العصر الخديوي الجزء الثالث

21 / تخليص الإبريز

(تخليص الإبريز في تلخيص باريز) هو عنوان الكتاب الأشهر للسيد رفاعة الطهطاوي رائد النهضة الفكرية الحديثة في مصر والذي ولد في طهطا بالصعيد عام 1216 هـ / 1801 م وتوفي بالقاهرة عام 1290 هـ / 1873 م ، وهو أشهر من نار على علم وأحد صناع تاريخ البلاد في عصر أسرة محمد علي وله إسهامات معروفة في مجالات التأليف والترجمة والتدريس والإدارة والصحافة حتى صار رمزا لعصر جديد في الأدب والثقافة ووصفه الأمير عمر طوسون قائلا : مؤسس مدرسة الألسن وناظرها وأحد أركان النهضة العلمية العربية بل إمامها في مصر.

وقد ترجم له محمد مخلوف في كتابه شجرة النور الزكية في طبقات المالكية فقال : ” رفاعة الطهطاوي المذكور الشريف الحسيني العلامة المتفنن المحقق المتقن الأستاذ المفضال الأريب المؤرخ الرحال ، أخذ عن أعلام علماء الأزهر ولازم الشيخ حسن العطار وانتفع به وتخرج عليه ولنجابته ونبله جعله عزيز مصر محمَّد علي باشا إماماً لأول بعثة علمية أرسلها إلى باريس لتلقي العلوم والمعارف بمدارسها واجتهد في التحصيل عليها إلى أن أحرز منها على نصيب وافر.

ولما حاز إجازته الدالة على نبوغه في العلوم الحديثة وتفوقه في فن الترجمة رجع للقاهرة مترقياً في مراتب الحكومة السنية وألّف مؤلفات شاهدة بفضله منها قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر ومنها تلخيص الإبريز إلى تخليص باريز وصف فيه رحلته إلى فرنسا وما شاهده بها وما وقف عليه من عادات القوم وأخلاقهم وآدابهم وتأليف في الجغرافية والتاريخ وبداية القدماء وهداية الحكماء في التاريخ القديم.

ومباهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية وأنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل فصل فيه أخبار مصر منذ مصرت إلى قدوم عمرو بن العاص إليها ونهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز – صلى الله عليه وسلم – وهو تتمة للكتاب قبله ولم تعقله شواغله ومناصبه على كثرتها عن ترجمة الكتب والتأليف إلى أن نقل إلى جوار ربه سنة 1290 هـ / 1873 م ومولده سنة 1206 هـ “.

وقد استهل كتابه الأشهر بمقدمة يؤرخ فيها بداية رحلته حيث قال : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، سبحان من سيَّر أقدام الأنام إلى ما مضى في سابقُ علمه ويسر للإنسان الأقدام على محتم قضائه حكمُه فلا محيص لقوي وضعيف وشريف عما جرى في أم الكتاب ولا مفر لغني وفقير وخطير وحقير عن الاقتراب إلى مطوي ذلك الحجاب.

أحمده سبحانه وتعالى حمْد من أبلاه فصبر وأغناه فشكر وأشكره شكر من توجه بجنانه للسير إلى مرضاته فتنزه في رياض القبول وجناته وأصلي وأسلم على من سارت ركائب شوقه إلى مدبره وأشارت مواكب حسن خلقه إلى طيب عنصره سيدنا محمد الذي سافر إلى الشام وهاجر إلى المدينة وسار من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وكان جبريل أمينه وعلى آله وأصحابه وعترته وأحبابه.

أما بعد فيقول العبد الفقير إلى أمداد سيده ومولاه السائر حيث وجهه وولاه المعتمد على الكريم النافع رفاعة ابن المرحوم السيد بدوي رافع الطهطاوي بلدًا الحُسيني القاسمي نسبًا الشافعي مذهبًا : لما منّ الله سبحانه وتعالى عليَّ بطلب العلم بالجامع الأزهر والمحل الأنور الذي هو جنة علم دانية الثمار وروضة فهم يانعة الأزهار كما قال أستاذنا العلامة العطار : لازم إذا رمت الفضائل مسجدًا بشموس أنوار العلوم تنورا .. فيه رياض العلم أينع زهرها فلذلك المعنى تسمى (الأزهرا) ،  وقال بعضهم ـ وأحبِسنَّ ـ بيتين معرضًا بعلماء الحرمين : ومن يغترب عن (أزهر) العلم فليَنُح على بعد دار العلم والعلماء .. ففيه بحور طاميات وغيره بحور عروض لا تجود بماء.

وحصلت ما يسر به على الفتاح مما يخرج به الإنسان من الظلام ويمتاز به عن مرتبة العوام وكنت من معشر أشراف جارت عليهم الأيام بعد أن أجرت غيثها في ديارهم وأشارت إلى نصبهم الأعوام بعد أن صبت أعلام راحتها في مزارهم ، ومن المركوز في الأسماع في القديم والحديث وعليه الإجماع بعد الكتاب والحديث أن خيرَ الأمور العلم وأنه أهمُّ كل مهم وأن ثمرته في الدنيا والآخرة صاحبه تعود وأن فضله في كل زمان ومكان مشهود.

سهل لي الدخول في خدمة صاحب السعادة أولاً في وظيفة واعظ في العساكر الجهادية ثم منها إلى رتبة مبعوث إلى باريس صحبة الأفندية المبعوثين لتعلم العلوم والفنون الموجودة بهذه المدينة البهيَّة ، فلما رسم اسمي في جملة المسافرين وعزمت على التوجه أشار علي بعض الأقارب والمحبين لا سيما شيخنا العطار فإنه مولع بسماع عجائب الأخبار والاطلاع على غرائب الآثار أن أنبه على ما يقع في هذه السفرة وعلى ما أراه وما أصادفه من الأمور الغريبة والأشياء العجيبة.

وأن أقيده ليكون نافعًا في كشف القناع عن محيا هذه البقاع التي يقال فيها إنها عرائس الأقطار وليبقى دليلاً يهتدي به إلى السفر إليها طلاب الأسفار ، خصوصًا وأنه من أول الزمن إلى الآن لم يظهر باللغة العربية على حسب ظني شيء في تاريخ مدينة باريس كرسي مملكة الفرنسيس ولا في تعريف أحوالها وأحوال أهلها ، فالحمد لله الذي جعل ذلك بأنفاس ولي النعمة وفي عهده وبسبب عنايته وتقويته للعلوم والفنون.

فما قصرت في أن قيدت في سفري رحلة صغيرة نزعتها عن خلل التساهل والتحامل وبرأتها عن زلل التكاسل والتفاضل ووشحتها بعض استطرادات نافعة واستظهارات ساطعة وأنطقتها بحث ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرانية والفنون والصنائع فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمر ثابت شائع والحق أحق أن يتبع ولعمر الله إنني مدة إقامتي بهذه البلاد في حسرة على تمتعها بذلك وخلو ممالك الإسلام منه.

وإيَّاك أن تجد ما أذكره لك خارجًا عن عادتك فيعسر عليك تصديقه فتظنه من باب الهذر والخرافات أو من حيز الإفراط والمبالغات وبالجملة فبعض الظن إثم والشاهد يرى ما لا يراه الغائب : وإذا كنت بالمدارك غرا ثم أبصرت مدركًا لا تمار .. وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار ، وقد أشهدت الله سبحانه وتعالى على ألا أحيد في جميع ما أقوله عن طريق الحق وأن أفشي ما سمح به خاطري من الحكم باستحسان بعض أمور هذه البلاد وعوائدها على حسب ما يقتضيه الحال ، ومن المعلوم أنني لا أستحسن إلا ما لم يخالف نص الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأشرف التحية.

وليست هذه الرحلة مقتصرة على ذكر السفر ووقائه بل هي مشتملة أيضًا على ثمرته وغرضه وفيها إيجاز العلوم والصنائع المطلوبة والتكلم عليها وعلى طريق تدوين الإفرنج لها واعتقادهم فيها وتأسيسهم لها ولذلك نسبت في غالب الأوقات الأشياء التي هي محل للنظر أو للاختلاف مشيرًا إلى أن قصدي مجرد حكايتها.

وقد سميت هذه الرحلة : تخليص الإبريز في تلخيص باريز أو الديوان النفيس بإيوان باريس ، وقد رتبتها على مقدمة وفيها عدة أبواب وعلى مقصد وفيه عدة مقالات وكل مقالة فيها عدة فصول أو كتب مشتملة على فصول وعلى خاتمة ، راجع الفهرست في أول الكتاب.

وقد حاولت في تأليف هذا الكتاب سلوك طريق الإيجاز وارتكاب السهولة في التعبير حتى يمكن لكل الناس الورود على حياضه والوفود على رياضه ولو صغر حجمه وقل جرمه فهو مشحون بما لا يحصى من فوائد الفرائد وبما لا يستقصى من جزائل الخراد (شعر) : فإذا بدا لا تستقلوا حجمه وحياتكم فيه الكثير الطيب ، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الكتاب مقبولاً لدى الخاص والعام وأن يوقظ به من نوم الغفلة سائر أمم الإسلام من عرب وعجم إنه سميع مجيب قاصده لا يخيب “.

وقد ترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة تحت عنوان ترجمة رفاعة بيك رافع  فقال : ” الأمير الجليل المرحوم رفاعة بك رافع الطهطاوى ناظر مدرسة الألسن سابقا ولد رحمه الله سنة ١٢١٦ هجرية ونشأ فى عز والده إلى أن أخذت الإلتزامات من العلماء والأشراف فاضطر والده إلى المهاجرة من طهطا إلى بلد أقاربه بمنشأة النيدة المعروفين ببيت أبى قطنة وهناك حفظ أكثر القرآن الشريف.

ثم توفى والده رحمه الله السيد بدوى فرجع إلى طهطا وهناك قام بتربيته أخواله وهم بيت علم من الأنصار الخزرجية فحفظ المتون وحضر بعض الكتب عليهم فقها ونحوا وأغلب تربيته الأزهرية كانت على العلامتين المفضالين الشيخ الفضالى والشيخ حسن العطار فتخرج عليهما فى سائر العلوم العربية حتى صار أهلا للتدريس فدرّس فى الأزهر مدة نحو السنتين وكان له رحمه الله تعالى منزلة خاصة عند الشيخ حسن العطار فكان يشترك معه في الاطلاع على الكتب الغريبة التي لم تتداولها أيدى علماء الأزهر.

وقد اتفق أن المرحوم محمد على باشا صاحب الديار المصرية عليه سحائب الرحمة بعث بجملة من أبناء أكابر الحكومة المصرية وغيرهم لتعلم العلوم الأوروباوية بمدينة باريس وطلب من الشيخ العطار أن ينتخب لهم إماما من علماء الأزهر فيه الأهلية واللياقة فاختار تعيين صاحب الترجمة لتلك الوظيفة ، فتوجه مع تلك الإرسالية إلى باريز وأوصاه شيخه المومىء إليه قبل سفره بأن يفيد بلاده بعمل رحلة تجمع ما عليه المملكة الفرانساوية عموما وتضبط أحواله خصوصا فعمل رحلته المشهورة المسماة (تخليص الإبريز) المطبوعة مرارا.

وشرع حين ركوب الباخرة من الأسكندرية فى تعلم مبادئ اللغة الفرانساوية بهمة عالية وعزيمة صادقة واتخذ له بعد وصوله إلى باريز معلما خاصا على نفقته وما لبث فى هذه البلاد حتى عرفه أعاظم العلماء وأكابرهم ، وكان للعالم الشهير (موسيو جومار) عليه فضل التعهد بالإرشاد والتعليم والمحبة الخصوصية وقد ساعده مساعدات جمة فى هذه البلاد وكذلك حاله مع العالم الشهير (البارون دساسى).

هذا وفى مدة إقامته بباريز التى هى من سنة ١٢٤١ إلى ١٢٤٦، كان قد نبغ فى العلوم والمعارف الأجنبية وعلى الخصوص فى فن الترجمة فى سائر العلوم على اختلاف اصطلاحاتها من حيث الإستعمال والمفردات وأكبّ كل الإكباب على إدامة النظر واستعمال الفكر والحرص على التحصيل والإستفادة ، ولم تؤثر إقامته بباريز أدنى تأثير فى عقائده ولا فى أخلاقه وعوائده واستمر على اجتهاده وترجم فى مدة إقامته جملة رسائل وكتب منها (قلائد المفاخر فى غريب وعوائد الأوائل والأواخر) المطبوع بمطبعة بولاق ونستغنى فى هذا المقام على استقراء حالته فى باريز بما ذكره فى رحلته السالف ذكرها.

وبعد انتهاء رحلته وحصول بغيته استقدمه المرحوم محمد على باشا إلى مصر مع رفقته وعند وصوله الإسكندرية حظى بمقابلة المرحوم إبراهيم باشا أكبر أنجال المرحوم المشار إليه وسأله عن بيت آبائه بطهطا بعد أن عرف أنه من ذريتهم ، وكان للمرحوم إبراهيم باشا معرفة بهم ولهم به انتماء خاص فوعده بإدامة الإلتفات إليه واستمر إلى أن توفى المرحوم إبراهيم باشا وقد أقطعه فى خلال هذه المدة حديقة نادرة المثال فى الخانقاه تبلغ ٣٦ فدانا.

وتوّجه صاحب الترجمة من ثغر الإسكندرية إلى القاهرة فتشرف بمقابلة المرحوم محمد على باشا ورأى من ميله إليه ما حمله على الثقة بنجاح المبدأ والنهاية وعين بأمره العالي مترجما فى مدرسة (طرا) تحت رياسة ناظرها (سكورا بك الفرانساوى) فترجم كتبا عديدة ، وفى أثناء ذلك حلّ وباء فى القاهرة فسافر صاحب الترجمة إلى بلده ثم رجع وقابل الجناب العالى بترجمة جزء ضخم من (جغرافية ملطبرون) ترجمه فى تلك المدة فأنعم عليه بمبلغ جزيل من النقود.

ثم عرض للجناب العالى أن فى إمكانه أن يؤسس مدرسة ألسن يمكن أن ينتفع بها الوطن ويستغنى عن الدخيل فأجابه إلى ذلك ووجه به إلى مكاتب الأقاليم لينتخب منها من التلامذة ما يتم به المشروع فأسس المدرسة ، وفى المدة المعينة امتحنت فى اللغة الفرنساوية وفى غيرها من العلوم المدرسية فظهرت نجابة تلامذتها ثم تشكل بها قسم ترجمة وترقت فيه التلامذة إلى الرتب السنية وترجم فيه كثير من الكتب على اختلاف العلوم والفنون والمواضيع.

وكان لهذه المدرسة معلمون أفاضل أجنبيون ووطنيون ، فمن الوطنيين العلامة الشيخ محمد الدمنهورى والعلامة الشيخ على الفرغلى الأنصارى (ابن خال صاحب الترجمة) والعلامة الشيخ حسنين حريز الغمراوى والعلامة الشيخ محمد قطة العدوى والعلامة الشيخ أحمد عبد الرحيم الطهطاوى والشيخ عبد المنعم الجرجاوى ، ولا يحضرنا من الأجانب غير اسم موسيو (أوزير).

وكان مقر تلك المدرسة بالسراى المعروفة ببيت الدفتردار حيث لوكاندة شبت الآن بالأزبكية ، وكان لهذه المدرسة مدرسة تجهيزية هى أيضا تحت رياسته وكان خوجاتها من تلامذته من مدرسة الألسن ، وأحيل عليه تفتيش مكاتب الأقاليم عموما وتفتيش مدارس الخانقاه وأبى زعبل أي مدارس الأنجال وغيرهم.

وكان دأبه في مدرسة الألسن وفيما اختاره للتلامذة من الكتب التى أراد ترجمتها منهم وفى تأليفاته وتراجمه خصوصا أنه لا يقف فى ذلك فى اليوم والليلة على وقت محدود ، فكان ربما عقد الدرس للتلامذة بعد العشاء أو عند ثلث الليل الأخير ومكث نحو ثلاث أو أربع ساعات على قدميه فى درس اللغة أو فنون الإدارة والشرائع الإسلامية والقوانين الأجنبية ، وله فى الأولى مجاميع لم تطبع وكذلك كان دأبه معهم فى تدريس كتب فنون الأدب العالية بحيث أمسى جميعهم فى الإنشاآت نظما ونثرا أطروفة مصرهم وتحفة عصرهم ومع ذلك كان هو بشخصه لا يفتر عن الاشتغال بالترجمة أو التأليف وكانت مجامع الامتحانات لا تزهو إلا به.

وقد ذكر العالم الفاضل المرحوم السيد بك صالح مجدى أحد تلامذته فى ترجمة أحواله التي سماها (حلية الزمن بسيرة خادم الوطن) نسبه الحسينى الشريف وذكر كثيرا من أحواله وعدد تلامذته وقسمهم إلى ثلاث طبقات كانوا جمال العصر وغرة الدهر فضلا ونبلا فمن شاء فليراجع أسماءهم هناك ، وقد أمضى مدة حياته إلى آخر مدة المرحوم سعيد باشا فى سبيل التعليم إدارة وعملا هو وتلامذته ثم من بعد تلك المدة واقتصاره على نظارة قلم الترجمة وعضوية قومسيون المعارف فى عهد حضرة الخديو اسمعيل باشا قام فى كثير من المدارس بهذه الخطة عينها.

وله فى المرحوم محمد على ونجله الأكبر إبراهيم باشا المدائح التي سارت بها الركبان منها قصيدته اللامية التى مطلعها : ملأ الكون بشرا عدله واعتداله  وأغنى البرايا بره ونواله ، وهى التى يقول فيها تلويحا ببلد الممدوح : منازل منها اسكندر فاتح الورى  إذا لم يكن عمّ الأمير فخاله ، وقصيدته النونية التى قالها وهو فى باريس ومطلعها : ناح الحمام على غصون البان  فأباح شيمة مغرم ولهان ، ومنها يتذكر أولاده وعائلته : أبكى بعينى مهجتى لفراقهم  وأود أن لا تشعر العينان ، ومنها وقد كان قائما بأعباء الحروب إذ ذاك نجل الممدوح المشار إليه : فى كفه سيفان سيف عناية  والشهم إبراهيم سيف ثانى.

ثم ألغيت المدرسة فى مدة المرحوم عباس باشا واستقر رأى المجلس الخصوصى على إنشاء مدرسة فى السودان للاحتياج لها هناك فاختير المترجم ناظرا عليها وعينت ضباطها وخوجاتها وجميع ما يلزم لها ، وصدر الأمر العالى بالتنفيذ وأن يكون محلها مدينة الخرطوم فلما وصل إليها أنشأ المدرسة ورتبها أحسن ترتيب وأدارها أحسن إدارة وكان ذلك أواخر سنة ١٢٦٥ هجرية وقد ترجم هناك كتبا منها كتاب (تليماك) المطبوع فى الشام.

وأنشأ قصيدته التى مطلعها : ألا فادع الذى ترجو وناد  يجبك وان تكن فى أى ناد .. بنو الآداب اخوان جميعا .. وأخدان بمختلف البلاد ، وهى مطبوعة فى كتابه (مناهج الألباب) وخمس قصيدة من قصائد سيدى عبد الرحيم البرعى وهى التى مطلعها : (خل الغرام لصب دمعه دمه) ومطلع التخميس : تبدى الغرام وأهل العشق تكتمه .. وتدعيه جدالا من يسلمه .. ما هكذا الحب يا من ليس يفهمه .. خل الغرام لصب دمعه دمه .. حيران توجده الذكرى وتعدمه ، ولم يزل مكبا على شغله إلى أواخر عام ألف ومائتين وسبعين فعاد إلى مصر بأمر من المرحوم محمد سعيد باشا حين ولايته على مصر.

وبعد رجوعه من السودان جعل عضوا ومترجما فى مجلس المحافظة تحت رياسة المرحوم أدهم باشا ثم جعل ناظرا ثانيا للمدرسة الحربية التى كانت بالحوض المرصود تحت نظارة سليمان باشا الفرنساوي ، وبعد قليل أمر بعمل قوانين ونظامات لمدرسة مستقلة أريد إنشاؤها وجعل مقرها بالقلعة العامرة تكون كافلة للعلوم الأدبية وافية بالفنون المدنية ، فبذل همته فى ذلك وراعى فى نظاماته ما يجذب خواطر الأهليين إلى تلك المدرسة ورتب لها من المعلمين كل من له به ثقة من أهل العلم والمعرفة التامة المتدربين على تعليم الفنون وإفادتها ومن الموظفين ذوى الإجتهاد ما فيه الكفاية وأدارها إدارة جيدة حتى ظهرت نجابة تلامذتها واستفادتهم استفادة جيدة فى أقرب وقت.

ولرغبته فى نشر العلوم وسعة دائرتها وحبه عموم النفع بها استدعى مع بعض أمراء الحكومة المصرية من المرحوم سعيد باشا وكان له ميل إلى المترجم رحمه الله صدور الأمر بطبع جملة كتب عربية على طرف الحكومة عمّ الانتفاع بها فى الأزهر وغيره منها : تفسير الفخر الرازي ومعاهد التنصيص وخزانة الأدب والمقامات الحريرية وغير ذلك من الكتب التى كانت عديمة الوجود فى ذلك الوقت فطبعت ، وللمترجم فى مدح المرحوم سعيد باشا من القصائد والمربعات والمخمسات والتواشيح والأدوار الكثير الطيب مما هو محفوظ فى الصدور مرقوم فى السطور.

وقد أنعم عليه المرحوم محمد على باشا بجملة من الأطيان قدرها ٢٥٠ فدانا ببلده طهطا ، وأنعم عليه المرحوم سعيد باشا بمبلغ بما قدره ٢٠٠ فدان ، والخديوى إسمعيل باشا بمبلغ بما قدره ٢٥٠ ، جملة ذلك ٧٠٠ فدان واشترى هو ٩٠٠ فبلغ جميع ما فى ملكه من الأطيان إلى حين وفاته ١٦٠٠ فدان غير ما اشتراه من العقارات العديدة فى بلده وفى القاهرة ، وقد زاد على ذلك أنجاله فبلغ مجموع أطيانهم ٢٥٠٠ فدان غير ما جددوه من الأملاك ، وكانت له رحمه الله عناية كبيرة باقتناء الكتب فاشترى الكثير النادر منها حتى أن كتبه تبلغ بما اشتراه أولاده نحو ٤٥٠٠ كتاب وفيها من الكتب العربية الغريبة ما ليس فى غيرها.

توفى إلى رحمة الله تعالى عام نيف وتسعين ومائتين وألف بالمحروسة ودفن بالقرافة الكبرى فى بستان العلماء ، وقد أعقب ابنين جليلين غير الإناث لازما الأزهر مدة واقتبسا من معارف والدهما فكانا على غاية من المعارف والأدبيات ومحاسن الشيم مع الكرم الزائد كوالدهما وأحدهما وهو (على بيك فهمى) أنعم عليه بالرتبة الثانية أعنى رتبة بيك وكان قد تقلد وكالة نظارة المعارف العمومية المصرية وقد أكمل ما تركه والده من التاريخ على أسلوبه وله اقتدار على النثر والنظم البليغين فينشئ على الإرتجال من غير تكلف على أسلوب والده وتلوح عليه أمارات الترقى إلى رتبة والده ، وأما ابنه الآخر وهو (بدوى بيك) فمقيم بطهطا فى ملاحظة دائرتهم التى هناك مع إدامة مطالعة العلوم “.

وجاءت قائمة مؤلفاته بالتفصيل في كتاب الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة حيث يقول محمد كامل الفقي : ” تخليص الإبريز والديوان النفيس : وهو رحلته إلى باريس وقد أبدع فيما تناوله فيها من وصف ما شاهده من مغادرته مصر إلى عودته إليها فوصف أحوال فرنسا وأخلاق أهلها وعادتهم وعلومهم وفنونهم وأساليب حكمهم ومعيشتهم وأحوالهم الاجتماعية والسياسية.

وقد تَمَّ ما كتبه في هذه الرحلة عن ميله إلى البحوث التاريخية والجغرافية فإنه يقف عند كلِّ بلد يَمُرُّ به فيحدث عن ماضيه وحاضره وطبيعته مع دقةٍ في الملاحظة ورقة في الأسلوب ووفرة في مادة اللغة وتعبيرها متعمقًا في بحثه مستقصيًا في حديثه ، ويدلك على شغفه بالعلم إسهابه في وصف علوم فرنسا وعلمائه ومكاتبها وجمعياتها العلمية ومدارسها ومعاهدها وثروتها العلمية من الكتب والمجلدات والصحف.

وقد أعجب محمد علي باشا بها وسُرَّ لها وأصدر أمره بقراءتها في قصوره وتوزيعها على الدواوين والوجوه والأعيان بعد طبعها كما أمر بتلاوتها للانتفاع بها في المدارس المصرية وقد طبعت هذه الرحلة مرتين وهي أول رحلة مصرية بأروبة في تاريخ مصر الحديث وقد انتفع بها الخاصُّ والعامُّ بما فيها من الفوائد والتعليمات الأوربية والأزهرية.

قلائد المفاخر في غرائب الأوائل والأواخر : وهو مجلد متوسط الحجم ترجمه وهو في باريس وتصرف في تعريبه بما رآه ووضع فيه نبذةً لإيضاح ما فيه من أسماء البلدان والرجال وحدَّث عنه بفصيح لسانه وواضح بيانه وقد طبع ببولاق سنة ١٨٣٣ ، المرشد الأمين في تربية البنات والبنين : في مجلد واحد ألفه للتعلم بمدارس البنات وهو كتاب نفيس لم يؤلف مثله في حينه.

التحفة المكتبية في النحو : وهو كتاب لطيف يقع في مجلد جمع فيه القواعد والأحكام والأصول النحوية بطريقة سهلة منظمة وحصر كل باب من هذا الكتاب في جدولٍ حتى يسهل الانتفاع به وهو مطبوع على الحجر بمطبعة المدارس الملكية ، مواقع الأفلاك في أخبار تليماك : وهو تعريب وقائع تليماك الفرنسية لمؤلفها الكاتب الروائي المستر لافونتين رئيس أساقفة كمبراي ترجمه رفاعة في منفاه بالخرطوم وقد تصرَّفَ فيه كما رأى فزاد ونقص وأفرغه في قالب عربيٍّ بديع وهو مطبوع في بيروت.

مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب المصرية : وهو بحث يحتوي وصف مصر وبيان حضارتها وعلومها وصناعتها وأخلاق أهلها وحكومتها, وما هي عليه من اجتماع واقتصاد وسياسة وعدا ما يشتمل عليه من بحوث قيمه في الآداب مما هو من ثمار الكتب العربية والفرنسية وبحوث في الأخلاق والمواعظ وهذا الكتاب من غرره فهو آية في العلوم والآداب فيَّاض بأمثال الحكماء وآداب البلغاء وكلام الشعراء ولعله أغزر كتبه مادةً وأعمقها فائدةً وأوفاها بيانًا.

بداية القدماء وهداية الحكماء : وهو كتابٌ يتضمن تاريخ بني إسرائيل والسوريين والعجم والهنود واليونان وقبائل العرب في شرح وبيانٍ بأسلوب عذبٍ وتبويب محكمٍ وضع خطبته رفاعة بك واحتفل بأسلوبها المسجوع الرصين وأبان قيمة هذا العلم وأن التاريخ مطمح خديو مصر الأعظم محمد علي باشا وأن له به ولعًا شديدًا ولا سيما تاريخ اليونان المشتمل على فحول رجال تلك الأزمان.

وكان بمدرسة الألسن من يقوم بتعريب ظرفه ويخرج دره من صدفه فأعطاه رفاعة بك لجماعةٍ منهم وقد اختص بالقسم الخاصِّ بتاريخ اليونان مصطفى أفندي الزرابي المترجم بالمدرسة وما زاد عنه واضطلع به زملاء آخرون ووضع اسم كلَّ واحد عند الجزء الذي ترجمه ، وقد رأى رفاعة أن هذا المؤلف ينقص تاريخ الخليقة والعرب وفي كتاب عماد الدين أبي الفداء سلطان حماة ما يفي بالأدب فلذلك أضافه إلى الترجمة حرصًا على كماله.

ويقول رفاعة عن هذا الكتاب بداية القدماء : وهو أول ترجمة كتاب في تاريخ القدماء جمع فأوعى وإليه في هذه المادة الرجعة وهو من الإتحافات الإفرنجية التي يصدق عليها قول الشاعر : يحدث حاضرًا عنهن باد .. ويتحف مغربي مشرقيًّا ، وقد تم طبع هذا الكتاب بمطبعة بولاق في ربيع الآخر سنة “١٢٥٤هـ.

التعريبات الشافية لمريد الجغرافية : مجلد ضخم ترجمه من الفرنسية إلى العربية لتدريس الجغرافية في المدارس المصرية وأضاف إليه بعض زيادات نافعة وعرضه على المرحوم محمد علي باشا فارتاح له وأمر بطبعه ونشره وقد طبع غير مرةٍ كما له في الجغرافية أيضًا كتابٌ يسمى : الكنز المختار في كشف الأراضي والبحار.

أنوار توفيق الجليل وتوثيق بني إسماعيل : جمع هذا الكتاب من التواريخ القديمة والحديثة العربية والغربية طرفًا فمنه تاريخ مَنْ حكموا مصر من الدول والملل في جميع الأعصر سواء كانوا من أهلها أم أجانب عنها قبل الإسلام وبعده وذلك بعد أن قسَّم التاريخ إلى أثريّ وبشريّ ومهَّد لتاريخ مصر وقسمه أقسام وضعية مبنية على أطوارها الطبيعية وقد طبع بمطبعة بولاق وبأوله تقاريظ لبعض الأدباء.

وله غير ذلك : مختصر معاهد التنصيص وهو اختصار المعاهد مع بعض زيادات نافعة ، وجمال الأجرومية وهي منظومة سهلة ، المذاهب الأربعة وهو بحث فيها ألفه حين كان ناظرًا لمدرسة الألسن وانتفع به تلامذته ، وشرح لامية العرب ، والقانون المدنيّ الإفرنجي نقله من الفرنسية إلى العربية وقد عاونه بعض تلامذته وعَرّبَ أيضًا قانون التجارة الفرنسي ، ومن القوانين التي عرَّبَها رفاعة وتلامذته استمد الشارع المصريّ معظم أحكام قوانين المعاملات المدنية والمرافعات والعقوبات تلك القوانين التي بُنِيَ على أساسها النظام القضائيّ الحديث ومن ذلك يتبين فضل رفاعة بك وتلامذته في إقامة صرح العدالة في مصر.

ومن آثاره أيضًا كتاب هندسة ساسير وترجمه من الفرنسية إلى العربية وكتاب نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز وكان آخر مؤلفاته هذا الكتاب ، وقد عَرّبَ طائفةً أخرى من الرسائل منها : نبذة في تاريخ الأسكندر مأخوذة من تاريخ القدماء وكتاب أصول المعادن وتقويم سنة ١٢٤٤ من الهجرة ألفه مسيو جومار لاستعمار مصر والشام وهو يتضمن شذارت عملية وتدبيرية ، وكتاب دائرة العلوم في أخلاق الأمم وعوائدها ومقدمة جغرافية طبعية.

وله ثلاث مقالات من كتاب لجندر في علم الهندسة ونبذة في علم الهيئة وقطعة من علميات الضباط ، وله أصول الحقوق الطبعية التي اعتبرها الإفرنج أصلًا لأحكامهم ونبذة في جاهلية اليونان وخرافتهم ونبذة في علم سياسة الصحة ، ومن مؤلفاته رسالة الكواكب النيرة في ليالي أفراح العزيز المقمرة في تهاني الخديوي إسماعيل بأفراح أنجاله.

أما جغرافية ملطبرون فقد عَرّبَ رفاعة منها أربعة مجلدات وبقيت مجلدات أخرى بغير تعريب ويقول جورجي زيدان : ويظهر من مطالعتها أنه ترجمها على عجل والواقع يؤيد ذلك لأننا علمنا أنه ترجم مجلدًا منها في ستين يومًا سنة ١٢٦٥هـ ، وقد عَرَّبَ الجزء الأول منها بعنوان الجغرافية العمومية.

ولرفاعة قصائد وموشحات وأراجيز وهي على كثرتها على حظٍّ من الجودة وله في المرحوم محمد علي ونجله الأكبر إبراهيم المدائح التي سارت بها الركبان وله في مدح المرحوم سعيد من القصائد والمربعات والمخمسات والتواشيح والأدوار الكثير الطيب مما هو محفوظ في الصدور مرقوم في السطور وله ديوانٌ يبلغ أربعة آلاف بيتٍ من الشعر “.

22 / المطالع النصرية

(المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية) هو عنوان كتاب في أصول الكتابة وفنونها وقواعدها من تأليف رئيس المصححين بالمطبعة الأميرية وهو الشيخ أبو الوفاء نصر بن نصر يونس الوفائي الهوريني الأحمدي الأزهري الأشعري الحفني الشافعيّ المتوفي بالقاهرة عام 1291 هـ / 1874 م ، التحق بالتعليم مجاورا في المسجد الأحمدي بطنطا عام 1227 هـ ثم انتقل إلى الجامع الأزهر وعمل فيه بالتدريس.   

ثم انتدب ليكون إماما للبعثة العلمية الخامسة التي أرسلها محمَّد علىّ إِلى فرنسا سنة ١٢٦٠ هـ / ١٨٤٤ م ، وهي أكبر البعثات التي أرسلت إِلى فرنسا وأعظمها شأنًا وآخر بعثة كبرى في عصر محمَّد علىّ وقد استغرقت سنتين وكان فيها أنجاله وأحفاده ولذلك يسميها علىّ باشا مبارك – الذي كان أحد أعضائها – بعثة الأنجال ، وبعد عودته عمل في التصحيح في المطبعة الأميرية وسكن دارا في درب الوراقة بشارع الكليباتى وسوق مرجوش الواقع بالحسينية عند باب النصر بالقاهرة وبقى به إِلى أن مات.

وقد ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ”  أبو الوفاء نصر الهوريني المصري المتوفى سنة ١٨٧٤ / ١٢٩١ﻫ هو من تلاميذ الإرساليات المصرية في زمن محمد علي تفقه في فرنسا وأقام فيها مدة ثم عاد إلى مصر ، وله من المؤلفات كتاب المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية طُبِعت بمصر مرارًا وكتاب تسلية المصاب على فراق الأحباب منه نسخة خطية في المكتبة الخديوية “.

وذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” نَصْر الهُوريني (١٢٩١ هـ /  ١٨٧٤ م) ، نصر (أبو الوفاء) ابن الشيخ نصر يونس الوفائي الهوريني الأحمدي الأزهري الأشعري الحنفي الشافعيّ عالم بالأدب واللغة أزهري من أهل مصر ، أرسلته حكومتها إلى فرنسة إماما لإحدى بعثاتها فأقام مدة تعلم فيها الفرنسية ولما عاد ولي رياسة تصحيح المطبعة الأميرية فصحح كثيرا من كتب العلم والتاريخ واللغة.

وصنف كتبا منها المطالع النصرية للمطابع المصرية (في أصول الكتابة) وشرح ديباجة القاموس طبع مع فوائد شريفة في معرفة اصطلاحات القاموس في مقدمة القاموس للفيروزابادي ، ومختصر روض الرياحين لليافعي وتفسير سورة الملك وتسلية المصاب عند فراق الأحباب والتوصل لحل مشاكل التوسل وشرح التوصل (بخطه في خزانة الرباط / ٤٣٤ كتاني) والمؤتلف والمختلف (رسالة في أسماء رواة الحديث) وسرح العينين في شرح عنين (لغة وأدب) وحاشية على بسملة الأحراز في أنواع المجاز (في البلاغة) وتقييدات على رسالة اليوسي في المجاز (بلاغة) والتحريرات النصرية على شرح الرسالة الزيدونية تعليقات على شرح ابن نباتة لرسالة ابن زيدون “.

وترجم له محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة حيث قال : ” الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني  المتوفى سنة ١٢٩٠هـ / ١٨٧٤م ، نشأ ببلدة هورين من أعمال مركز السنطة بمديرية الغربية وتلقى العلم في الأزهر بجد ومثابرة وتوفر على العلوم العربية حتى كان علمًا من أعلام الأزهر النابغين الذين لهم شهرة بالتضلع في علوم اللغة العربية وتمكن فيها ودراية بأسرارها ودقائقها ثم تولَّى التدريس في الأزهر.

وكان قلم الترجمة الذي يقوم عليه رفاعة رافع بمدرسة الألسن يخرج كتبًا مترجمةً تحتاج إلى تصحيح وتذهيب فعُيِّنَ مصححًا به ثم اختاره المغفور له محمد علي باشا ليكن إمامًا للبعث الذي أرسل فيه أنجاله إلى فرنسا سنة ١٢٦٠هـ / ١٨٤٤م وعهد إليه بتعليم هذا البعث والرقابة على أعضائه ومع أنه لم يكن من تلاميذ هذا البعث ولم يوفد للتعلم بين أعضائه بذل جهدًا جاهدًا في تعلم اللغة الفرنسية حتى أجادها وأحسن التحدث والقراءة بها ، ولما عاد من فرنسا رجع إلى التدريس بالأزهر ثم ألحق بالمطبعة الأميرية فكان أشهر مصححيها وأكفأهم وعُهِدَ إليه بتصحيح الكتب التي كانت تؤلَّف أو تُتَرجَم بمدرسة الزراعة أيضًا.

آثاره ومؤلفاته : بذل الهوريني مجهودًا شاقًّا في تصحيح الكتب المترجمة والمؤلفة,ولقي عناءً شديدًا في سبيل تخليص هذه الكتب من الأخطاء وما وقع فيها من تحريفٍ أو تصحيفٍ أو تقدمٍ أو تأخيرٍ عدا ما كان يكتبه في كثير من الكتب من مقدمة الكتاب أو ترجمة للمؤلف جليلة النفع عظمية الفائدة ، فمن جهده في ذلك شرحه ديباجة القاموس بَيِّنَ فيه مصطلحات القاموس وشرح خطبة الفيوزبادي وترجم فيها لعلماء اللغة المتقدمين على صاحب القاموس من أمثال الجوهريّ وأبي زيد والمعاصرين له وأحصى مواد اللسان والصحاح والقاموس.

وكتب مقدمةً للصحاح اشتملت على تاريخ تصنيف المعاجم وعلى ميزة الصحاح وعلى ضبط اسم المعجم (الصحاح) بكسر الصاد أو فتحها وعلى من كتب عليه حواشي أو نقدًا أو ترجمة إلى لغة أخرى أو اختصره وعلى قواعد المؤلف في الكتاب وبضبط الفصول الساقطة من كل باب وصنع لذلك جدولًا ثم هو بعد ذلك يكتب على النسخة المطبوعة : يضبط فيها كلمة أهمل الجوهريّ ضبطها أو ينبه على سهوٍ وقع فيه أو تقصير في الشرح وقَلَّمَا خلت صفحة من الكتاب من شيء من ذلك غير أنه لم يُتِمّ إلّا الجزء الأول وقام بتصحيح الجزء الثاني الشيخ محمد الصباغ ، وصحح الجزء الاول من المزهر لجلال الدين السيوطي ماعدا الخمس والخمسين صفحة الأولى فإنها من تصحيح غيره وصحَّحَ في الجزء الثاني من الصفحة الحادية والأربعين إلى آخره.

ومما صححه الجزء الثاني من الفتاوى الحامدية لابن عابدين في الفقه وديوان ابن هانئ الأندلسيّ وأتم تصحيحه ببولاق في آخر جمادى الأولى سنة ١٢٧٤هـ ، وصحَّحَ مقدمة ابن خلدون وله عليها هوامش في تفسير بعض الكلمات كما صحح الجزء الثاني من كتاب تاريخ ابن خلدون وانتهى من تصحيحه في ذي الحجة سنة أربع وثمانين وألف من الهجرة ويقول في ختامه : يقول مصححها الفقير كان معتمدي في تصحيحها على مراجعة شرح المواهب اللدنية فيما يتعلق بسيرة إمام المرسلين وعلى تاريخ ابن كثير وابن الأثير فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على خير المخلوقات وآله.

ومن مؤلفاته : رسالة قيمةٌ في قواعد رسم الحروف سماها المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية رتبها على مقدمة في معنى الكتابة في اللغة حقيقةً ومجازًا وعرفًا واصطلاحًا وفي أصول الكتابات من صينيةٍ وروميةٍ وحميريةٍ وغيرها وفي أولية الكتابة العربية وعلى مقصدٍ في بيان ما يفصل ويوصل وابتناء الكتابة على تقدير الوقف والابتداء والحروف التي يختلف رسمها بحسب الإبدال وهي الهمزة وأحرف العلة وفي الألفاظ المتطرفة وغير ذلك من المباحث التفصيلية واشتملت أيضًا على خاتمة في الشكل والنقط وتاريخهما وقد طُبِعَت هذه الرسالة مرارًا وصححها الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري ، وله كتاب تسلية المصاب على فراق الأحباب ومنه نسخة محفوظة في المكتبة الخديوية “.

وقد استهل الهوريني كتابه المطالع بمقدمة يشرح فيها أسباب تأليفه له واستعرض فيها ما سبقه من مراجع في هذا المجال حيث قال : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي جعل أَصْلَ كلِّ مِلَةٍ مَنُوطًا بنبيّها وكِتَابِه وإِصلاحَ كلِّ أُمةٍ مربوطًا بصلاح وَالِيهَا وكُتَّابِه والصلاةُ والسلام على نبينا الأُمّىِّ الذي ما كَتَبَ قطّ وعلى آله وصحابته وأنصارِه الكاتبين بِسَمُرِ الخَطّ.

أما بعد ، فإِنَ أولَ ما بهِ الإِنسان يتخلَّى ويتخلَّص من صفةِ الأُمِّيَّةِ ومبدأَ ما بِه الكاملُ يتحلَّى بفضيلة المعارفِ العلمية : الكتابةُ التي بها يُتوصل لنَيْل العلوم الشرعية والفنونِ العقلية وبها يُتوَسَّلُ لاكتسابِ المنافعِ الأُخْروية والدنيوية إذْ هى من أقوى الوسائطِ لتحصيل المكاسبِ المنحصرةِ أصولُها في الصناعةِ والتجارة والزراعة والإِمارة فمن كان جاهلًا بها من أهل هذه الأربعِ كان فى مجلس أَرْبابها – إِن لم يكن من الدُّهاة – أَشْبهَ بذواتِ الأربع.

ومع كونها مِفْتاح العلوم لكل قاصِد ومتقدِّمةً عليها تَقُّدمَ الوسائِل على المقاصد فلها في نفسها فَنٌّ شريف مستقل وضعوا له أصولًا وقواعد سموها علم الخط القياسى أو الاصطلاحى ، وأدرجوه في عِداد علومِ العربية الإِثنى عشر المسَّماة أيضًا علم الأدب المعرَّف بأنه عِلْمٌ يُحترز به عن الخطأ لفظًا وخَطًّا في كلام العرب ، وقد جمع علومَ الأدبِ العلامةُ ابن الطيِّب المغرِبِىّ مُحِشّى القاموس في قوله : خُذْ نَظْمَ آدابٍ تَضَوَّعَ نَشْرُها .. فَطَوى شَذَا المنثورِ حين يضوعُ .. لُغَةٌ وصَرْفٌ واشْتِقاقٌ ونَحْوُها .. عِلْمُ المعانى بالبيانِ بديعُ .. وعَروض قافية وإنشا نظمها .. وكتابةُ التاريخ ليس يضيع.

ولما كان لقواعدها ارتباطٌ وتعلُّقٌ بكلِّ مِن علم النحو وعلم الصرف ، ذكر بعضُ المتقدمين جُمُلًا منها تابعةً لعلم الصرف كابن الحاجب في (الشَّافية) وبعضُهم ذيَّل علمَ النحو بجُمُلٍ منها كابن مالكٍ في (التسهيل) وابن بَابِشَاذ في (مقدمته) النَّحْوية والجلالِ السُّيُوطِىّ في خاتمة (جَمْع الجَوَامع) النَّحْوِى واستوفى جُلَّ المهمَّات في شَرْحه المسَّمى (هَمْع الهَوَامع) ونَقَل هناك عن أبي حَيّان أنه قال : عِلْم الخط – ويُقال له الهِجاء – ليس من علم النحو (يعني بل هو مستقل) وإنما ذكره النَّحْويون في كتبهم لضرورة ما يحتاج إِليه المُبتدىء في لفظه وكَتْبِه ولأن كثيرًا من الكتابة مَبْنىٌّ على أصول نَحْوية ففى بيانها بيانٌ لتلك الأصول ككتابة الهمزة على نحو ما تُسهَّل به وهو باب من النحو كبير.

وقد ذكر الحريرى في أواخر (دُرَّة الغَوَّاص) نُبذةً من أوهام الخَوَّاص في هذا الفن وكذلك الإِمامُ ابن قُتَيْبةَ ذكر لها في (أَدب الكاتِب) نحوًا من ثلاثين بابًا إِلا أنه مع كثرتِها لم يحصرْ موضوعَ الفّنِ في شئٍ معينٍ يحتوى على روابطَ كليةٍ مشتركة ، وكذا سيدي علىّ الأُجْهُوري له (نَظْم) في هذا الفن يبلغ ٨٣ بيتًا وشَرَحَه في نحو كراسة ، والطَّبَلاوي نَظمَ الفصلَ الأخير من (مقدمة) ابن بَابِشَاذ في نحو مائتى بيت.

فلصعوبة مراجعةِ كلِّ شيءٍ من بابه بل ولقصورِ هِمَمِ الطلابِ عن الاطلاعِ على تلك الكتب مع نُدْرةِ وجودها وتَعَسُّر وصولِ أيدى البعض منهم إليها وجَهْلِ البعضِ الآخرِ بمؤلفاتِ هذا العلم وتَشَتُّتِ مسائِلِه في تضاعيفِ الكتبِ المتداولةِ ، سُئِلَ الفقيرُ نَصْرُ أبو الوفا الهُورِينى من جمعٍ راغبينَ في جَمْعٍ ما تَفرَّق من تلك الأُصولِ في رسالة سهلة للطالبين فقصدتُ من لا يُخَيِّبُ القاصدَ في الاهتداء لهذه المقاصد وجمعتُ من قواعدها في هذه الرسالة ما يتَوصَّلُ به مَن شَمَّ رائحةَ المبادئ النَّحْوية إلى معرفة تَأدية الكتابة على قانون الصحة في أقصر مدة.

وسميتها : (المطالِعُ النَّصْرِية للمطابِع المِصْرية في الأُصولِ الخَطّيَّة) مُلوِّحًا بأن للمطابع المذكورة فخرًا على ما سواها زادت به ابتهاجًا وأنها لهذه المطالع أشدُّ مما عداها احتياجًا ، ورتبتها على مقدمة ومقصد وخاتمة مُؤمِّلًا ممن وفقني لابتدائها حُسْنَ الخاتمة ومتوسلًا إِليه بصاحب الجاه العريض أن يكسوها حُلَلَ القَبُول ويحميها من كل ذى قلبٍ مريض وحاسدٍ مُبْغض وحاقدٍ بغيض “.

23 / ثمرة الاكتساب في علم الحساب

(ثمرة الاكتساب في علم الحساب) هو عنوان كتاب معرب في الرياضيات ليكون باكورة المناهج الدراسية في مدرسة المهندسخانة من تأليف محمد بيومي الدهشوري المتوفي بالسودان عام 1851 هـ / 1268 م وهو من طلاب البعثات العلمية الأولى إلى أوروبا ومن رواد المهندسين في عصر أسرة محمد علي.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية ضمن علماء الرياضيات فقال : ”  محمد بيومي توفي سنة ١٨٥١ /  ١٢٦٨ﻫ وهو من تلاميذ الإرسالية العلمية الأولى وترى اسمه مذكورًا في القائمة بباب المدارس من هذا الجزء ، ولما عاد إلى مصر تقلد مناصب مختلفة حتى صار معلمًا في المهندسخانة واشتغل بترجمة الكتب في الفن الذي أتقنه هناك.

وقد توفي في الخرطوم سنة ١٢٦٨ﻫ ، وهاك ترجماته : ثمرة الاكتساب في علم الحساب عربه عن الفرنساوية طبع سنة ١٢٥٦ﻫ ، كتاب الجبر والمقابلة طبع سنة ١٢٥٦ﻫ ، الهندسة الوصفية في مجلدين طبع سنة ١٢٦٣ﻫ ،  جامع الثمرات في حساب المثلثات ترجمه بأمر مدير المدارس وطبع سنة ١٢٦٤ﻫ “.

وذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمَّد بَيُّومي ١٢٦٨ هـ / ١٨٥٢ م ، محمد بيومي المصري الدهشوري مهندس رياضي من أهل القاهرة تعلم في فرنسة وتخصص في الهدروليكا  (Hydraulique)  أي علم قوى المياه وعاد إلى مصر سنة ١٢٥٠ هـ بعد غياب تسع سنين وجعل معلم الدروس الهندسية في مدرسة (المهندسخانة) ببولاق.

ثم نقل إلى السودان فمات في الخرطوم ، ينسب إلى دهشور (من أعمال القاهرة) وأصوله منها ترجم عن الفرنسية ثمرة الاكتساب في علم الحساب والجبر والمقابلة لماير (Mayer)  والهندسة الوصفية لدوشين  (Duchesne)  وجامع الثمرات في حساب المثلثات وله (الجبر والمقابلة المكملة وغير ذلك “.

وذكره الأمير عمر طوسون في كتابه البعثات العلمية في عهد محمد علي ثم في عهدي عباس الأول وسعيد وذلك في بعثة سنة 1241 هـ / 1826 م فقال : ” محمد بيومي ، بعث إلى فرنسا لتلقي العلوم الرياضية بها وكان مرتبه الشهري مائة قرش قام من فرنسا في أوائل سنة 1835 م ومعه كتب كثيرة في الهندسة وقد صار فيما بعد من كبار مدرسي مدرسة المهندسخانة وترك مؤلفات في العلوم الرياضية وتوفي سنة 1852 م “.

وقال في موضع آخر وهو يتحدث عن التخصصات العلمية وتوزيعها على المبعوثين : ” وأما الأربعة الذين قال عنهم إنهم تعلموا علم الهدروليكا وفن صب المعادن وصنع الأسلحة فهم مصطفى محرمجي (بهجت) ومحمد بيومي وهذان تعلما علم الهدروليكا ، وعمر زاده أمين أفندي وأحمد حسن حنفي وهذان تعلما فن صب المعادن وصنع الأسلحة “.

وترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وهو يتكلم عن أبناء دهشور حيث قال : ” وممن تربى منها فى ظل العائلة المحمدية محمد أفندى بيومى العالم الرياضى ، توجه إلى بلاد أوربا سنة ألف ومائتين وإحدى وأربعين فى أول رسالة أرسلت إلى هناك من الديار المصرية فى زمن العزيز محمد علي فأقام هناك تسع سنين ودخل مدرسة المهندسخانة الفرنساوية وتعلم بها وخرج منها بعد أن تمم علومها واستحصل على شهادة تسمى عندهم الدبلوم.

وبعد أن عاين الأعمال عاد إلى مصر فى سنة ألف ومائتين وخمسين فجعل معلم الدروس الهندسية فى مدرسة المهندسخانة ببولاق ، ولما حضر إلى مصر من بلاد فرانسا إبراهيم أفندى رمضان وأحمد أفندى دقله وأحمد أفندى طائل وأحمد أفندى فائد فى سنة إحدى وخمسين وكان قد بقى عليهم بعض علوم لم يتمموها فى فرانسا ، جعل معه منهم اثنان دقله وطائل ليكونا معيدين لدروسه ويأخذا عنه ما نقص لهما وتعين فائد مع بهجت باشا بقصر العينى وإبراهيم رمضان مع مظهر باشا بمدرسة الطوبجية ليكونا أيضا معيدين ويأخذا ما نقص لهما على الوصف المار.

ولما تعين الأنبير بيك الفرنساوى ناظرا على المهندسخانة ببولاق بعد إبطال مدرسة المعادن التي كان ناظرا عليها بقصر بنت البارودى فى مصر العتيقة ، جمع الجميع بالمهندسخانة وجعلوا معلمين بها وكان المترجم هو الباش خوجه عليهم فكان المرجع إليه والمعول عليه ثم انفصل منها إلى قلم الترجمة بديوان المدارس فجعل ناظره وتعين معه المرحوم رفاعة بيك فى ترجمة كتب التواريخ والجغرافيا ونحو ذلك.

وفى زمن المرحوم عباس باشا تعين خوجه على مدرسة السودان فأقا بها إلى أن توفى هناك ،  وكان من أعظم رجال تلك الرسالة حسن الأخلاق مهيبا جليلا ذا رأى حسن يميل إلى جمع الدرهم والدينار ، وله كتاب فى حساب المثلثات وكتاب فى الجبر وكتاب فى جر الأثقال وكتاب الحساب العادي ، وتلقى عنه الكثير – من الأكبر منا سنا – مثل سلامة باشا ومحمود باشا الفلكي وإسماعيل باشا محمد وعامر بيك ونحوهم ، ومولده بمصر وإنما ينسب إلى دهشور لأن أصوله منها “.

وتناول أعماله بالتفصيل جمال الدين الشيال في كتابه تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي حيث قال : ” قام بترجمة كثير من كتب الرياضيات مدرسةٌ من خريجي المدارس والبعثات كان أستاذُها الأكبر نابغة مصر محمد بيومي أفندي وكان تلاميذه ومساعدوه إبراهيم رمضان وأحمد دقلة وأحمد طايل وأحمد فايد.

ويعنينا هنا أن نتحدث عن نابغة هذه المدرسة وأستاذها محمد بيومي : أصله من بلدة دهشور وإن كان قد وُلد في القاهرة أُرسل إلى فرنسا في بعثة سنة ١٨٢٦ وله من العمر سبعةَ عشرَ عامًا ولبِث في فرنسا تسع سنوات تخصَّص في خلالها في فنِّ قوى المياه (الهيدروليكا Hydraulique).

ثم عاد إلى مصر في ١٤ ذي الحجة سنة ١٢٥٠ (١٣ أبريل ١٨٣٥) فعُهد إليه في الحال بالبدء في ترجمة كتابٍ في الهندسة الوصفية وفي نفس التاريخ صدر أمرُ محمد علي باشا بتعيينه مدرِّسًا بمدرسة المهندسخانة بالقناطر الخيرية مع تفهيمِه القيام بمعاونة باشمهندس القناطر بالنسبة لتعلُّمه أشغال القناطر كما يجب بباريس.

في شوال سنة ١٢٥١/ يناير سنة ١٨٣٦ ضُمَّت مدرسة المهندسين بالقناطر إلى مدرسة المهندسخانة ببولاق ونُقل بذلك بيومي أفندي أستاذًا بهذه المدرسة الأخيرة ، وفي نفس السنة أُلِّفت لجنةٌ لإعادة تنظيم المدارس فكان بيومي أفندي واحدًا من أعضائها وقد عُنيت هذه اللجنةُ عنايةً خاصة بمدرسة المهندسخانة ببولاق فوضَعت للدراسة بها نظامًا يتفق ونظامَ مدرسةِ الهندسة بباريس.

وفي أوائل تلك السنة (١٨٣٦) كان قد عاد من فرنسا إبراهيم أفندي رمضان وأحمد أفندي دقلة وأحمد أفندي طائل وأحمد أفندي فائد قبل أن يُتمُّوا دراستهم وكانوا قد أوفدوا إليها جميعًا في سنة ١٨٣٠ فأُلحق اثنان منهم وهم دقلة وطائل معيدَين لدروس بيومي أفندي في المهندسخانة على أن يُتمَّا دراستَهما عليه وأُلحق أحمد أفندي فائد معيدًا لدروس بهجت باشا بالقصر العيني وإبراهيم أفندي رمضان معيدًا لدروس مظهر باشا بمدرسة الطوبجية ولم يَلبثْ هذان الأخيران أن نُقلَا إلى مدرسة بولاق وأصبح الجميعُ تلامذةً ومعيدين لبيومي أفندي ، يقول علي مبارك باشا : وكان (أيْ بيومي أفندي) هو الباش خوجة عليهم فكان المرجع إليه والمعول عليه.

وفي سنة ١٨٣٦ أيضًا عندما أُعيد تنظيم مدرسة المدفعية بطرة قام بتنظيم دروس الرياضيات بها بيومي أفندي ، وحوالي سنة ١٨٣٩ / ١٢٥٥ أوجد بديوان المدارس نظام المعاونين وهم بمثابة المفتشين الآن ، وكان عملُهم الأساسي التفتيشَ على المدارس وشئونها المختلفة علمية وتربوية وصحية … إلخ ، وكان يُعهد إلى بعض هؤلاء المعاونين ومنهم بيومي أفندي بترجمة الكتب وتصحيحها.

وقد قام بيومي أفندي بهذه الأعمال جميعًا خيرَ قيام ولكنه بذل الجهد الأكبر مع تلاميذه ومساعديه الأربعة في النهضة بمدرسة بولاق وتلاميذها وترجمة الكتب في مختلف فروع العلوم الرياضية ، لاحظتْ هذا الجهدَ لجنةُ سنة ١٨٤١ لإعادة تنظيم التعليم فمدحتْه، وضمَّنتْ هذا المدحَ تقريرَها.

قالت : لا ريبَ في أن المهندسخانة مدينةٌ بكل تقدمها هذا إلى دقة ناظرها وهمَّة أساتذتها غير أن معظم الفضل إنما يرجع إلى ترجمة المدرسين للدروس وإلى الإسراع في طبْع التراجم بمطبعة الحجر (الملحقة بالمدرسة) ثم جمعها في كراسات وكتُب ولقد كانت العلوم الرياضية التي كانت في متناول اليد من القلة والندرة وكانت ترجمتُها من الإشكال والصعوبة بحيث لم يتيسَّر قبل اليوم تنشئةُ المهندسين الفحول على الوجه الصحيح الموافق لأسلوب فرنسا.

ولكن ها هو البكباشي محمد بيومي أفندي واليوزباشية أحمد طائل أفندي وإبراهيم رمضان أفندي وأحمد دقلي أفندي وأحمد فائد أفندي يتولون بفضل بركات الخديوي ترجمة الدروس التي وكل إليهم تعليمها ثم لا يقفون عند حدِّ الترجمة بل يطبعونها على الحجر ويطبعون منها كتُبًا وأسفارًا والواقع أن الامتحان الأخير كان مشهدًا لما جمعتْه هذه الكتب بين دفاتها من شتى العلوم.

ولما أُنشئ قلم الترجمة (الملحق بمدرسة الألسن) في سنة ١٨٤١ قُسِّم إلى أقلام أربعة كان أولها القلم الخاص بترجمة الكتب الرياضية فكان بيومي أفندي خيرَ من يتولَّى رئاستها فنُقل إليه وعُيِّن لمساعدته ملازم من خريجي الألسن وخمسة من تلاميذ فرقتها الأولى ، وقد كان بيومي أفندي إلى هذا حسن الأخلاق مهيبًا جليلًا ذا رأْي حسن وكان أستاذًا لجيل من المهندسين بأكمله تتلمذ عليه مَن كان يصغره سنًّا ولم يأنف أن يتتلمذ له مَن كان يكبره سنًّا أمثال سلامة باشا ومحمود باشا الفلكي وإسماعيل باشا محمد وعامر بك وكلهم من نوابغ المصريين في القرن التاسع عشر.

غير هذا أن هذا النبوغَ الفذَّ والخُلق الطيب لم يلقيَا من عباس الأول ما لقياه من محمد علي من تكريم وتقدير ففي ١٢ رجب سنة ١٢٦٦ صدر الأمرُ بإنشاء مدرسة الخرطوم الابتدائية وعُيِّن رفاعة بك لنظارتها واختير لتدريس الأرقام وطريقة كتابتها، وعمليات الجمع والطرح والضرب نابغةُ الرياضيات بيومي أفندي وتلميذه وزميله أحمد طائل أفندي وكانت الصدمةُ عنيفة فأثَّرت في صحة بيومي أفندي وتعاون عليه الحظُّ العاثر والمرض فأدركتْه المنية ودُفن هناك.

وفي رمضان سنة ١٢٥٣ / ديسمبر ١٨٣٧ زار مصر الدكتور بورنج ومكث بها شهورًا زار في خلالها منشآت محمد علي ومن بينها مدرسة المهندسخانة ببولاق وقد ذكَر في تقريره أنه حتى سنة ١٨٣٨ لم يكن قد طُبع من الكتب التي ترجمها أساتذةُ المدرسة إلا كتاب الهندسة الوصفية تأليف دوشين Duchesne وترجمة محمد بيومي.

ثمرة الاكتساب في علم الحساب : ويبدو أن بيومي أفندي كان قد ترجَم هذا الكتاب ترجمةً سريعة ليستعين به في تدريس هذه المادة ثم طُبع طبْع حجر بمطبعة مدرسة المهندسخانة ولكنه عاد فراجعه وزاد عليه تنفيذًا لأمر أدهم بك مدير المدارس وطُبع الكتاب بعد تنقيحه في بولاق سنة ١٢٦٣ وهو جزء واحد في ٤٠٠ صفحة.

جاء في مقدمة الشيخ الدسوقي ما يلي : ومن أفخر كتب هذا العلم (الحساب) المؤسسة كتاب عُرِّب في مدرسة الهندسة جليل القدر حسن الترتيب إلا أنه غيرُ متقَن التعريب طُبع على الحجر في هذه المدرسة على يدِ مَن أحسن قراءته حين درسه ولقد عمَّ نفعُ هذا الكتاب في المداس لما احتوى عليه من النفائس ، ولما كان الكتاب المعرب المشار إليه مما يُعتمد في هذا الفن عليه أمر مَن يُجيبه السعد بلبيك حضرة أمير اللواء أدهم بك مدير المدارس المصرية ومفتش المهمات الحربية جناب المتوكل على ربِّه المعيد المبدئ محمد الشهير ببيومي أفندي، أن يبذل في إتمامه الهمَّة وأن يضمَّ إليه فوائد مهمة على يد مصححه راجي عفو الأوزار إبراهيم الدسوقي عبد الغفار “.

24 / الأربطة الجراحية

(الأربطة الجراحية) هو عنوان كتاب في الطب والجراحة من تأليف كبير الأطباء في مصر في زمنه الأميرالاي إبراهيم بك النبراوي الطبيب الخاص لوالي مصر محمد علي باشا الكبير والمتوفي بالقاهرة عام 1279 هـ / 1862 م ، وهو من أعضاء البعثات العلمية الأولى التي سافرت إلى فرنسا ومن أوائل المعلمين في مدرسة الطب حيث تخصص في الجراحة وترك عدة مؤلفات وترجمات في فروع الطب المختلفة.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” النَّبَراوي ١٢٧٩ هـ / ١٨٦٢ م ، إبراهيم النبراوي طبيب، أصله من نبروه (من غربية مصر) تعلم الطب في القاهرة وباريس واختير رئيسا لأطباء مدرسة الطب بمصر، وجعله عباس باشا الأول طبيبا له وترجم عن الفرنسية كتبا منها نبذة في الفلسفة الطبيعية ونبذة في أصول الطبيعة والتشريح العام وهما من تأليف كلوت بك والاربطةالجراحية وتوفي بالقاهرة “.

وقد ذكره محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة فقال : ” إبراهيم النبرواي ، ينتسب إلى بلدة نبروه من مديرية الغربية تعلم القراءة والكتابة في صغره ثم اشتغل بالتجارة وأرسله أهله إلى القاهرة في شئونها فشاء القدر أن يخسر فيها كي يتحرج من العود إليهم ويبقى بمصر لطلب العلم في الأزهر ، وقد قضى فترةً به حتى اتفق له أن يكون فيمن نهضت بهم مدرسة الطب بأبي زعبل إذ التحق بها وظلَّ فيها حتى ارتقى إلى رتبة ملازم وكان أحد أعضاء البعث الأوّل الذي أرسله محمد علي باشا إلى باريس ، وقد تقدم النبراوي إلى الامتحان فكان من المتفوقين.

وتولى تعليم الجراحة الكبرى في عهد كلوت بك بمدرسة الطب ثم أصبح رئيسًا لأطباء تلك المدرسة ، وكان موضع ثقة محمد علي باشا فاختاره طبيبًا له وقربه ورقاه إلى رتبة أميرالاي فوثق الناس به وهرعوا إليه وتقلب في النعمة ورغد العيش ، ثم انتخبه عباس باشا الأول طبيبًا له حين انتهت الولاية إليه وانتدبته والدته ليصحبها في سفرها إلى الحج وقد كان طبيبًا بارعًا ، ترجم آثارًا ذات خطر ومنها : كتاب الأربطة الجراحية ترجمه من الفرنسية إلى العربية وطبع سنة ١٩٥٤هـ ، نبذة في الفلسفة الطبيعية ألفها كلوت بك وترجمها هو إلى العربية وطبعت سنة ١٩٥٣ هجرية ، نبذة في أصول الطبيعة والتشريح لكلوت بك, ترجمها هو إلى العربية “.

وترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وذلك عند حديثه عن بلدة نبروه فقال : ” ومن أهلها حضرة المرحوم إبراهيم بيك النبراوى رئيس الأطباء سابقا ترقى فى الرتب الديوانية إلى أن بلغ رتبة المتمايز ، وفى أول أمره أدخله أهله مكتب بلده تعلم فيه الخط وبعض القراءة ثم تعلق بالبيع والشراء وترك المكتب وأرسلوه مرة إلى المحروسة ليبيع بطيخا فلم تربح تجارته بل لم يحصل رأس المال فخاف من أهله ولم يرجع إليهم ودخل الأزهر واشتغل بالقراءة.

وفى تلك المدة طلب من الأزهر شبان برغبتهم لتعلم الحكمة فرغب المترجم ودخل مدرسة أبى زعبل فأقام بها مدة وترقى إلى رتبة ملازم ، ثم تعلقت الإرادة السنية بإرسال جماعة إلى بلاد فرانسا ليتقّنوا فنون الحكمة فانتخب فيمن انتخب للسفر فسافر هو والمرحوم مصطفى بيك السبكى والمرحوم محمد على بيك البقلى وغيرهم فنجبوا فى ذلك الفن وحضروا إلى مصر سنة تسع وأربعين ، وترقى هو إلى رتبة يوزباشى بوظيفة خوجة بمدرسة الطب فى قصر العينى ثم بعد قليل أحسن إليه برتبة صاغقول أغاسى.

ولنجابته وحسن درايته فى فنه اختاره العزيز محمد على باشا حكيمباشى لنفسه وقربه وتخصص به وبلغ رتبة أميرالاى وكثرت عليه إغراقات العزيز وانتشر ذكره وطلبته الفامليات والأمراء ولم يزل مع العزيز وسافر معه إلى البلاد الأوروباوية سنة ثلاث وستين ، وانتخبه أيضا المرحوم عباس باشا حكيمباشى له بعد جلوسه على التخت واختارته والدته أيضا للسفر معها إلى الحج الشريف ولما رجع من الحج وجد زوجته الإفرنجية التى كان أتى بها معه من بلاد الإفرنج قد ماتت، فأخرجت له والدة المرحوم عباس باشا إشراقة من جواريها وأنعمت عليه بها.

وبعد أن عاش مدة منعم البال مترف الأحوال نزل به داء الربو فتوفى به سنة تسع وسبعين هلالية ، وكان رحمه الله تعالى إنسانا كريم الشيم رفيع الهمة يغلب عليه الفرح والانبساط فكنت تراه دائما مستصحبا للمغانى والآلات ، وله ترجمة كتاب فى الأربطة وهو أنجب من اشتهر فى التجريح ذو إقدام على ما لم يقدم عليه غيره فمن ذلك أنه كان يشق على أدرة الرجل ويعمل فيها العمليات المنتجة للصحة ولم يسبقه فى ذلك غيره.

وكان يكتسب من ذلك أموالا جسيمة فملك كثيرا من العقارات والجوارى والمماليك وغير ذلك ، وخلف من الزوجة الإفرنجية ثلاثا من البنات وولدا موجودا إلى الآن فى البلاد الإفرنجية وخلف من زوجته البدوية ابنه خليل بيك ، ولما مات كان عليه ستة عشر ألف جنيه دينا وخلف ألفا وسبعمائة فدان منها فى ناحية قلما من بلاد القليوبية ثلاثمائة فدان وقعت فى القسمة لأولاد الإفرنجية وصار بيعها مع ما بها من القصر.

وفى زفيتة شلقان وشبرا مائتان وخمسة وستون فدانا هى الآن تحت يد ابنه خليل بيك وبنته من الجارية البيضاء ومنها ستمائة فدان فى ناحية منية الفرماوى وهى خراجية تحت يد خليل بيك وأخته المذكورين ، ومنها فى دجوة ثلثمائة فدان ومنها فى كفر أبى جندى من الغربية مائة وخمسون فدانا عشورية على ترعة الجعفرية ، وكان الوصى عليهم مظهر باشا فأدار مصالحهم على أحسن حال حتى وفى الديون جميعها “.

وجاءت تفاصيل عن بعثته العلمية ومؤلفاته في كتاب البعثات العلمية في عهد محمد علي ثم في عهد عباس الأول سعيد من تأليف الأمير عمر طوسون حيث قال : ” تلاميذ البعثة الطبية ، وفي نوفمبر سنة 1832 م وصلت إلى فرنسا بعثة مؤلفة من اثني عشر تلميذا وقد انتخب أعضاؤها من تلاميذ مدرستي الطب والصيدلة في مصر بعد أن أتموا علومهم بهما وقد سافروا إلى فرنسا مع كلوت بك وامتحنتهم الجمعية الطبية بباريس فنجحوا نجاحا باهرا وظهرت نجابتهم واستعدادهم.

ولما أتم هؤلاء التلاميذ علومهم بفرنسا وكان عليهم بعد ذلك أن يضعوا رسائل في علومهم ويقدموها لنيل إجازاتهم النهائية كما هي العادة ندبوا إلى مصر خطأ فعادوا إليها في مارس سنة 1836 م فأمر محمد علي باشا بإرجاعهم إلى فرنسا لتقديم هذه الرسائل والحصول على إجازاتهم ، فسافروا إليها ثانيا في سبتمبر سنة 1836 م وأنفق عليهم في سفرهم هذا كما في دفاتر دار المحفوظات مبلغ 5383 فرنكا قيمة مأكولات وأجرة السفينة التي أقلتهم من الإسكندرية إلى مرسيليا وأجرة سفرهم من مرسيليا إلى باريس وغير ذلك.

وقد تزوج ثلاثة منهم في فرنسا من فرنسيات وهم إبراهيم النبراوي أفندي وحسين الههياوي أفندي وأحمد بخيت أفندي ، وعند عودهم إلى مصر أول مرة أنفق على زوجاتهم الإفرنجيات في سفرهن ونقل أمتعتهن مبلغ 3654 فرنكا و 13 صلديا.

إبراهيم النبراوي أفندي : ورد ذكره في كتاب الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك وفي دفاتر دار المحفوظات المصرية بالقلعة وها هو ملخص ما جاء عنه فيهما : أصله من بلدة نبروه من مديرية الغربية وتعلم في مكتبها مبادئ القراءة والكتابة ثم دخل الأزهر وانتخب فيمن انتخبوا منه لتعلم الطب فدخل مدرسة أبي زعبل ومكث بها حتى أتم علومه ونال فيها رتبة ملازم ثم اختير هو وآخرون للسفر إلى فرنسا لإتقان علوم الطب بها فسافر إليها ، وقد صرف له استحقاقه وهو بأوربا من نوفمبر سنة 1832 م وكان مرتبه الشهري 350 قرشا.

ومكث هناك حتى أتم علومه الطبية وقام إلى مصر في سنة 1838 م فيعين بمدرسة الطب بقصر العيني مدرسا برتية اليوزباشي وبعد قليل أحسن إليه برتبة صاغقول أغاسي واختاره محمد علي باشا طبيبا خاصا له ونال رتبة أميرالاي وأطلق عليه اسم رئيس الأطباء ، ثم اختاره عباس الأول طبيبا خاصا بعد توليته مصر ونال رتبة المتمايز ، وترجم وهو بفرنسا من مؤلفات كلوت بك نبذة في الفلسفة الطبيعية ونبذة في أصول الطبيعة والتشريح العام  وهاتان طبعتا سنة 1837 م وألف كتاب الأربطة الجراحية المطبوع سنة 1838 م “.

وفي نفس الكتاب تحت عنوان كيف امتحن هؤلاء التلاميذ بفرنسا يقول عمر طوسون نقلا عن كلوت بك : ” ثم قام إبراهيم أفندي النبراوي فسئل عن تركيب المفاصل الكتفية العضدية وعن خلع الذراع وكيفية ردها فأجاب بما أظهر قوته وأبان للحاضرين ذكاءه وفطنته ، فلما من شوهد إجابة التلاميذ ما يدل على نجابتهم أراد حضرة البارون ديبويترن أن يتخذ أسلوبا غير الذي كانوا يتبعونه في الأسئلة ..

ثم سأل إبراهيم النبراوي أفندي عما إذا كان يلزم  في عملية الحصاة أن يكون الشق مناسبا لحجمها وعما يلزم إذا كان جرم الحصاة عظيما جدا ، فأجاب أن القساطر تدل على وجود الحصاة وتبين مقدار حجمها فإذا كانت الحصاة عظيمة لزم أن يكون الشق متسعا وإذا كانت كبيرة جدا وخارقة للعادة في جسامتها لزم استعمال عملية الحصاة فوق العانة.

وعندئذ سأله البارون المذكور عن مقدار المدة التي أقامها في الدراسة وعما إذا كانت الحصاة من الأمراض العمومية بمصر وسأله أيضا عما شاهده من أنواعها وعن الأسباب التي توجب حصولها ، فأجاب بقوله إن لي خمس سنوات في الدراسة وفي أثناء ذلك شاهدت كثيرا من الحصوات التي تكاد أن تكون مرضا عاما بمصر وينسبونها إلى تكون مواد رملية تدخل مع الأغذية والمشروبات وتمر بالكيلوس ثم تمتزج بالدم وتدور معه في العروق ثم تدخل في المثانة وهناك تكون نواة تكون أصلا للحصاة ، ثم قال وعلى كل حال فإنا لا نعتبر هذا الرأي حيث إنا إلى الآن لا نعلم حقيقة أصل هذا الداء “.

25 / عمدة المحتاج

(عمدة المحتاج في علمي الأدوية والعلاج) هو عنوان كتاب في العلوم الطبية والصيدلانية من تأليف أحمد حسن الرشيدي المتوفي بالقاهرة عام 1282 هـ / 1865 م ، وهو في الأصل من رجال الأزهر ثم عمل مصححا للكتب الطبية المترجمة في مدرسة الطب ثم وقع عليه الاختيار ليكون ضمن المبعوثين لتعلم الطب في أوروبا بعد أن أثبت كفاءته واقتداره في التعليم والتدريس والبحث والكتابة.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” أحمد حسن الرشيدي توفي سنة ١٨٦٥ / ١٢٨٢ﻫ ، هو من كبار نوابغ مدرسة الطب المصرية وقد جاهد في خدمة هذه النهضة مجاهدة الأبطال ترجمة وتأليفًا فكان من أكبر أركانها ومن أكثر الأطباء عملًا في سبيلها ، وقد أدرك زمن إسماعيل وهو من حيث خدمة العلم واجتهاده في التأليف يشبه أستاذنا الدكتور فانديك في بيروت.

نشأ كما نشأ غيره من شبان تلك الأيام حتى اتصل بالأزهر فلما أراد محمد علي انتقاء شبان لدرس الطب كان هو في جملة الراغبين فدخل مدرسة الطب وتعلم وسافر في الإرسالية الأولى ، ولما عاد تعين معلمًا للطبيعة فيها وأخذ في الترجمة والتأليف ، وتمتاز مؤلفاته بأنها قلما كانت تفتقر إلى تصحيح أو تحرير وقد ألف في أكثر فنون الطب والطبيعيات والأقرباذين وبلغ عدد مؤلفاته ٩ طُبِع آخرها سنة ١٢٦٣ﻫ.

وبعد قليل انتقلت الإمارة المصرية إلى عباس الأول ثم إلى سعيد وسكنت الحركة العلمية في تلك الفترة فلم يظهر فيها من قلم الرشيدي كتاب واحد وكان قد وشى به بعض مبغضيه واتهموه بأمور أوجبت ابتعاده عن الخدمة ، فلما صارت الخديوية إلى إسماعيل سنة ١٨٦٣ / ١٢٨٠ﻫ اتجهت الأنظار إلى استخدامه فتوسط محبوه لدى الخديوي وأبانوا له اقتداره على خدمة الطب وعلومه فقدَّمه وأوعز إليه أن يشتغل فألَّف كتاب عمدة المحتاج لعلمي الأدوية والعلاج “.

ويتحدث المؤلف عن ظروف تصنيف الكتاب في مقدمته فيقول : ” فانتصب جملة من أطبائنا الذين كانوا معي في طلب المعارف وجبلوا على حب انتشار العلوم وإقامة دعائم الفهوم والعوارف ونبهوا صاحب الأمر عن شأني وأمري وأجالوا في أفكاره ذكري ، فبرز أمره العالي برجوعي للخدمة وتفرغي لترجمة ما تشتت من مسائل الطب في اللغات الغربية بكل همة وجمعها في مؤلفات عربية سهلة المعاني قريبة التناول واضحة المباني.

فحينئذ ركبت جياد الشوق قبل مطايا السوق وتشاورت مع أرباب المعارف والمباشرات وانحط الرأي على أن من اللازم الآن تأليف كتاب تام في شرح الأدوية والمعالجات ، فاستنهضت جواد الفكر كرا وفرا وغصت في ميادين العلوم مؤملا ظفرا ونصرا وشجعني على ذلك صدق النية فيما هممت وخلوص الطوية فيما عزمت فجمعت من كتب الأطباء ما تفرق ومن شتات المسائل ما تمزق وسلكت في هذا التأليف جزالة الألفاظ لتسهيل المعاني وأودعت فيه حسب طاقتي ما كان جيد الإفادة واضح المباني “.

ذكره محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة فقال : ” أحمد حسن رشدي ، أحد الأفذاذ النابغين في مدرسة الطب المصرية والبعوث إلى أوربا جاهد في تأسيس النهضة مجاهدةً صادقةً حتى كان أحد دعائمها وأكثر الأطباء عملًا في سبيلها.

نشأ نشأته الأولى في الجامع الأزهر فلما أراد محمد علي اختيار شباب لدراسة الطب كان بين الراغبين فيها فدخل مدرسة الطب وتعلَّم بها وسافر في البعث الأول إلى باريس فلما عاد عُيِّنَ معلِّمًا للطبيعة في المدرسة ثم أخذ في الترجمة والتأليف بهمةٍ لا تعرف الكلال وكفاية ومقدرة ومتانة في اللغة فاق فيها زملاؤه وأنداده.

وتمتاز مؤلفاته بالتجويد والإحكام وأنها قلَّمَا تحتاج إلى تحرير وتصحيح وقد ألَّفَ في أكثر فنون الطب والطبيعة ، ولما انتقلت ولاية مصر إلى عباس الأول ثم إلى سعيد وسكتت الحركة العلمة لم يظهر شيء من تأليفه وكان حساده قد سعوا به ، ثم شفع له بعض أصدقائه لدى الخديوي إسماعيل إذ آلت الولاية إليه فهشَّ له وقربه وأوصاه أن يستأنف جهده فألف كتاب (عمدة المحتاج لعلمي الأدوية والعلاج).

آثاره : له مؤلفات تشهد بقدرته ورسوخ قدمه فمنها : رسالةٌ في تطعيم الجدري أصلها لكلوت بك قام هو بترجمتها ، الدارسة الأولية في الجغرافية والطبيعية (مُعَرَّب) ، ضياء النيرين في مداوة العينين (مُعَرَّبٌ عن كتاب للجراح لورانس مع زيادات عن الأصل) ، طالع السعادة والإقبال في علم الولادة وأمراض النساء والأطفال (ترجمه عن الفرنسية على هيبة وتولى هو تصحيحه).

 نبذة في تطعيم الجدري ، بهجة الرؤساء في أمراض النساء ، نزهة الإقبال في مداواة الأطفال ، الروضة البهية في مداواة الأمراض الجلدية ، نخبة الأمائل في علاج تشوهات المفاصل (تكملة للروضة البهية) ، عمدة المحتاج في علمي الأدوية والعلاج وهو كالموسوعة الطبية في أربعة مجلدات علق عليه الدكتور حسين عودة بفهرس يسهل الانتفاع به “.

و في كتاب تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي يتحدث عنه جمال الدين الشيال بالتفصيل فيقول : ” الدكتور أحمد حسن الرشيدي كان واحدًا من مشايخ الأزهر الذين عُيِّنوا مصححين ومحررين للكتب التي تُترجم بمدرسة الطب البشري ، وقد اشترك مع المصحح الأول الشيخ محمد الهراوي في مراجعة وتصحيح أول كتاب تُرجم في المدرسة وهو القول الصريح في علم التشريح من تأليف كلوت بك وترجمة عنحوري وطُبع في سنة ١٢٤٨.

وقد ذكرنا عند كلامنا عن مدرسة الطب أن كلوت بك رأَى فيما رأى للتغلُّب على صعوبة اللغة أن يُلزم بعض المترجمين والمصححين أن يحضروا دروس الطب بالمدرسة ليُلمُّوا بمبادئه ومصطلحاته ، ويبدو أن السيد أحمد الرشيدي وزميلًا له من المصححين يحمل اسمَه دون أن تكون بينهما قرابة هو الشيخ حسين غانم الرشيدي كانَا ممن حضروا الدروس وأفادوا منها فلمَّا فكَّر كلوت بك في إيفاد بعثة سنة ١٨٣٢ الطبية إلى باريس اختار هذين الشيخَين ليكونَا عضوَين بها.

وعاد هذان الشيخان من بعثتهما سنة ١٨٣٨ فأُلحقَا مدرِّسَين بمدرسة الطب وكانت لهما جهودٌ محمودة في التدريس والترجمة ، وقد كان لعلْم السيد أحمد الواسع باللغة العربية وإتقانِه لها مذْ كان طالبًا بالأزهر فضلٌ كبير في أن خرجتْ ترجماتُه أقرب ما تكون إلى الصحة بل إنا لنلاحظ أن كتُبَه دون كتُب زملائه كانت تُقدَّم للمطبعة من غير أن تمرَّ على أحدٍ من المصححين ، كما نلاحظ أنه كان يقوم أحيانًا بمراجعة بعضِ الكتب التي يترجمها زملاؤه ، وحوالي سنة ١٨٤٠ عُهد إليه بإدارة مدرسة الولادة بعد أن تولَّاها من زملائه الدكتوران علي هيبة وعيسوي النحراوي “.

وقد قام السيد أحمد حسن الرشيدي في مدى عشر سنوات تقريبًا (١٢٥٢ ـ ١٢٦٢) بترجمة سبعة كتب في مختلف الفنون الطبية عدا كتاب واحد في علم الجغرافيا وهو الدراسة الأولية في الجغرافية الطبيعية تأليف فليكس لامروس وطُبع في بولاق سنة ١٢٥٤ وهو أول كتاب ترجمَه بعد عودته من البعثة ، وقد ذكر الشيال أهمها في قوله :

رسالة في تطعيم الجدري : تأليف كلوت بك طُبع في بولاق سنة ١٢٥٠ ثم طُبع ثانية في سنة ١٢٥٢ ، وذكر سركيس في معجمه أن الدكتور أحمد الرشيدي ترجَم كتابًا لكلوت بك عنوانه نبذة لطيفة في تطعيم الجدري وطُبع في بولاق سنة ١٢٥٩ ، وإني لأُرجِّحُ أن تكون هذه طبعةً ثالثة لنفس الكتاب ويجدر بي أن أُشيرَ هنا إلى أن هذا الكتاب طُبع لأول مرة سنة ١٢٥٠ ومترجمُه مقيمٌ في باريس.

ولا تفسيرَ لهذا إلا أن نرجعَ إلى ما ذكرتُه في مقدمة هذا الفصل من أن محمد علي كان يُلاحق تلاميذ البعثات وهم في الخارج بالأوامر أن يُترجموا أثناء دراستهم كتُبًا فيما يتخصصون فيه لهذا أُرجح أن يكون الرشيدي قد ترجم هذا الكتاب وهو في باريس ثم أرسله فطُبع في بولاق سنة ١٢٥٠ ثم في ١٢٥٢ قبل عودته.

ضياء النيرين في مداواة العينين : تأليف الطبيب الإنجليزي لورنس وطُبع في بولاق سنة    ١٢٥٦ وهو ثاني كتاب ترجمَه بعد عودته ، وتدل مقدمةُ هذا الكتاب على أن السيد أحمد الرشيدي كان وافرَ النشاط محبًّا لعمله مقبلًا عليه يأبَى البطالةَ ويَعافُ الكسل فقد قال في ص٢ :

وبهمَّة سعادته (يقصد محمد علي) سافرتُ وارتحلتُ وحصَّلتُ من بلوغ الأماني ما حصَّلت ثم رجعتُ إلى وطني سالمًا مجبور الخاطر آمنًا غانمًا وما زلتُ إلى الآن مقيمًا بتلك المدرسة (مدرسة الطب) التي هي ينبوع مكارمنا ومحطُّ آمالنا وكنزُ ادخار مغانمنا معدًّا للتدريس وترجمة المؤلفات مقيدًا لعيادة المرضى والمعالجات فكان آخر ما ترجمتُه قبل هذا الكتاب كتاب الدراسة الأولية في علم الجغرافيا الطبيعية.

ولما كمل إتمامُه مكثتُ برهةً مضطربَ الظنون حتى أظهر الله ما في غيبه المكنون فبرز في الأمر وظهر بترجمة كتاب يقرُّ به النظر كتاب لَهِجتْ بمدحه الألسن للطبيب الجراح الإنجليزي لورنس في أمراض العين وقد أضاف إليه نبذة من كتاب الحكيم ولير النمساوي في كيفية تحضير أدوية العين واستعمالها في التداوي ثم زاد عليه جملة مستحضرات ما يستعمل في مصر ومركبات من نحو أكحال ومراهم وبرودات وقطورات … إلخ “.

26 / الدر البهي

(الدر البهي المنسوق بديوان إبراهيم بك مرزوق) هو عنوان الديوان الشعري للأديب والشاعر إبراهيم بك مرزوق المصري الذي ولد بالقاهرة عام 1233 هـ / 1818 م وتوفي بالسودان أثناء انتدابه للعمل بها عام 1283 هـ / 1866 م ، وهو من أنبغ تلاميذ السيد رفاعة الطهطاوي بمدرسة الألسن وعرف بأشعاره الغزيرة وكتاباته النثرية المتنوعة حيث تم تجميع ديوانه بعد وفاته وطبع وله كتاب نثري قيم يصف فيه رحلته إلى السودان سماه رحلة السلامة.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية وذلك ضمن كبار أدباء وشعراء مصر في عهد أسرة محمد علي فقال : ” إبراهيم بك مرزوق المصري توفي سنة ١٨٦٦ / ١٢٨٣ﻫ ، نشأ في مصر ورحل إلى السودان وتوفي في الخرطوم وكان أديبًا وشاعرًا ، وقد جُمِع شعره في ديوان طُبِع بمصر سنة ١٢٨٧ﻫ وهو مرتَّب حسب المواضيع “.

وذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” إِبْراهِيم مَرْزُوق (١٢٣٣ – ١٢٨٣ هـ / ١٨١٨ – ١٨٦٦ م) ، إبراهيم بن مرزوق شاعر مصري من أهل القاهرة تعلم في مدرسة الألسن وبرع بالفرنسية وتولى وظائف صغيرة ثم عين (ناظرا) للقلم الافرنجي بالخرطوم فبقي إلى أن توفي فيها ، واعتنى أحد المتأدبين بجمع ديوانه وأدخل فيه ما ليس له وسماه الدر البهي المنسوق بديوان إبراهيم بك مرزوق ، وله رحلة السلامة رسالة مسجعة في بعض ما رآه في السودان “.

وذكره أحمد تيمور باشا في كتابه أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث حيث قال : ” إبراهيم مرزوق (١٢٢١ ـ ١٢٨٣ﻫ) ، تلقَّى إبراهيم بك مرزوق الشاعر العلمَ بمدرسة الألسن وتخرَّج على ناظرها رفاعة بك رافع الشهير فقرأ بهذه المدرسة النحو والصرف وباقي علومها وبرع في الفرنسية.

وكان لرفاعة عنايةٌ خاصة في تلقين تلاميذه العربية والعلوم الأدبية وتدريبهم على نظْم الشعر فكان للمترجَم حظٌّ من هذه الصناعة فنظم الشعر الجيد من المقطعات والقصائد اعتنى بجمعها بعده محمد سعيد بك ابن جعفر مظهر باشا سنة ١٢٨٧ﻫ في ديوان سمَّاه (الدر البهي المنسوق بديوان إبراهيم بك مرزوق) وطُبِع بمصر.

ولما أتمَّ المترجم علومَه بالمدرسة استُخدم في ديوان كان يُقال له ديوان الهرجلات وهو خاص ببيع الخيل والماشية التابعة للحكومة ، ثم نُقِل منه ناظرًا للقلم الإفرنكي بالضبطية وفُصِل منه مدة عبده باشا ضابط مصر ثم عاد إليه بعد نحو ثلاث سنوات.

وكان مدة تولِّيه لهذا القلم كثيرَ المعاكسة للإفرنج إذا وقع أحدُهم في سجن الضبطية أو كانت له دعوى بها قلَّما كان يَسلم من أذاته حتى ضجَّ منه وُكلاء الدول وأكثروا من الشكوى فلم يكن يُثبَت عليه شيء عند التحقيق والسبب في ذلك أنه كان يعتمد على إخوانه ومرءوسيه بالضبطية على إيصال الأذى إليهم سرًّا نكايةً بهم لطغيانهم على الرعية وتدرعهم بدروع الحمايات.

وفي مدة وكالة إسماعيل الخديو نُقِل المترجَم معاونًا بمجلس الأحكام ثم لمَّا تولَّى هذا الخديو على مصر أرسله ناظرًا للقلم الإفرنكي بالخرطوم قاعدة بلاد السودان فبقي إلى أن تُوفي بها سنة ١٢٨٣ﻫ ، وكان مربوعَ القامة أبيض اللون قد وَخَطه الشيبُ ومات بعدما تجاوز الستين رحمه الله “.

وترجم له حسن السندوبي في كتابه أعيان البيان فقال : ” إبراهيم مرزوق بك ، ترجمته : ولد سنة 1233 هـ / 1817 م ونشأ محبا للأدب فأخذ العلوم عن أدباء عصره وشيوخه فبرع في الكتابة وأجاد الشعر وكان من قوة الحافظة بحيث كان يستظهر من مختار الشعر على ما قيل عشرين ألف بيت سوى المتون العلمية وغيرها من الأنباء والآثار.

رحل إلى السودان وقام بمظاهرة الحكمدار مظهر باشا على تأديب الثوار في كسله وإطفاء فتنتهم وإصلاح حال البلاد في عصر الخديو إسماعيل وله فيه وفي آبائه الغر الكرام مدائح سنية ، وفي بالخرطوم سنة 1283 هـ / 1866 م وقد عني بجمع شعره في كتاب الأديب محمد بك سعيد بن المرحوم جعفر باشا مظهر وسماه بالدر البهي المنسوق بديوان الأديب إبراهيم بك مرزوق وطبعه سنة 1297.

مميزاته : قليل من أدباء هذا العصر من يعرف إبراهيم مرزوق بك وأقل منهم الذين يعرفون له قدره ويحلونه منزلته اللائقة به من الفضل والأدب ، مع أنه كان من خيرة شعراء وقته ومحسني كتابه على طريقة السجع المعهودة في أقلامهم في ذلك العهد ، فله الفصول الرائقة والقصائد الفائقة وما رأيت فيما قرأت لشعراء عصره من كان يبلغ مكانه أو يدانيه في إجادة التشطير وإحكام التخميس.

فقد جمع فيهما إلى حسن المطالع فخامة الصدور وجمال الأعجاز مع لطيف التوليد وبديع الاختراع فكه النادرة طريف البادرة منسجم الخمريات رقيق الغزليات وصافا لمحالي السرور وحلبات الأنس والحبور ، ولولا ما أصابه من الزمن ومحنه والدهر وإحنه لبز فحول زمنه على أن هذا ليس بمانعه من أن يمد إلى أولى طبقاتهم في الأدب يدا ليتعلق منها بسبب.

مؤلفاته : رحلة السلامة ونحلة الكرامة رسالة وصف فيها حالة السودان وما رآه فيه من الأحداث وهي على الطريقة السجعية طبعت في وقتها ولا توجد الآن ولا أظن أن له سواها من التصانيف بعد قصائده ورسائله “.

ومن شعره قوله : إن كنت تصدق في ادعاء ودادى .. فاحفظ فديتك في هواك فؤادى .. ان أحبك والجوى وتأرقى .. وتحرقى والحزن من أشهادى .. ما كنت أعهد منك قط جفا ولا .. هجرا يعوق عن الوفا ميعادى .. يا  دهر يكفى ماجرى من أدمعى .. هلا  ارتويت به فانك صادى .. انا للمصائب عرضة فكأننى .. وكلت بالتعديد والتعداد .. واحسرنا نال الزمان مراده .. منى ولم أظفر بنيل مرادى.

وقوله : أرى الآن ثغر اسكندرية قد حلا .. فحدث عن العذب الزلال به واحك .. فمنشية الميدان بالحسن واليها .. على الفلك العالى زهت وعلى الفلك .. تروح شموس الحسن داشرة بها .. منازل أقمار الجمال بلا شك .. لقد حسنت وقت الاصيل لذى الهوى .. مقاما به تشرى الضلالة بالنسك .. وفيها لدىأهل الخلاعة والصبا .. شفاء  غليل للعليل من المفتك .. وفى  دوحها للمستقبل بظلها .. مراتع غرلان من الروم والترك.

وله أيضا في الإسكندرية ومنطقة المنشية التي تأسست في ذلك العهد حيث يقول : بسكندراية للصفا منشية .. غراء واضحة البها غناء .. سطعت شموس الحسن في أرجائها .. وبدور فلها سنى وسناء .. ولمائها الصافى اذا لعبت به .. شمس الاصيل مع الضيا لألاء .. حيث التفت رأيت أزهى روضة .. سبال النضار بها وقام الماء.

وقوله : قامت تساجلنى العلاء جدودى .. حتى تحقق في رأى جدودى .. واستنجدت منى شمائل ماجد .. واستنجزت شيم الوفاء وعودى .. وتغب  في ذم الخمول ملجة .. لنشب نارى غب وشك خمود .. وبمسمع منى تقول لمن دنت .. منها أهذى حالة المجدود .. أيرد  عما  يبتغيه وعزمه .. ماض  وطالعه  بسعد سعود .. أو  لم يكن من لم تعز طلابه .. يوما عليه لفضله والجود .. أو ليس من بهر الكواكب رفعة .. يعلو  بصائب رأيه المعهود .. أو ترتضى العلياء منه سكونه .. وعليه وارف ظلها الممدود.

وقوله : سلام بصدق الود والحب يشهد .. وحسن الولا من مخلص ليس يجحد .. يخص به عالى الجناب رفيعه .. رفاعة سولاى الأعز الممجد .. أمير ألاى العلم والفضل والحجى .. ومن مثله في فضله ليس يوجد .. فيا سيدى والغفو منك سجية .. لذى الود طبعا بسل ومن يتودد .. فما وجه هذا الصد عمن لسانه .. لمدحك يتلو الوداد يقيد .. لئن كان من سعى الوشاة وكيدهم .. ثنوا ودكم عنى بما لى أسندوا.

وقوله : يا  عين ويحك ما لدمعك جارى .. تنعين فقد مصاحب أوجار .. تنعين فقد وحيد عصر ذاهب .. بقيت  مذاهبه مدى الاعصار .. تنعين  أبقى الناس فيهم سيرة .. أتقاهم  انقاهم  من عار .. تنعين من لم يخش لومة لائم .. في  الله  في سر واجهار .. تنعين أحسن هائم أو قائم .. لله عند تبلج الاسحار .. تنعين من غدت النفوس بوعظه .. تهتز  للتبشير والانذار.

وقوله : ما البحث عن كتب وعن أوراق .. أو  عن طبيب للنهى أوراقى .. دع عنك جمع الكتب بعد رجالها .. وابك  العلوم بمدمع مهراق .. واذا  فقدت الصبر فالبس مسحة .. الأحزان وابك ممزق الاطواق .. من  سالم الايام مغرورا بها .. يفجعنه  في جمعه بفراق .. هل  آمن أحد غوائل كيدها .. أو  من حوادثها على ميثاق .. والدهر  شيمته يغر بناسه .. ويغصهم  بمدامع الآماق .. دهر  خون  لايفى لمهذب .. بوفا  ولا لموفق بوفاق.

27 / خرائط بهجت باشا

أول محاولة جادة لرسم خرائط تفصيلية لأقاليم القطر المصري كانت على يد مصطفى محرمجي بن علي أغا الأرنؤوطي المعروف بلقب بهجت باشا الذي ولد في قرية منية أبي علي بالشرقية عام 1228 هـ / 1813 م وتوفي بالقاهرة عام 1284 هـ / 1867 م ، وهو من طلبة البعثات العلمية التي أرسلها محمد علي باشا إلى أوروبا حيث تخصص في الهندسة وكان له دور كبير في تنفيذ مشروعات الري والزراعة مثل القناطر الخيرية وترعة الإبراهيمية والسكة الحديدية وتدرج في المناصب حتى صار ناظر الأشغال العمومية. 

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” بهجت باشا توفي سنة ١٨٦٧ / ١٢٨٤ﻫ ، أصله ألباني واسم والده علي أغا الأرنؤطي تزوج بمصر فولد له بهجت سنة ١٢١٨ﻫ فتعلم مبادئ العلم في مصر ، وسافر سنة ١٢٤١ﻫ إلى باريس وأقام فيها عشر سنين فأتقن العلوم الرياضية والفنون الهندسية وعاد مع مختار بك ومظهر باشا ورفاعة بك وغيرهم من أبناء هذه الإرسالية.

وتولى نظارة قصر العيني سنتين وانتقل إلى المدرسة الطوبجية وتولى سنة ١٢٥٦ﻫ نظارة ديوان المدارس ، وانتُدِب لعمل خريطة جفالك نبروه وهو يرتقي ويتقدم ثم عُهِد إليه في الاشتراك مع موجيل بك في بناء القناطر الخيرية ، وتولى أعمالًا هندسية هامة من الجسور والترع والقناطر وغيرها لكنه لم يخلف أثرًا مكتوبًا غير الخرائط وأكثرها موجود في نظارة الأشغال “.

وذكره الأمير عمر طوسون في كتابه البعثات العلمية في عهد محمد علي فقال : ” مصطفى محرمجي بعث إلى فرنسا لتلقي الهندسة بها ثم سافر منها إلى إنجلترا في أكتوبر سنة 1835 م للسياحة وتطبيق العلم على العمل وكان راتبه الشهري مائة قرش قام إلى مصر في أواخر هذه السنة وقد عرف فيما بعد باسم بهجت ، وهو بهجت باشا المشهور بآثاره الهندسية وناظر المعارف والأشغال وكانت وفاته سنة 1872 م “.

وترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وهو يتحدث عن قرية منية أبي علي بالشرقية والتي تنحدر منها عائلة والدته حيث قال : ” ولهذه القرية شهرة واعتبار بانتمائها إلى المرحوم بهجت باشا عليه سحائب الرحمة والرضوان فإن والدته من أكبر بيت فيها وهم عائلة الوالى الذين هم مشايخها ، وأما أبوه فكان يسمى على أغا الأرنؤطى.

وكانت ولادته رحمه الله سنة ألف ومائتين وثمانية وعشرين هجرية ، وبعد وفاة والده كفله عمه على أغا، محرمجى حسن باشا الأرنؤطى صاحب العمارة والجامع اللذين فى بركة الفيل فأحسن تربيته وأحضره مصر وعمره نحو خمس سنين ورتب له أستاذا يعلمه القراءة والكتابة وفى سنة أربع وثلاثين أدخله مدرسة قصر العينى فأقام بها نحو ثلاث سنين ثم نقل إلى المهندسخانة بالقلعة.

ثم فى سنة إحدى وأربعين سافر إلى بلاد أوروبا فيمن سافر إليها فأقام بباريس عشر سنين ، وبعد أن أتقن العلوم الرياضية والفنون الهندسية عاد إلى الديار المصرية صحبة مختار بك ومظهر باشا ورفاعة بك واصطوفان بك ونبراوى بك وغيرهم فأنعم عليه برتبة بكباش وقلّد بنظارة مدرسة قصر العينى فأقام على ذلك سنتين ، وكان مرتب هذه الوظيفة ألفين وخمسمائة غرش – عملة ديوانية – غير التعيين ثم تقلد بنظارة مدرسة الطوبجية بقرية طرا سنتين أيضا ثم فى سنة خمس وخمسين جعل ناظر قلم ديوان المدارس.

وفى ذاك الوقت ندب لعمل خرطة جفالك نبروه وصحبته المرحوم إبراهيم أفندى رمضان وجماعة من تلامذة الفرقة الأولى من المهندسخانة وجعل شريكه فى رياسة هذه العملية لامبير بك فعملت الخرطة على أتم نظام وهى الآن فى مخزن الأشغال ، ثم أنعم عليه برتبة قائم مقام وصار باشمهندس الجفالك بالشرقية والدقهلية وعمل عدة ترع منها ترعة النظام وبنى عدة قناطر، وندب لمعاينة الشلالات للوقوف على طريقة تسهيل عبور المراكب فانحط رأيه على عمل هويسات هناك وعمل لذلك رسما ومقايسة وقرارا ولم يحفظ ذلك بمخازن الديوان ولم يجر به العمل.

وفى سنة إحدى وستين أعطيت له هذه القرية عهدة وأحسن إليه بما فى أوسيتها من مواشى وآلات وأبنية وخلافها وكان مرتبه شهريا ثلاثة آلاف غرش ديوانية غير التعيين ، ثم أنعم عليه برتبة أميرالاى وكان مرتب أميرالاى مائتى كيسة كل سنة أعنى مائه ألف غرش ديوانى غير التعيين البالغ نحو سبعمائة وخمسين غرشا فعيّن مع موجيل بك فى بناء القناطر الخيرية وأحيل عليه أيضا قناطر بحر الشرق.

وفى سنة ثلاث وستين أنعم عليه بناحية العصلوجى عهدة له بواسطة سر عسكر والد الخديوى إسماعيل باشا بعد أن طلب ذلك بنفسه فبلغت عهدته فى القريتين ألف فدان وثمانمائة فدان ، واستمر فى هذه الوظيفة إلى سنة سبع وستين فتعين مفتش هندسة المنوفية والغربية فى زمن المرحوم عباس باشا.

وفى تلك المدة أحيل عليه رسم الجامع الأحمدي فرسمه على الهيئة التي هو عليها الآن وبعد تمام رسمه أنعم عليه بمائتى فدان ، ولما عمل السكة الحديد من بنها إلى كفر الزيات رمى فيه بعض الناس بأنه أتلف أراضى كثيرة فى ذلك الجسر فركب المرحوم عباس باشا ومر على ذلك الجسر بنفسه فأعجبه عمله واستحسنه فأنعم عليه بمائتي فدان أخرى.

وفى تلك المدة أيضا – فضلا عن أعمال الأرياف من التطهيرات وبناء القناطر ونحو ذلك – أجرى أعمالا جليلة مثل القناطر التى تمر عليها السكة الحديد الواقعة فى حدود تفتيشه من بنها إلى كفر الزيات ما عدا قناطر بحر بركة السبع فإنها من رسم الإنجليز الذين حضروا من طرف استيفنسون لأجل رسم السكة الحديد وتخطيطها من مصر إلى الإسكندرية.

وفى سنة ثلاث وسبعين فى عهد المرحوم سعيد باشا ندب لمسح أراضى مديرية تفتيشه وعين معه نحو خمسين مهندسا عبارة عن عشرين ركابا ونحو خمسين ركابا من المساحين كل ركاب خمسة أشخاص مساحين وقصابين وضابط ملكى أو جهادى ، وعين أيضا على باشا شكرى مأمور تحقيق قضايا الأطيان بديوان يشتمل على عشرة ضباط وعشرة كتبة وأربعة من القواسة والسعاة فصار مسح الأرض على الوجه المطلوب وعملت التواريخ والدفاتر ورسم خرطتها ولم يبق تحت الإتمام إلا القليل ووقف عمل المساحة سنة خمس وسبعين.

وفى أثناء ذلك – أعنى سنة ١٢٧٤ – أنعم عليه برتبة لواء ، وفى تلك المدة أيضا نجز له ما كان أنعم عليه به المرحوم عباس باشا ولم يتم فى حياته وهو إنه أعطى مائة فدان فى متروك بلده وثلاثمائة من زيادة المساحة فى بلاد المنوفية منها مائتان فى قرية سرس وخمسون فى قرية فيشة وخمسون فى كفرها ، وفى تلك المدة أحيل عليه عمل خرطة براري الغربية من دمياط إلى رشيد فأتمها على حسب الأمر وهى الآن فى مخزن الأشغال ، وفى سنة خمس وسبعين عين لتفتيش هندسة قبلي فبقى على ذلك نحو ثلاث سنين ثم عزل ولزم بيته إلى أن تولى الخديوي إسماعيل باشا سنة تسع وسبعين فجعله مفتش هندسة وجه قبلي ثانيا.

وفى سنة أربع وثمانين أمر بعمل تصميم على الترعة الإبراهيمية فرسم من أسيوط إلى جسر كوم الصعائدة الفاصل بين مديريتى المنية وبنى سويف وأما رسمها من جسر كوم الصعائدة إلى القناطرة الخيرية فكان بمعرفة ثاقب باشا رحمه الله ، وبعد عمل الرسومات والقرارات اللازمة عرضت على الخديوى فأعجبته ووقعت منه موقع القبول وصار الشروع فى العمل فتم منها من أسيوط إلى المنية ، وبعد انتقاله من التفتيش وتعين حضرة سلامة باشا، صار وضع أساسات قنطرة الإبراهيمية وقنطرة المنية ثم بعد انفصاله عن التفتيش تعين بدله إسماعيل بك محمد فكملت قناطر التقسيم ، ووضعت أساسات قناطر أخر مثل قنطرة بحر يوسف ومصرف ديروط وقنطرة الساحل والديروطية وقنطرة مغاغة ومطاى.

وكان بهجت باشا رحمه الله سهل الأخلاق حميد السيرة حسن التوكل لا يهمه أمر دنياه ، وقد تزوج وقت أن كان في بلاد الإفرنج بامرأة إفرنجية من قرية تعرف بباريس وجاءت معه إلى الديار المصرية ، وبعد أن أقامت سنة على دينها أسلمت لله تعالى بمحضر جماعة من أعيان العلماء والأفاضل منهم الشيخ الباجورى والشيخ الدمنهورى وجم غفير من وجوه بولاق والأمراء وسميت فى المجلس باسم زليخا وكان إذ ذاك مقيما ببولاق مصر وأقامت معه فى عيشة هنية إلى أن توفاها الله تعالى على دين الإسلام سنة إحدى وستين ومائتين وألف.

وقد رزقت منه بثلاثة أولاد ذكور ماتوا فى صغرهم وثلاث بنات تزوجت إحداهن بإسماعيل بك محمد ورزقت منه بثلاثة أولاد ذكور وتزوجت الثانية بحسن بك فهمى قائمقام برنجى غاردية سواري وتزوجت أصغرهن بإسماعيل أفندى صالح ابن أخت إمرأة الباشا المذكور التي تزوجها بعد طلاق بنت سبكى بك التي تزوجها بعد موت الست زليخا.

وكانت الست المذكورة رحمها الله حسنة المعاشرة والإدارة بصيرة فى أمر المعاش والتصرف وإليها فوّض إدارة جميع أحواله فقامت بذلك أحسن قيام وفى وقت أن كان باش مهندس جفالك الشرقية كانت تدير أمور الزرع كما ينبغى وربما خرجت إلى الغيط لتنظر بنفسها الإجراءات وضم المحصول وبيع ما يلزم مع تدبير أحوال المنزل والخدم حتى إنها اشترت منزلا ببولاق بيع بعد موتها لشخص يقال له فرج غالى وكذلك اشترت أرضا فى الجيزة أربعة وعشرين فدانا بقى منها إلى الآن إثنا عشر فدانا تحت يد ذريتها ، ولقيامها بجميع أموره كان رحمه الله ملتفتا بكليته لأشغال الهندسة والمصالح الميرية مع النمو والبركة فى كسبه ورزقه.

وبعد موتها تغيرت أحواله وركبه الدّين حتى باع كثيرا من أطيانه ومدخراته وصار فى قرب وفاته لا يملك منزلا بل كان يسكن بالأجرة إلى زمن المرحوم سعيد باشا فقدم له بطلب أخذ ورشة القطن التى عند السيدة زينب رضي الله عنها ويخصم ثمنها من مرتبه فأجيب إلى ذلك وجعل ثمنها عليه ألفين وخمسمائة جنيه فكان يخصم منها كل شهر ربع مرتبه فلم يستوف الثمن إلا فى سنة أربع وثمانين ، وقد بناها منزلا جعله دورا واحدا أرضيا يشتمل على سلاملك وحريم وصرف فى ذلك مبلغا جسيما ومات قبل أن يتمه وهو الآن مشترك بين أولاده من زوجته الثالثة والأولى فسبحان من يرث الأرض ومن عليها “.

28 / روضة النجاح الكبرى

(روضة النجاح الكبرى في العمليات الجراحية الصغرى) هو عنوان كتاب من أهم كتب الطب والجراحة في العصر الخديوي وهو من تأليف رئيس الأطباء وكبير الجراحين محمد علي البقلي المعروف بلقب محمد باشا الحكيم ، ولد في قرية زاوية البقلي بالمنوفية عام 1228 هـ / 1813 م وتوفي بالحبشة عام 1293 هـ / 1876 م أثناء اشتراكه في الحملة العسكرية التي أرسلها الخديوي إسماعيل إلى هناك في تلك الفترة.

وقد ذكر المؤلف اسمه ونسبه (عشيرة جويلي) في صدر كتابه حيث قال : ” هذا كتاب روضة النجاح الكبرى في العمليات الجراحية الصغرى تأليف راجي عفو المولى الكريم محمد علي البقلي الحكيم معلم العمليات الجراحية بمدرسة الطب الإنساني وجراح بالإسبتالية الكبرى بقصر العيني ، ابن السيد علي جويلي بن المرحوم العالم العلامة السيد محمد جويلي البقلي غفر الله له  ولوالديه وللمسلمين أجمعين ” ، وهو صاحب أول دورية طبية في عصره وهي (مجلة اليعسوب).

وقد استهل كتابه بمقدمة لطيفة أدمج فيها وصايا للحكماء والأطباء العرب القدماء من أمثال الفارابي والزهراوي وغيرهم حيث  قال : ” قال راجي عفو المولى الكريم محمد علي البقلي الحكيم إني ألفت هذا الكتاب واجتهدت في جمع ما كان منه مشتتا في الكتب الفرنساوية والعربية الطبية علما مني باحتياج وطني له ، ولكن لما رأيت أن أهل الإسلام قد قصرت هممهم عن طلب العلوم الرياضية والطبية مع أنهم أحق بها من غيرهم وأكثر حاجة إليها ورأيت أيضا أهل الأوروبا أسبق منهم فيها بكثير.

مع أن العرب قديما كانوا مشتغلين بها وصنفوا فيها تصانيف تعجب نفس الإفرنج من كثرة عددها وجودتها وحسن ترتيبها وقد صارت مطروحة في زوايا الإهمال ولم يلتفت إليها أحد من ذوي البال ، جعلت مقدمة كتابي هذا بعض وصايا منقولة من نفس كتب العرب للحث على التولع بالعلم والرغبة فيه .. فيا إخواني خذوا لكم عبرة من هذه الوصايا وانزعوا عن أنفسكم ثياب الجهل والعار وتزينوا بثياب العلم والشرف والاعتبار لعل الله يجعل لنا ولكم مخرجا من الذل والهوان بجاه أقضل وأشرف كل إنسان “.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” محمد علي باشا البقلي توفي سنة ١٨٧٦ / ١٢٩٣ﻫ ، هو من زاوية البقلي في المنوفية وُلِد سنة ١٢٢٨ﻫ وتعلم كما تعلم أمثاله في تلك البلدة ثم انتقل وهو في التاسعة من عمره إلى مصر ودخل الأزهر ، وأخذه محمد علي باشا في جملة الذين أخذهم لدراسة الطب في مدرسة أبي زعبل عند إنشائها وسافر في جملة الإرسالية الطبية الأولى وقد نبغ بين رفاقه مع أنه أصغرهم سنًّا.

فلما عاد تعين أستاذًا للجراحة في مدرسة الطب وذاعت شهرته في الجراحة على الخصوص حتى صار اسمه علمًا على هذا الفن ، فلما صارت ولاية مصر إلى عباس الأول وحدثت تلك الفترة في العلم انتقل للتطبيب في ثمن قيصون بالقاهرة ، وكان لطلاب الشفاء ثقة عمياء في مهارته وقربه سعيد باشا وجعله في معيته وتعين وكيلًا لمدرسة الطب ، فلما تولى إسماعيل جعله رئيسًا على تلك المدرسة ومستشفاها وأمره أن يؤلف الكتب لإحياء صناعة الطب ووضع تحت أمره عشرة من خيرة المصححين الذين لهم اطلاع على الفنون الطبية ومصطلحاتها.

ولما انتشبت الحرب بين مصر والحبشة سار في الحملة المصرية التي سافرت للحبشة بمعية البرنس حسن باشا عم الجناب الخديوي فخدم الجنود المصرية خدمًا جزيلة يذكرها له العارفون وتوفي هناك سنة ١٨٧٦ ولا يُعلَم مكان ضريحه ، وكان من أهل الجد والعمل وله فضل خاص بأنه أول من أصدر مجلة في اللغة العربية نعني مجلة اليعسوب الطبية أصدرها بمصر سنة ١٨٦٥ ومنها مجلد في المكتبة الخديوية.

وهاك مؤلفاته الأخرى : روضة النجاح الكبرى في العمليات الجراحية الصغرى طُبِع سنة ١٢٥٩ﻫ ، غرر النجاح في أعمال الجراح في جزئين طُبِع سنة ١٢٦٢ﻫ ، غاية الفلاح في فن الجراح في مجلدين طُبِع سنة ١٢٨١ﻫ ، نشر الكلام في جراحة الأقسام لم يُطبَع “.

وتحدث جورجي زيدان عن مقبرته بالحبشة في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” ولم يعلم أحد مكان ضريحه على أن لهم في ذلك أقوالًا مختلفة نذكر منها رواية كتب بها إلينا حضرة مصطفى أفندي صبري قومندان حملة طوكر في ذيل كتاب اقترح فيه نشر ترجمة صاحب الترجمة وهاك نصها قال :

ومما يهمني ذكره ليطَّلع عليه أبناء وطني أنه بلغني من بعض الأحباش أن الفقيد تغمده الله برحمته ورضوانه قد أقيم له قبر بالحبشة ببلدةٍ تُسمَّى جراع ما بين عدوى وأسمرة إلا أنها أقرب إلى هذه من تلك وقد شيدوا فوق القبر قبة عظيمة يزوره فيها الأحباش على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ويقيمون له الدعوات وليس ذلك إلا تعظيمًا له وتخليدًا لذكره ، مع علمهم بأنه كان في مدة حياته سفاكًا لدمائهم راغبًا في سلب أملاكهم وإن يكن في ذلك مأمورًا لا آمرًا وهي خدمة يستحق عليها أهل الحبشة الشكر والثناء لقيامهم بواجبٍ قصر عنه أبناء جنسه وخصوصًا الذين ارتشفوا من بحر علومه “.

وترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وهو يتكلم على قرية زاوية البقلي حيث قال : ” وممن ترقى منها فى المناصب والرتب الديوانية نحو الستة بيكوات ، وإلى رتبة الباشوية العالم النحرير والعلم الشهير السيد محمد على باشا الحكيم باش جراح ورئيس المدرسة الطبية والإسبتالية.

وهو السيد محمد ابن السيد على الفقيه البقلى ابن السيد محمد الفقيه البقلى ، ولد فى زاوية البقلى فى سنة ألف ومائتين وثلاثين تقريبا وبعد أن ترعرع أدخله أهله المكتب ببلده فتعلم الكتابة وشيئا من القرآن الكريم ولما بلغ سنه تسع سنين أدخله أحمد أفندى البقلى مكتب أبى زعبل – أحد المكاتب الديوانية – فلبث فيه ثلاث سنين أتم فيها قراءة القرآن ثم أدخله المدرسة التجهيزية في أبى زعبل أيضا فمكث فيها ثلاث سنين.

ولذكائه وحسن سيره كان قلفة فرقته ثم أدخله مدرسة الطب تحت إدارة كلوت بيك وهناك بذل جهده زيادة مع كهال القريحة حتى فاق أقرانه ، ولما صدر أمر العزيز محمد على بإرسال بعض التلامذة إلى باريس للتبحر فى العلوم الطبية وغيرها انتخبه كلوت بيك مع أحد عشر من نجباء التلامذة الذين كانوا قد تمموا دراسة الطب وكان بعضهم قد بلغ رتبة اليوزباشى ، وكان مرتب المترجم مائة وخمسين قرشا فترك لوالدته خمسين وأبقى لنفسه المائة.

فدخل مدرسة باريس وبذل غاية جهده فى تحصيل العلوم الطبية والجراحية وشهد له جميع خوجاتها بالفوقان على من معه مع كونه أصغرهم ، ولما تمموا جميع امتحاناتهم فى مدرسة الطب ولم يبق عليهم سوى تأليف رسالة طبية ندبوا إلى مصر غلطا بدون أمر العزيز فأمر بعودهم ثانيا إلى باريس ليتحصلوا على الشهادة اللازمة فكان المترجم ممن رجع ، وألف هناك رسالة طبية فى الرمد الصديدى المصرى وتحصل على الشهادة وعاد إلى مصر فى سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة وألف مسيحية.

فألحق باسبتالية قصر العينى بوظيفة باش جراح وخوجه فى العمليات الجراحية كبرى وصغرى والتشريح الجراحى برتبة صاغقول أغاسى ثم بعد قليل أعطى رتبة البيكباشى ، ثم صدر أمر المرحوم عباس باشا برفعه من قصر العينى وجعله فى أحد أثمان المحروسة لمنافسة حصلت بينه وبين بعض حكماء الاسبتالية الأوروباويين فتعين فى ثمن قوصون فصار أكثر الأهالى يأتون إليه وقل الوارد على الاستبالية واشتهر أمره جدا فمكث كذلك نحو خمس سنين.

ثم أنعم عليه برتبة قائم مقام وجعل باش حكيم الآلايات السعيدية فلم يلبث إلا قليلا ولزم بيته نحو سنة ثم تعين فى الاسبتالية بوظيفة باش جراح وخوجة الجراحة بالقصر العينى ووكيل رياسة الاسبتالية والمدرسة الطبية ، ثم أنعم عليه برتبة اميرالاى ثم جعله المرحوم سعيد باشا حكيمه الخاص وأخذه فى معيته مع إبقاء وظائفه وأحسن إليه برتبة المتمايز وسافر معه إلى بلاد أوربا ، وبعد وفاة المرحوم سعيد باشا جعل رئيس الاسبتالية ومدرسة القصر العينى.

وفى سنة تسعين ومائتين وألف هجرية تشرف بالرتبة الأولى من الصنف الثانى ثم فى شهر ذى القعدة سنة اثنتين وتسعين لزم بيته من غير أن يعلم السبب ، فطلب التوجه إلى بلاد الحبشة مع دولتو حسن باشا نجل الخديوى إسماعيل باشا فاستشهد هناك إلى رحمة الله تعالى ، وكان متشرفا بالنيشان المجيدى من الرتبة الثالثة مكافأة لما حصل منه مدة هيضة الكوليرا فى سنة خمس وستين وثمانمائة وألف مسيحية.

وله من المؤلفات : كتاب فى العمليات الجراحية الكبرى وضعه باللغة العربية فى مجلدين وسماه غاية الفلاح فى أعمال الجراح ، وكتاب فى الجراحة الصغرى ، وكتاب فى الجراحة أيضا ثلاثة أجزاء طبع منها جزءان والثالث تحت الطبع ، وله قانون فى الطب وقانون فى الألفاظ الشرعية والاصطلاحات السياسية كلاهما لم يكمل.

وقد أعقب أولادا نجباء منهم نجله حامد بيك أحد رجال الحقانية ووكيل النائب العمومى بمحكمة الاسماعيلية تربى فى بلاد فرانسا فى ظل الساحة الخديوية فتعلم بها الفنون، وبرع فى القوانين الإفرنجية ، ومنهم نجله أحمد حمدى أفندى حكيم وخوجة بالمدرسة الطبية بقصر العينى برتبة بيكباشى سافر إلى بلاد فرانسا وتعلم بها سنة ست وثمانين ثم توظف بالوظائف ، إلى غير ذلك فإن ذريته وأقاربه الموظفين بالوظائف الميرية يزيدون على العشرين وسننبه على كثير منهم “.

 29 / جريدة وادي النيل

في عام 1284 هـ / 1867 م صدر في مصر أول صحيفة أهلية (جورنال بلغة ذلك الوقت) وهي جريدة وادي النيل حررها الشيخ عبد الله أبو السعود بن الشيخ عبد الله البرقاوي الذي ولد في دهشور عام 1236 هـ / 1820 م وتوفي بالقاهرة عام 1295 هـ / 1878 م ، ويرجع في أصوله إلى إقليم برقة بشرق ليبيا حيث جده الأعلى الولي الصالح سيدي علي البرقي ومنها رحل أجداده إلى مصر واستقروا في الجيزة.

وهو صحفي ومترجم وشاعر وأديب تتلمذ على يد رفاعة الطهطاوي في مدرسة الألسن وشارك في تحرير مجله روضة المدارس التي أصدرها على باشا مبارك وتولى رئاسة قلم الترجمة وقام بالتدريس في مدرسة دار العلوم وشجع ابنه محمد أنسي بك على إصدار جريدة روضه الأخبار واشترك في تحريرها وله عدد كبير من المؤلفات خاصة في مجال التاريخ وساهم بنصيب كبير في حركة الترجمة ومن أهمها كتب القوانين والمرافعات.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” أبو السعود توفي سنة ١٨٧٨ / ١٢٩٥ﻫ ،  هو عبد الله أبو السعود بن الشيخ عبد الله وُلِد في دهشور سنة ١٨٢٠ / ١٢٣٦ﻫ وأصله من جبال برقة تفقه في المدارس التي أنشأها محمد علي ثم أُلحِق بمدرسة الألسن سنة ١٢٣٩ﻫ على يد رفاعة بك الطهطاوي ، وتقدَّم في سار العلوم اللغوية والرياضية والفقه لأنه كان يحضر في الأزهر وأتقن اللغة الفرنساوية والإيطالية وأخذ في التعليم وتصحيح تراجم الكتب الرياضية وغيرها وهو يرتقي في الرتب حتى تعيَّن في ترجمة ديوان المدارس.

وفي أول ولاية سعيد باشا سنة ١٢٧٠ﻫ جُعِل رئيس قلم عرضحالات بالمالية وصار في زمن إسماعيل ناظر قلم ترجمة ديوان المدارس وعلَّم التاريخ بدار العلوم الخديوية ثم تعيَّن من أعضاء مجلس الاستئناف إلى أن توفي سنة ١٢٩٥ﻫ ، وهو أول من أنشأ صحيفة سياسية عربية غير رسمية بمصر نعني جريدة وادي النيل كما تقدَّم واشتغل بنقل الكتب عن الإفرنجية وألَّف كتبًا مفيدة “.

وذكره محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة حيث قال : ” أبو السعود ، هو أبو عبد الله أبو السعود بن الشيخ عبد الله ولد في دهشور من مديرية الجيزة سنة   ١٢٣٦ هـ /١٨٢٠ م وأصله من جبال برقة وتعلّم بالأزهر صدر حياته حتى أنشأ محمد علي باشا مدرسة الألسن فالتحق بها وأظهر براعةً وتفوقًا في علوم اللغة والرياضة والفقه.

وأجاد الفرنسية والإيطالية وأخذ في التعليم وتصحيح تراجم الكتب الرياضية وغيرها وظلَّ يرتقي بنبوغه وجده حتى عُيِّنَ في ترجمة ديوان المدارس ، ثم صار في عهد إسماعيل ناظر قلم الترجمة بهذا الديوان وعلَّم التاريخ بمدرسة دار العلوم ثم عين عضوًا بمجلس الاستئناف إلى أن توفي سنة ١٢٩٥هـ / ١٨٧٨م.

وهو أول من أنشأ جريدة سياسية عربيةً غير رسمية بمصر تسمى (وادي النيل) فكانت تهيئ الأفكار وتدعو إلى تنشيط الأقلام الحرة ، وهو صاحب المقالات الشائقة التي كان ينشرها في روضة المدارس كما أن له بضع مقالات قيمة في صحيفة (روضة الأخبار) التي كان يصدرها ولده أنيس أفندي.

وأبو السعود من أنبغ تلاميذ رفاعه بك وأنبه المترجمين في ذلك العهد وقد اشترك مع رفاعة بك وتلامذته في ترجمة قانون (نابليون) واشترك في تعريب قانون المرافعات كما ترجم لمعظم كتاب الجريدة العسكرية من الفرنجة وقد ألَّفَ كتبًا قيمةً.

وكانت له آثارٌ ذات شأن نذكر منها : نظم اللالئ في السلوك فيمن حكم فرنسا من الملوك مُذَيَّلٌ بجدول لمقابلة تاريخ الهجرة بتاريخ الميلاد من أول الهجرة إلى سنة ١٣٠٠هـ طبع بمصر سنة ١٢٥٧هـ ،  الدرس التام في التاريخ العام طبع بمصر سنة ١٢٨٩ هـ ،  قناصة أهل العصر في خلاصة تاريخ مصر القديم أصله لماريت باشا ونقله أبو السعود من الفرنسية إلى العربية بأمر نظارة المعارف وهو مطبوع بمصر سنة ١٢٨١هـ.

له ديوانٌ جمع شعره الرقيق وبه كثير من المنظومات المولدة كالموالي والموشحات ، وله أرجوزة في سيرة محمد علي تبلغ ألف بيت ، منحة أهل العصر بمنتقى تاريخ مصر لخصه عن الجبرتي ، وله غير ذلك آثارٌ قيمة في التأليف والترجمة “.

وترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وهو يتكلم عن دهشور فقال : ” وممن نشأ منها أيضا المرحوم عبد الله أبو السعود أفندي ابن الشيخ عبد الله أبي السعود ، ولد بها سنة ألف ومائتين وست وثلاثين تقريبا كما أخبر هو عن والده وأصل عائلته من عرب بجبال برقة وله جد صالح له مقام يزار هناك يعرف بسيدى على البرقى.

وكان والده ممن طلب العلم بالجامع الأزهر وكان منوطا بوظيفة القضاء بدهشور فألحقه بأحد مكاتبها فحفظ القرآن ، وكان والده قد نيط بنظارة مكتب البدرشين – أحد المكاتب الميرية التى أنشأها المرحوم محمد على باشا سنة ثمان وأربعين – فنظمه والده فى ضمن تلامذة ذلك المكتب فأقام به حتى تعلم الخط والحساب وغيرهما من الفنون التى كانت بالمكتب ، ثم انتخبه المرحوم رفاعة بيك فيمن انتخب لمدرسة الألسن والإدارة الملكية بالأزبكية فالتحق بتلك المدرسة فى آخر سنة تسع وأربعين وسنة إذ ذاك أربع عشرة سنة فأحسن بها تعلم اللغات والعلوم التى كانت بها وبرع على أمثاله سيما فى اللغة العربية.

ومن مشايخه فى النحو ونحوه الشيخ محمد قطة العدوي والشيخ على الفرغلى الأنصارى الطحطاوى والشيخ محمد الدمنهورى والشيخ حسنين الغمرى ، ولتأهله واستعداده قام بوظيفة تدريس اللغة العربية بدلا من شيخه الشيخ حسنين بوظيفة الملازم الثانى وذلك فى سنة أربع وخمسين فقرأ لإخوانه تلامذة الفرقة الأولى كتاب مغنى اللبيب ثم ترقى إلى رتبة الملازم الأول فى مدرسة المهندسخانة ببولاق فى وظيفة تدريس اللغة الفرنساوية وتصحيح تراجم الكتب الرياضية.

وكان قد أخذ مبادئ الهندسة والحساب والتاريخ والجغرافيا عن أساتذة من المعلمين الفرنساوية الذين كان يجذبهم إلى الديار المصرية مغناطيس مكارم العزيز محمد على منهم المعلم شانان والمعلم كوت والأديب دوزول ، وأخذ علم الإدارة الملكية عن الأفوكاتو موسيو سولون الذى أحضره المرحوم محمد على لهذا الغرض فى سنة ثمان وخمسين.

وترقى، المترجم فى هذه السنة إلى رتبة اليوزباشى وكان قد أخذ الفقه الحنفى بمدرسة الألسن عن مفتى الأحكام الشيخ خليل الرشيدى فحضر عليه كتاب ملتقى الأبحر ، وكان مع قيامه بوظائفه يحضر دروس الجامع الأزهر فحضر به الدر المختار على الشيخ الرشيدى وحضر عدة من الكتب النفيسة على الشيخ أحمد المرضعى والشيخ المنصورى والشيخ التميمى المغربى والشيخ المبلط.

وفى سنة تسع وأربعين انتقل إلى قلم الترجمة تحت نظارة كاني باشا ورئاسة رفاعة بيك وفى سنة خمس وستين تعين في ترجمة ديوان المدارس ، وفى ابتداء ولاية سعيد باشا سنة سبعين جعل رئيس قلم عرضحالات بديوان المالية ثم جعل مترجم الديوان المذكور بالخزينة المصرية وترقى أثناء ذلك إلى رتبة الصاغقول أغاسى ، ولما توجه المرحوم سعيد باشا إلى السودان جعله كاتب معيته وبعد العود تعين كاتبا ثانيا بمجلس الأحكام ثم انتقل إلى قلم الترجمة بالخارجية سنة خمس وثمانين وكان قد ترقى إلى رتبة البكباشى.

وفى ابتداء جلوس الخديوى إسماعيل باشا على التخت تعين فى قلم ترجمة ديوان المدارس وأحرز رتبة القائم مقام وفى سنة تسع وثمانين جعل ناظر ذلك القلم وأحيل عليه تدريس التاريخ العام بدار العلوم الخديوية ، وفى آخر سنة ثلاث وتسعين جعل من أعضاء مجلس الاستئناف إلى أن توفي في مساء اليوم الثامن من صفر سنة خمس وتسعين ومائتين وألف ، وله تآليف عديدة وتراجم بارعة وقوانين سياسية وهو أول من أنشأ صحيفة وادى النيل سنة أربع وثمانين ثم أنشأ نجله المرحوم محمد أنسي بيك جريدة روضة الأخبار فكان هو المحرر لها.

ومما طبع من مؤلفاته : كتاب تاريخ مصر وجانب من التاريخ العام ، ومن الكتب التى ترجمها : كتاب نظم اللآلئ فى السلوك فيمن تولى فرانسا ومصر من الملوك ، وجزء من الكوت الفرنساوى وهو المتعلق بالمرافعات المدنية والتجارية ، وكتاب تاريخ مصر القديم ، وكتاب الأنتيقخانة الخديوية ، وتاريخ محمد علي ، وكتاب فى علم الجغرافيا وآخر في الكيميا الزراعية ، وبعض من رسالة فى الزراعة وطائفة من كتاب المرافعات وأخرى فى قصة جيلبيلاس المشهور رحمه الله “.

30 / المقالات الأدبية

(المقالات الأدبية) هو عنوان كتاب في الحكايات ذات الإسقاط السياسي ، ويعد من بواكير الكتابة القصصية والروائية بمصر في العصر الخديوي وهو من تأليف الأديب والكاتب والمترجم صالح مجدي بك الذي ولد في قرية أبو رجوان بالجيزة عام 1242 هـ / 1826 م وتوفي بالقاهرة عام 1298 هـ / 1880 م ، تلقى تعليمه بمدرسة حلوان ثم انتقل إلى مدرسة الألسن وأُلحِق بقلم الترجمة وصار مدرسًا في المهندسخانة وتخصص في ترجمة كتب الرياضيات والفنون العسكرية ، وله ديوان شعر يحوي قصائد تقليدية وأناشيد وطنية حماسية.

ومن أهم مولفاته كتاب يتناول السيرة الذاتية لأستاذه السيد رفاعة الطهطاوي وسماه حلية الزمن بمناقب خادم الوطن حيث كان من أقرب تلاميذه إليه ، ومن مؤلفاته الأخرى كتاب الدر المنثور في الظل والمنظور وكتاب بغية الطلاب في قطع الأحجار والأخشاب وكتاب الروضة السندسية في الحسابات المثلثية وكتاب تذكير المرسل بتحرير المفصل والمجمل وكتاب ميادين الحصون والقلاع ورمي القنابل باليد والمقلاع وكتاب الترع والأنهر وكتاب استكشافات عمومية وكتاب المطالب المنيفة في الاستحكامات الخفيفة وكتاب الاستحكامات القوية.  

وذكره جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” السيد صالح مجدي بك هو من نوابغ أواسط القرن الماضي الذين ارتقوا بذكائهم ونشاطهم إلى مناصب الحكومة ونبغوا في النظم والإنشاء والترجمة وكان ذلك صعبا نادرا قبل النهضة الأخيرة.

وكان شاعرا مطبوعا جمعت أشعاره في ديوان كبير طبع في المطبعة الأميرية سنة 1312 هـ مصدرا بترجمة له مطولة أخذنا عنها معظم ما ذكرناه عنه ، وكان ميالا إلى الإنشاء فلم تخل جريدة من جرائد تلك الأيام من مقالات بقلمه أو قصائد من نظمه كالوقائع المصرية وروضة المدارس والجوائب.

واشترك في تحرير جريدة روضة المدارس التي أنشأها المرحوم علي باشا مبارك ، واتحد مع علي باشا المذكور في تأليف تاريخ عام مطول للديار المصرية فألفا منه ما يتعلق بالفراعنة والأكاسرة والبطالسة والرومانيين حتى انتهيا إلى فتوح الإسلام وتجاوزاه إلى سنة 160 بعد الفتح ، فبلغ ما كتباه منه نحو 400 كراس وتوفي صاحب الترجمة والكتاب بين أوراق المرحوم علي باشا مبارك لا ندري ما آل إليه الأمر بعد وفاة علي باشا.

ويقال بالإجمال إن صالح مجدي بك كان من رجال العلم الذين خدموا آداب اللغة العربية بترجمة الكتب الرياضية والعسكرية فضلا عن قريحته الشعرية فإن صفحات ديوانه المطبوع 430 صفحة كبيرة تدل على طول باعه في النظم ، واطلعنا مؤخرا على كتاب فيه مقالات أدبية من إنشاء صاحب الترجمة كانت تُنشر في جريدة روضة المدارس قيل يومئذ إن فيها تعريضا ببعض رجال ذلك العهد فمنع نشرها فعني بجمعها نجله محمد مجدي بك القاضي بمحكمة الاستئناف بمصر وطبعها في المطبعة الأميرية “.

وقد ترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وذكر أعمالهم المشتركة فقال : ” الأمير الجليل ذو المجد الأثيل حضرة السيد بيك صالح مجدي ، وهو كما أخبر عن نفسه محمد بن صالح بن أحمد بن محمد بن على بن أحمد بن الشريف مجد الدين مصرى المولد مكى الأصل ، ولد بقرية أبى رجوان القبلية فى منتصف شعبان سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين من القرن الثالث عشر من الهجرة.

وكان أبوه من قرية مزغونة وهى قرية بقرب أبى رجوان كان قد نزل بها جده الأعلى الشريف مجد الدين – المكى المولد والأصل – عند وفوده على الديار المصرية فى أوائل القرن التاسع واستوطنها وتأهل فيها بكريمة بعض أعيانها ، واشتغل بالتجارة خصوصا فى المواشي وعلى منواله نسج أولاده من بعده وكان بيتهم فيها مشهورا ببيت الأشراف ، قال المترجم ولعل هذه النسبة صحيحة إن شاء الله تعالى.

قال : ثم انتقل الوالد من مزغونة إلى أبى رجوان سنة ثلاثين بعد المائتين والألف لنزاع وقع بينه وبين أخويه أحدهما العالم الفاضل الشيخ محمد صالح المتوفى سنة أربعين وثانيهما على صالح أحد المزارعين المتوفى سنة سبع وأربعين ولم يعقبا.

قال : وقد تأهل الوالد فى أبي رجوان بكريمة من أهلها فرزق أولادا ووجاهة وقبولا لأنه كان كاسمه صالحا كريما وكان جسيما صاحب شهامة وبسالة وإقدام حتى إنه خرج عليه ليلا فى بعض أسفاره جماعة من قطاع الطريق فلم يكترث بهم وحمل عليهم فى ثلاثة رجال كانوا معه فبدّد شملهم وفرق جمعهم لكن أصيب منهم فى فخذه الأيمن برصاصة ارتهن بها فى فراشة نحو شهرين.

ولا زال منعم البال مرفه الحال إلى أن ماتت زوجته فى سنة خمسين فتكدّر عيشه وأخذت أحواله فى الاضمحلال لا سيما بهلاك مواشيه التى كان يتجر فيها ، وقد مات أولاده فى حياة أمهم ولم يبق سوى المترجم وكان أصغرهم ، قال : فكان الوالدان يترددان بى فى كل عام بعد موت أخوتى إلى زيارة سيدى أحمد البدوى ويقولان لى : أنت السيد فاشتهرت بهذا الاسم من وقتئذ.

وقد دخل المترجم مكتب قرية أبى رجوان وهو ابن ست سنين فقرأ به إلى سورة يس ثم أخذ بعد موت والدته بدون علم والده إلى المكاتب الميرية التى أنشأها العزيز محمد على باشا فى جميع مديريات حكومته فأدخل مكتب حلوان على طرف الميرى فلم يمكث به إلا سنة واحدة.

ثم حول فى خامس عشر صفر سنة اثنتين وخمسين إلى مدرسة الألسن بالأزبكية فى القاهرة المفتتحة فى سنة إحدى وخمسين فاشتغل فيها بتحصيل اللغة الفرنساوية تحت نظارة الفاضل الشريف السيد رفاعة بيك الطهطاوى ، فاشتغل فيها بتحصيل اللغة الفرنساوية على مهرة المعلمين.

وتلقى اللغة العربية بأصولها وفروعها عن جماعة من أفاضل الأزهريين منهم الأستاذ المحقق الشيخ محمد قطة العدوى المالكى المترجم فى الكلام على بنى عدى ومنهم شيخ المشايخ السيد محمد الدمنهورى الشافعى صاحب التآليف العديدة المتوفى سنة أربع أو خمس وثمانين ومنهم السيد حسنين الغمراوى الشافعى المتوفى سنة ثلاث بعد ثلاثمائة وألف والشيخ محمد أبو السعود الطهطاوى المتوفى سنة ثمانين والعلامة الشيخ على الفرغلى الأنصارى الطهطاوى المتوفى على عمل القضاء بطهطا سنة إحدى وثمانين ، ولما تضلع المترجم من لغتى العربية والفرنساوية أخذ فن التراجم عن أستاذه رفاعة بيك المذكور.

فلما أنشأ العزيز محمد على باشا قلم الترجمة سنة ثمان وخمسين تحت نظر رفاعة بيك المذكور كان المترجم من رجال هذا القلم المشكل من ثلاثة أقسام أحدها قسم ترجمة الرياضيات بفروعها وكان رئيسه محمد بيومى أفندى المهندس النظرى المتوفى بالأقطار السودانية فى بندر الخرطوم سنة سبع أو ثمان وستين وثانيها قسم ترجمة الطبيات بفروعها وكان رئيسه مصطفى أفندى الواطى المتوفى سنة ثمانين أو إحدى وثمانين وثالثها قسم ترجمة التواريخ والأدبيات وكان رئيسه خليفة محمود أفندى صاحب التراجم الكثيرة فى التواريخ والأدبيات، منها ترجمان مفيد باللغة العربية والتركية والفرنساوية وقد توفى سنة إحدى وثمانين.

فكان صاحب الترجمة وكيل رياسة ترجمة القسم الأول وهو قسم الرياضيات وفروعها وقد ترجم فيه من اللغة الفرنساوية إلى العربية كتابين أحدهما جداول المهندسين وثانيهما تطبيق الهندسة على الميكانيكا والفنون المستظرفة ، وترقى بقلم الترجمة فى أواخر سنة ثمان وخمسين إلى رتبة ملازم ثان وفى سنة ستين انتقل برتبة ملازم أول إلى مدرسة المهندسخانة الخديوية ببولاق تحت نظارة الأمير الفرنساوى المنعم عليه برتبة البيكاوية وهو فى المدرسة المذكورة.

ولما انفصل عنها فى سنة ست وستين وأراد التوجه إلى بلاده ربط له على الحكومة المصرية معاش عاش به إلى أن مات بوطنه سنة إحدى وثمانين ، وتعين المترجم بالمدرسة المذكورة لتدريس اللغتين الفرنساوية والعربية وتعليم نجباء تلامذتها فن الترجمة وتعريب فروع الرياضيات التى تدرس بها على القواعد العربية.

ويقول واضع هذا الكتاب : إنى قد كنت من رجال هذه المدرسة فعرفت المترجم فيها واتخذته لى صاحبا وصديقا وكنت قد تعينت فى سنة ستين التى التحق هو فيها بتلك المدرسة للسفر مع عدة من أمثالى إلى مملكة الفرنسيس لتكميل العلوم الرياضية وتحصيل الفنون العسكرية المتعلقة بالطوبجية والاستحكامات فلما رجعت إلى مصر بعد خمس سنين وجدته قد وصل إلى رتبة يوزباشى وأخبرنى أنه أحرزها فى سنة اثنتين وستين وأنه عرّب فى هذه المدة عدة كتب فى فروع الرياضيات.

منها كتاب فى الطبوغرافية والجيودوزية وكتاب ميكانيكا نظرية وكتاب ميكانيكا عملية وكتاب أدروليكا وكتاب حساب آلات وكتاب طبيعة وكتاب هندسة وصفية وكتاب فى حفر الآبار ورسالة فى الأرصاد الفلكية تأليف الشهير أرجو ، ولما أحيلت على عهدتى نظارة المهندسخانة وما معها سنة ست وستين بعد انتقالى من رتبة صاغقول أغاسى إلى رتبة أميرآلاى كان لى المترجم رفيقا مع قيامه بوظائفه.

وطالما استعنت بقلمه على تأليف كتب متنوعة فى فنون شتى ، وقد ترجم فى تلك المدة عدة كتب فى الرياضة منها كتاب فى الحساب وكتاب فى الجبر وكتاب فى تطبيق الجبر على الأعمال الهندسية وكتاب فى الظل والمنظور وكتاب فى حساب المثلثات وكتاب فى الهندسة الوصفية وكتاب فى قطع الأحجار والأخشاب وهى كتب جار عليها العمل إلى الآن فى المدارس ، وله غير ذلك من الكتب التى تجل عن الحصر.

ثم انتقل من المهندسخانة بعد إقامته بها عشر سنوات وامتحانه فيها وإعطائه الشهادات التى تحت يده الدالة على كمال فضله إلى ألاى المهندسين والكبورجية عند وفاة عباس باشا سنة ٧٠ فكان فيه بوظيفتى باش مترجم ومصحح تعريب الفنون العسكرية ، فترجم فيه فى أقرب وقت عدة كتب منها كتاب استكشافات الترع والأنهر وكتاب ميادين الحصون والقلاع وكتاب استكشافات عمومية وكتاب استحكامات خفيفة وكتاب تذكار ضباط المهندسين وكتاب استحكامات قوية.

وتعلم بالآلآى المذكور ما لا بد منه من الأصول العسكرية وعرف اصطلاحاتها ثم ترقى إلى رتبة صاغقول أغاسى فى أواخر شهر صفر سنة اثنتين وسبعين ثم انتقل من هذا الآلآى إلى مأمورية أشغال الطوابى بالقلعة السعيدية وتقلد بوظيفة توكيلها مع وظيفة ترجمة الكتب العسكرية ، ثم فى رجب سنة ثلاث وسبعين، انتقل إلى مباشرة طبع الكتب العسكرية بمطبعة بولاق وترقى فى آخر جمادى الثانية سنة أربع إلى رتبة بكباشى بأمر المرحوم سعيد باشا مباشرة بدون توسط أحد.

وقد كنت فى إقامتى فى الأوردى بتعليم الجنود العسكرية ألفت كتابا صغيرا جامعا لأصول الرياضيات والهندسة فصدر أمر الجناب الداورى بطبعه وأحيلت على المترجم مباشرة تصحيحه فطبع بتصحيحه فجاء فى غاية التحرير.

ثم تعين وهو مباشر فى طبع الكتب العسكرية لنظارة قلم الترجمة الذى كان بقلعة الجبل تابعا للمدرسة الحربية تحت نظر رفاعة بيك ، وبعد إلغاء تلك المدرسة والقلم اقتصر على مباشرة الكتب العسكرية كما كان ، وقد تم على يديه طبع عدة كتب من التى ترجمها وهو بآلاى المهندسين والكبورجية فى الفنون العسكرية ، منها كتاب تذكير المرسل بتحرير المفصل والمجمل وكتاب طوالع الزهر المنيرات فى استكشاف الترع والنهيرات وكتاب ميادين الحصون والقلاع ورمى القنابر باليد والقلاع وكتاب المطالع المضيفة فى الاستحكامات الخفيفة.

ثم انتقل فى أول جلوس الخديوى إسماعيل باشا على سرير هذه الديار إلى قلم الترجمة المستجد الذى أحيلت على رجاله ترجمة قوانين نابليون ، وفى هذه الدفعة ترقى إلى الرتبة الثالثة الرفيعة بتاريخ الثالث والعشرين من ذى القعدة سنة تسع وسبعين ، وقد ترجم فى هذه القلم المستجد قانون تحقيق الجنايات وطبع فى ضمن القوانين الخمسة التى طبعت ونشرت ثم انتقل إلى المعية السّنية فى سنة ثمانين فأقام بقلم ترجمتها نحو سنتين ترجم فيهما معظم نظامات القومبانية العزيزية فضلا عن الأمور المتنوعة اليومية.

ثم انتقل من المعية إلى ديوان المعاونة وبعد إقامته به مدة يعرب الأمور اليومية تحول إلى ديوان الداخلية ، وبعد إقامته به مدة لا تزيد على شهرين رجع إلى ديوان المدارس وانتظم فى سمط رجال قلم الترجمة فاشتغل فيه زيادة عن الأمور اليومية بتعريب قوانين عسكرية ورسائل بعضها فى استحكامات خفيفة وقوية وبعضها فى مواد وأصول حربية وبعضها فى تهيئة الجيوش وسيرها وبعضها فى التحفظ والهجوم.

كان قد عرض له فى سنة اثنتين وثمانين وهى السنة التى رجع فيها إلى ديوان عموم المدارس بطلب رتبة أمير آلاى وتقليده بنظارة قلم ترجمة الكتب العسكرية اللازمة لتعليم تلامذة المدارس الحربية فلم يتم له ذلك لموانع ، وفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين بعد الألف أحيلت على عهدتى وأنا إذ ذاك ناظر القناطر الخيرية مأمورية تأليف كتاب الهجاء والتمرين فطلبت المترجم من ديوان المدارس بأمر عال فحضر عندى واشتغل معى بالكتاب المذكور حتى تم على أحسن حال ، وهو الآن مطبوع متداول بين الأيدى وتكرر طبعه حتى زادت نسخه على خمسة عشر ألفا.

 ورأيت معه عند حضوره لدى بالقناطر الخيرية رسالة جليلة القدر جمعها فى التقدمات العصرية فى الأيام الخديوية وهى فى غاية الإيجاز والبلاغة نثرها فائق وسجعها رائق فسألته عن الحامل على جمعها، فأخبرنى أنه مأمور بتأليفها لتطبع وأظن أنها لم تطبع ، وباشر معي أيضا بعض التاريخ الذى عملته للديار المصرية فى عدة مجلدات وبعض رسائل جمعتها وطبعت بمعرفته فى جرنال روضة المدارس التى أنشأتها فى نظارتى على ديوان المدارس الملكية وله من بدائع النظم والنثر فى هذا الجرنال عدة مقالات أدبية تدل على تفننه فى ضروب الأدب.

وقد ألف فى مناقب المرحوم رفاعة بيك بعد وفاته رسالة ختمها بمرثية بديعة ، ثم تقلد فى سنة ست وثمانين بوظيفة توكيل إدارة المدارس المصرية وبلغ مرتبه فى هذه الوظيفة أربعة آلاف من القروش الديوانية المصرية واشتغل بمزاولة تربية أبناء المدارس الميرية وأخذ فى تلك المدة فى تعليم اللغة الإنكليزية حتى تيسر له قراءة كتبها وفهم معانيها إلا أنه لم يتكلم بها إلا نزرا كما أنه يتكلم نادرا باللغة التركية عند اضطراره إليها.

ثم فى سنة سبع وثمانين أحيلت عليه مأمورية الإدارة مع نظارة دروس المدارس فقام بالوظيفتين ، ولما أحيلت على عهدتى نظارة عدة دواوين ومصالح فى آن واحد استعنت بقلمه على تحرير عدة لوائح وترتيبات نافعة لإدارة هذه المصالح ، وفى سنة ثمان وثمانين لقب بلقب البيكوية بأمر صدر من المكارم الخديوية فى جمادى الثانية من تلك السنة.

واستمر فى أداء هاتين الوظيفتين فى ديوان عموم المدارس الملكية إلى أن ألغيت مأمورية الإدارة فى حادى عشر شوّال سنة ٩٠ فانتقل إلى ديوان المالية ومنه تعين بوظيفة تحصيل المتأخرات بمديرية البحيرة ثم رجع إلى ديوان عموم المالية بوظيفة معاون ، وفى أثناء إقامته به جمع بأمر عال رسالة بديعة فى مولد الخديوي ومحسناته وموالد أنجاله الصدور الكرام وتاريخ والده سمى نبى الله الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام وسماها بحلية جيد العصر بدور محسنات خديوي مصر.

وبالجملة فله من التراجم والمؤلفات ما يزيد على خمسة وستين كتابا ورسالة ، وقد كتب بيده من الكراريس ما لا يدخل تحت حصر، ثم صار من ضمن قضاة محكمة محروسة مصر المستجدة فى رجال الحقانية والمحاكم الجديدة العدلية، التى اهتم الخديوى إسماعيل باشا ابن إبراهيم بتشييد أركانها وتمهيد قواعدها وترصين بنيانها، ثم توفى بالقاهرة ودفن بها رحمه الله رحمة واسعة “.