العصر العثماني الجزء الأول

1 / سبل الهدى والرشاد

من أكبر مراجع السيرة النبوية كتاب (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) والذي صنفه محدث الديار المصرية ومسندها الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الصالحي الشامي المصري الشافعي والذي ولد في دمشق وانتقل منها في شبابه إلى مكة المكرمة ومنها إلى الديار المصرية حيث تتلمذ على يد الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي واستقر متصوفا في التربة البرقوقية بصحراء القاهرة واشتغل بالكتابة والتأليف حتى توفي عام 942 هـ / 1535 م ودفن فيها خلف قبة خانقاه الظاهرية والناصرية.  

  وقد ذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وذلك في وفيات سنة 942 هـ فقال : ” وفيها الشيخ شمس الدّين محمد الشامي ، قال العلّامة الشعراني في (ذيله على طبقاته) ما نصه : ومنهم الأخ الصّالح العالم الزاهد الشيخ شمس الدّين محمد الشّامي المتمسك بالسّنة المحمدية نزيل التربة البرقوقية وكان عالما صالحا مفنّنا في العلوم وألّف (السيرة النبوية) المشهورة التي جمعها من ألف كتاب وأقبل الناس على كتابتها ومشى فيها على أنموذج لم يسبق إليه أحد.

كان عزبا لم يتزوج قطّ وإذا قدم عليه المضيف يعلّق القدر ويطبخ له ،  كان حلو المنطق مهيب النظر كثير الصيام والقيام ، بت عنده الليالي فما كنت أراه ينام في الليل إلّا قليلا ، كان إذا مات أحد من طلبة العلم وخلّف أولادا قاصرين وله وظائف يذهب إلى القاضي ويتقرر فيها ويباشرها ويعطي معلومها للأيتام حتّى يصلحوا للمباشرة،  كان لا يقبل من مال الولاة وأعوانهم شيئا ولا يأكل من طعامهم.

وذكر لي شخص من الذين يحضرون قراءة سيرته في جامع الغمري أن أسأله في اختصار (السيرة) وترك ألفاظ غريبها وأن يحكي السير على وجهها كما فعل ابن سيّد الناس ، فرأيته بين القصرين وأخبرته الخبر فقال : قد شرعت في اختصارها من مدة كذا ، فرأيت ذلك هو الوقت الذي سألني فيه ذلك الرجل،  وكانت عمامته نحو سبعة أذرع على عرقية لم يزل غاضا طرفه سواء كان ماشيا أو جالسا رحمه الله،  وأخلاقه الحسنة كثيرة مشهورة بين أصحابه ورفقائه ، انتهى كلام الشعراوي.

وقال سيدي أحمد العجمي المتولي سنة ست وثمانين وألف : أنه توفي يوم الاثنين رابع عشر شعبان – أي من هذه السنة – وله من المؤلفات : عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان ، الجامع الوجيز الخادم للغات القرآن العزيز ، مرشد السالك إلى ألفية ابن مالك ، النّكت عليها اقتضبه من نكت شيخه السيوطي عليها وعلى الشذور والكافية والشافية والتحفة وزاد عليه يسيرا ، والآيات العظيمة الباهرة في معراج سيد أهل الدنيا والآخرة ومختصره المسمى بالآيات البينات في معراج سيد أهل الأرض والسموات.

رفع القدر ومجمع الفتوة في شرح الصدر ، وخاتم النبوة ، كشف اللّبس في رد الشمس ، شرح الجرومية ، الفتح الرحماني شرح أبيات الجرجاني (الموضوعة في الكلام) ، وجوب فتح أن وكسرها وجواز الأمرين ، إتحاف الراغب الواعي في ترجمة أبي عمرو الأوزاعي ، النّكت المهمات في الكلام على الأبناء والبنين والبنات ، تفصيل الاستفادة في بيان كلمتي الشهادة ، إتحاف الأريب بخلاصة الأعاريب ، الجواهر النفائس في تحبير كتاب العرائس ، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ، عين الإصابة في معرفة الصحابة ، انتهى “.

وذكره الكتاني المغربي في كتابه فهرس الفهارس فقال : ” الشامي : هو الإمام الحافظ محدث الديار المصرية ومسندها شمس الدين محمد بن يوسف بن عليّ بن يوسف الشامي الصالحي الدمشقي نزيل برقوقية الصحراء خارج باب النصر بمصر ، من أجل تلاميذ الحافظ السيوطي ، حلاه عصريه الشهاب أحمد بن حجر الهيثمي المكي طالعة كتابه (الخيرات الحسان) بصاحبنا الشيخ العلامة الصالح الفهامة الثقة المطلع الحافظ المتبع الشيخ محمد الشامي الدمشقي ثم المصري ، وحلاه الشيخ أبو سالم العياشي بإمام المحدثين وغيره بخاتمة الحفاظ.

وهو صاحب السيرة المعروفة بالسيرة الشامية التي هي أجمع وأفيد ما ألفه المتأخرون في السيرة النبوية والأحوال المصطفية في نحو سبع مجلدات ضخمة هي عندي سماها (سبل الرشاد في سيرة خير العباد وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد) جمعها من ألف كتاب وتحرى فيها الصواب وختم كل باب بإيضاح ما أشكل فيه وبعض ما اشتمل عليه من النفائس المستجدات مع بيان غريب الألفاظ وضبط المشكلات ، خرج بعضها من مسودة المؤلف تلميذه العلامة الشمس محمد بن محمد بن أحمد الفيشي المالكي من أثناء باب السرايا.

وله أيضاً الآيات العظيمة الباهرة في معراج سيد أهل الدنيا والآخرة رتبه على سبعة أبواب ثم ظفر بأشياء فألحقها وسماه (الفصل الفائق في معراج خير الخلائق) والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ومطلع النور في فضل الطور وقمع المتعدي الكفور وعقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان وهو الذي لخصه ابن حجر الهيثمي في كتابه (الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان) عقد فيه باباً مهماً لذكر المسانيد السبعة عشر المجموع فيها حديث أبي حنيفة رضي الله عنه وجود سياق أسانيده إليها عن شيوخه ما بين سماع وقراءة وإجازة مشافهة أو كتابة بأسانيدهم إلى مخرجيها ، وله الإتحاف بما تبع فيه البيضاوي صاحب الكشاف.

أخذ عن الحافظ السيوطي والشهاب القسطلاني والشيخ شاهين بن عبد الله الخلوتي المصري وشجاع الدين عمر بن عبد الله الخلوتي المقيم بقرافة مصر وغيرهم ، وكانت وفاته يوم الاثنين ١٤ شعبان عام ٩٤٢ ، أتصل به من طريق البدر القرافي عن الشمس محمد بن محمد الفيشي عنه ، ومن طريق أبي سالم العياشي عن الشمس محمد الطحطاوي المالكي المصري عن الشيخ محمد الكلبي عن الشامي المذكور “.

وقد استهل كتابه بمقدمة جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرّحيم قال سيّدنا ومولانا وشيخنا شيخ الإسلام خاتمة المحدّثين والأعلام أبو عبد الله محمّد ابن يوسف الشّامي، رحمه الله تعالى ورحمنا به وجزاه خيراً عن تعبه ونصبه آمين.

الحمد لله الذي خصّ سيّدنا محمدا صلى الله عليه وسلّم بأسنى المناقب ورفعه في الشّرف إلى أعلى المراتب وأيّده بالمعجزات الباهرات العجائب التي فاقت ضوء النيّرين وزادت على عدد النّجوم الثواقب وجعل سيرته الزكيّة أمناً لمن تمسّك بها ونجاةً من المعاطب أحمده سبحانه وتعالى حمداً أنال به رضاه وبلوغ المآرب ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربّ المشارق والمغارب وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله المبعوث بالدّين الواصب صلى الله عليه وسلّم وعلى آله وأصحابه الذين نالوا اشرف المناصب.

أمّا بعد ، فهذا كتاب اقتضبته من أكثر من ثلاثمائة كتاب وتحرّيت فيه الصّواب ذكرت فيه قطرات من بحار فضائل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم من مبدأ خلقه قبل خلق سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم وأعلام نبوّته وشمائله وسيرته وأفعاله وأحواله وتقلّباته إلى أن نقله الله تعالى إلى أعلى جنّاته وما أعدّه له فيها من الإنعام والتعظيم عليه من الله أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم.

ولم أذكر فيه شيئاً من الأحاديث الموضوعات وختمت كلّ باب بإيضاح ما أشكل فيه وبعض ما اشتمل عليه من النّفائس المستجادات مع بيان غريب الألفاظ وضبط المشكلات والجمع بين الأحاديث التي قد يظنّ أنّها من المتناقضات ، وإذا ذكرت حديثاً من عند أحد من الأئمّة فإنّي أجمع بين ألفاظ رواته إذا اتفقوا ، وإذا عزوته لمخرّجين فأكثر فإني أجمع بين ألفاظهم إذا اتفقوا فلا يعترض عليّ إذا عزوت الحديث للبخاريّ ومسلم وذكرت معهما غيرهما فإن ذلك لأجل الزّيادة التي عندهما غالباً.

وإذا كان الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم صحابيّاً قلت : رضي الله تعالى عنه ، وإن كان تابعياً أو من أتباع التّابعين قلت : رحمه الله تعالى ، وإذا أطلقت الشيخين : فالبخاري ومسلم ، أو قلت : متفق عليه : فما روياه ، أو الأربعة : فأبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي ، أو الستة : فالشّيخان والأربعة ، أو الخمسة فالسّتة إلا ماجه ، أو الثلاثة : فالأربعة إلا هو، أو الأئمّة : فالإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد والسّتّة والدّارقطنيّ ، ولم أقف على شيءٍ من الأسانيد المخرّجة للإمام الأعظم أبي حنيفة النّعمان رضوان الله تعالى عليه فلذلك لم أذكره.

أو الجماعة : فالإمام أحمد والسّتّة ، أو أبو عمر : فالحافظ يوسف بن عبد البر أو القاضي : فأبو الفضل عياض ، أو الأمير : فالإمام الحافظ أبو نصر عليّ بن هبة الله الوزيري البغدادي المعروف بابن ماكولا ، أو السّهيليّ : فالإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي أو الرّوض فالرّوض الأنف له ، أو : أبو الفرج : فالحافظ عبد الرحمن بن الجوزي ، أو أبو الخطاب : فالحافظ عمر بن الحسن بن دحية ، أو أبو ذرّ : فالحافظ أبو ذرّ مصعب بن محمد بن مسعود الخشنيّ أو الإملاء : فما أملاه على سيرة ابن هشام ، أو زاد المعاد : فزاد المعاد في هدي خير العباد للإمام العلاّمة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن القيّم ، أو أبو الرّبيع : فالثّقة الثّبت سليمان بن سالم الكلاعيّ أو الاكتفاء : فكتاب الاكتفاء له.

أو أبو الفتح : فالحافظ محمّد ابن محمد بن سيد الناس أو العيون : فعيون الأثر له. أو القطب : فالحافظ قطب الدين الحلبي أو المورد : فالمورد العذب له ، أو الزّهر : فالزّهر الباسم أو الإشارة : فالإشارة إلى سيرة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم كلاهما للحافظ علاء الدّين مغلطاي ، أو الإمتاع : فكتاب إمتاع الأسماع للإمام العلاّمة مؤرخ الدّيار المصرية الشيخ تقي الدين المقريزيّ ، أو المصباح : فالمصباح المنير للإمام العلاّمة أبي العبّاس أحمد ابن محمد بن عليّ الفيّوميّ ، أو التّقريب : فالتّقريب في علم الغريب لولده محمود الشّهير بابن خطيب الدّهشة.

أو الحافظ : فشيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر أو الفتح : ففتح الباري له ، أو شرح الدرر : فشرحه على ألفيّة السّيرة لشيخه العراقيّ ، أو النّور : فنور النّبراس للحافظ برهان الدين الحلبي ، أو الغرر : فالغرر المضيّة للعلّامة محب الدين بن الإمام العلامة شهاب الدين بن الهائم ، أو السيّد : فشيخ الشّافعيّة بطيبة نور الدين السمهودي ، أو الشّيخ أو شيخنا : فحافظ الإسلام بقيّة المجتهدين من الأعلام جلال الدّين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السّيوطيّ ، رحمهم الله تعالى.

وحيث أطلقت الموحّدة فهي ثاني الحروف أو المثلّثة فهي الرابعة أو التّحتية فهي آخر الحروف ، وسمّيت هذا الكتاب : (سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد ، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد) ، وإذا تأمّلت هذا الكتاب علمت أنّه نتيجة عمري وذخيرة دهري والله سبحانه وتعالى اسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يمنّ عليّ بالنّظر إليه في دار النّعيم وهو حسبي ونعم الوكيل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم ، وقبل الشروع في مقاصد الكتاب أثبت ما فيه من الأبواب وهي نحو ألف باب والله الهادي للصّواب “.

2 / مُصلحة اللسان

(مُصلحة اللسان) هو عنوان كتاب مختصر في علم النحو من تصنيف الشاعر والمتصوف أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عوض بن عبد الخالق البكري الصديقي الذي ولد في القاهرة عام 899 هـ / 1493 م وتوفي فيها عام 952 هـ / 1545 م ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة بني تيم القرشية المعروفة حيث جده الأعلى هو الخليفة الأول سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو جد السادة البكرية الذين كان لهم حضور سياسي واجتماعي كبير في مصر خلال العصر العثماني.

تتلمذ البكري على شيوخ عصره ومنهم الشيخ زين الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني المتوفي عام 923 هـ والشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أبي شريف المري القدسي المتوفي عام 923 هـ والشيخ زين الدين عبد القادر بن محمد الدشطوطي المتوفي عام 924 هـ وشيخ الإسلام زين الدين أبي يحيى زكريا بن محمد السنيكي الأنصاري المتوفي عام 926 هـ والشيخ رضي الدين محمد بن محمد الغزي المتوفي عام 935 هـ ، وله عدد كبير من التلاميذ أشهرهم ابن حجر الهيتمي وأبو السعادات الفاكهي ونجم الدين الغيطي.

ومن مؤلفاته الأخرى كتاب بشرى العباد بفضل الرباط والجهاد وكتاب تحفة السالك لأشرف المسالك وكتاب الجوهر الثمين من كلام سيد المرسلين وكتاب حاشية على شرح المحلى وكتاب حسن الإصابة في فضل الصحابة وكتاب الدرة المكللة في فتح مكة المشرفة المبجلة وكتاب الروض الأنيق في فضل أبي بكر الصديق وكتاب شرح العباب للمزجد وكتاب عقد الجواهر البهية في الصلاة على خير البرية وكتاب محاسن الإفادة في أحاديث العبادة وكتاب الواضح الوجيز في تفسير القرآن العزيز.

وقد كتب المؤلف كتابه ليكون عونا للقارىء على إصلاح لسانه من الأخطاء ويجنبه اللحن والزلل خاصة للأعاجم الذين يتعلمون اللغة العربية ، وقد استهل كتابه بمقدمة جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه الإعانة ، الحمد لله المعرب عن دينه بقوله الكريم أحمده وأشكره وهو الرحمن الرحيم وأشهد أن لا إله إلا الله الحليم العظيم وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم عليه أشرف صلاة وأتم تسليم ، أما بعد فهذه نبذة في النحو لقبتها مصلحة اللسان أسأل الله قبولها ودوام النفع بها إنه الحنان المنان “.   

 ذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وذلك في وفيات سنة 952 هـ فقال : ” وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن جلال الدّين محمد البكري الصّدّيقي الشافعي الشيخ الإمام المحدّث نادرة الزّمان وأعجوبة الدهر الصوفي الأستاذ ، أخذ الفقه والعلوم عن القاضي زكريا والبرهان بن أبي شريف وغيرهما ، وأخذ التصوف عن الشيخ رضي الدّين الغزّي العامري والشيخ عبد القادر الدشطوطي.

قال الشّعراوي : أخذ العلم عن جماعة من مشايخ الإسلام والتصوف عن الشيخ رضي الدّين الغزّي وتبحر في علوم الشريعة من فقه وتفسير وحديث وغير ذلك ، وكان إذا تكلم في علم منها كأنه بحر زاخر لا يكاد السّامع يحصل من كلامه على شيء ينقله منه لوسعه إلّا أن يكتبه ، قال : وأخبرني من لفظه ونحن بالمطاف أنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق ، وقال : إنما أكتم ذلك عن الأقران خوفا من الفتنة بسبب ذلك كما وقع للجلال السيوطي ، قال : وكانت مدة اشتغاله على الأشياخ نحو سنتين ثم جاء الفتح من الله فاشتغل بالتأليف ، انتهى.

 ومن مؤلفاته شرح المنهاج وشرح الروض وشرح العباب للمزجد وحاشية على شرح المحلّي ، قال الشعراوي : وهو أول من حجّ من علماء مصر في محفّة ثم تبعه الناس ، قال : وحججت معه مرة فما رأيت أوسع خلقا ولا أكثر صدقة في السرّ والعلانية منه ، وكان لا يعطي أحدا شيئا نهارا إلّا نادرا وأكثر صدقته ليلية ، وكان له الإقبال العظيم من الخاص والعام ، وشاع ذكره في أقطار الأرض مع صغر سنّه ، وكان له كرامات كثيرة وخوارق وكشوفات وترجمه الناس بالقطبية العظمى ويدلّ على ذلك ما أخبرنا به الشيخ خليل الكشكاوي.

قال : رأيت الشيخ أبا الحسن البكري وقد تطور فكان كعبة مكان الكعبة ولبس سترها كما يلبس الإنسان القميص ، قال : وكان له النظم السائغ في علوم التوحيد وأطلعني مرة على تائية عملها نحو خمسة آلاف بيت أوائل دخوله في طريق القوم ثم إنه غسلها وقال : إن أهل زماننا لا يحتملون سماعها لقلّة صدقهم في طلب الطريق ، انتهى.

ومن شعره التائية المشهورة التي أولها : بوجودكم تتجمّل الأوقات .. وبجودكم تتنزّل الأقوات ، وهي طويلة مشهورة ، وتوفي – رحمه الله تعالى – بالقاهرة ودفن بجوار الإمام الشافعي رضي الله عنهما “.

وترجم له نجم الدين الغزي في كتابه الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة فقال : ” علي بن محمد البكري .. علي بن محمد ابن الشيخ الإمام العلامة نادرة الزمان وأعجوبة الدهر الفقيه المحدث الأستاذ الصوفي أبو الحسن ابن القاضي جلال الدين البكري ، أخذ الفقه والعلوم عن القاضي زكريا والبرهان بن أبي شريف وغيرهما وأخذ التصوف عن شيخ الإسلام رضي الدين الغزي جدي.

وبلغني أن القطب الكبير سيدي عبد القادر الدشطوطي كان من معتقديه والد الشيخ أبي الحسن القاضي جلال الدين ، وكان قد انكسر عليه مال للغوري جزيل وكان الغوري عسوفاً فطالب القاضي جلال الدين بالمال وأراد أن يعاقبه عليه فجاء القاضي جلال الدين إلى سيدي عبد القادر وشكى إليه أمر الغوري وسأل منه أن يكون خاطره عليه ، فقال له : يا جلال الدين إن رددت عنك الغوري تعطيني ولدك أبا الحسن يخدمني ، قال : نعم.

وبعث إليه بأبي الحسن وكان إذ ذاك شاباً بارعاً فاضلاً له اشتغال على مشايخ الإسلام ، فلما جاء دخل أبو الحسن فقال له : يا أبا الحسن لا تقرأ على أحد واترك الاشتغال حتى يجيء شيخك من الشام فامتثل أمره ، ثم أن سيدي عبد القادر بعث إلى الغوري وكان له فيه مزيد اعتقاد وقال له : هبني ما على جلال الدين من الدين ففعل ، فقال له سيدي عبد القادر : اعطه مرسوماً بالبراءة وأن لا يطالبه أحد ففعل الغوري.

ثم انقطع القاضي جلال الدين وولده الشيخ أبو الحسن لخدمة سيدي عبد القادر الدشطوطي وعمر الجامع المعروف به بالقاهرة ، وكلما أراد أبو الحسن أن يعاود المشايخ في الدروس واستأذن سيدي عبد القادر يقول له لا حتى يجيء شيخك من الشام ، فلما قدم شيخ الإسلام الجد رضي الدين الغزي القادري في سنة سبع عشرة – بتقديم السين – وتسعمائة جاء مسلماً على سيدي عبد القادر وكان بينه وبينه قبل ذلك محبة وصحبة قال سيدي عبد القادر للشيخ أبي الحسن : قم يا أبا الحسن هذا شيخك قد جاء من الشام.

وسلمه للشيخ رضي الدين وقال له : يا سيدي رضي الدين علم أبا الحسن الكيمياء ، وأمر أبا الحسن أن يذهب مع الشيخ ويلازمه فلازم الشيخ رضي الدين في سكنه ليلاً ونهاراً وكان يذهب هو وشيخ الإسلام الوالد كل يوم يقرآن الدروس على الشيخ رضي الدين وعلى غيره من علماء مصر إذ ذاك بأمر الشيخ رضي الدين وإشارته.

قال والدي : كنت أذهب أنا وأبو الحسن البكري إلى شيخ الإسلام زكريا وشيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف والشيخ القسطلاني وغيرهم نقرأ الدروس ونحضر دروسهم فكان أبو الحسن لا يمكنني من حمل محفظتي ويحلف علي ويحملها لمكان شيخ الإسلام الوالد ، وكان الشيخ أبو الحسن كلما طالب الشيخ رضي الدين بعلم الكيمياء الذي أمره الدشطوطي بتعليمه يقول له الشيخ رضي الدين : حتى يأتي الأبان.

وكان الشيخ يربي أبا الحسن ويهذب أخلاقه ويعلمه الآداب ويلقي إليه الفوائد وينهضه في الأحوال والطاعات حتى أنس منه الكمال قال له يوماً : يا أبا الحسن أريد منك أن تركب على بغلتك وتذهب من هذا المنزل إلى جامع الأزهر وفي إحدى يديك رغيف وفي الآخرى بصلة وتأكل من ذلك وأنت راكب حتى تدخل الجامع ثم تعود إلي ، ففعل الشيخ أبو الحسن ذلك فلما رجع إلى الشيخ رضي الدين قال له : يا أبا الحسن ما بقت مصر تسعنا وإياك ، فمن ثم سافر الشيخ رضي الدين راجعاً إلى الشام واشتهر الشيخ أبو الحسن البكري وقد تمت فتوحاته ونمت نفحاته وصار يتكلم على الناس ثم صار المدد متصلاً في ذريته إلى الآن.

وذكره الشيخ عبد الوهاب الشعراوي في طبقاته وقال : أخذ العلم عن جماعة من مشايخ الإسلام والتصوف على الشيخ رضي الدين الغزي وتبحر في علوم الشريعة من فقه وتفسير وحديث وغير ذلك وكان إذا تكلم في علم منها كأنه بحر زاخر لا يكاد السامع يحصل من كلامه على شيء ينقله عنه لوسعه إلا إن كتبه ، قال : وأخبرني بلفظه ونحن بالمطاف أنه بلغ درجة الإجتهاد المطلق ، وقال : إنما أكتم ذلك عن الأقران خوفاً من الفتنة بسبب ذلك كما وقع للجلال السيوطي.

قال : وكانت مدة اشتغاله على الأشياخ نحو سنتين ثم جاء الفتح من الله فاشتغل بالتأليف ، قلت : ومن مؤلفاته شرح المنهاج وشرح الروض وشرح العباب للمزجد وحاشيته على شرح المحلي ،  قال الشعرواي : وهو أول من حج من علماء مصر في محفة ثم تبعه الناس ، قال : وحججت معه مرة، فما رأيت أوسع خلقاً ولا أكثر صدقة في السر والعلانية وكان لا يعطي أحداً شيئاً نهاراً إلا نادراً وأكثر صدقته ليلية ، وكان له الإقبال العظيم من الخاص والعام في مصر والحجاز وشاع ذكره في أقطار الأرض كالشام والروم واليمن وبلاد التكرور والغرب مع صغر سنه.

وله كرامات كثيرة وخوارق وكشوفات فما قاله أو وعده لا يخطىء ، قال : وترجمه الناس بالقطبية العظمى ويدل على ذلك ما أخبرنا به الشيخ خليل الكشكاوي قال : رأيت الشيخ أبا الحسن البكري وقد تطور فصار كعبة مكان الكعبة ولبس سترها كما يلبس الإنسان القميص ، قال : وكان له النظم السائغ في علوم التوحيد وأطلعني مرة على تائية عملها نحو خمسة آلاف بيت أوائل دخوله في طريق القوم ثم أنه غسلها وقال : إن أهل زماننا لا يتحملون سماعها لقلة صدقهم في طلب الطريق ، انتهى.

قرأت بخط الشيخ المحدث العلامة نجم الدين الغيطي المصري وأخبرنا عنه شيخنا العلامة نور الدين محمود البيلوني الحلبي إجازة أن الشيخ أبا الحسن البكري توفي في سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وكانت جنازته مشهورة ودفن بجوار الإمام الشافعي “.

ومن شعر الشيخ أبي الحسن وهي قصيدة مشهورة : بوجودكم تتجمل الأوقات .. وبجودكم تتنزل الأقوات .. وبسركم تطوي الركائب سيرها .. وبنشركم تتعطر النسمات .. وبذكركم تطوى أحاديث العلى .. وبفضلكم تتلى لنا الآيات .. وبشكركم تتحدث الركبان .. والبلدان والعمران والفلوات .. وبرسمكم ينشا السحاب وبإسمكم .. يمحى العقاب وتغفر الزلات .. أنتم معاني الكائنات فأينما .. أنتم حللتم حلت البركات .. أنتم معاني الكائنات فأينما … أنتم حللتم حلت البركات.

لله ما أحلى قديم حديثكم … ذاك الذي هو للقلوب حياة .. تحيى قلوب العارفين بذكركم … والجاهلون قلوبهم أموات .. غنى الزمان بذكركم متهللاً … فرحاً فكل جهاته نغمات .. طرب الوجود على لذيذ سماعكم … فكأنما نسماته نايات .. رقت معانيكم فحار أولو النهى … واستعجمت برموزها الكلمات .. وبدا سناء صباحكم فقلوبنا … كزجاجة وصدورنا المشكاة .. وقع النداء لنا ألست بربكم … قلنا بلى وأجابت الذرات .. شهد الشهود وأثبت القاضي على … إشهادكم وتسجل الإثبات.

وعلى قديم العهد نحن إلى اللقا … هيهات أن تتحول الحالات .. جعل التعاون بيننا من ذلك ال … عهد القديم وضمنا الميقات .. ما في الحمى إلا محب جمالكم … حتى حمام الأيك والأثلات .. إن كان للأيام أعياد الهنا … أنتم لنا الأعياد والجمعات .. فكلامكم من معدن الوحي الذي … ظهرت على إثباته الآيات .. واهاً على أحوال قوم أعرضوا … عن بابكم كم فاتهم خيرات .. وحياتكم من فاته من أنسكم … وقت فكل العمر منه فوات .. ومن احتمى يوماً بغير حماكم … حلت به الآفات والهلكات ..

لفقيدكم تجري الكنوز من الثرى … وبعبدكم تتضامن السادات .. يا نائمين تيقظوا من نومكم … لم يبق من قرب الحبيب سبات .. يا معرضين عن الكريم تعرضوا … فلربكم في دهركم نفحات .. خلوا الغرور فكل شيء هالك … لا شك إلا الله والطاعات .. أين الجبابرة الفراعنة التي … ضاقت لعظم جيوشها الفلوات .. أين الملوك السالفون ومدحهم … أين البنود السود والرايات .. بل أين ذو القرنين من دانت له م … الآفاق والبلدان والظلمات ..

أين المعارف أين اخوان الصفا … والأخوة والأنساب والأخوات .. جز في ديارهم وسائل عنهم … يخبرك أنهم جميعاً ماتوا .. لله كم تحت الثرى من أمة … راحت وملء فؤادها حسرات .. كانوا وكانت في الحمى أوقاتهم … ماتوا وماتت معهم الأوقات .. يبكي الزمان عليهم متأسفاً … وتفيض من أجفانه العبرات .. بالأمس كانوا في المنازل كلهم … واليوم هم تحت التراب رفات .. ثم الصلاة على النبي وآله … ما دامت الأزمان والساعات.

3 /  المنتخب الجليل

الإمام أبو الفضل المالكي صاحب المسجد المعروف في منطقة الوراقة بالمحلة الكبرى هو الشيخ جلال الدين أبو الفضل محمد بن قاسم السلمي المالكي المحلي السعودي ، ولد بالمحلة الكبرى عام 879 هـ وتوفي فيها عام 943 هـ ، ويرجع في نسبه إلى جده الشيخ تقي الدين أبي محمد عبد السلام بن سلطان السلمي القليبي صاحب الضريح المعروف بقرية قليب إبيار مركز كفر الزيات والمتوفي عام 658 هـ وهو من ذرية الصحابي الجليل العباس بن مرداس السلمي زعيم قبيلة بني سليم العربية وأحد قادة الفتح الإسلامي لمصر.

وقد عرف بالمالكي نسبة لمذهبه الفقهي حيث كان من علماء المالكية وعرف بالمحلي نسبة إلى بلدته المحلة الكبرى وعرف بالسعودي نسبة إلى شيخه في التصوف وهو إمام عصره الشيخ أبو السعود الجارحي صاحب المواقف التاريخية المعروفة مع المماليك والعثمانيين حيث صحبه مدة طويلة في القاهرة ثم رجع بعد وفاته إلى المحلة وبنى مسجده فيها عام 937 هـ ، وارتبط بصداقة دامت طويلا مع الإمام عبد الوهاب الشعراني ورافقه أكثر من مرة في رحلاته إلى الحجاز للحج.

تبحر الشيخ أبو الفضل المالكي في الفقه واللغة والتصوف والشعر وله عدة كتب وتصانيف منها شرح ألفية ابن مالك وشرح همزية البوصيري ، لكن أهم مؤلفاته هو كتاب المختصر الذي يعد من أهم الكتب في علم مقارنة الأديان في القرن العاشر الهجري والمعروف باسم المنتخب الجليل من تخجيل من حرف الإنجيل وهو عرض شامل للكتاب الموسوعي للإمام أبي البقاء صالح بن حسين الجعفري المتوفي عام 668 هـ والمعروف باسم تخجيل من حرف التوراة والإنجيل.

وقد نقل عنه مؤلفاته تلميذه وخليفته من بعده الشيخ أبو المجد محمد بن عبد القادر ابن الصلف المحلي والمتوفي عام 958 هـ ، وذكره حاجي خليفة في موسوعة كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون فقال : ” تخجيل من حرف الإنجيل للشيخ الإمام أبي البقاء صالح بن حسين الجعفري ومنتخبه للشيخ أبي الفضل المالكي السعودي فرغ من تأليفه في شوال سنة اثنين وأربعين وتسعمائة ، أول الأصل : الحمد لله الواحد الذي لا يتكثر بالأعداد … إلخ ، وهو عشرة أبواب  “.

وذكره نجم الدين الغزي في كتابه الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة فقال : ” محمد بن قاسم الشيخ الإمام شيخ الإسلام جلال الدين ابن قاسم المالكي قال الشعراوي : كان كثير المراقبة لله تعالى في أحواله وكانت أوقاته كلها معمورة بذكر الله تعالى ، شرح المختصر والرسالة وانتفع به خلائق لا يحصون ، ولاه السلطان الغوري القضاء مكرهاً وكان أكثر أيامه صائماً وكان حافظاً للسانه في حق أقرانه لا يسمع أحداً يذكرهم إلا يجلهم وكان حسن الاعتقاد في الصوفية رحمه الله تعالى “.

ورغم أن كتابه (المنتخب الجليل) يتناول موضوعا دينيا وفكريا إلا أن أسلوبه في الكتابة أدبي وبلاغي يعتمد على السجع في سياقه العام كما يغلب على المؤلف حب الشعر فلا تخلو صفحة إلا ويستشهد فيها ببيت أو بيتين أو أكثر كما أورد في بعضها أبياتا من بردة البوصيري ، ويحوي الكتاب في ثناياه نقلا دقيقا للمناظرات التي خاضها المؤلف مع بعض رجال الدين وسرد بالتفصيل الخلافات اللاهوتية بين المذاهب المسيحية المختلفة حول طبيعة المسيح والتي كانت السبب الأهم في انفصال وتفرق الكنائس.

وقد استهل كتابه بمقدمة يشرح فيها أسباب تأليفه في هذا الموضوع حيث قال : ” الحمد لله الذي أظهر من زوايا الإنجيل خبايا التوحيد وفضح أفكار أهل التبديل بما خفي عليهم به من معاني التفريد وأنزل توحيده في كتبه المنزلة على الفئة المرسلة بكل قول سديد ، أحمده على جزيل النعم بما حمد به نفسه في سابق القدم وأشكره والشكر يؤذن بالمزيد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد الأحد الفرد الصمد الولي الحميد وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله سيد السادات وأشرف العبيد صلاة وسلاما دائمين عامين لا يفنى مددهما ولا يبيد.

وبعد ، فقد تدبرت ما ألفه الشيخ الإمام العالم العلامة أبو البقاء صالح بن الحسين الجعفري في كتابه (تخجيل من حرف الإنجيل) فغصت اللجج على جواهره واقتبست من أنواره ما اهتديت به إلى جني أزهاره فإنه المطلع على أناجيلهم والمبين حقائق أباطيلهم ، فجمعت من أدلة الإنجيل مما نقله عن أناجيلهم وبينه مع أباطيلهم وأظهره من الأدلة السالمة من التحريف والتبديل الدالة على توحيد الجليل والعبودية لسائر مخلوقاته من أرضه وسمواته.

لا يخرج عن عبوديته ملك مقرب ولا نبي مرسل وإن رغم أنف من حرف وبدل مما غرهم من أفهامهم السقيمة وأخلاقهم اللئيمة مما زين لهم الشيطان من أقوال في أناجيلهم ليست محمولة على ظاهرها إذ حملها عليه وسيلة لأباطيلهم بل جرى بإطلاقها اصطلاح في تلك الأزمنة عام بين الأنام لمعنى لائق للخاص والعام مما يأتي ذكره في المقدمة ويفوح نشره فيتبين للسالك المحجة ويحق القول على الذين ظلموا ولله الحجة.

فأحببت أبدأ للحق بنسبة العبودية للمسيح من النقول عندهم المرضية من أناجيلهم الأربعة التي هي الآن بأيديهم وعليها المعول لديهم ومن أسفار التوراة وشرائع النبوات من إشعياء وزكريا وأرميا ودانيال وغيرهم من إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا ، فمتى من الاثني عشر الحواريين بشر بإنجيله باللغة السريانية بأرض فلسطين بعد صعود المسيح إلى السماء بثماني سنين وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحا.

وثانيهم مرقس وهو من السبعين وبشر بإنجيله باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد صعود المسيح وعدة إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحا ، وثالثهم لوقا وهو من السبعين بشر بإنجيله بالإسكندرية باللغة اليونانية وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحا ، ورابعهم يوحنا وهو حبيب المسيح بشر بإنجيله بمدينة أفسس من بلاد رومية بعد صعود المسيح بثلاثين عاما وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحا ، وكان التلاميذ كلهم عبرانيين إلا لوقا والله أعلم.

ثم رتبت هذا الكتاب إلى مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة ، فالمقدمة تشتمل على تأويل ما ورد موهما من ألفاظ الإنجيل كالأب والابن والإله والرب والسجود والغفران وغير ذلك ومساواة المسيح غيره من الأنبياء والمرسلين السابقين في ذلك ، الباب الأول فيما سلم من التبديل من ألفاظ الإنجيل بما فيه الشهادة بعبودية المسيح من الأدلة الواضحة والإشارات اللائحة.

الباب الثاني في تعريف مواطن التحريف بما فيه تكاذب الأناجيل التي بأيديهم والشهادة بالتبديل عليهم ، الباب الثالث في إبطال الاتحاد وذكر ما فيه من الإلحاد ، الباب الرابع في إبطال أمانتهم وإثبات خيانتهم التي هم بها متقربون وبألفاظها متبركون ، الباب الخامس في إثبات نبوته ورسالته بما أظهره من معجزاته وآياته.

الباب السادس في أنه ما أتلا بعجيب إلا سبقه به المرسلون وأتى به من أمة نبينا السادة العارفون ، الباب السابع في أن المسيح وإن قصد وطلب ما قتل وما صلب ، الباب الثامن في الأدلة على أن المصلوب الشبه وأنه على قاتليه عند قتله اشتبه والدلالة على رفعه إليه لشرفه عنده وكرامته عليه.

الباب التاسع في فضائح النصارى واليهود وحيل الرهبان وما رأوه من البهتان ، الباب العاشر في البشائر الإلهية بالنسمات المحمدية ، الخاتمة في ذكر معجزات منه عليه الصلاة والسلام لم يسبق مثلها لنبي ولا رسول بل هي أعجب وأغرب شاهدة بأنه الأعز الأقرب ، قال : الخاتمة ختامها مسك عاطر التتميم وكأسها مترع بوصفه الكريم مزاجه من تسنيم.

والله أسأل أن يكون جدالنا لظالمي أهل الكتاب امتثالا لأمره وتبيين الباطل المهين وإظهار الحق المبين سببا لنصره وإخلاصا لشكره ، والله ينفع من تصدى لجدالهم وسعى في تبيين محالهم إن قوي إيمانه فتحقق أباطيلهم ورأى الحق حقا فتمسك من الملة الحنيفية بالعروة الوثقى إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير “.

4 / شرح الكوكب المنير

(شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير) هو عنوان كتاب في أصول الفقه على المذهب الحنبلي صنفه الفقيه الحنبلي الثبت والأصولي اللغوي المتقن العلامة قاضي القضاة تقي الدين أبو البقاء محمد بن شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز بن على الفتوحي المصري الحنبلي الشهير بابن النجار ، ولد في مصر سنة 898 هـ / 1492 م وتوفي فيها عام 972 هـ / 1564 م وأخذ العلم عن والده شيخ الإسلام وقاضي القضاة وعن كبار علماء عصره وتبحر في العلوم الشرعية وبرع في الفقه والأصول وانتهت إليه رياسة المذهب الحنبلي حتى قال عنه ابن بدران : ” كان منفرداً في علم المذهب “.

وقد اختصره من كتاب تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول للقاضي علاء الدين على بن سليمان بن أحمد المرداوي المقدسي المتوفى سنة 885 هـ محرر أصول المذهب وفروعه ، وقد ضمَّ هذا المختصر مسائل أصله مما قدَّمه المرداوي من الأقوال أو كان عليه الأكثر من الأصحاب دون ذكر لبقية الأقوال إلا لفائدة تقتضي ذلك وتدعو إليه ، وقال عن سبب التأليف : ” وإنما وقع اختياري على اختصار هذا الكتاب دون بقية كتب هذا الفن لأنه جامع لأكثر أحكامه حاو لقواعده وضوابطه وأقسامه قد اجتهد مؤلفه في تحرير نقوله وتهذيب أصوله “.

وقد استهل كتابه بمقدمة جاء فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم وَبِهِ نَسْتَعِينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَأَعْطَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ عَطَاءً جَمًّا الْقَدِيمِ الْحَكِيمِ الَّذِي شَرَعَ الأَحْكَامَ وَجَعَلَ لَهَا قَوَاعِدَ وَهَدَى مَنْ شَاءَ لِحِفْظِهَا وَفَتَحَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ مَا أَغْلَقَ مِنْ الأَدِلَّةِ وَوَفَّقَهُ لِفَهْمِهَا ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمُبَيِّنِ لأُمَّتِهِ طُرُقَ الاسْتِدْلالِ الْمُقْتَدَى بِهِ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ وَفِيمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ مِنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ نَقَلَةِ الشَّرْعِ وَتَفْصِيلِ أَحْكَامِهِ مِنْ حَرَامٍ وَحَلالٍ.

أَمَّا بَعْدُ ، فَهَذِهِ تَعْلِيقَةٌ عَلَى مَا اخْتَصَرْتُهُ مِنْ كِتَابِ (التَّحْرِيرِ) فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ وَالصِّدِّيقِ الثَّانِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، تَصْنِيفِ الإِمَامِ الْعَلاَّمَةِ عَلاءِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمِرْدَاوِيِّ الْحَنْبَلِيِّ عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِّي وَعَنْهُ آمِينَ ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ حَجْمُهَا بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ وَأَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَى إتْمَامِهَا وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَسَمَّيْتهَا بِالْمُخْتَبَرِ الْمُبْتَكَرِ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ ، وَعَلَى اللَّهِ أَعْتَمِدُ وَمِنْهُ الْمَعُونَةَ أَسْتَمِدُّ ” ، ثم شرح ابن النجار مختصره شرحا قيماً نفيساً مساه بالمختبر المبتكر شرح المختصر.

وله مؤلفات أخرى في علوم الدين أشهرها كتاب (منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح والزيادات) في فروع الفقه الحنبلي وهو عمدة المتأخرين في المذهب وعليه الفتوى فيما بينهم إذ حرر مسائله على الراجح والمعتمد من المذهب ، وفد اشتغل به عامة طلبة الحنابلة في عصره واقتصروا عليه ، ثم شرحه شرحا مفيداً يقع في ثلاثة مجلدات أحسن فيه وأجاد وكان غالب استمداده فيه من كتاب الفروع لابن مفلح ، ومن أبرز شروح المنتهى وأجودها شرح العلامة منصور بن يونس البهوتي المتوفى سنة 1051 هـ شيخ الحنابلة في عصره وذلك في ثلاث مجلدات كبار وهو مطبوع مشهور متداول.

وقد قال الشيخ البهوتي عن هذا الكتاب : ” إن كتاب المنتهى لعمل الفضائل وأوحد العلماء الأماثل محمد تقي الدين ابن شيخ الإسلام أحمد شهاب الدين ابن النجار الفتوحي الحنبلي تغمده الله برحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جناته ، سلك فيه منهجًا بديعًا ورصعه ببدائع الفوائد ترصيعًا عُد ذلك الكتاب من المواهب وسار في المشارق و المغارب “.

وكان المؤلف صالحاً تقياً عفيفاً زاهداً معرضاً عن الدنيا وزينتها مهتماً بالآخرة وصالح الأعمال لا يشغل شيئاً من وقته في غير طاعة وقضى حياته كلها في تعَلُّمٌ وتعليم وإفتاء وتصنيف مع جلوسه في إيوان الحنابلة للقضاء وفصل الخصومات ، ويحكى عنه أنه لم يقبل ولاية القضاء إلا بعد أن أشارَ عليه كثير من علماء عصره بوجوب قبولها وتعَيُّنِهِ عليه وبعدما سأله الناس إياها وألحّوا عليها في قبولها وقد كان خلفاً لوالده في الإفتاء والقضاء بالديار المصرية.

وقد تلقى العلم عن والده شيخ الإسلام قاضي القضاة أحمد بن عبد العزيز الفُتُّوحِي الفقه والأصول وحفظ كتاب المقنع للموفق وغيره على الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد بن علي بن إدريس البهوتي جد شيخ المذهب الشيخ منصور البهوتي المتوفى سنة 1051 هـ صاحب حاشية على منتهى الإرادات ، وأخذ العلم عن الشيخ أحمد المقدسي وأخذ عن الشيخ عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد الأنصاري الجزيري المتوفي عام 977 هـ بالقاهرة ، وأورد ابن حميد في السحب الوابلة رحلته فقال : ” وسافر إلى الشام وأقام بها مدة من الزمان وعاد وقد ألف مصنفه المشهور المنعوت بمنتهى الإرادات حرر مسائله على الراجح من المذهب فاشتغل به عامة طلبة الحنابلة في عصره واقتصروا عليه “.

وحج قبل بلوغه عندما كان بصحبة والده في الحج ثم حج حجة الفريضة في عام 955 هـ على غاية من التقشف والتقليل من زينة الدنيا وعاد مكبَاً على ما هو بصدده من الفتيا والتدريس لانفراده بذلك ، وقد ظل مكبّاً على العلم ويدرس ويصنف ويفتي مذهب الإمام أحمد ويحرره إلى أن أتاه المرض الأخير الذي وافته المنية فيه وذلك عصْر يوم الجمعة الثامن عشر من صفر سنة  972 هـ فصلى عليه ولده موفق الدين بالجامع الأزهر ودفنه بقرافة المجاورين.

وقد نبغ من أسرته عدد كبير من الفقهاء والعلماء وأولهم والده قاضي القضاة الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز الفُتُّوحِي الحنبلي الذي ولد سنة 862 هـ ومشايخه يزيدون عن مائة وثلاثين شيخاً وكان من أقضى القضاة عالماً متواضعاً طارحاً للتكلف انتهت إليه الرئاسة في تحقيق نقول مذهبه وفي علوم السنة وله مؤلفات عدة وتوفي بالقاهرة في سنة 946 هـ  .

وأما عن أولاده فقد أورد ابن حميد في كتاب السحب الوابلة  أن له ثلاثة أولاد وذكر أن اثنين منهم كانا من العلماء إذ يقول : ” وكان قبل وفاته نزل عن تدريس المدارس لولده موفق الدين وأجازه بالفتيا والتدريس وأجلسه بالجامع الأزهر لإفادة الطلبة .. ثم سأل قاضي مصر وهو مريض بمكاتبة أن يفوض لولده الكبير المدعو ولي الدين قضاء الصالحية فأجابه إلى ذلك “.

ومن أحفاده الشيخ عثمان بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن إبراهيم الفُتُّوحِي ابن النجار أحد أجلاء علماء الحنابلة بمصر ، كان قاضياً بالمحكمة الكبري بمصر له في الفقه مهارة كلية وإحاطة بالعلوم العقلية والنقلية أخذ العلم عن والده وله الكثير من المؤلفات النافعة منها حاشية على منتهى الإرادات وله  الحاشية الجليلة وغيرهما وتوفي بمصر سنة 1064 هـ ، وأخذ عنه العلم ولده قاضي القضاة بالديار المصرية مهذب الدين أبو اليمن محمد بن عثمان ابن النجار.

وقد ترجم له جميل الشطي في كتابه مختصر طبقات الحنابلة فقال : ” الإِمام تقي الدين بن النجار الفتوحي صاحب المنته” محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المصري الشهير بابن النجار العالم العلامة الفقيه تقي الدين أبو بكر ابن الإِمام العالم العلامة شهاب الدين المتقدمة ترجمته ، ولد صاحب الترجمة بمصر القاهرة ونشأ بها وأخذ الفقه عن أبيه.

ترجمه العارف عبد الوهاب الشعراني في ذيله على طبقات الأولياء له فقال ومنهم سيدنا ومولانا الشيخ الإِمام العلامة الشيخ تقي الدين ولد شيخ الإِسلام الشيخ شهاب الدين الشهير بابن النجار صحبته أربعين سنة فما رأيت عليه شيئًا يشينه في عرضه بل نشأ في عفة وصيانة ودين وعلم وأدب وديانة أخذ العلم عن والده شيخ الإِسلام المذكور وعن جماعة من أرباب المذاهب المخالفة وتبحر في العلوم حتى انتهت إليه الرياسة في مذهبه وأجمع الناس أنه إذا انتقل إلى رحمة الله مات بذلك فقه الإِمام أحمد من مصر وسمعت هذا القول مرارًا من شيخنا الشيخ شهاب الدين الرملي.

وما سمعته قط يستغيب أحدًا من أقرانه ولا غيرهم ولا حسد أحدًا عَلَى شيء من أمور الدنيا ولا زاحم عليها وولي القضاء بسؤال جميع أهل مصر فأشار عليه بعض العلماء بالولاية وقال يتعين عليك ذلك فأجاب مصلحة المسلمين وما رأيت أحدًا أحلى منطقًا منه ولا أكثر أدبًا مع جليسه حتى يود أنه لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا وبالجملة فأوصافه الجميلة تجل عن تصنيفي فأسأل الله تعالى أن يزيده من فضله علمًا وعملًا وورعًا إلى أن يلقاه وهو عنه راض آمين انتهى وكانت وفاة صاحب الترجمة في حدود سنة ثمانين وتسعمائة رحمه الله رحمة واسعة آمين “.

وجاءت ترجمة والده في كتاب الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة للغزي حيث يقول : ” أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الحنبلي ، أحمد بن عبد العزيز بن علي الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة شهاب الدين الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار قاضي قضاة الحنابلة بالديار المصرية مولده سنة اثنتين وستين وثمانمائة ومشايخه تزيد على مائه وثلاثين شيخاً وشيخة وكان عالماً عاملاً متواضعاً طارحاً للتكلف.

سمع منه ابن الحنبلي حين قدم حلب مع السلطان سليم خان سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة الحديث المسلسل بالأولية وقرأ عليه في الصرف وأجاز له ثم أجاز له بالقاهرة إجازة تامة بجميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه كما ذكره في تاريخه ، وذكر والد شيخنا أنه لما دخل دمشق صحبة الغوري هو وقاضي القضاة كمال الدين الطويل الشافعي وقاضي القضاة عبد البر بن الشحنة الحنفي وقاضي القضاة المالكي وشيخ الإسلام جمال الدين العباد هرع إليهم جماعة للأخذ عنهم لعلو أسانيدهم وكان ذلك في أوائل جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة.

وذكر الشعراوي أن صاحب الترجمة لم يل القضاء إلا بعد إكراه الغوري له المرة بعد الأخرى ثم ترك القضاء في الدولة العثمانية وأقبل على العبادة في آخر عمره وأكب على الاشتغال في العلم حتى كأنه لم يشتغل بعلم قط مع أنه انتهت إليه الرئاسة في تحقيق مقول مذهبه وفي علو السند في الحديث وفي علم الطب والمعقولات ، وكان في أول عمره ينكر على الصوفية ثم لما اجتمع بسيدنا علي الخواص وغيره أذعن لهم واعتقدهم وصار بعد ذلك يتأسف على عدم اجتماعه بالقوم من أول عمره ثم فتح عليه في الطريق وصار له كشف عظيم قبل موته.

توفي في سنة تسع – بتقديم التاء – وأربعين وتسعمائة وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة يوم عيد الأضحى منها وعلى الشيخ شمس الدين الضيروطي والشيخ شمس الدين الصهيوني جمعاً ، قال الشعراوي : وهو آخر مشايخ الإسلام من أولاد العرب انقراضاً ، قلت : هذا جار على اصطلاحهم في زمان الجراكسة من تقليب كل من ولي قضاء القضاة شيخ الإسلام والمراد به آخر قضاة القضاة من أبناء العرب موتاً بالقاهرة “.

5 / الطبقات الكبرى

(الطبقات الكبرى) هو اسم الشهرة لكتاب لواقح الأنوار في طبقات الأخيار والذي كتبه منظر الصوفية الأكبر في القرن العاشر الهجري الإمام أبو المواهب عبد الوهّاب بن أحمد بن علي الأنصاري الشعراني العالم الزاهد الفقيه المحدث المصري الشافعي الشاذلي الصوفي المعروف عند المتصوفة بلقب القطب الرباني والذي ولد في قرية قلقشندة بالقليوبية عام 898 هـ / 1491 م وتوفي بالقاهرة عام 973 هـ / 1565 م وعرف بالشعراني نسبة إلى قرية والده وهي ساقية أبو شعرة بالمنوفية.

ويتناول الكتاب السيرة الذاتية لأشهر الزاهدين والعابدين في تاريخ الإسلام وبدأ بالخلفاء الراشدين ثم العشرة المبشرين بالجنة ثم كبار الصحابة والتابعين وأوائل المتصوفة وكبار الأولياء ومؤسسي الطرق الصوفية الكبرى وشيوخها حتى القرن العاشر الهجري ، وأتبع ذلك بكتاب آخر يتناول عددا كبيرا من الشخصيات الأقل شهرة وكذلك من عاصرهم المؤلف وهو لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية المعروف بالطبقات الوسطى ثم أتبعه بكتاب عرف باسم ذيل الطبقات (الطبقات الصغرى).

وكان مولده فى السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وتسعين وثمانمائة في قلقشندة بدار جده لأمه ، ثم عادت به أمه بعد أربعين يوما من ولادته إلى قرية أبيه ساقية أبى شعرة فنشأ بها ، وهاجر منها إلى القاهرة المعزية فأقام بالجامع الغمرى سبع عشرة سنة حيث حفظ فيه العلم وشرح الكتب وسلك طريق الصوفية ، ومؤلفاته تزيد على سبعين مؤلفا منها كتاب اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر وكتاب الميزان الكبرى وكتاب مدارك السالكين إلى رسوم طريق العارفين.

ومن مؤلفاته كتاب إرشاد المغفلين من الفقهاء والفقراء إلى شروط صحبة الأمراء وكتاب الكوكب الشاهق في الفرق بين المريد الصادق وغير الصادق وكتاب لطائف المنن والأخلاق المعروف بالمنن الكبرى وكتاب إرشاد الطالبين إلى مراتب العلماء العالمين وكتاب البحر المورود في المواثيق والعهود وكتاب البدر المنير وكتاب بهجة النفوس والأسماع والأحداق فيما تميز به القوم من الآداب والأخلاق وكتاب الجواهر والدرر الكبرى وكتاب الكبريت الأحمر في علوم الشيخ الأكبر.

وكان مرجع أهل عصره في التصوف والحكم بين أهله ، ومن ذلك إصلاحه بين اثنين من كبار شيوخ المحلة الكبرى كما ذكر في كتابه المنن الوسطى حيث يقول  : ” ولما وقعت العداوة بين الشيخ عبد الله الغمري والشيخ عبد المجيد الطريني وانقسمت أهل المحلة نصفين مع كل واحد جماعة جمعت بينهما عندي في الزاوية في محل خلوة وقلت لهما : لا شك ولا خفاء أنكم مشايخ البلد وكلام كل واحد منكما مقبول عند جماعته ومريديه فينحل الأمر إلى صحة تجريح عرض كل واحد منكما وتزول حرمتكما جميعا فاستحسنا الكلام وأقبلا على بعضهما وكان لهما نحو عشرين سنة متعاديين والناس بينهما في تعب “.

ذكره علي باشا مبارك في الخطط التوفيقية نقلا عن كتاب الدرر المنظمة حيث كان مؤلفه معاصرا للشيخ فقال : ” وعطفت على إشارات الشيخ الخواطر ولهجت بذكر محبته ألسن مشايخ العرب والأكابر حتى صار الحال فى الغالب لا يتولى أحد منصبا سلطانيا إلا بعد أن يجتمع بالشيخ ويأخذ خاطره فى شأنه ، وربما مرّ على زاويته بتشريفه وموكبه ونزل على بابها وأوقف من معه خارجها ودخل إلى الشيخ وقبل يده ثم عاد إلى حاله مستبشرا باجتماعه به ومعتمدا على ما صدر من ألفاظه وانفرد فى القاهرة بكثرة القبول والإقبال.

وأخذ خاطره من الأكابر والأصاغر فى غالب كل قضية وولاية وحال مع تواضعه جدا خصوصا لذوى المناصب وأكابر الدولة والمتولين ممن يتردد إليه من الأمراء والأعيان وإقباله بكليته عليهم إذا حضروا عنده فى كل وقت وأوان وإعراضه عمن سواهم حالة اجتماعه بهم ، وربما انفرد بذاته معهم فى مكان وتبرعه بحمل حملاتهم وبذل جهده فى تحصيل إراداتهم ومقصوده بذلك سرعة قبول شفاعته لديهم وقضاء مآرب من يقصدهم ويعتمد عليهم وربما أثقلته فى بعض الأوقات حملة من الحملات فيرد عليه بسبب ذلك من الواردات ما يأمر بسببه الفقراء والأطفال والقاطنين بزاويته بالصعود إلى سطحها والمنارة والتضرع إلى الله بجليل الابتهالات وربما رمى نفسه طرحا على الأعتاب متغلبا فى ذلك الحال الذى يرد عليه أو فى طريق الباب.

وربما خرج من زاويته عشاء منفردا ماشيا لوارد أو حال ورد عليه فلا يتبعه أحد من الفقراء لهيبته ولا يومئ إليه ، وحج مرارا متقللا سواء كان متلبسا بالفرض أو متنفلا منها فى سنة سبع وأربعين وتسعمائة وفى سنة ثلاث وخمسين وثلاث وستين ، ولم تزل مدرسته مأوى للفقراء والمجاورين ولهم بها الراتب فى الغداة والعشى من ذلك الوقف وما يفتح الله به على تداول الأوقات والسنين مع إحياء ليلة الاثنين والجمعة واجتماع العدد الوافر والجم الغفير بعد صلاتها فى تلك البقعة وملازمته لإلقاء الدروس من الفقه ومن مصنفاته التصوفية على مريديه فى أوقات متعددة من غير بحث من أحد الفقهاء المترددة ، وربما حملت إليه الصلات والهبات من النقود والأصناف المتنوعات فتارة يخص بها المجاورين وتقسم عليهم على كل الحالات وتارة يمنع من قبول ذلك بأدنى الإشارات وله فى مثل ذلك وقائع معدودة وأحوال مشاهدة ومقصودة.

وقد أجمع على اعتقاده والتردد إليه وأخذ إشاراته والعمل بها الجم الغفير من الأعيان المتنوعة المراتب وغيرهم من كل جليل وحقير واجتمع عنده وانقطع لديه على سماط الله الأعداد الوافرة رجالا ونساء وصغارا ومنهم المتزوج والمنفرد ، وغالبهم على قراءة القرآن وتلاوته يجتمع ويعتمد، ولهم من الراتب والكسوة ما هو جار عليهم من ريع الوقف ومن بعض الأكابر والمعتقدين أعاد الله علينا وعليهم من بركات أوليائه ونفحاتهم آمين.

ولم يزل الشيخ مكبا على العبادات والأذكار والاشتغال بتصنيف الكتب وإلقاء الدروس فى مدرسته آناء الليل وأطراف النهار ، وجميع أهل مصر قاطبة يلهجون بذكره ويقصدون التبرك فى مآربهم بنهيه وأمره وكثرت منه المكاشفات والإشارات وتردد إلى أعتابه أمراء الألوية فمن دونهم وخضع لأوامره الأمراء والباشوات إلى أن تشوق إلى ما عند الله وحان قدومه على الله فأبدى ذات يوم قلقا واضطرابا سببه تغير أحوال الدين بإقليم مصر وتواتر نموّ الفواحش والمنكرات والإسفار عنها نقابا فقال فى وقت من الأوقات ما معناه : لقد طاب الموت ، لما رأى من الفساد وسوء الحالات.

فلم يمض غير لمحة الطرف حتى ورد عليه وارد المنية وبدا به حال عظيم اعتقل به لسانه وبطلت حركته بالكلية فاستمر طريحا داخل داره ، والأكابر والأصاغر واردون إلى زاويته مستفهمون عن أخباره إلى أن توفى عصر يوم الاثنين الثانى من شهر جمادى الأولى عام ثلاث وسبعين وتسعمائة ومدة تمرضه أحد وعشرون يوما ، فاجتمع لوفاته الخلائق من كل أوب وخرج نعشه من زاويته يوم الثلاثاء إلى مصلى جامع الأزهر فى مشهد حافل جدّا بحيث إن الخلائق متواصلة من زاويته إلى الجامع.

وممن صلى عليه على باشا بمصر ومن دونه من أمراء الألوية ومشايخ العرب والأعيان وقاضى العسكر ومن يليه من القضاة ومشايخ العلم والفقهاء والتجار وفقراء الزوايا ولم يستطع أحد أن يدنو من نعشه لشدة الازدحام عليه وتجاه نعشه فقراء الذكر بأعلامهم وهم أعداد متوافرة يذكرون نوبة بحيث صارت رؤية مشهده تدهش العقول ، قال صاحب الدرر المنظمة : ولا أعلم أنني رأيت مشهدا لعالم سابقا أو ولىّ لله كمشهده ولا جمعا كجمعه ، صلى عليه بالأزهر وحمل نعشه من المقصورة والخلائق تصيح بالتأسف على وفاته وطيب ذكره وعاد والخلائق على حالها فى الازدحام إلى فسقية بنيت له بجانب زاويته فى حال تمرضه وفتح له باب منها ودفن فى تلك الفسقية وقد كان كمل عملها فى وقت خروج روحه رضي الله عنه ونفعنا ببركاته آمين ، انتهى “.

وقد استهل كتاب الطبقات الكبرى بمقدمة يشرح فيها سبب تأليفه له حيث قال : ” وبعد ، فهذا كتاب لخصت فيه طبقات جماعة من الأولياء الذي يقتدي بهم في طريق الله عز وجل من الصحابة والتابعين إلى آخر القرن التاسع وبعض العاشر ، ومقصودي بتأليفه فقه طريق القوم في التصوف من آداب المقامات والأحوال لا غير.

ولم أذكر من كلامهم إلا عيونه وجواهره دون ما شاركهم غيرهم فيه مما هو مسطور في كتب أئمة الشريعة ، وكذلك لا أذكر من أحوالهم في بداياتهم إلا ما كان منشطاً للمريدين كشدة الجوع والسهر ومحبة الخمول وعدم الشهرة ونحو ذلك أو كان يدل على تعظيم الشريعة دفعاً لمن يتوهم في القوم أنهم رفضوا شيئاً من الشريعة حين تصوفوا كما صرح به ابن الجوزي في الغزالي بل في حق الجنيد والشبلي فقال في حقهم : ولعمري لقد طوى هؤلاء بساط الشريعة طياً فيا ليتهم لم يتصوفوا.

قلت : وكذلك قال لي جماعة من أهل عصري حين اجتمعت بالفقراء واشتغلت بطريقهم : وهذا الذي التزمته من ذكر عيون كلامهم فقط ما أظن أن أحداً ممن ألف في طبقاتهم التزمه إنما يذكرون عنهم كل ما يجدونه من كلامهم وأحوالهم ولا يفرقون بين ما قالوه أو وقع منهم في حال البداية ولا بين ما وقع منهم في حال التوسط والنهاية ، ومن فوائد تخصيص عيون كلامهم بالذكر تقريب الطريق على من صح له الاعتقاد فيهم وأخذ كلامهم بالقبول فإن المريد الصادق هو من إذا سمع من شيخه كلاماً فعمل به على وجه الجزم واليقين ساوى شيخه في المرتبة وما بقي له على المريد زيادة إلا كونه هو المفيض عليه.

ومن هنا قالوا : بداية المريد نهاية شيخه فإن ما قاله الشيخ أو فعله أواخر عمره هو زبدة جميع مجاهداته طول عمره وسلكت في هذه الطبقات نحو مسلك المحدثين وهو أن ما كان من الحكايات والأقوال في الكتب المسندة كرسالة القشيري والحيلة لأبي نعيم وصرح صاحبه بصحة سنده أذكره بصيغة الجزم وكذلك ما ذكره بعض المشايخ المكملين في سياق الاستدلال على أحكام الطريق أذكره بصيغة الجزم لأن استدلاله به دليل على صحة سنده عنده.

وما خلا عن هذين الطريقين فأذكره بصيغة التمريض كيحكى ويروى ، ثم لا يخفى أن حكم ما في كتب القوم كعوارف المعارف ونحوه حكم صحيح السند فأذكره بصيغة الجزم كما يقول العلماء : قال في شرح المهذب : كذا قال في شرح الروضة : كذا ونحو ذلك ، وختمت هذه الطبقات بذكر نبذة صالحة من أحوال مشايخي الذين أدركتهم في القرن العاشر وخدمتهم زماناً أو زرتهم تبركاً في مشايخ السلف وجميعهم من مشايخ مصر المحروسة وقراها رضي الله عنهم أجمعين.

ثم اعلم يا أخي أن كل من طالع في هذا الكتاب على وجه الاعتقاد وسمع ما فيه فكأنه عاصر جميع الأولياء المذكورين فيه وسمع كلامهم وذلك لأن عدم الاجتماع بالشيخ لا يقدح في محبته وصحبته فإنا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وما رأيناهم ولا عاصرناهم ، وقد انتفعنا بأقوالهم واقتدينا بأفعالهم كما هو مشاهد فإن صورة المعتقدات إذا ظهرت وحصلت لا يحتاج إلى مشاهدة صورة الأشخاص ثم إن من طالع مثل هذا الكتاب ولم يحصل عنده نهضة ولا شوق إلى طريق الله عز وجل فهو والأموات سواء والسلام.

وسميته بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار وصدرته بمقدمة نافعة تزيد الناظر فيه اعتقاداً في هذه الطائفة إلى اعتقاده وتشير من طرف خفي إلى أن الإنكار على هذه الطائفة لم يزل عليهم في كل عصر وذلك لعلو ذوق مقامهم على غالب العقول ولكنهم لكمالهم لا يغيرون كما لا يتغيرون كما لا يتغير الجبل من نفخة الناموسة ، فأكرم به من كتاب جمع مع صغر حجمه غالب فقه أهل الطريق فهو في جميع نصوص أهل الطريق ومقلديهم كالروضة في مذهب الشافعي رضي الله عنه جعله الله خالصاً لوجهه الكريم ونفع به مؤلفه وكاتبه وسامعه والناظر فيه إنه قريب مجيب “.

وقد ذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وذلك في وفيات سنة  973 هـ فقال : ” وفيها الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراوي الشافعي ، قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في طبقاته : هو شيخنا الإمام العالم العامل العابد الزاهد الفقيه المحدّث الأصولي الصوفي المربّي المسلّك من ذريّة محمد بن الحنفيّة.

ولد ببلده ونشأ بها ومات أبواه وهو طفل ومع ذلك ظهرت فيه علامة النجابة ومخايل الرئاسة والولاية فحفظ القرآن وأبا شجاع والأجرومية وهو ابن نحو سبع أو ثمان ثم انتقل إلى مصر سنة إحدى عشرة وتسعمائة وهو مراهق فقطن بجامع الغمري وجدّ واجتهد فحفظ عدة متون منها المنهاج والألفية والتوضيح والتلخيص والشاطبية وقواعد ابن هشام بل حفظ الروض إلى القضاء وذلك من كراماته.

وعرض ما حفظ على علماء عصره ثم شرع في القراءة فأخذ عن الشيخ أمين الدّين إمام جامع الغمري قرأ عليه ما لا يحصى كثرة منها الكتب الستة وقرأ على الشمس الدواخلي والنّور المحلّي والنّور الجارحي ومنلا على العجمي وعلى القسطلاني والأشموني والقاضي زكريا والشّهاب الرّملي ما لا يحصى أيضا.

وحبّب إليه الحديث فلزم الاشتغال به والأخذ عن أهله ومع ذلك لم يكن عنده جمود المحدّثين ولا لدونة النقلة بل هو فقيه النظر صوفي الخبر له دربة بأقوال السّلف ومذاهب الخلف ، وكان ينهى عن الحطّ على الفلاسفة وتنقيصهم وينفّر ممن يذمهم ويقول هؤلاء عقلاء ، ثم أقبل على الاشتغال بالطريق فجاهد نفسه مدة وقطع العلائق الدنيوية ومكث سنين لا يضطجع على الأرض ليلا ولا نهارا بل اتخذ له حبلا بسقف خلوته يجعله في عنقه ليلا حتى لا يسقط.

وكان يطوي الأيام المتوالية ويديم الصوم ويفطر على أوقية من الخبز ويجمع الخروق من الكيمان فيجعلها مرقعة يستتر بها وكانت عمامته من شراميط الكيمان وقصاصة الجلود واستمر كذلك حتى قويت روحانيته فصار يطير من صحن الجامع الغمري إلى سطحه وكان يفتتح مجلس الذكر عقب العشاء فلا يختمه إلّا عند الفجر ثم أخذ عن مشايخ الطريق فصحب الخواص والمرصفي والشناوي فتسلّك بهم.

ثم تصدى للتصنيف فألّف كتبا منها مختصر الفتوحات وسنن البيهقي الكبرى ومختصر تذكرة القرطبي والميزان والبحر المورود في المواثيق والعهود وكشف الغمّة عن جميع الأمة والمنهج المبين في أدلة المجتهدين والبدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير ومشارق الأنوار القدسية في العهود المحمدية ولواقح الأنوار واليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر والجوهر المصون في علوم الكتاب المكنون وطبقات ثلاث ومفحم الأكباد في مواد الاجتهاد ولوائح الخذلان على من لم يعمل بالقرآن وحدّ الحسام على من أوجب العمل بالإلهام والبرق الخاطف لبصر من عمل بالهواتف ورسالة الأنوار في آداب العبودية وكشف الرّان عن أسئلة الجان وفرائد القلائد في علم العقائد والجواهر والدّرر والكبريت الأحمر في علوم الكشف الأكبر والاقتباس في القياس وفتاوى الخواص والعهود ثلاثة وغير ذلك.

وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع وعقائد زائغة ومسائل تخالف الإجماع وأقاموا عليه القيامة وشنّعوا وسبّوا ورموه بكل عظيمة فخذلهم الله وأظهره عليهم ، وكان مواظبا على السّنّة مبالغا في الورع مؤثرا ذوي الفاقة على نفسه حتى بملبوسه متحملا للأذى موزعا أوقاته على العبادة ما بين تصنيف وتسليك وإفادة واجتمع بزاويته من العميان وغيرهم نحو مائة فكان يقوم بهم نفقّه وكسوة.

وكان عظيم الهيبة وافر الجاه والحرمة تأتي إلى بابه الأمراء وكان يسمع لزاويته دويّ كدوي النحل ليلا ونهارا ، وكان يحيي ليلة الجمعة بالصلاة على المصطفى صلّى الله عليه وسلم ولم يزل مقيما على ذلك معظما في صدور الصدور إلى أن نقله الله تعالى إلى دار كرامته.

ومن كلامه : دوروا مع الشرع كيف كان لامع الكشف فإنه قد يخطئ ، وقال : ينبغي إكثار مطالعة كتب الفقه عكس ما عليه المتصوفة الذين لاحت لهم بارقة من الطريق فمنعوا مطالعته وقالوا : إنه حجاب جهلا منهم ، وقال : كل إنسان لا يعذّب في النار إلّا من الجزء الناري الذي هو أحد أركان بدنه ، وقال : ذهب بعض أهل الكشف إلى أن جميع الحيوان لهم تكليف إلهي برسول منهم في ذواتهم لا يشعر به إلّا من كشف عن بصره فإن لله الحجّة على خلقه فلا يعذّب أحدا إلا جزاء فلا إشكال في إيلام الدواب ، وقال : الجبر آخر ما تنتهي إليه المعاذير وذلك سبب مآل أهل الرحمة إلى الرحمة.

وتوفي – رحمه الله – في هذه السنة ودفن بجانب زاويته بين السورين ، وقام بالزاوية بعده ولده الشيخ عبد الرحمن لكنه أقبل على جمع المال ثم توفي في سنة إحدى عشرة بعد الألف ، انتهى ملخصا “.

وذكره نجم الدين الغزي في كتابه الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة فقال : ” عبد الوهاب بن ذوقا الشعراني..  عبد الوهاب بن أحمد بن علي أحمد بن محمد بن ذوقا بن موسى بن أحمد السلطان بمدينة تونس في عصر الشيخ أبي مدين بن السلطان سعيد بن السلطان قاشين بن السلطان يحيى بن السلطان ذوقا ينتهي نسبه إلى محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه الشيخ العالم العارف الشعراني نسبة إلى قرية أبي شعرة المصري الشافعي الصوفي.

قرأ على زين الدين المحلي شرح المحلي على جمع الجوامع وحاشيته وشرح العقائد للتفتازاني وحاشية ابن أبي شريف عليه وشرح المقاصد وشرح الفصول لأبي طاهر القزويني وعلى الشيخ نور الدين الجارحي المدرس بجامع الغمري شرح ألفية العراقي للمصنف وشرح الشاطبية وغيره ، وعلى النور السنهوري الضرير الإمام بجامع الأقمر عدة كتب منها شرح نظمه للجرومية وشرح شذور الذهب وشرح الألفية للمكودي.

وعلى المحقق منلا علي العجمي بباب القرافة قطعة من المطول والعضد وقطعة من البيضاوي وعلى الصافي وعيسى الأخنائي والشرف الدمياطي الواعظ بالأزهر كل منهم قطعة من المنهاج وعلى القسطلاني كل المواهب وغالب شرحه للبخاري وعلى مجلى قطعة من شرح المنهاج للمحلي هو الشيخ أبو الحسن البكري ، وعلي النور ابن ناصر من شرح المنهاج حلي أيضاً إلى أثناء الحج والنور الأشموني قطعة من شرحه على المنهاج الذي نظمه وشرح نظمه لجمع الجوامع.

وعلى القاضي زكريا شرحه على الروض إلى باب الجهاد، وشرحه للرسالة ومختصرة لآداب القضاء وشرح التحرير وغير ذلك وعلى الشمس الحنبلي قطعة من تفسير البغوي وعلى البرهان القلقشندي قطعة من شرح المنهاج وأجاز له وعلى الشيخ شهاب الدين الرملي الروضة إلى أثناء الخيار والأعفاف ، وطالع الكتب مطالعة كثيرة وكان رحمه الله تعالى من آيات الله تعالى في العلم والتصوف والتأليف له طبقات الأولياء ثلاث والعهود والسنن وغير ذلك وكتبه كلها نافعة وقد ثلت كتبه على أنه أجتمع بكثير من العلماء والأولياء والصالحين توفي رحمه الله تعالى في حدود السبعين وتسعمائة “.

6 / مبلغ الأرب في فخر العرب

إمام الحرم المكي في القرن العاشر الهجري هو شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السّعدي الأنصاري الشافعي لُقب بابن حجر نسبة إلى جدّ من أجداده ، والسعدي نسبة إلى عشيرة بني سعد من الخزرج وهم من عرب الحوف الشرقي المهاجرين إلى وسط الدلتا في القرن الثاني الهجري (عرب شرقيون) ، والهيتمي نسبة إلى قرية محلة أبي الهيثم نسبة إلى سيدنا أبي الهيثم كثير مولى عقبة بن عامر الجهني.

ولد في محلة أبي الهيثم  وهي الهياتم مركز المحلة الكبرى حاليا في عام 909 هـ / 1503 م وتوفي في مكة المكرمة في عام 974 هـ / 1566 م ودفن في مقبرة المعلاة ، قدم ابن حجر إلى مكة في آخر سنة ثلاث وثلاثين فحجّ وجاور بها ثم عاد إلى مصر ثم حجّ بعياله في آخر سنة سبع وثلاثين ثم حجّ سنة أربعين وجاور من ذلك الوقت بمكة وأقام بها يدرّس ويفتي ويؤلّف إِلَى أَن توفّي فَكَانَت مُدَّةَ إقامته بهَا ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سنة.

وقال عنه شهاب الدين الخفاجي في كتاب ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا : ” العلامة شِهاب الدين أحمد بن حَجَر الهيْتَمي نزيلُ مكَّة شرَّفها الله علامة الدَّهر خصوصا الحِجاز فإذا نُشِرت حُلَل الفضل فهو طِراز الطّراز فكم حَجَّت وفودُ الفُضلاء لكَعْبته وتوجَّهتْ وُجوُه الطَّلب إلى قِبْلته إنْ حّدث عن الفقْهِ والحديث لم تتَقرَّط الآذانُ بمثل أخباره في القديم والحديث فهو العَلْياء والسَّنَد ومن تَفُكُّ سِهامُ أفكارِه الزَّرَد “.

وهو صاحب إنتاج غزير في المؤلفات ومنها كتاب أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل وكتاب إتحاف ذوي المروة والإنافة بما جاء في الصدقة والضيافة وكتاب الإعلام بقواطع الإسلام وكتاب الإفصاح عن أحاديث النكاح وكتاب الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود وكتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر وكتاب الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة وكتاب الفتاوى الحديثية وكتاب الفتاوى الكبرى الفقهية وكتاب الفتح المبين بشرح الأربعين وكتاب المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية وكتاب تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي وكتاب كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع.

وله كتاب مختصر بعنوان مبلغ الأرب في فخر العرب يرد فيه على الدعاوى التي تبغض العرب وبين فيه ما لهم من فضل في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وما ورد في الحديث الشريف من الإشادة بقبائل العرب المختلفة ومناقبهم وجهادهم ، وقد كان ذلك العصر حافلا بالمنافسة بين العرب والعجم وظهرت فيه بقية من الشعوبية التي تنفس على العرب مكانتهم ولغتهم وتراثهم في ظل خضوع الممالك الإسلامية كلها للأتراك العثمانيين والمغول والفرس.

وقد استهل كتابه بقوله : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله اختص العرب من بين سائر الأمم بمزايا لا تحصى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي شرف الله به العرب عمن سواهم بفضائل لا تستقصى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان صلاة وسلاما دائمين بدوام الكريم المنان الرحيم الرحمن.

وبعد ، فإن كثيرين من الفرق الأعجمية والطوائف العنادية جبلوا على بغض العرب فوقعوا في مهاوى العطب جهلا بما اختصهم الله به من المزايا التي لا يؤتوها غيرهم والعطايا المحققة لعلوا قدرهم وعظيم خيرهم حتى بلغنا عن بعض أولياء الله أنه قال : (جاهدت نفسي ستين سنة حتى خرج منها بغض العرب) .

قد كثر من جمع جم لا خلاف لهم إلا الوقيعة فيهم والاستئثار بحقوقهم ، فقصدت أن أتحفهم برسالة مختصرة جدا لتكون إن شاء الله تعالى كافة لمن اطلع عليها أن يخوض فيهم بأدنى كلمة وإلا حقت عليه الكلمة فإن الجاهل قد يعذر بخلاف غيره فإنه ربما عاجله ما يخاف ويحذر.

ولما عزمت على هذا المقصد النافع إن شاء الله تعالى رأيت لشيخ الإسلام والحفاظ أبي الحسين عبد الرحمن العراقي تأليفا في ذلك حافلا لكنه طوله بالأسانيد الكثيرة والطرق المستفيضة الشهيرة ، قصدت اختصاره في دون عشرة فصول بحيث لا أفوت شيئا من مقاصده وفوائده مستعينا بالله تعالى ومتوكلا عليه ومستندا في سائر أموري إليه إنه أكرم كريم وأرحم رحيم ، وسميته (مبلغ الأرب في فخر العرب) ، ورتبته على مقدمة وفصول وخاتمة “.

وقد ذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وذلك في وفيات سنة 973 هـ فقال : ” وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر – نسبة على ما قبل إلى جدّ من أجداده كان ملازما للصمت فشبّه بالحجر – الهيتمي السّعدي الأنصاري الشافعي الإمام العلّامة البحر الزاخر.

ولد في رجب سنة تسع وتسعمائة في محلّة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر المنسوب إليها ومات أبوه وهو صغير فكفله الإمامان الكاملان شمس الدّين بن أبي الحمائل وشمس الدّين الشّنّاوي ، ثم إن الشمس الشّنّاوي نقله من محلّة أبي الهيتم إلى مقام سيدي أحمد البدوي فقرأ هناك في مبادئ العلوم ثم نقله في سنة أربع وعشرين إلى جامع الأزهر فأخذ عن علماء مصر وكان قد حفظ القرآن العظيم في صغره.

وممن أخذ عنه شيخ الإسلام القاضي زكريا والشيخ عبد الحق السنباطي والشمس المشهدي والشمس السّمهودي والأمين الغمري والشّهاب الرّملي والطبلاوي وأبو الحسن البكري والشمس اللقاني الضيروطي والشّهاب بن النّجار الحنبلي والشّهاب بن الصائغ في آخرين.

وأذن له بالإفتاء والتدريس وعمره دون العشرين وبرع في علوم كثيرة من التفسير والحديث والكلام والفقه أصولا وفروعا والفرائض والحساب والنحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق والتصوف ، ومن محفوظاته المنهاج الفرعي ، ومقروءاته لا يمكن حصرها ، وأما إجازات المشايخ له فكثيرة جدا استوعبها في معجم مشايخه وقدم إلى مكة في آخر سنة ثلاث وثلاثين فحجّ وجاور بها ثم عاد إلى مصر ثم حجّ بعياله في آخر سنة سبع وثلاثين ، ثم حجّ سنة أربعين وجاور من ذلك الوقت بمكة وأقام بها يدرّس ويفتي ويؤلّف.

ومن مؤلفاته شرح المشكاة وشرح المنهاج ، وشرحان على الإرشاد وشرح الهمزية البوصيرية وشرح الأربعين النواوية ، والصواعق المحرقة ، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع ، والزواجر عن اقتراف الكبائر ، ونصيحة الملوك ، وشرح مختصر الفقيه عبد الله بأفضل الحاج المسمى المنهج القويم في مسائل التعليم ، والأحكام في قواطع الإسلام ، وشرح العباب المسمى بالإيعاب ، وتحذير الثقات عن أكل الكفتة والقات ، وشرح قطعة صالحة من ألفية ابن مالك ، وشرح مختصر أبي الحسن البكري في الفقه ، وشرح مختصر الروض ، ومناقب أبي حنيفة وغير ذلك.

وأخذ عنه من لا يحصى كثرة وازدحم الناس على الأخذ عنه وافتخروا بالانتساب إليه ، وممن أخذ عنه مشافهة شيخ مشايخنا البرهان بن الأحدب ، وبالجملة فقد كان شيخ الإسلام خاتمة العلماء الأعلام بحرا لا تكدره الدّلاء إمام الحرمين كما أجمع عليه الملأ كوكبا سيّارا في منهاج سماء الساري يهتدي به المهتدون تحقيقا لقوله تعالى : وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ، واحد العصر وثاني القطر وثالث الشمس والبدر أقسمت المشكلات ألا تتضح إلّا لديه وأكدت المعضلات أليتها أن لا تنجلي إلا عليه لا سيما وفي الحجاز عليها قد حجر ، ولا عجب فإنه المسمى بابن حجر ، وتوفي – رحمه الله تعالى – بمكّة في رجب ودفن بالمعلاة في تربة الطّبريين “.

وترجم له محي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروس في كتابه النور السافر عن أخبار القرن العاشر فقال : ” وفيهَا فِي رَجَب توفّي الشَّيْخ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام خَاتِمَة أهل الْفتيا والتدريس ناشر عُلُوم الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْحَافِظ شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حجر الهيتمي السَّعْدِيّ الْأنْصَارِيّ بِمَكَّة وَدفن بالمعلاه فِي تربة الطبريين وَكَانَ بحراً فِي علم الفقه وتحقيقه لَا تكدره الدلاء وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ كَمَا أجمع على ذَلِك العارفون وانعقدت عَلَيْهِ خناصر الملاء إِمَام اقتدت بِهِ الْأَئِمَّة وَهَمَّام صَار فِي إقليم الْحجاز.

أمة مصنفاته فِي الْعَصْر آيَة يعجز عَن الاتيان بِمِثْلِهَا المعاصرون فهم عَنْهَا من منهل تدريسه صفاء المشرب وَطَالَ مَا طَاف حول كعبة مَنَاسِكه من الوافدين الْقَارئ كواكب سيارة فِي منهاج سَمَاء الساري يَهْتَدِي بهَا المهتدون تَحْقِيقا لقَوْله تَعَالَى {وبالنجم هم يَهْتَدُونَ} وَأحد الْعَصْر وَثَانِي الْقطر وثالث الشَّمْس والبدر من أَقْسَمت المشكلات أَن لَا تتضح إِلَّا لَدَيْهِ وأكدت المعضلات آليتها أَن لَا تتجلى إِلَّا عَلَيْهِ لَا سِيمَا وَفِي الْحجاز عَلَيْهَا قد حجر وَلَا عجب فَإِنَّهُ الْمُسَمّى بِابْن حجر.

ولد فِي رَجَب سنة تسع وَتِسْعمِائَة وَمَات أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فكلفه الإمامان الكاملان علما وَعَملا الْعَارِف بِاللَّه شمس الدّين بن أبي الخمائل وشمس الدّين الشناوي ثمَّ أَن الشَّمْس الشناوي نَقله من بَلَده محلّة أبي الهيتم إِلَى مقَام القطب الشريف سَيِّدي أَحْمد البدوي نفع الله بِهِ فقرأ هُنَالك على عَالمين بِهِ فِي مبادئ الْعُلُوم ثمَّ نَقله فِي سنة أَربع وَعشْرين وَهُوَ فِي سنّ نَحْو أَرْبَعَة عشر سنة إِلَى الْجَامِع الْأَزْهَر مُسلما لَهُ إِلَى رجل صَالح من تلامذة شَيْخه الشناوي وَابْن أبي الحمائل فحفظه حفظا بليغاً وَجمعه بعلماء مصر فِي صغر سنه فَأخذ عَنْهُم وَكَانَ قد حفظ الْقُرْآن الْعَظِيم فِي صغره

وَمن مشايخه الَّذين أَخذ عَنْهُم شيخ الْإِسْلَام القَاضِي زَكَرِيَّا الشَّافِعِي وَالشَّيْخ الإِمَام المعمر الزيني عبد الْحق السنباطي وَالشَّيْخ الإِمَام فَقِيه مجلي النَّفس الشَّافِعِي وَالشَّمْس ابْن أبي الحمائل وَالشَّمْس الشهدي واشمس السمهودي والطبلاوي الشفي وَالشَّيْخ الإِمَام أبي الْحسن الْبكْرِيّ الشَّافِعِي وَالشَّمْس اللقاطي الضيروطي وَالشَّمْس الطهراي وَالشَّمْس الْعباد وَالشَّمْس البدوي وَالشَّمْس بن عبد الْقَادِر الفرضي وَالشَّمْس الدلجي والشهاب التطوي والشهاب الركسي والشهاب بن عبد الْحق السنباطي والشهاب البلقيني والشهاب بن اطحان والشهاب بن النجار الْحَنْبَلِيّ والشهاب بن الصَّائِغ رَئِيس الْأَطِبَّاء واذن لَهُ بَعضهم بالافتاء والتدريس وعمره دون الْعشْرين وبرع فِي عُلُوم كَثِيرَة من التَّفْسِير والْحَدِيث وَعلم اكلام وأصول الْفِقْه وفروعه والفرائض والحساب والنحو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والمنطق والتصوف.

وَمن محفوظاته فِي الْفِقْه الْمِنْهَاج للنووي ومقروءاته كَثِيرَة لَا يُمكن تعدادها وَأما اجازات الْمَشَايِخ لَهُ فكثيرة جدا وَقد استوعبها رَحمَه الله فِي مُعْجم مشايخه وَقدم إِلَى مَكَّة فِي آخر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فحج وجاور بهَا فِي السّنة الَّتِي تَلِيهَا ثمَّ عَاد إِلَى مصر ثمَّ حج بعياله فِي آخر سنة سبع وَثَلَاثِينَ ثمَّ حج سنة أَرْبَعِينَ وجاور من ذَلِك الْوَقْت بِمَكَّة المشرفة وَأقَام بهَا يؤلف ويفتي ويدرس إِلَى أَن توفّي فَكَانَت مُدَّة اقامته بهَا ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَذكر رَحمَه الله فِي مُعْجم مشايخه.

قَالَ كنت بِحَمْد الله مِمَّن وقف بُرْهَة من الزَّمَان فِي أَوَائِل الْعُمر باشارة مَشَايِخ أَرْبَاب الْأَحْوَال وأعيان الْأَعْيَان لسَمَاع الحَدِيث من المسندين وَقِرَاءَة مَا تيَسّر من كتب هَذَا الْفَنّ على الْمُفَسّرين وَطلب الْإِجَازَة بأنواعها المقررة فِي هَذَا الْعلم الواسعة أرجاؤه الاسعة أنحاؤه مَعَ النَّاس والملازمة فِي تَحْصِيل الهلوم الآلية والعلوم الْعَقْلِيَّة والقوانين الشَّرْعِيَّة لَا سِيمَا علم الْفِقْه وَأَصله تَفْرِيعا وتأصيلاً إِلَى أَن فتح الْكَرِيم من تِلْكَ الْأَبْوَاب مَا فتح ووهب مَا وهب ومنح وتفضل بِمَا لم بكن فِي الْحساب ومراعاة نتيجة الإكتساب.

حَتَّى أجازني أكَابِر أسادستي باقراء تِلْكَ الْعُلُوم وافادتها وبالتصدي لتحرير المشكلة مِنْهَا بالتقرير وَالْكِتَابَة واإشارتها ثمَّ بالافتاء والتدريس على مَذْهَب الإِمَام المطلبي الشَّافِعِي ابْن إِدْرِيس رَضِي الله عَنهُ وارضاه وَجعل جنَّات المعارف منقلبه ومثواه ثمَّ بالتصنيف والتأليف وكتبت من الْمُتُون والشروح مَا يغنى رُؤْيَته عَن الاطناب فِي مدحه والإعلام بشرحه كل ذَلِك وسنى دون سنّ الْعشْرين بحلول نظر جمَاعَة عَليّ من العارفين اولي التَّصَرُّف وَالشُّهُود والتمكين وأرباب الامداد الوافر وكنوز الاسعاف والاسعاد الباهر.

ثمَّ جردت صَارف عزمي وأرهقت حد فهمي فِي خدمَة السّنة المطهرة باقراء علومها وإفادة مرسومها المستكتمة لاسيما بعد الاتيان إِلَى حرم الله تَعَالَى واستيطان بَلَده والتفرغ لاسماع المقيمين والواردين حِيَازَة لنشر الْعلم والفوز بعلاه ومدده صادعا فَوق رُؤُوس الأشهاد ليعلم الْحَاضِر والباد أَن من يبع نَفسه لمولاها يقطعهَا عَن سَائِر الْأَغْرَاض إِلَى حِيَازَة الْعُلُوم.

وأولاها الَّتِى آل التغفل عَنْهَا إِلَى اندراسها والتشاغل بالحظوظ الفانية إِلَى تزلزل قواعدها وأساسها منادياً فِي كل مجمع وناد وَسمر وعداد عباد الله هلموا إِلَى شرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِنَّهُ لَا طَرِيق أقرب فِي الْوُصُول إِلَى الله من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة المنزهة من أَن يشوبها أدنى شوب من المطامع الدُّنْيَوِيَّة وَمن ثمَّ قَالَ أَئِمَّة الْفِقْه والعرفان كَالْإِمَامِ الْأَعْظَم أبي حنيفَة النُّعْمَان ان لم تكن الْعلمَاء أَوْلِيَاء فَلَيْسَ به ولي فِي زمن من الْأَزْمَان لكِنهمْ لم يُرِيدُوا صور الْعلم بل حقائق تَطْهِير الْقُلُوب ثمَّ ملأها من معارف الْقَوْم دون شقاشق أهل الرسوم.

وكما أَن للصوفية سياحات لَا بُد مِنْهَا كَذَلِك لأئمة السّنة حالات لَا يسْتَغْنى أَكْثَرهم عَنْهَا وشتان مَا بَينهمَا شتان لِأَن نفع تِلْكَ قَاصِر على أَهلهَا وَهَذِه عَامَّة النَّفْع وَالْإِحْسَان وَلذَا دَعَا لَهُم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بأعظم دَعْوَة وحباهم عَن غَيرهم بِأَفْضَل حبوة فَقَالَ نضر الله امْرَءًا سمع مَقَالَتي فوعاها فأداها كَمَا سَمعهَا وَمَعَ هَذَا الْعُلُوّ الشامخ والشرف الراسخ تقهقر الزَّمَان فركدت الهمم لاسيما عَن هَذَا الْعلم الْعلي الشَّأْن حَتَّى كَاد النَّاس بعد أَن فقدت الرحلة فِي طلب الاسناد إِلَى شاسع الأقطار يطْلبُونَ الْإِجَازَة بالاستدعاء بِالْكِتَابَةِ من الأساتذة الْبعدَاء الديار.

وَأما الْآن فقد زَالَ ذَلِك التقاحم فِي طلبه وَنسي هذا التزاحم فِي نيل رتبه وتقاعدت عَنهُ الهمم إِلَى الْغَايَة فاخلدت إِلَى أَرض شهواتها عَن طلب الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة وَذهب المسندون الجلة وَمن كَانَت تزدهي يوجودهم الْملَّة شعر … كَانَ لم يكن بَين الجحون إِلَى الصَّفَا … أنيس وَلم يسمر بِمَكَّة سامر …

لَكِن بِحَمْد الله تَعَالَى قد بقى من آثَارهم بقايا وَفِي زَوَايَا الزَّمَان مِمَّا تحمل عَنْهُم خبايا وَأَنا أَرْجُو أَن أكون إِن شَاءَ الله من متبعيهم بِحَق ووارثيهم بِصدق لِأَنِّي أَخَذته رِوَايَة واتقنته دراية عَن الْأَئِمَّة المسندين مِمَّن يضيق الْمقَام عَن استيعابهم ويحجب الِاقْتِصَار على مسانيد أشهر مشاهيرهم شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ الشَّافِعِي ثمَّ شَيخنَا الزيني عبد الْحق السنباطي ثمَّ شيخ مَشَايِخنَا بالاجازة الْخَاصَّة وَشَيخنَا بالاجازة الْعَامَّة لِأَنَّهُ أجَاز لمن أدْرك حَيَاته وَأَنِّي ولدت قبل وَفَاته بِنَحْوِ ثَلَاث سِنِين فَكنت مِمَّن شملته اجازته واشتملته عنايته حَافظ عصره بِاتِّفَاق أهل مصره الْجلَال السُّيُوطِيّ انْتهى.

وَمن مؤلفاته شرح الْمشكاة نَحْو الرّبع وَشرح الْمِنْهَاج فلإمام النَّوَوِيّ فِي مجلدين ضخمين وشرحين على الارشاد للمقوى كَبِير وَهُوَ الْمُسَمّى بالامداد وَالصَّغِير وَهُوَ الْمُسَمّى فتح الْجواد وَشرح الهمزية البوصيرية وَشرح الاربعين النواوية وَالصَّوَاعِق المحرقة فِي الرَّد على أهل الْبدع والضلال والزندقة وكف الرعاع عَن مُحرمَات اللَّهْو وَالسَّمَاع والزواجر عَن اقتراب الْكَبَائِر ونصيحة الْمُلُوك.

وَشرح مُخْتَصر الْفَقِيه عبد الله أَبَا فضل الْحَاج الْمُسَمّى الْمنْهَج القويم فِي مسَائِل التَّعْلِيم وَالْأَحْكَام فِي قواطع الْإِسْلَام وَشرح الْعباب الْمُسَمّى بالايعاب وتحذير الثِّقَات عَن أكل الكفتة والقات وَشرح قِطْعَة صَالِحَة من ألفية ابْن مَالك وَشرح مُخْتَصر أبي الْحسن الْبكْرِيّ فِي الْفِقْه وَشرح الْمِنْهَاج وحاشية على الْعباب وَاخْتصرَ الْإِيضَاح والإرشاد وَالرَّوْض والأخير لم يتم ومناقب أبي حنيفَة ومؤلف فِي الْأَصْلَيْنِ والتصوف ومنظومة فِي أصُول الدّين وَشرح عين الْعلم فِي التصوف لم يتم.

والهيتمي نِسْبَة إِلَى محلّة أبي الهيتم من اقليم الغربية بِمصْر وَالسَّعْدِي نِسْبَة إِلَى سعد باقليم الشرقية من إقليم مصر أَيْضا ومسكنه بالشرقية لَكِن انْتقل إِلَى محلّة أبي الهيتم في الغربية ، وَأما شهرته بَاب حجر فَقيل ان أحد أجداده كَانَ ملازماً للصمت لَا يتَكَلَّم إِلَّا عَن ضرورة أَو حَاجَة فشبهوه بِحجر ملقى لَا ينْطق فَقَالُوا حجر ثمَّ اشْتهر بذلك وَقد اشْتهر بِهَذَا اللقب أَيْضا شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي.

وَكَاد صَاحب التَّرْجَمَة يُشبههُ فِي فنه الَّذِي اشهر بِهِ وَهُوَ الحَدِيث مَعَ مَا منحه الله بِهِ من الزِّيَادَة عَلَيْهِ من علم الْفِقْه الَّذِي لم يشْتَهر بِهِ الْحَافِظ الْعَسْقَلَانِي هَذَا الاشتهار كَيفَ وَهُوَ سميه فاشبهه اسْما ووصفاً وزادته نِسْبَة إِلَى جوَار الْحرم الشريف شرفاً وَقد كنت نثرت فِيهِ قَدِيما مُشِيرا إِلَى هَذَا الِاسْم الشريف فَقلت ابْن حجر فِي الْبشر كالياقوت فِي الْحجر يشاركها فِي الِاسْم ويفارقها فِي الرَّسْم.

وللشيخ الْعَلامَة عبد الْعَزِيز بن عَليّ الزمزمي الْمَكِّيّ فِيهِ شعر : مِنْك المعارف فاضت عذبة وَلكم .. عذباً زلالاً فاض من حجر ، ولصاحبنا الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد أَبَا جَابر : قد قيل من أَصمّ تَفَجَّرَتْ .. لِلْخلقِ بِالنَّصِّ الْجَلِيّ أَنهَار .. وتفجرت يَا معشر الْعلمَاء من .. حجر الْعُلُوم فبحرها زخار .. أكْرم بِهِ قطباً محيطاً بالعلا .. ورحآؤه حَقًا عَلَيْهِ تدار “.        

وجاء في مقدمة كتابه الدر المنضود ذكر مقاساته في الطلب وخروجه إلى مكة حيث يقول محقق الكتاب : ” كان ابن حجر رحمه الله يتردد على مكة المكرمة وقد جاور بها في بعض السنينوأول زيارة سنة (٩٣٤ هـ) مع شيخه البكري. ثم مرة ثانية سنة (٩٣٨ هـ) .

ثم في سنة (٩٤٠ هـ) قرر الرحلة إلى مكة والإقامة بها ، وكان سبب خروجه من مصر ما حصل من سرقة بعض كتبه من قبل بعض الحسّاد وهو كتابه «بشرى الكريم» الذي شرح به العباب شرحا عظيما ، ولم يزل متأثرا بذلك الحادث، حتى إنه كان كثير الدعاء بالعفو عن ذلك الفاعل ويقول : سامحه الله وعفا عنه.

وقال ذاكرا مجاهداته والشدائد التي عاناها : (قاسيت في الجامع الأزهر من الجوع ما لا تحتمله الجبلة البشرية لولا معونة الله وتوفيقه بحيث إني جلست فيه نحو أربع سنين ما ذقت اللحم إلا في ليلة دعينا لأكل فإذا هو لحم يوقد عليه فانتظرناه إلى أن ابهارّ الليل ثم جيء به فإذا هو يابس كما هو نيء فلم أستطع منه لقمة.

وقاسيت أيضا من الإيذاء من بعض أهل الدروس التي كنا نحضرها ما هو أشد من ذلك الجوع إلى أن رأيت شيخنا ابن أبي الحمائل قائما بين يدي سيدي أحمد البدوي فجيء باثنين كانا أكثر إيذاء لي فضربهما بين يديه فمزقا كل ممزق.

كل هذه الأسباب كانت حاملة له على مغادرة مصر والإقامة بمكة فسكنها لمدة (٣٤) سنة حتى توفي بها ، وكان منزله بالحريرة قريبا من سوق الليل كما كانت له خلوة برباط الأشرف قايتباي بقرب المسجد الحرام “.

7 / انفصال دولة الأوان   

من أعلام المحلة الكبرى في القرن العاشر الهجري واحد من أهم المؤرخين في العصور الإسلامية وهو شهاب الدين أحمد بن نور الدين علي بن أحمد بن زنبل المحلي الشافعي المعروف بلقب الرمال لاشتغاله بضرب الرمل وقراءة الطالع وتفسير الأحلام وأعمال التنجيم ، وجاءت شهرته بسبب معاصرته لتغير سياسي كبير في تاريخ مصر وهو سقوط دولة المماليك ودخول العثمانيين للبلاد حيث رصد ذلك في كتابه انفصال دولة الأوان واتصال دولة بني عثمان والذي طبع باسم آخرة المماليك وواقعة السلطان سليم العثماني مع قنصوه الغَوري..

ولد في المحلة الكبرى عام 909 هـ / 1504 م وتوفي في عام 975 هـ / 1567م فكان شاهد عيان على الأحداث ثم مشاركا في الحياة السياسية عندما التحق للعمل موظفا في ديوان الجيش العثماني وتعلم اللغة التركية ثم عمل في خدمة الوالي محمود باشا وكان مقربا منه ، وقد بدأ ابن زنبل سنة 1538 م في تأليف الكتاب الذي أرخ فيه للوقائع التي جرت بين المماليك والعثمانيين ناقلا الواقع بدقة ووضوح مع ذكر المصادر والاهتمام بالتفاصيل وشغلت هذه الوقائع ثلثي الكتاب ثم جاء الباقي ليسرد فيه ما تلاها من أحداث خلال نصف قرن من حكم العثمانيين للبلاد.

ومن أهم الأحداث التي تناولها نهاية الصراع بين المماليك والقبائل العربية والتنظيمات الإدارية العثمانية ، كما تناول تمرد جان برد الغزالي وفتح جزيرة رودس وتمرد الأمير جانم والأمير إينال وكذلك محاولة أحمد باشا الوالي للاستقلال وإعلان تسلطنه على مصر ثم أرخ لولاية محمود باشا ثم مقتله ، وقد كتب ابن زنبل كتابا باللغة التركية يرصد فيه حكام مصر من العثمانيين كما ذكر أحوال الديار المصرية في كتابه قانون الدنيا وعجائبها من مشرقها لمغربها كما ألف كتابا في الرمل والتنجيم وهو المقالات في حل المشكلات.

وحكى ابن زنبل عن المماليك وشيوخ العرب وسلوكهم في أواخر عهد الغوري فقال : ” أما أهل الثقة والقرابة فكانوا نواباً في نواحي مصر .. المحلة مع أطاس وكان مشهوراً بالظلم .. كان في الشرقية أحمد بن بقر وكان قليل الخير سيرته سيئة ” ، ويقول عن سبب الهزيمة : ” فإن العسكر ماتت قلوبهم وألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب .. كُسِروا قهرا باختلافهم في بعضهم وملاحاتهم على سلطانهم فإنهم تسببوا في هلاك سلطانهم وهلاك أنفسهم .. إذا نزل القضاء عمي البصر فألقى الله تعالى فيهم الفتنة فكان كل من الأعيان يتمنى هلاك السلطان حتى يكون هو السلطان فبهذا الموجب هلكوا أجمعين “.

ويروي وقائع في غاية الدقة منها مل صنعه الغوري عندما حمل خزئن مصر كلها معه في معركة مرج دابق فقال : ” تمكن عسكر السلطان سليم من أوطاق الغوري وأخذوا كل ما فيه وكان شيئاً يفوق الوصف من الذهب والفضة والقناطير المقنطرة ومن البرق والملبوس والتحف التي جمعتها الملوك السالفة ” ، ويتبع ذلك بذكر إفلاس الدولة في مصر فقال : ” ولما بايعوا طومانباي على السلطنة أراد أن يقبض على سيدي محمد بن الغوري ويأخذ ما معه من المال ” ، ويروي النقاش الدائر وقتها بين المماليك فنقل قولهم : ” طومانباي رجل صوفي فقير من الدنيا وليس معه ما يقوم بنظام السلطنة وقصدنا نأخذ من ابن سلطانكم قدر ستين ألفاً يدفعها لطومانباي يستعين بها على لقاء العدو والقادمين علينا “.

ويروي في موضع آخر حوارا دار بين الأمير المملوكي كرتباي والسلطان سليم عندما سأله عن سبب هزيمتهم فأجابه إجابة فلسفية تحاول تبرئة المماليك الجراكسة من تهم التقاعس والتخاذل قائلا ً: ” والله ما أخذتم أرضنا بقوتكم ولا بفروسيتكم وإنما ذلك أمر قضاه الله تعالى وقدَّره في الأزل وقد جعل الله لكل شيء بداية ولكل شيء نهاية ولكل دولة مدة معلومة وقسمة مقسومة،وقد جرت عادة الله سبحانه في خلقه بذلك .. أين الملوك والسلاطين ؟ وأنت أيضاً لا بد أن تموت ويُخـتَرَم هذا النظام “.

لكن ابن زنبل يرى أن هزيمة المماليك كانت حتمية بسبب سلوك السلطان فقال : ” فلما علم الغوري بما جرى لعسكره من التشتت صار ينادي عليهم بأعلى صوته : يا أغوات الشجاعة صبر ساعة ، فلم يلتفت إليه أحد منهم .. وكان ذلك بغضاً منهم لسلطانهم فإنه كان يريد أن يقطع القرانصة شيئاً فشيئاً ثم يستقل هو بجلبانه ويصفو له الوقت والسلطنة ” ، وثال عنه أيضا : ” لأنه أفحم قلوب عسكره وأهلك غالب الأمراء من القرانصة فكرهته العساكر كلها وما خرجوا معه إلا وكل منهم يتمنى ألا يرجع إلى مصر وكان هذا من سوء تدبيره “.

وكان يرى أن نصر العثمانيين كان محتما فيقول : ” لأنهم كانوا يقاتلون على قلب رجل واحد ونيات متفقة ليس لأحد منهم في قلبه غلٌّ ولا مكر ولا حسد لأحد وهذا أحسن ما يكون لمن يريد النصر ” ، ويروي سببا لآخر للنصر قائلا : ” سافر السلطان سليم إلى ملاقاة شاه إسماعيل ووقع الاتفاق بينهما بأن يبطل النار ويقاتل بالسيف والعود فلم يثبت السلطان سليم غير ساعة وولى عسكره منهزماً لأن الروم لا قدرة لهم على ملاقاة الفرس من غير نا، فعند ذلك أمر أغا اليكنجرية أن يرموا بالنار فما كان إلا ساعة وانهزم شاه إسماعيل فإن النار لا يطيقها أحد “.

ثم يحكي عن اقتراح خاير بك على السلطان سليم لإنهاء سطوة المماليك بالقاهرة فقال : ” تنادي لهم بالأمان وبعد ثلاثة أيام كل من وُجد عنده جركسي مخبى شنق على باب داره وكل من كان عنده واحد منهم وأخبر السلطان به وقبض عليه فعليه الأمان هو ومن يلوذ به .. فبقيت أولاد مصر كل من كان عنده جركسي يأتي إلى خاير بك ويخبره بما عنده فيرسل له جماعة يقبضون عليه ويأتي به إلى أوطاق السلطان سليم فيضربون عنقه “.

وذكر ابن زنبل الرمال في كتابه تكليف شيوخ العرب الكبار بتولي الإمارة في نواحي مصر في عهد سليم الأول فيقول : ” ثم إن السلطان أمر بالرحيل من بر انبابة وجاء إلى المقياس ونزل فيه ومعه جميع أكابر دولته وأعيان أجناده ، ثم إن السلطان  خلع على شيخ العرب حماد بن خبير شيخ عرب عزالة بإقليم الجيزة وجاء إليه الأمير علي بن عمر شيخ هوارة فخلع عليه بأمرية الصعيد بمدينة جرجا وخلع على علم الدين شيخ بني عدي وكتب لهم التواقيع بذلك وخلع عليهم وانصرفوا ” ، وذكر بالتفصيل المراسلات العديدة والتفاويض والهدايا والمنح المتبادلة بينهم.

ومن مؤلفاته الأخرى كتاب في علم الخط وكتاب حلوى العجائب ومظهر الغرائب وكتاب الذهب الإبريز في علم الرمل ( وهما في فنون وظواهر الخوارق مثل السحر والتنجيم والعرافة والأحلام والفراسة) ، وله كتاب في نفس المجال لكن أضاف فيه قسما غرافيا ذكر فيه وصف مدينة المحلة الكبرى هو تحفة الملوك والرغائب لما في البر والبحر من العجائب والغرائب ، وفي نفس هذا الكتاب يسرد لنا أحوال إقليم البحيرة بعد أن سادت فيه قبائل عربان قبيلة بني سليم ووصف المدينة الجديدة التي أسسها شيخ العرب الأمير عيسى بن إسماعيل والتي نسبت إليه فقال :

  وبإقليم البحيرة مدينة دمنهور وهى كرسى الإقليم وقاعدة الحكم وبها بطيخ ليس على وجه الأرض أحلى منه ، وقد عمر بها أولاد عامر قصورًا وصارت بلدًا معمورًا يسكنها زماننا الأمير عيسى بن إسماعيل وهو الحاكم هذه الأقاليم كلها ، وهو من العدل والكرم على جانب عظيم وباسمه عرفت بلدة حوش عيسى ، وكان الأمير عيسى بن إسماعيل بن جويلى أمير عربان البحيرة سنة 927 هـ ـ 929 هـ .. وفى الحوراء دفن سلطان بن الأمير جويلى أمير عربان البحيرة وهو أخو عيسى بن إسماعيل وعامر والذى توفى سنة 955 هـ “.

وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام وحدد تاريخ وفاته بعد عام 980 هـ وذكر مؤلفاته فقال : ابن زُنْبُل (بعد ٩٨٠ هـ / ١٥٧٢ م) أحمد بن علي بن أحمد بن زنبل عارف بالتأريخ من أهل مصر كان يتعاطى النظر في الرمل والنجامة فيقال له (الرّمال) ثم كان من موظفي نظارة الجيش ، له كتاب فتح مصر وسيرة السلطان سليم وتحفة الملوك في عجائب البر والبحر والمقالات في السحر والرمل وقانون النجامة “.

وفي كتاب هدية العارفين ذكره إسماعيل باشا الباباني فقال : ” ابن زنبل ، أحمد بن علي بن أحمد المحلي الرمال الشهير بابن زنبل كان حياً سنة ٩٨٠ ثمانين وتسعمائة صنف الذهب الأبريز المحرر في اقتفاء علم الرمل والأثر تاريخ سلطان سليم الأول العثماني ” ، وفي كتابه إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون ذكر واحدا من كتبه فقال : ” المقالات وحل المشكلات في علم الخط والرمل ، تأليف أحمد بن علي بن زيبل الرمال المنجم المحلي المصري المتوفى سنة .. أولها الحمد لله على ما وهب من سوابغ النعم الخ في مجلد “.

8 / ديوان البكري

شاعر الصوفية الأكبر في القرن العاشر الهجري هو شمس الدين أبو المكارم محمد بن أبي الحسن البكري الصديقي الذي ولد في القاهرة عام 930 هـ / 1524 م وتوفي فيها عام 993 هـ / 1586 م ، ويرجع في نسبه قبيلة بني تيم القرشية المعروفة حيث جده الأعلى هو الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ووالده هو الشيخ أبو الحسن علي بن محمد البكري المتوفي عام 952 هـ ، وله ديوان شعري كبير يغلب عليه أفكار الوجد الصوفي والحب الإلهي والزهد والورع والمديح النبوي.

ومن أشهر مؤلفاته كتاب نتائج الذكر في حقائق الفكر وكتاب شرح على مختصر أبي شجاع وكتاب شرح الوردية في النحو ورسالة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ورسالة في الزيارة ورسالة في الاسم الأعظم ورسالة في آداب الشيخ والمريد وحزب الفتح وكتاب تسهيل السبيل في فهم معاني التنزيل وكتاب المغني شرح المنهاج وكتاب المطلب شرح المنهاج وكتاب الكنز شرح المنهاج وكتاب صادحة الأزل وناطقة الأبد وكتاب عقيلة الحذر وعقيدة السر وكتاب تأبيد المنة في تأييد السنة وكتاب هداية المريد للسبيل الحميد.

وله قصيدة مشهورة ألقاها في الحجرة النبوية الشريفة عندما زار المدينة المنورة وقال فيها : وَلما أَتَيْنَا قبر اشرف مُرْسل .. ولاح لنا سر الْعِنَايَة ينجلي .. وغيب سر الرّوح فِي ملكوته .. فَصَارَ عَن الأكوان فِي أَي معزل .. وَسَار عَن الْجمع الْمُحِيط لرتبة .. تعالت بسر الذَّات عَن وصف منزل .. عرضت عَلَيْهِ مَا أُرِيد فَقَالَ لي .. لِسَان تجلى الْحق مني بمقول .. مجيباً بِمَا أملته من عطائه .. سمعنَا وأعطينا فَوق المؤمل ، وقال : أَتَيْنَا على النجب الْعتاق لطيبة .. وَقد ضَاقَ من نَفسِي فسيح فضائها .. وأنزلت حاجاتي بِبَاب مُحَمَّد .. على ثِقَة من نحبها وقضائها.

ذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي وذلك ضمن أهم شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية حيث قال : ” محمد بن أبى الحسن البكري الصّدّيقي ، من سلالة أبى بكر الصديق بمصر ولد بها سنة 930 وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين وأقبل على حفظ المتون والتلقي على شيوخ عصره يأخذ ما عندهم ، وكان أستاذه الأول أباه وجلس مكانه فى الجامع الأزهر للتدريس بعد وفاته وعمره لا يتجاوز إحدى وعشرين سنة وكان يدرس لطلابه فقه الشافعي وله شرح على متن أبى شجاع ، وكان آية فى العلم والزهد واشتهر بتعمقه فى العلوم الشرعية واللغوية والصوفية وورث عن أبيه مشيخة السادة البكرية.

وله يناجى ربه : ربّ إني عبد ذليل ضعيف .. فلحالي باللطف منك تدارك .. كلّ قطر أصابني منك بحر .. كيف والحال فيَ تجرى بحارك .. كلّ جزء منى لسّرك دار .. عمّر الله يا حبيبي ديارك .. من رآني رآك من غير شكّ … أيّ شكّ وقد جعلت مزارك ، وتمثل في الأبيات مثولا بينا فكرة الاتحاد بالذات الربانية المعروفة عند المتصوفة وما يتبعها من فكرة الفناء، فناء الإنسان عن صفاته البشرية وهى فكرة رأيناها واضحة عند ابن الفارض.

وله قصائد كثيرة يصف فيها حبه ومواجده الروحية من مثل قوله : حبيبك دان رقيب قريب .. فماذا البكاء وماذا النّحيب .. نعم هو دان ولكنّني .. بعيد فقيد طريد غريب .. بكائي علىّ لأنى بليت .. بداء الصّدود وعزّ الطبيب ، وعلى هذا النحو دائما هو واله ملتاع يبغى الوصال ومحبوبه قريب منه بعيد لأنه لا ينيله أمنيته من الوصول وهو لذلك دائم القلق ويئن والمحبوب منصرف عنه معرض وهو يهتف وينادي آملا راجيا ويردد ما ردده ابن الفارض وغيره من الصوفية قبله من الحديث عن مدامة الحب الإلهي ورحيقه المسكر للصوفية.

وللبكري استغاثات كثيرة بالرسول صلّى الله عليه وسلم حبيب الله خير مبعوث قرّبه الله إليه وسره الأعلى الذى لا يخيب أمله والذى ينال سؤله اللائذ ، ومن قوله في إحدى استغاثاته : يا أكرم الخلق على ربّه .. وخير من فيهم به يسأل .. قد مسّنى الكرب وكم مرة .. فرّجت كربا بعضه يذهل .. وأنت باب الله أيّ امرئ .. أتاه من غيرك لا يدخل ، ويضيف فى استغاثاته بالرسول إلى تفريج الكرب عنه وإقالته من عثراته الشفاعة له من ذنبه يوم المحشر بما أوتى من محبة الله ورؤيته له في عروجه إلى السموات “.

وذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وذلك في وفيات سنة 993 هـ فقال : ” وفيها الأستاذ الأعظم شمس الدّين محمد بن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عوض بن عبد الخالق بن عبد المنعم بن يحيى بن يعقوب بن نجم الدّين بن عيسى بن داود بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه البكري الصّدّيقيّ الشّافعي الأشعريّ المصري.

قال في (النور) : أخذ عن والده والقاضي زكريا وغيرهما وكان من آيات الله في الدرس والإملاء يتكلم بما يحيّر العقول ويذهل الأفكار بحيث لا يرتاب سامعه في أن ما يتكلم به ليس من جنس ما ينال بالكسب وربما كان يتكلّم بكلام لا يفهمه أحد من أهل مجلسه مع كون كثير منهم أو أكثرهم على الغاية من التمكن في سائر مراتب العلوم وكان إليه النهاية في العلم حتّى كان بعض الأجلاء ممن يحضر دروسه يقول : لولا أن باب النّبوة سدّ لاستدلّينا بما نسمعه منه على نبوته.

وأما مجالسه في التفسير وما يقرّره فيها من المعاني الدقيقة والأبحاث الغامضة مع استيعاب أقوال الأئمة وذكر المناسبات بين السّور والآيات وبين أسماء الذّات المقدس والصّفات وما قاله أئمة الطريق في كل آية من علوم الإشارة فمما يحيّر العقول ويدهش الخواطر وجميع ما يلقيه بألفاظ مسجعة معربة موضوع كل لفظ في محلّه الذي لا أولى به.

ولم يحفظ أحد له هفوة في لفظ من ألفاظه من جهة إعراب أو تصريف أو تقديم أو تأخير أو غير ذلك من هفوات الألسن وما من درس من دروسه إلّا وهو مفتتح بخطبة مشتملة على الإشارة إلى كل ما اشتمل عليه ذلك الدرس على طريق براعة الاستهلال وهكذا كانت مجالسه في الفقه والحديث وكل علم يتصدى لتقريره.

وله جملة تصانيف منها شرح مختصر على أبي شجاع في الفقه وكتب أيضا على أوائل منهج القاضي زكريا وله رسائل في أنواع من العلوم والمعارف والآداب كرسالته في الاسم الأعظم ورسالته في الصّلاة على النّبي صلّى الله عليه وسلم ورسالته في السّماع وغير ذلك.

وله ديوان شعر كبير منه قوله : ما أريض مفتّح الأزهار وبهيج مشعشع الأنوار .. ولآل منظّمات عقودا لغوان عرائس أبكار .. وشموس تضيء في أفق السّعد زها ضوؤها على الأقمار .. وغصون بأيكها تسجع الورق فتنسي ترنّم الأوتار .. مثل قول الإله في حقّ جدّي ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما في الْغارِ.

ومنه قصيدته الطويلة التي مطلعها : ما أرسل الرّحمن أو يرسل .. من رحمة تصعد أو تنزل .. في ملكوت الله أو ملكه .. من كلّ ما يختصّ أو يشمل .. إلّا وطه المصطفى عبده .. نبيّه مختاره المرسل .. واسطة فيها وأصل لها .. يفهم هذا كلّ من يعقل.

ومنه : إذا خطب ذنب علينا دجا .. أنرنا دجاه بنور الرّجا .. فكم شدّة من ذنوب عظام .. لها الله بالعفو قد فرّجا .. وكم ضقت ذرعا بجرمي فما .. وجدت سوى العفو لي مخرجا .. فلله فالجأ ولا تيأسن .. فما خاب عبد إليه التجا ، ومنه : انظر إلى الماء الذي .. بيد النّسيم تجعّدا .. قد شبّهوه بمبرد .. فلأجل ذا يبري الصّدا.

وكان رضي الله عنه يحجّ في كل عامين مرّة ، وبالجملة فلم يكن له نظير في زمانه ولم يخلف مثله وتوفي بالقاهرة في ربيع الثاني وقيل في تاريخ وفاته : مات من نسل أبي بكر فتى .. كان في مصر له قدر مكين .. قلت لما الدّمع من عيني جرى .. أرّخوه مات قطب العارفين “.

وترجم له محي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروس في كتابه النور السافر عن أخبار القرن العاشر حيث قال : ” وَفِي ربيع الثَّانِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين توفّي الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم قطب العارفين الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ أبي الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عوض بن عبد الْخَالِق بن عبد الْمُنعم ابْن يحيى بن يَعْقُوب بن نجم الدّين بن عِيسَى بن دَاوُد بن نوح بن طَلْحَة بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ الْبكْرِيّ الصديقي الشَّافِعِي الْأَشْعَرِيّ الْمصْرِيّ.

وَأم جده الْأَعْلَى أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد فَاطِمَة بنت الشريف تَاج الدّين الْقرشِي بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن يرحم بن حسان بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن الْحسن الْمثنى بن بن حسن السبط وَرُوِيَ أَن الشَّيْخ كَانَ يفتخر بِهَذِهِ النِّسْبَة النَّبَوِيَّة وَيَقُول مَا أحب أَن لي بهَا كَذَا وَكَذَا.

وَكَانَ هَذَا الشَّيْخ من آيَات الله فِي الدَّرْس والإملاء فَكَانَ إِذا تكلم فِيهِ تكلم بِمَا يحير الْعُقُول وَيذْهل الأفكار بِحَيْثُ لَا يرتاب سامعه فِي أَن مَا يتَكَلَّم بِهِ لَيْسَ من جنس مَا ينَال بِالْكَسْبِ وَرُبمَا كَانَ يتَكَلَّم فِيهِ بِكَلَام لَا يفهمهُ أحد من أهل مَجْلِسه مَعَ كَون كثير مِنْهُم أَو أَكْثَرهم على الْغَايَة من التَّمَكُّن فِي سَائِر الْعُلُوم الإسلامية والإحاطة بفنونها فيذكر لَهُ ذَلِك بعد الْقيام من الْمجْلس فَيَقُول لَيْسَ ذَلِك بِأَعْجَب من حَال الْمُتَكَلّم بِهِ فإنني فِيهِ مثله ، وَكَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي اعْلَم حَتَّى كَانَ بعض أَئِمَّة الْعُلُوم والمعارف هُنَاكَ مِمَّن أفنى عمره فِي كسب الْعُلُوم الدِّينِيَّة والمعارف الربانية يَقُول وَالله لَا نَدْرِي من أَيْن هَذَا الْكَلَام الَّذِي نَسْمَعهُ من هَذَا الْأُسْتَاذ وَلَا نعلم لَهُ أصلا يُؤْخَذ مِنْهُ وَلَوْلَا الْعلم بسد بَاب النُّبُوَّة لاستدلينا بِمَا نَسْمَعهُ مِنْهُ على نبوته.

وَأما مجالسه فِي التَّفْسِير وما يقرره فِيهَا من الْمعَانِي الدقيقة والأبحاث الغاضة مَعَ اسْتِيعَاب أَقْوَال آثمة التَّفْسِير من السّلف وَالْخلف وَبَيَان أولاها بالاعتماد عِنْده وَذكر المناسبات بَين السُّور والآيات وَبَين أسماء الذَّات المقدسة وَالصِّفَات ومواضعها وَمَا قَالَه أئمة الطَّرِيق فِي كل آيَة من عُلُوم الْإِشَارَة فَإِن الْقُرْآن نزل بهَا أَيْضا فَذَاك مِمَّا يحير الْعُقُول ويدهش الخواطر مَعَ كَون مَا يلقيه من ذَلِك كُله من أَلْفَاظ مخترعة بَالِغَة فِي الفصاحة والبلاغة والجزالة والإيضاح إِلَى الْغَايَة الَّتِي لَيْسَ وَرَاءَهَا غَايَة مَعَ كَون أَكْثَرهَا أَو جَمِيعهَا مسجعاً مقفى معرباً مَوْضُوعا فِي مَحَله الَّذِي لَا أولى مِنْهُ بِهِ لم يحفظ لَهُ أحدا هفوة فِي لفظ من أَلْفَاظه من جِهَة اعراب أَو تصريف أَو تَقْدِيم أَو تَأْخِير أَو غير ذَلِك من هفوات الْأَلْسِنَة فِي تَقْرِير الْعُلُوم وَمَا من درس من دروسه إِلَّا وَهُوَ مفتتح بِخطْبَة بديهية أَو غير بديهية مُشْتَمِلَة على الْإِشَارَة إِلَى كَل مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ ذَلِك الدَّرْس على طَرِيق براعة الاستهلال.

وَهَكَذَا كَانَت مجالسه فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وكل علم يتصدر لتقريره لَا يظنّ سامعه المتمكن فِي ذَلِك الْعلم الْحَافِظ لأصوله وفرعه أَنه ترك فِي كل بحث كلمة لأحد من الْمُتَكَلِّمين فِيهِ مَعَ مَا يبديه هُوَ من اختياراته الشريفة ، وَكَانَ الشُّعَرَاء من فضلاء مصر المتمكنين فِي علم اللُّغَة وقواعد الشّعْر ومذاهب الانشاء يقصدون يَوْم خَتمه فيكتبون القصائد البديعة فِي مدحه وَبَيَان مَا من الله بِهِ عَلَيْهِ من سَائِر النعم الظَّاهِرَة والباطنة فتتلى أَو المهم مِنْهُ على رُؤُوس الأشهاد فِي مجْلِسه الشريف وَفِيه خلائق من الْخَاصَّة والعامة وَيجْلس هُوَ نفعنا الله ببركاته لاستماع مَا يُتْلَى مِنْهَا بَين يَدَيْهِ ويجيز على كل مِنْهَا وَيظْهر السرُور بهَا لطفاً مِنْهُ بأصحابها وجبراً لخواطرهم ومقابلة لحسن ظنهم وعقائدهم نفعنا الله ببركاته.

وَكَانَ إِذا قَامَ من كل مجْلِس جلس فِيهِ للتدريس فِي الْجَامِع الْأَزْهَر أَو غَيره يتَقَدَّم إِلَيْهِ النَّاس لتقبيل يَده والتبرك بدعائه إِذْ ذَاك والقرب من مَوْضِعه الشريف الَّذِي هُوَ مَوضِع الرَّحْمَة وَيَقَع بَينهم ازدحام عَظِيم وَرُبمَا سقط بَعضهم تَحت أَقْدَام النَّاس وَحَوله إِذْ ذَاك جمَاعَة من جند السُّلْطَان الرّوم وَغَيرهم قد حَلقُوا على حَضرته بِأَيْدِيهِم خشيَة عَلَيْهِ من الايذاء بالازدحام وَرُبمَا أَخذ وَاحِدًا مِنْهُم بِيَدِهِ الشَّرِيفَة وَهِي ممدودة لتقبيل النَّاس لطول زمن مدها لَهُم إِذْ كَانَ يقف لَهُم بعد درسه نَحْو سَاعَة زمنية ثمَّ يسير إِلَى جِهَة دَابَّته وَالنَّاس على الْغَايَة فِي الازدحام عَلَيْهِ إِلَى أَن يصل إِلَيْهَا وَمِمَّا يشْهد بِكَوْنِهِ بالْمقَام الْأَعْلَى من الْإِحَاطَة بأنواع الْعُلُوم وأصناف المعارف مَا كَانَ يتَكَلَّم بِهِ فِي مجالسه الْخَاصَّة والعامة من منظوم الْكَلَام ومنثوره.

وَلما مرض وَالِده شيخ الْإِسْلَام وَفَارِس ميدان الْعُلُوم والمعارف أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ نفعنا الله ببركاته مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ اختلى بولده الْمَذْكُور وَخَصه من مواهب له بِمَا خصّه الله بِهِ ثمَّ استدعى بتلامذته ومريديه من شُيُوخ الْإِسْلَام وكبراء الْأعْلَام مِمَّن أفنوا أعمارهم فِي الاستفادة مِنْهُ وَالْأَخْذ عَنهُ وَأمره بالاستفادة مِنْهُ وَالْأَخْذ عَنهُ وَالدُّخُول تَحت حكمه.

ثمَّ لما انْتقل وَالِده إِلَى دَار الْكَرَامَة هم بعض من عُظَمَاء تلامذته بِالْجُلُوسِ فِي مجْلِس وَالِده بالجامع الْأَزْهَر ظنا مِنْهُ أَن وَلَده الْمَذْكُور لم يبلغ رُتْبَة الْجُلُوس فِي مجْلِس وَالِده لصِغَر سنه إِذْ ذَاك فَإِن عمره إِذا ذَاك كَانَ نَحوا من إِحْدَى وَعشْرين سنة مَعَ أَنه لم يسْبق لَهُ قبل ذَلِك اشْتِغَال بِالْعلمِ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ التأهل للجلوس فِي مجْلِس وَالِده الَّذِي هُوَ بالْمقَام الْأَعْلَى من كل علم وَمَعْرِفَة وَإِلَّا لم يستبعدوا ذَلِك مِنْهُ.

وَقد ذكر اليافعي فِي تَارِيخه أَن ابْن سينا فرغ من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وعمره ثَمَان عشرَة سنة مَعَ مَا قيل فِي ابْن سينا من الْقدح الْمَدْح فتقرر الْأَمر على أَن يعقدوا للمذكور مَجْلِسا يكون فِيهِ أَكثر عُلَمَاء مصر من سَائِر الْمذَاهب أَو كُله فَحَضَرُوا وَشرع الْمَذْكُور فِي تَقْرِير الْعُلُوم عَن ظهر قلب ، وَفِي ظَنِّي أَن كَلَامه كَانَ مَشْرُوعا فِي تَفْسِير الْقُرْآن فقرر فِي ذَلِك الْمجْلس من أَنْوَاع الْعُلُوم وأصناف المعارف مَا بهر عُقُولهمْ وحير البابهم فِي أَلْفَاظ لم يسمع السامعون فِي زمانهم أفْصح وَلَا أبلغ وَلَا أمتن وَلَا أجزل وَلَا أجمع مِنْهَا.

فاذعنوا لَهُ من ذَلِك الْآن وَعرفُوا أَنه أَحَق مِنْهُم وَمن غَيرهم من عُلَمَاء مصر وَغَيرهَا بِمَجْلِس أَبِيه وَلم يزل من ذَلِك الْآن الصَّدْر الْمُقدم فِي كل مجْلِس جلس فِيهِ من مجَالِس عُلَمَاء الاسلام وعلماء أَرْكَان الدولية الْإِعْلَام إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى إِلَى مَا منحه الله تَعَالَى فضاهى أَبَاهُ فِي حَاله ومقاله وحذا حذوه فِي الْعُلُوم ونسج على منواله وَتَابعه فِي أخلاقه الحميدة وآثاره الصَّالِحَة حَتَّى قيل مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة ، وَقد أَشَارَ رَحمَه الله إِلَى مَا منحه الله من مَرَاتِب الْكَمَال فِي هَذَا السن فَقَالَ : وصلت وسني عشرُون مَا .. تقاصر عَنهُ فحول الرِّجَال .. فَمَا ابْن ثَمَانِينَ إِلَّا الْوَلِيد .. ومجدي يزِيد بقومي وآلي.

وَله جملَة تصانيف مِنْهَا شرح على مُخْتَصر أبي شُجَاع فِي الْفِقْه وَكتب أَيْضا على أَوَائِل مَنْهَج شيخ الاسلام زَكَرِيَّا شرحا وَلم تساعد الْقُدْرَة على اتمامه وَله رسائل فِي أَنْوَاع من الْعُلُوم والمعرف والآداب كرسالة فِي الِاسْم الْأَعْظَم ورسالة فِي الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورسالته فِي آدَاب الشَّيْخ والمريد ورسالته فِي الزِّيَارَة وَغَيرهَا من الرسائل الجامعة النافعة الدَّالَّة على كَمَال تمكنه فِي سَائِر الْعُلُوم الإسلامية والمعارف الربانية وديوان شعر كَبِير.

وَكَانَ على مَا قيل يَقُول وَقت الْوَارِد وَرُبمَا كَانَ بَين النَّاس بمنزله الشريف أَو بَين أَهله أَو وَحده فورد عَلَيْهِ الْوَارِد فاستدعى بالدواة والقرطاس وَكتبه إِذْ ذَاك وَمَا من معنى أَشَارَ إِلَيْهِ أَئِمَّة الطريق مِمَّا يتَعَلَّق بِالذَّاتِ المقدسة أَو الصِّفَات المنزهة أَو بِالذَّاتِ المحمدية وَالصِّفَات النَّبَوِيَّة إِلَّا وَله فِيهِ القَوْل الأبلغ وَاللَّفْظ الْأَفْصَح.

وَمن كَلَامه أقل وَاجِب على الْفَقِير أَن لَا يتَطَهَّر من نَجَاسَة الذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ وَهِي الاقلاع عن المعصية والندم على فعلهَا والعزم على تَركهَا ورد الظلامة إِن كَانَت وَقدر وَعَلِيهِ أَن يتدارك فوائت صلوَات تَركهَا وَأَن يُبَادر بِالنّظرِ والالتفات لأستاذ يَخْدمه ويتمثل أمره ويؤمره على نَفسه ليرج لَهُ خبائثها وينقب لَهُ عَن دسائسها ويستعين بِاللَّه ثمَّ بِهِ على شهواته من ذَلِك فَإِذا صَحَّ ذَلِك للْفَقِير فَهُوَ الْغَنِيمَة الْكَبِيرَة والإكسير الْأَكْبَر والكبريت الأحمر.

وله بعد استنشاق رَوَائِح الْوُصُول آدَاب مِنْهَا أَن لَا تقف عَن مرتبَة بل يتخطاها بِصدق الْيَقِين وَمِنْهَا أَن لَا يشْهد أَنه وصل فَذَلِك حجاب عَظِيم بل يغيب فِي شُهُوده وَذَلِكَ هُوَ الْمقَام الْكَرِيم وَمِنْهَا أَن لَا ينفذ سهم نقمة عَن قَوس نَفسه لأحد من الْخلق وَلَو بَالغ فِي أذيته بل يُبَالغ فِي مُعَامَلَته بِالرَّحْمَةِ حَتَّى يبلغ الإمهال أَجله وَيفْعل الله ما يشاء وَالسَّلَام.

وَسُئِلَ رَضِي الله عَنهُ لم كَانَ فِي أهل مَكَّة قسوة الْقلب وَفِي أهل الْمَدِينَة لينها فَقَالَ لِأَن أهل مَكَّة جاوروا الحجر وَأهل الْمَدِينَة جاوروا الْبشر ، وَأنْشد بَعضهم بِحُضُور الْأُسْتَاذ الْمَذْكُور قَول الشَّاعِر : لله قَامُوس يطيب وُرُوده .. أغنى الورى عَن كل معنى أَزْهَر .. نبذ الصِّحَاح بِلَفْظِهِ الْبَحْر من .. عاداته يلقى صِحَاح الْجَوْهَرِي ، فَكسر الصَّاد من صِحَاح فَقَالَ الْأُسْتَاذ الصِّحَاح لَا تكسر فتعجب كل من كَانَ فِي الْمجْلس من هَذَا الْجَواب مَعَ سهولة اللَّفْظ والتروية ويروى عَن شيخ الْإِسْلَام الطبلاوي أَنه قَالَ الصِّحَاح بِالْفَتْح أفْصح وَأكْثر اسْتِعْمَالا.

وَكَانَ شيخ أهل هَذَا الطَّرِيق حَالا وَإِمَام أربابها حَقِيقَة ورسما ومحيي رسوم المعارف فعلا واسماً عباب لَا تكدره الدلاء وسحاب تتقاصر عَنهُ الْأَنْوَار مَعَ مَا خصّه الله بِهِ من الْعُلُوم والمعارف والأخلاق وجمال الصُّورَة والهيبة والعرفان والسكينة والعفة والصيانة والجود وَالرَّحْمَة وَالْقِيَام بِحُقُوق الْخَاصَّة والعامة ، وَلَقَد رَأَيْت من أَقْوَاله وَبَلغنِي من أخلاقه وأحواله مَا لَا تسعها عبارَة وَلَا يهتدى إِلَيْهَا بِإِشَارَة وَذكروا لَهُ كرامات كَثِيرَة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لم يكن لَهُ نَظِير فِي زَمَانه وَلم يخلفه بعده مثله رَحمَه الله.

وَكَانَ وَالِده من كبار أهل الْعلم بل قيل انه كَانَ مُجْتَهد زَمَانه والمجدد على رَأس الْمِائَة التَّاسِعَة وأحق النَّاس بالقضاء وَقد عرض عَلَيْهِ فَامْتنعَ مِنْهُ قولا باتاً وَهُوَ الْمجمع على انه فريد عصره علما وَولَايَة وَحَالا افصح أهل زَمَانه قَلما ومقالاً وأعظمهم سؤددا وجلالة ورفعةً وكمالاً عَالم الْمُسلمين دون نزاع وَشَيخ مَشَايِخ الْإِسْلَام الَّذِي انْقَطَعت عَن مضاهاته الأطماع وانتشرت مصنفاته كالآخذين عَنهُ إِلَى سَائِر الْبِقَاع واشتهرت كراماته ومكاشفاته حَتَّى روتها الألسن ووعتها الأسماع خَاتِمَة الْمُحَقِّقين لِسَان الْمُتَكَلِّمين حجَّة المناظرين بَقِيَّة السّلف الصَّالِحين.

وَحكي أَن أمه رَأَتْ فِي الْمَنَام وَهِي حَامِل بِهِ كَأَن الشَّمْس أَو الْقَمَر في سبايتها فَذَهَبت الى عَالم بالتعبير وقصتها عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا حملك هَذَا ذكر بملا الشرق والغرب علما وَكَانَ شيخ الطَّرِيقَة وأحفظ من على وَجه الأَرْض بِالْحَقِيقَةِ وأفصح أهل زَمَانه على الاطلاق وأعظمهم نورانية وانشاءاً بالِاتِّفَاقِ ، ملك الْقُلُوب بعذوبة لَفظه وخدم السعد تَحت ركائب حَظه تعرف بِمن شآء بمعارف فَصَارَ من خاصته واجتنى ثَمَر صحبته تنكر على من شاء فَمَنعه استجلاء عرائس عرفانه وحجبه عَن حَضرته سَار فِي منَازِل السائرين سير الْجُنَيْد وفى منهاج العايدين سير أهل التَّجْرِيد.

أَعماله أغلبها قلبية وعلومه أَكْثَرهَا وهبية إن تكلم فِي المعارف أبهر أهل المعرفة أَو سكت خلت من لم يره قبل بأنواره قد عرفه لَا يتَكَلَّم فِي الْمحبَّة الا رأيته ذَا شرف شَدِيد وَلَا يذكر بِاللَّه إِلَّا ألان قلوباً فِي القساوة كالحديد تخال من حضر مَجْلِسه من الْقَوْم بِسَمَاع كَلَامه سكارى وَقُلُوبهمْ فِي شُهُود جماله عِنْد تنزل التجليات عَلَيْهِ والهة حيارى لَا يرتاب ناظره مَعَ سَماع كَلَامه أَنه من أَرْبَاب الْقُلُوب وأن المتنزل عَلَيْهِ من الْعلم اللدني قريب عهد بربه بارز من حَضْرَة علام الغيوب.

كَيفَ وَقد تربى في  حجر الْجلَال وارتضع من ثدي الْكَمَال واتصل نسبه بالذروة الصديقة أَو الشَّجَرَة المحمدية الحسنية بِاعْتِبَار أَنه سبط آل الْحسن وَجَاز كَمَال الْخلق الْحسن والفصاحة واللسن فَهُوَ ربيب أهل تِلْكَ الحضرة أهل الْولَايَة السَّابِقين بِأول نظرة الْمُمَيز من لدنهم فِي الْحَال طفوليته تَمْيِيز الْمَوْعُود من قبلهم على لِسَان بَعضهم أَن يكون فِي مملكة الْعرْفَان ملكا عَزِيزًا مشاهداً في آخر أمره صدق هَذَا الْوَعْد وإنجازه تنجيزا.

أَلا ترى إلى لبسه خلع الرِّئَاسَة الدِّينِيَّة وَحَال العوارف وصون نَفسه عَن الذلة لأبناء الدُّنْيَا مَعَ الْعلم بانه ما جنا بل جنى ثَمَر المعارف جولانه فِي ميدان الرياضات وَقبل أَن ترسي سفينة قدسه الْجَارِيَة فِي بحار أنسه على سواحل الْإِرْشَاد لمعالم الديانَات وإلى ابدائه فِي مجَالِس املائه لكلماته الفتحية العطائية وعرائس الْحَقَائِق الْبَارِدَة عَن حضرات الْفَتْح المحمدي وَاللِّسَان الصديقي.

ولعمري أَن النَّاظر إِلَيْهِ إِذْ ذَاك يشْهد طلعته عِنْد ذَلِك نورا مَحْضا بل ذَاته وملابسته كلهَا كَذَلِك لكنه نور جمال يتمنع النّظر اليه وَلَا يدع فَذَلِك من أثر التجليات الالهية عَلَيْهِ وَكَانَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الِاشْتِغَال بالتصنيف والإفتاء لَا يزَال يتَكَلَّم على طَرِيق الاملاء وَكَانَ يجلس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَفِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَفِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وفى الْجَامِع الْأَزْهَر وناهيك بِهَذِهِ الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ يجلس فِيهَا وَكَانَ كَأَنَّمَا يعْتَرف من بَحر اعاد الله علينا من بركاته.

وَحكي أَنه كَانَ لَا يملي على الْقُرْآن والْحَدِيث حَتَّى يطالع الْمحل الَّذِي يتَكَلَّم عَلَيْهِ كعادة غَيره قَالَ فَبَيْنَمَا أَنا أطالع فِي الكراس وَأَنا قَاصد إِلَى الْجَامِع إِذْ نوديت فِي سري يَا أَبَا الْحسن أما الْقُرْآن والْحَدِيث فإلينا وَأما غَيره فإليك فَمن ذَلِك الْعَهْد الى تَارِيخه مَا طالعت لأملأ عَلَيْهِمَا فلى على ذَلِك تسع وَثَلَاثُونَ أَو قَالَ بضع وَعِشْرُونَ سنة وانما أجيء الى مَحل الالقاء ولا أدرى مَا يلقى على لِسَان فَيجْرِي الله تَعَالَى عَلَيْهِ نَحْو مَا تسمعونه.

وَله تصانيف كَثِيرَة لَا تحصى من جُمْلَتهَا تَفْسِير الْقرن الْعَظِيم واسْمه تسهيل السَّبِيل فِي فهم مَعَاني التَّنْزِيل وَشرح الْعباب الفقهي بشرحين مَبْسُوط ومختصر وَشرح روض ابْن الْمقري فِي حجم نصف شرح شَيْخه زَكَرِيَّا وَزَاد فِيهِ على شَيْخه اثنى عشر ألف فرع على كل فرع مِنْهَا علاقَة على الحاشية بِصُورَة وَشرح منهاج النَّوَوِيّ بِخَمْسَة شُرُوح مِنْهَا الْكَنْز وَالْمُغني وَالْمطلب وَشرح الوردية في النَّحْو.

وَاخْتصرَ من إيساغوجي فِي مِقْدَار ورقة صَغِيرَة وَجمع أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ حَدِيثا كل أَرْبَعِينَ مِنْهَا فِي نوع مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي الطّواف وَأَرْبَعُونَ فِي الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واربعون فى الشيب واربعون فى السِّوَاك انى غير ذَلِك من المؤلفات الجامعة النافعة الدَّالَّة على كَمَال احاطته وعلو شَأْنه نفعنا الله ببركاته آمين ، وَيُقَال إِن مؤلفاته تنيف على أَرْبَعمِائَة تأليف وَله حزب عَظِيم يُسمى حزب الْفَتْح.

وَاجْتمعَ هُوَ وجدي الشريف عبد الله بن شيخ عِنْد الْحرم الشريف وتعانقا وَكَانَ مَعَ الْأُسْتَاذ وَلَده صَاحب التَّرْجَمَة فَطلب لَهُ الدُّعَاء من الْحسن الْبكْرِيّ فَاسْتَجَاب الله دعاؤهما فِي الِاثْنَيْنِ وصارا كِلَاهُمَا آيَتَيْنِ فاق كل مِنْهُمَا في عصره الأقران وَصَارَ قدوه لأهل زَمَانه وَكَانَ مولده سنة تسع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَلم اطلع على تَارِيخ وَفَاته هَذَا وَهُوَ الَّذِي مَنَعَنِي من ان اترجم لَهُ فى هَذَا التَّارِيخ بالاستقلال والا فَهُوَ جزى بذلك اذ هُوَ أوحد زَمَانه علما وَحَالا ومقاما ومغرقه رَحمَه الله.

نعم مَاتَ رَضِي الله عَنهُ فِي عشر السِّتين بِلَا خلاف فانه توفّي وَعمر وَلَده شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد الْبكْرِيّ اُحْدُ وَعِشْرُونَ سنة وَمَات الْمَذْكُور سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وعمره نَيف وَسِتُّونَ سنة فَليعلم وَالله أعلم.

وَخلف الشَّيْخ مُحَمَّد أَوْلَاد أَجلهم الشَّيْخ زين العابدين مَشى على طَرِيقه وَالِده فِي الْإِمْلَاء والدرس والجود وَالْكَرم ومحاسن الْأَخْلَاق والشيم مَعَ الجاه الْعَظِيم وَالْقَبُول التَّام عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَذكروا عَنهُ كرامات وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله قتلة بعض باشوات مصر ظلما لَان الشَّيْخ كَانَ اغلظ لَهُ بالْقَوْل فِي بعض الْأُمُور فَغَضب وَقَتله ثمَّ أَن أهل مصر المحروسة قَامُوا على ذَلِك الرجل وقتلوه وَمن شعره : دَار فكري يَا رب فِي كل خلق .. لم أجد سواك وحقك .. فأغثى فإني عبد رقك .. وتلطف وامنن عَليّ برزقك “.  

9 / ديوان العسيلي  

من أهم شعراء الغزل بمصر في العصر العثماني الشاعر نور الدين علي بن محمد بن عبد الله العسيلي العدوي المصري الشافعي المتوفي بالقاهرة عام 994 هـ / 1585 م ، ويرجع في نسبه إلى بني عسيل بن عقبة وهم فرع من قبيلة بني سامة بن لؤي القرشية والتي نزلت بطون منهم في جوار قرية بني عدي بصعيد مصر ولهم تواجد بالوجه البحري وفلسطين ونبغ مهم عدد كبير من الفقهاء والأعيان.

وقد ذكرهم أبو عبد الله أحمد بن الهيثم عن عمه أبو فراس محمد بن فراس بن محمد بن عطاء بن شعيث الشعيثي في كتابه (نسب سامة بن لؤي) فقال : ” العُسيليّ : بضم العين وفتح السين المهملتين بعدهما الياء آخر الحروف وفي آخرها اللام ، وهذه النسبة موصولة إلى عُسيل وهو بطن من سامة بن لؤي ” ، وذكرهم الأمير الحافظ ابن ماكولا (المتوفى سنة 475 ه‍ / 1082 م) في كتابه الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب (الجزء السادس) باب عسيل.

وذكرهم السمعاني في كتابه الأنساب (ج 3 / ص 332) حيث قال : ” وهو عُسيل بن عقبة بن صمعة بن عاصم بن مالك بن قيس بن مالك بن حيي بن صبرة بن عتبة بن أبي بن سعد بن الشطن بن مالك بن لؤي بن الحارث بن سامة بن لؤي بن غالب بن فهر وهو الملقب بقريش بن مالك بن النضر و اسمه قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة واسمه عامر بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان “.

وذكرهم المرتضى الزبيدي في كتابه (تاج العروس من جواهر القاموس ج 8 / ص 19) فقال : ” عُسَيْلُ بنُ عُقْبَةَ بنِ صَمْعَةَ ابنِ عاصِمِ بنِ مَالِكِ بنِ قَيْسِ بنِ مالِكٍ بَطْنٌ مِنْ سَامَةَ بنِ لُؤَيٍّ ،  قلتُ : ومنهم بَقِيَّةٌ بِبَيْتِ المَقْدِسِ والشَّامِ ورِيفِ مِصْرَ منهم البُرْهَانُ إِبراهيمُ بنُ يُوسُفَ بنِ سُلَيْمَانَ الْمُنَاوِيُّ المَنْزِلِ العُسَيْلِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشيخِ محمدٍ الغَمْرِيِّ تُوُفِّيَ سنة 886 ، ووَلَدُهُ الشَّمْسُ محمدُ بنُ إبراهيمَ وُلِدَ بِمُنْيَةِ سلسيل سنة  856 وتَمَيَّزَ بالفَضِيلَةِ وأُشِيرَ إِلَيْهِ أَجازَهُ الشَّادِيُّ والخَيْضَرِيُّ والدِّيَمِيُّ “.

وقد ترجم له الشهاب الخفاجي في كتابه ريحانة الألبا وأورد جانبا من ديوانه الشعري وقصائده المشهورة فقال : ” نور الدين علي العسيلي ، نور حدقة الزمان وزهر حديقة الحسن والإحسان وكحل عيون الفضلاء والاعيان وإنسان طرف الظرف وعارض وجنات اللطف  وقبلة وفود الفضلاء وفاكهة تنتقل بحديثه الندماء ألفاظه ريحانة الأدب وشمامة الطرب.

وكان في عنفوان عمره يقطف بالجامع الأزهر من رياض العلم غض زهره في ربوة ذات قرار وجنة تجري من تحتها الأنهار حتى عبقت من شمائله نسمات الند وقطرت من سلسبيل أوصافه مياه المجد ومازال يشتري متاع الدنيا بجوهر عمره النفيس معتكفا في حرم التأليف والتدريس حتى جذبه ساعد الافتقار إلى مخالطة دهماء الأمصار فامدرج في مقولة الكيف وحامت آذانه بالنحول ضيف الطيف حتى قاسى الأمرين من الفقر والهرم وهما أسوأ من الفضيحتين المعصية والندم.   

فما كل ثمرة تحلو على نمائها ولا كل بارقة تجود بمائها ، فلما يئس من الدهر والكرم حط رحل أمله عند الأستاذ البكري في أجل حرم وصيته لركاب أمله حادي ونور غرته في ظالم الخطوب له هادي ففتح عادي الكنوز برقة أسمائه ومندل ذكره وعطر آلائه فحل منه محل النوم من الأحداق والمدام من الأقداح.

وتوجه وجه أمله بعد ما حرم من الرجاء إلى كعبة المجد والسماح وله به وله المحب بالحبيب ونظرت إليه عيون أمانيه نظر المريض للطبيب فقابله الدهر بوجه طليق واهتز في روض كرمه غصنه الوريق فكانت غرر أزمانه تحت طراز حلله وإحسانه .. حتى تم عليه الكمال نميم ثغر النور بلسان النسيم ونثر كف الدهر حسدا عقد ذلك الاجتماع النظيم فأطفأ صرصر الموت أنواره ومحى عينه وما قدر أن يمحو آثاره.

وله شعر رائق ونثر فائق فمنه قوله في قصيدة له : هل بالحي من بدور النم إمكان .. أم في خلال بيوت الحي غزلان .. أم الغواني تهادى وهي سافرة .. أم الشموس أقلتهن أغصان ، ومن مقطعاته قوله : كأن الخال في شفة الذي قد .. كساني الشيب قبل أوان شيبي .. قطاة أفردت من بين سرب .. تروم الورد من ماء العذيب ، وله مضمنا : إذا حمل الشيخ الكبير له عصا .. فقد رحلت عنه اللذاذة والهوى .. وعممه الدهر اللئيم عمامة .. ثلاثة ألوان بها تكسف القوى .. وجاءت له الأحزان من كل جانب .. وألقت عصاها واستقر بها النوى.

وله تآليف كثيرة أجلها شرح المغني وهو تأليف جليل عما سواه مغني وقال فيه إنه هذب معانيه وأودع فيه حورا عينا في جنة أبوابها ثمانية أبواب ، يشير إلى قول البدر الدماميني : ألا إنما مغني اللبيب مصنف .. جليل به النحوي يحوي أمانيه .. فما هو إلا جنة قد تزخرفت .. ألم تنظر الأبواب فيه ثمانية “.

وذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب فقال : ” نور الدّين علي بن محمد العسيلي المصري الشافعي الإمام العلّامة الأديب المفنّن في العلوم النقلية والعقلية ، ذكره الشعراوي وأثنى عليه بالخشية والبكاء عند سماع القرآن والتهجد ، قال : وكان يغلب عليه أحوال الملامية وأن غالب أعماله قلبية ، وكان إماما علّامة له حاشية حافلة على (مغني ابن هشام).

ومن نظمه قوله في صدر قصيدة : رعى الله ليلة وصل خلت .. خلوت بها وضجيعي القمر .. صفت عن رقيب وعن عاذل .. فلم تك إلّا كلمح البصر .. وقد قصرت بعد طول النّوى .. وما قصرت مع ذاك القصر ، وقوله في عبد له اسمه فرج : لكلّ ضيق إذا استبطأته فرج .. وكلّ ضيق أراه فهو منفرج ، وكان الشيخ نور الدّين من أخصّ الناس بالشيخ محمد بن أبي الحسن البكري “.

وذكره الغزي في كتابه الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة وذكر لقاء والده به فقال : ” علي بن محمد العسيلي ، علي بن محمد الشيخ العلامة الأديب نور الدين العسيلي المصري الشافعي المفنن في العلوم النقلية والعقلية ، له حاشية على كتاب المغني في النحو وله يد طولى في الكلام والعقائد وذكره الشعراوي فأثنى عليه بالخشية والبكاء عند سماع القرآن والتهجد فإن الغالب عليه أحوال الملامتية وأن غالب أعماله قلبية ، وذكره ابن الحنبلي في تاريخ حلب وذلك أنه سافر إلى بلاد الروم في حدود سنة أربع وثلاثين فدخل بلاد الشام واجتمع به ابن الحنبلي إذ ذاك وأورد له من نظمه نبذة منها قوله محاجياً في صباح : أيا مولى له عن .. مقام الفضل غيبة .. أبن قول المحاجي .. يقول بئراً بطيبة.

وكان الشيخ نور الدين من أخص الناس بالشيخ محمد بن أبي الحسن البكري ، ولما ورد شيخ الإسلام الوالد القاهرة سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة ذاهباً منها إلى الحج أضافه تلميذه الأستاذ محمد البكري فاتفق للشيخ الوالد أنه اجتمع به في الضيافة الشيخ نور الدين العسيلي فجرى في المجلس ذكر الخادم للزركشي فقال : الشيخ نور الدين اختصر بعضهم في كتاب سماه تحرير الخادم ، فأخذ يطنب في استحسان هذه التسمية قال شيخ الإسلام : وهي في الحقيقة تسمية حسنة ، لكن عن على اللسان ما نظمته بديهة فقلت : تعجب نور الدين من صنع بعضهم .. يلقب تصنيفاً بتحرير خادم .. فقلت له لا حسن فيه لأنه .. بتحريره لا نفع فيه لعالم .. فمع رقه استخدامه متحتم .. ومع عتقه استخدامه غير لازم ، تأخرت وفاته عن وفاة الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمهما الله تعالى “.

وفي كتابه تاريخ الأدب العربي تناول الدكتور شوقي ضيف بالنقد والتحليل أشعار العسيلي ووضعه ضمن أهم شعراء الغزل في تاريخ مصر فقال : ” نور الدين  على العسيلى ، من علماء مصر وفضلائها وشعرائها فى القرن العاشر الهجرى توفى سنة ٩٩٤ للهجرة ، وكان فقيها شافعيا تتلمذ لشيوخ الأزهر وأظهر براعة فى فنه وعكف على التأليف والتدريس ، وفيه يقول الشهاب الخفاجى : (نور حدقة الزمان وزهر حديقة الحسن والإحسان وكحل عيون الفضلاء والأعيان) وعاش طويلا وتعلق بأخرة بالسادة البكرية فقابله الدهر – كما يقول الشهاب الخفاجى – بوجه طليق.

ويبدو أن موهبته الشعرية تفتحت مبكرة فقد غطّى اشتهاره بشعره على شهرته بالعلم والفقه والفضل وغلب عليه الغزل من مثل قوله : سقى الحمى ولياليه التى سلفت .. من أدمعى ومن الوسمى هتّان .. لى فى الديار سقاها المزن صيّبه .. غزال حسن بديع الخلق فتّان .. يا ربرب الحسن قد بالغت فى تلفى .. أما لهجرك يالمياء هجران .. هلا نظرت إلى مضناك راحمة .. فكان يشفع منك الحسن إحسان.

وهو لا يمل الدعاء بأن يسقى الحمى وليالى حبه فيه أمطار الربيع ودموعه الهاطلة أبدا ففى الديار غزال سحره وخلب لبه ، ويهتف بسرب الحسن أن يلتفت إليه وبصاحبته لمياء أن تصله بعد طول الهجر والعذاب حتى ولو بنظرة عطف وإشفاق على مضناها الذى طال عناؤه وشقاؤه وحرمانه.

ويقول : كأنّ الذى أهوى على نفسه جنى .. فمال على تلك المحاسن بالفتك .. فأغرق خدّيه بماء جماله .. وأوقع فى الظّلماء ناظره التّركى .. وها جفنه يبكى عليه من الضّنا .. وها خصره من ثقل أردافه يشكى ، وهو يجعل المحبوب التركى جانبا على نفسه فقد أغرق خديه فى ماء جماله أو بعبارة أخرى فى رونق حسنه وكأنما كحل ناظره الأسود بالظلام الداجى فلمع بريقه ويتخيل كأنما جفنه يبكى على ضناه وكأنما خصره يشكو من ثقل أردافه ، وقد استعمل يشكى مثل العامية بدلا من يشكو الفصيحة.

ويقول فى إحدى الجوارى : دبّت له ذؤابة .. كحيّة من خلفه .. تحمى ضعيف خصره .. من خارجىّ ردفه ، وهو يشبه الضفيرة بحية وكأنها تحمى خصره من ثقل ردفه وقد عبر عنه بأنه من الخوارج مبالغة ويقول : كلّ فعال الحبّ محمودة .. وإن تجافى وتجنّى وتاه .. فوصله قطع لداء الأسى .. وهجره قطع لقول الوشاه ، فهو يرتضى من محبوبته حتى هجرها ليقطع ألسنة الوشاة ، وهو جانب فيه من التظرف والرقة ورهافة الشعور ما يمتاز به أهل القاهرة.

وله قصيدة بديعة فى دولاب (ساقية) روض صوّره فيها ينوح ويئن دائما لفراقه روضه إذ كان شجرة ضخمة فى إحدى الرياض قطّع أوصالها غبى ودقّ عظمها فى ضلوعها فهى ما تنى تبكى على عهدها بالرياض ، وما تنى عيونها جارية بالدموع ، وفى الحق أنه كان شاعرا بارعا ومرّ بنا أنه يكوّن مع تلميذه يحيى الأصيلى وتلميذ يحيى الشاعر يوسف المغربى مدرسة فى الغزل زمن العثمانيين كانت تمتاز بدقة الحس ورهافة الشعور “.

10 / إظهار الأسرار الخفية

(إظهار الأسرار الخفية في حل ألفاظ الرسالة الفتحية) هو عنوان كتاب في الرياضيات وحساب المثلثات وتطبيقاتهما في علم الفلك وتحديد الأهلة والمواقيت وقد كتبه الشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد بن عبد الحق السنباطي المتوفي في القاهرة عام 997 هـ / 1587 م وقام فيه بشرح كتاب الرسالة الفتحية في الأعمال الجيبية والتي كتبها العلامة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الشافعي المصري الدمشقي المعروف بسبط المارديني مؤقت الجامع الأزهر والمتوفي عام 912 هـ وتناول فيها قواعد حساب النسب المثلثية المعروفة وهي الجيب وجيب التمام والظل ومشتقاتها.

وقد استهل السنباطي شرحه بمقدمة قصيرة قال فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين ، وبعد فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن أحمد بن عبد الحق السنباطي الشافعي هذا توضيح لطيف على الرسالة الموضوعة في العمل بالربع المجيب تأليف الشيخ العلامة بدر الدين المارديني رحمه الله تعالى وضعته عليها حين قرأتي لهذا على شيخنا العلامة المفنن السيد الشريف محمد بن أبي الخير الأرميوني المالكي أطال الله بقاءه والله المسئول أن ينفع به كما نفه بأصله “.

ويعرف الكتاب أيضا باسم شرح السنباطي على رسالة السبط المارديني في العمل بالربع المجيب وباسم إظهار الأسرار الخفية في حل ألفاظ الرسالة الجيبية حيث تعددت مخطوطاته وشروحاتها ، وللمؤلف عدد كبير من الكتب في مختلف المجالات منها كتاب حاشية على كتاب الورقات للمحلي وكتاب فتح الحي القيوم بشرح روضة الفهوم وكتاب الفتاوى وشرح مقدمة زكريا الأنصاري في الكلام على البسملة وشرح الهمزية وكتاب روضة الفهوم رسالة في عمل الربع المجيب وكتاب تعليق السنباطي على صحيح البخاري وشرح السنباطي على الشاطبية وكتاب سؤال رفع للسنباطي فيما يتعلق بالقراءة والقارىء.

والمؤلف هو نجل الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الحق السنباطي المتوفي عام 950 هـ وجده هو الشيخ عبد الحق بن محمد السنباطي المتوفي عام 931 هـ وجميعهم من أعلام مصر في زمنهم ، وقد ترجم له الغزي في كتابه الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة فقال : ” أحمد بن أحمد بن عبد الحق : أحمد بن أحمد بن عبد الحق الشيخ الإمام العلامة المحقق المحرر الشيخ شهاب الدين عبد الحق الشافعي ثم المصري شيخنا بالمكاتبة توفي في سنة سبع أو ثمان وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة رحمه الله تعالى “.

وذكره أبو العبّاس أحمد بن محمّد المكناسى الشّهير بابن القاضي في كتابه ذيل وفيات الأعيان المسمى (درّة الحجال في أسماء الرّجال) فقال : ” أحمد بن أحمد بن عبد الحق السنباطى الفقيه المؤلف الشافعى له نظم ونثر وله تآليف حسنة من ذلك نظمه الذى جمع فيه سبعة عشر علما أخذ عن جماعة كالمرصفى وغيره ، لقيته بمصر سنة 986 وقرأت عليه شيئا من منظومته المذكورة وأجاز لى كلّ ما يحمله وتوفى سنة 999 والله أعلم “.

وترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” أحمد بن أحمد بن عبد الحق السنباطي شهاب الدين الشافعيّ فاضل مصري من أهل سنباط في المحلة الكبرى بمصر له كتب منها فتاوى في خزانة الرباط (124 ك) جمعه بعض تلاميذه في 432 صفحة ، وشرح مقدمة زكريا الأنصاري في الكلام على البسملة في خزانة زهير الشاويش ببيروت وروضة الفهوم نظم نقابة العلوم للسيوطي وفتح الحي القيوم بشرح روضة الفهوم (مجلدان) في دار الكتب ورسالة في عمل الربع المجيب (فلك) وحاشية على كتاب الورقات للجويني وشرح الهمزية “.

وقد أخذ القراءات عن جماعة من العلماء منهم : شحاذة اليمني المتوفي عام 999 هـ ويوسف بن زكريا الأنصاري المتوفي سنة 987 هـ وسبط المرصفي المتوفي عام 996 هـ ، ومن تلاميذه عبد الرحمن بن شحاذة اليمني المتوفي عام 1050 هـ وسيف الدين أبو الفتوح ابن عطاء الله الوفائي الفضالي المقرى الشافعي البصير شيخ القراء بمصر في عصره المتوفي عام 1020 هـ والشيخ عبد القادر بن محمد بن أحمد بن زين الفيومي المصري الشافعي الإمام الكبير المعروف وهو والد عبد البر صاحب المنتزه والشيخ محمد حجازي بن محمد بن عبد الله الشهير بالواعظ القلقشندي والشيخ  أحمد بن محمد المكناسي الشهير بابن القاضي والشيخ جْم الدِّين الغَزَي محمد بن محمد بن محمد الغزي العامري القرشي الدمشقي، أبو المكارم، المؤرخ الباحث الأديب المتوفي عام 1061 هـ.

وقد جاءت ترجمة والده في كتاب الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة للغزي حيث قال : ”   أحمد بن عبد الحق بن محمد الشيخ الإمام العالم العلامة الشيخ شهاب الدين ابن الشيخ عبد الحق السنباطي المصري الشافعي الواعظ بجامع الأزهر ، أخذه عن والد وغيره وكان معه بمكة في مجاورته بها سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة ووعظ بالمسجد الحرام في حياة أبيه وفتح عليه في الوعظ حينئذ وهو الذي تقدم للصلاة على والده حين توفي بمكة المشرفة كما تقدم ، وقال الشعراوي : لم نر أحداً من الوعاظ. أقبل عليه الخلائق مثله وكان إذا نزل من فوق الكرسي يقتتل الناس عليه.

قال : وكان مفنناً في العلوم الشرعية وله الباع الطويل في الخلاف ومعرفة مذاهب المجتهدين وكان من رؤوس أهل السنة والجماعة وكان قد اشتهر في أقطار الأرض كالشام والحجاز واليمن والروم وصاروا يضربون به المثل وأذعنوا له علماء مصر الخاص منهم والعام ، وذكر ابن طولون أنه ولي تدريس الخشابية بمصر بعد الشيخ الضيروطي وهي مشروطة لأعلم علماء الشافعية كالشامية البرانية بدمشق وعمل له الحسد النكاية عند نواب مصر ونجاه الله تعالى ، وهدم كذا كنيسة وبيعة.

قلت : وكان – رحمه الله تعالى – يشدد في قهوة البن ويقول بتحريمها وتبعه جماعة من طلبة العلم بمصر كما كان والده شيخنا الشيخ يونس العيثاوي يشدد فيها بدمشق وتبعه بعض جماعة من طلبة العلم بها حتى ضمنها بعض مؤلفاته ثم انعقد الآن الاجماع على حلها في ذاتها وأما في الإجتماع على إدارتها كالخمر وضرب الآلات عليها، وتناولها من المرد الحسان مع النظر إليهم وغمز بعض أعقابهم فلا شبهة في تحريمه ، وكانت وفاة الشيخ شهاب الدين ابن عبد الحق في أواخر صفر سنة خمسين وتسعمائة.

قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي : ولما مات أظلمت مصر لموته وانهدم ركن عظيم من الدين ، قال : وما رأيت في عمري كله أكثر خلقاً من جنازته إلا جنازة الشيخ شهاب الدين الرملي لكونهم صلوا عليه في الجامع الأزهر يوم الجمعة وصلي عليه غائبة في جامع دمشق يوم الجمعة ثاني عشري ربيع الأول سنة خمسين المذكورة رحمه الله تعالى “.

وترجم لجده فقال : ” عبد الحق بن محمد السنباطي ، عبد الحق بن محمد الشيخ الإمام شيخ الإسلام الحبر البحر العلامة الفهامة السنباطي القاهري، الشافعي خاتمة المسندين ، ولد في أحد الجمادين سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة كما قرأت بخط ابن طولون نقلاً عن كتاب محدث مكة جار الله بن فهد ، وقرأت أيضاً بخط الشيخ نجم الدين الغيطي ، وقرأت بخط الوالد أن الشيخ عبد الحق نفسه ذكر له ذلك.

وأخذ بالقراءات والسماع عن العلامة كمال الدين بن الهمام والشيخ أمين الدين الأقصرائي والشيخ محيي الدين الكافيجي والشيخ تقي الدين الشمني والشيخ تقي الدين الحصكفي والشيخ شهاب الدين السكندري المقريء تلميذ العسقلاني والشيخ المحقق جلال الدين المحلي والشيخ العلامة علم الدين صالح البلقيني والشمس الدواني وعن غيرهم ، وسمع السنن لابن ماجة على المسندة الأصلية أم عبد الرحمن باي خاتون ابنة القاضي علاء الدين بن البهاء أبي البقاء محمد بن عبد البر السبكي عن المسند أبي عبد الله محمد بن الفخر البعلي عن الحجار وأجازه ابن حجر والبحر العيني.

كان جلداً في تحصيله مكباً على الإشتغال حتى برع وانتهت إليه الرئاسة بمصر في الفقه والأصول والحديث وكان عالماً عابداً متواضعاً طارحاً للتكليف ، من رآه شهد فيه الولاية والصلاح قبل أن يخالطه أخذ عنه شيخ الإسلام فيما بلغني والعلامة بدر الدين العلائي وولده الشيخ الفاضل العلامة شهاب الدين أحمد والشيخ عبد الوهاب الشعراوي والقطب المكي الحنفي وغيرهم.

وجاور بمكة في سنة إحدى وثلانين وتسعمائة وكان نازلاً في دار بني فهد فتوعك في ثامن عشر شعبان وبقي متوعكاً اثني عشر يوماً منها ثلاثة أيام كان في مصطلحاً لا يدخل جوفه فيها شيء ولا يخرج منه شيء ولا ينطق بشطر كلمة ثم فتح عينيه في أثنائها وقال : لا إله إلا الله إقض إمض إقض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، ماداً السبابة والإبهام فما أتمها إلا مقبوضاً إلى رحمة الله تعالى وكان ذلك في غرة رمضان سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة كما ذكر ذلك العلائي في تاريخه.

وقال محدث مكة جار الله بن فهد في كتابه إلى الشيخ شمس الدين بن طولون : فقدر الله تعالى وفاته في ليلة الجمعة غرة شهر رمضان عند إطفاء المصابيح أوان الفجر ، قال : وكان ذلك مصداق منام رؤي له في أول السنة يؤمر فيه بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إطفاء المصابيح ، قال : وضمن ذلك بعض الشعراء في أبيات وهي : توفي عبد الحق يوم غروبه .. بمكة بعد الصبح بدء صيامه .. وزد واحداً فوق الثلاثين مردفاً .. بتسع ميء واجعله عام حمامه .. قضى عالم الدنيا كأن لم يكن بها .. سقى الله قبراً ضمه من غمامه.

قال الشيخ جار الله : وصلي عليه عقب صلاة الجمعة عند باب الكعبة وشيعه خلق كثير إلى المعلا ودفن بتربة سلفنا عند مصلب سيدنا عبد الله بن الزبير الصحابي – رضي الله تعالى عنه – بشعب النور، ورثاه جماعة من الشعراء وحزن الناس عليه كثيراً فإنه خاتمة المسندين والقراء أيضاً، وقد جاوز التسعين. انتهى.

وذكر العلائي في تاريخه أن الذي صلى عليه إماماً ولده العلامة شهاب الدين وأنه دفن في التربة المذكورة بين قبري محدثي الحجاز الشيخين الحافظين تقي الدين بن فهد وولده نجم الدين بن فهد ، وكان يوماً مشهوداً وخلف ثلاثة بنين رجالاً متتابعة صلحاء عقلاء فضلاء غير أن أوسطهم الشيخ شهاب الدين أفضل بنيه ودونه الشيخ محب الدين ، انتهى – رحمه الله تعالى “.