعني ندرة السلع المطلوبة ثم اختفائها خاصة إذا كان الاعتماد الأكبر في معظمها على الاستيراد وعندها قد تملك في جيبك مليون جنيه لكن لا توجد سلع لتشتريها فتصبح النقود معدومة القيمة مثل أوراق الأشجار.
ومع اختفاء السلع لن يكون هناك قيمة للذهب ولا للدولار في أيدي الأفراد حيث لا يمكن مقايضتها بأي سلعة أو خدمة إلا عن طريق المؤسسات المالية (البنوك وشركات الصرافة) والتي ربما يكون من أولوياتها جمع العملة الصعبة والذهب لتسديد الديون المستحقة أو الإنفاق على مجالات محددة تشكل أولوية مثل نفقات الجهات السيادية وبالطبع يكون ذلك على حساب السلع الأساسية والخدمات الحيوية ، الجدير بالذكر أن هناك أخبارا متداولة عن مناشدات من النقابات ومطالبات من العاملين بالدولة في الوزارات المختلفة أن يتلقوا مرتباتهم أول الشهر القادم تموين عيني بدلا من استلامها بالعملة التقليدية !!
قلب الحاج محمد على قناة ثانية كانت تذيع تقريرا باللغة العربية تقول فيه تعليقا على الأحداث : التقدم والتخلف مسئولية الحكومات وليس الشعوب ومثال ذلك ما حدث في منتصف القرن العشرين عندما انقسمت شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين حيث اختلف مصير كل منهما تبعا للنظام السياسي الحاكم في كل واحدة منهما رغم أنهما يضمان شعبا واحد يعيش على نفس الأرض ويملك نفس المقومات الاقتصادية ونفس الثقافة والعادات والتقاليد ونفس اللغة ونفس التاريخ المشترك وبالطبع نفس الجينات الوراثية واحدة نظامها ديموقراطي هي كوريا الجنوبية المتقدمة اقتصاديا والأخرى نظامها دكتاتوري هي كوريا الشمالية المتخلفة
قلب الحاج محمد القنوات لآخر مرة لتظهر مراسلا لإحدى القنوات الأوروبية وهو يتجول في محافظة ساحلية حيث وقف أمام ماكينة صراف ألي وقد انفض الناس عنها فلا يوجد شخص واحد بالقرب منها وإلى جوارها تناثرت آلاف العملات الورقية من فئات متنوعة وهي ملقاة على الأرض بعد أن أدرك الناس انعدام قيمتها وألقوها عمدا فراحت تملأ الشوارع وتتطاير مع نسمات الفجر بينما هناك عامل نظافة يكنسها بالمقشة في رتابة وملل ويلقي بها في صناديق الزبالة !!
وعندما أغلق الحاج محمد التليفزيون ساد الصمت في المكان إلا من صوت خافت ينبعث من إذاعة القرآن الكريم في الراديو حيث كان القارىء يتلو قوله تعالى : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
31/8/2026