

الرملة .. مدينة سليمان بن عبد الملك
في عام 715 هـ. قرر والي فلسطين سليمان بن عبد الملك إنشاء مدينة جديدة لتكون قاعدة للإدارة في فلسطين فاختار منطقة بين الساحل والارض الرملية محاذية لقرية اللد القديمة حيث اشتق اسمها من الرمال التي تحيط بها من جوانبها ، وقد وصفها ابن بطوطة في رحلته حيث قال بعد خروجه من عسقلان بفلسطين : (ثم سافرت منها إلى مدينة الرملة وهي في فلسطين مدينة كبيرة كثيرة الخيرات حسنة الأسواق وبها جامع الأبيض) ، وقال الإصطخري (فلسطين أزكى بلدان الشام ومدينتها العظيمة الرملة وبيت المقدس يليها في الكبر) ..
يقول البلاذري : (لما آل أمر ولاية جند فلسطين إلى سليمان بن عبد الملك زمن خلافة أخيه الوليد بن عبد الملك نزل سليمان مدينة اللد التي كانت قصبة الجند آنذاك ثم اختط مدينة الرملة لتكون بدلاً من اللد عاصمة لذلك الجند ، وكان اول ما بنى سليمان فيها قصره والدار التي تعرف بدار الصباغين وجعل في الدار صهريجاً متوسطاً لها ثم اختط للمسجد خطة وبناه فولي الخلافة قبل استتمامه ثم بنى فيه بعد خلافته ثم أتمه عمر بن عبد العزيز ، ولما بنى سليمان لنفسه أذن للناس في البناء فبنوا واحتفر لاهل الرملة قناتهم واحتفروا آباراً) ..
واختط سليمان المدينة على ارض مربعة الشكل قسمها شارعين رئيسيين متقاطعين في الوسط إلى أربعة أقسام ولما استقرت القبائل في المدينة بنيت لهم الدور والحوانيت ومن أشهر القبائل التي نزلت بها لخم وكنانة ونقل بعض سكان اللد إليها ، واستمرت إقامة سليمان في المدينة الجديدة طوال السنوات 715- 717 م. ، وبرزت أهمية الرملة منذ اللحظة الأولى لقيامها حيث كان سليمان يود ان يتخذها مقراً للخلافة وازدهرت من بعده حتى صارت أكبر مدن فلسطين وعاصمتها الرسمية لمدة أربعة قرون حتى احتلالها بواسطة الفرنجة ..
وقد كانت الرملة شاهدة على كثير من الأحداث التاريخية الهامة لا سيما الحروب الصليبية وحظيت باهتمام الحكام الماليك فأعادوا إعمارها وترميم مساجدها وأبنيتها حتى صارت مركزا اقتصاديا وتجاريا هاما في فلسطين ومن أشهر رجالها الإمام خير الدين الرملي شيخ المذهب الحنفي في العصر العثماني ، وفي عام 1948 سقطت المدينة العربية العريقة مؤقتا تحت الاحتلال الصهيوني حيث أهملت لكن هذا الواقع مؤقت وسوف تتحرر كما تحررت من قبل من الاحتلال الصليبي الذي دام قرنين .. هكذا هي حركة التاريخ ..


العقبة .. مدينة الخليفة عثمان بن عفان
في العام التاسع للهجرة دخلت قرية أيلة التاريخية صلحا في حوزة الدولة الإسلامية بعد غزوة تبوك ، وفي أعقاب فتح مصر والشام ظهرت الأهمية الكبرى للمنطقة لأنها على مفترق الطرق البرية بين الحجاز ومصر والشام وتقع على طريق الحج البري فقرر الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في عام 650 م. إنشاء مدينة صغيرة محصنة في الجنوب الغربي من أيلة لتكون محطة للمسافرين وبنيت على شكل مستطيل له أربعة أبواب .. باب مصر في الشمال وباب البحر في الغرب وباب دمشق في الشرق وباب الحجاز في الجنوب ..
وأطلق على هذه المدينة عقبة أيلة ثم العقبة المصرية بسبب وقوعها على مرتفع صخري على طريق الحج المصري ونسبت إلى أيلة القريبة منها وظلت هذه المدينة مزدهرة طوال العصور الإسلامية حيث لعبت دورا هاما في تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي ، وفي أواخر عهد الفاطميين تعرضت المنطقة لغزو الصليبيين الذين دمروا العقبة وأيلة معا وطردوا منها أهلها وأقاموا بدلا منها قلعة حربية لتهديد الحجاز والسيطرة على البحر الأحمر حتى حررها السلطان صلاح الدين الأيوبي في عام 1170 م. وأعاد تعميرها مرة أخرى ..
ونتيجة للهجمات الصليبية المتكررة قرر الملك الظاهر بيبرس إنشاء قلعة كبيرة تضم المدينة القديمة كلها وبنى فيها برجا دائريا ووضع عليها شعاره (الأسدين المتقابلين) وذلك لتأمين الطريق إلى الحجاز ، ثم قام السلطان قنصوه الغوري بإعادة بنائها وترميمها وأطلق عليها (خان العقبة) حيث أصلح طرقها وحفر الآبار حولها وأنشأ لها ميناء بحريا على الساحل ووضع فيها حامية عسكرية كبيرة ، وفي القرن الثامن عشر ضاقت القلعة على السكان فانتشروا خارجها حيث نشأت أحياء وأسواق جديدة وتوسعت المدينة ..
وقد وصفها نعوم شقير عندما زارها عام 1906 وقال عنها (والبلدة قائمة على تلّة وسط حديقة متّسعة من النخيل تمتد شمالاً وجنوباً على شاطئ الخليج مسافة ميل أو أكثر وفي البلدة والحديقة آبار عذبة الماء يُزرع عليها أنواع الخضر والذرة والزيتون لأن التربة خصبة والماء كثير .. أمّا قلعة العقبة فقائمةٌ في جنوب بلدة العقبة لاصقة بها من جهة الشرق وهي على نحو 50 متراً من شاطئ الخليج في سفح جبل عظيم يفصل خليج العقبة عن الحجاز وفي منحدر هذا الجبل كان الحج المصري ينصب خيامه عند نزوله بالعقبة) ..

الرقة .. مدينة هارون الرشيد
في عام 180 هـ / 796 م. قرر الخليفة هارون الرشيد نقل عاصمة دولته من بغداد إلى موقع آخر في قلب الجزيرة الفراتية بين العراق والشام حيث قضى الشطر الثاني من ولايته والذي بلغ ثلاثة عشر عاما وخرج من هناك للحج ثلاث مرات وللجهاد مرتين ولم يذهب فيها إلى بغداد سوى مرتين ، كانت عاصمته الجديدة هي مدينة الرقة التي تقع على الضفة الشمالية لنهر الفرات والتي كانت في الأصل مدينتين منفصلتين فقام بضمهما في مدينة واحدة وأجرى فيها العمران حتى صارت درة زمانها ..
وكان بالموقع قرية سلوقية تسمى كالينكوس وعلى مقربة منها بنى هشام بن عبد الملك منتجعه الصيفي الذي عرف باسم الرصافة وذلك على مقربة من مقر الجيش ، وفي أواخر عهد أبي جعفر المنصور كلف ابنه المهدي بإنشاء مقر عسكري للعباسيين في تلك المنطقة ليمكنه من الإشراف على الشام فخطط نواة مدينة صغيرة أطلق عليها اسم الرافقة ، وكان يفصل بينهما مسافة صغيرة انتشرت فيها الأسواق التي نظمها والي الجزيرة علي بن سليمان العباسي وصارت منطقة جذب تجاري كبير ..
أطلق عليها في البداية اسم (مدينة الرشيد) لكنها عرفت عند الناس باسمها الذي اشتهرت به وهو الرقة وتعني الأرض المستوية اللينة ، وبنى الرشيد فيها المسجد الجامع والذي عرف باسم (مسجد الرشيد) والذي وصفه المقدسي بقوله أنه جامع عجيب كما بنى قصر السلام وكان ضخما تتوزع في جنباته الساحات والبساتين وقصر الأبيض ودار الملك وقصر الخشب لزوجاته وأحاط المنطقة كلها بسور كبير له أبواب ضخمة على طراز معماري فريد تحت إشراف وزيره الفضل بن الربيع ..
وحفر الرشيد حولها نهرا كبيرا وأجرى منه الماء إليها وأنشأ مضمارا لسباقات الخيل ومقرا لإدارة العمليات الحربية ضد الدولة البيزنطية (الصوائف والشواتي) ومقرا لإدارة الثغور الشامية والجزرية ومرفأ على نهر الفرات ليسهل له الوصول إلى بغداد ، وأصبحت الرقة مقصدا للأدباء والشعراء والفقهاء والعلماء حيث كان من أشهر أعلامها أبو عبد الله محمد بن سنان بن جابر البتاني عالم الرياضيات والفلك الذي كلف بالإشراف على مرصد الرقة الفلكي والمعروف بلقب (بطليموس العرب) ..


الرحبة .. مدينة مالك بن طوق العتابي
حظيت قبيلة تغلب بالحضور القوي خلال العصر العباسي وذلك من خلال زعيمها وشيخها مالك بن طوق العتابي حفيد الشاعر العربي المعروف عمرو بن كلثوم حيث كان من كبار ولاة الدولة ومحل ثقة الخلفاء فتولى ولاية الموصل ثم دمشق ثم الأردن كما تولى قيادة الجيش في عهد الرشيد والمأمون ، وهو ابن عم الشاعر المعروف كلثوم بن عمرو العتابي من رجال ديوان الخليفة كما ينتسب لنفس القبيلة أبو العباس بن حمدون مؤسس الدولة الحمدانية وجد سيف الدولة الحمداني والشاعر أبي فراس الحمداني ..
وكانت منازل تغلب في الجزيرة الفراتية ورأى مالك بن طوق ألا يكتفي بالإقطاع الممنوح له حيث كان طموحا فاستأذن من هارون الرشيد أن يبني مدينة في تلك المنطقة فأذن له الخليفة وأمده بما يلزمه لإتمام ذلك حيث كان إنشاء المدن وقتها قاصرا على الخلفاء ، واختار مالك بقعة على ساحل الفرات في أقصى الوادي من ناحية البادية العربية وتقع في منتصف المسافة بين بغداد ودمشق على الطريق المشرف على العراق والشام معا وبنى فيها مدينة أطلق عليها رحبة مالك وعرفت بعد ذلك باسم قلعة الرحبة ..
وعرف عن مالك العتابي الوقار والحكمة مع الكرم الشديد فكان يفتح باب قلعته للمسافرين وعابري السبيل وشيوخ القبائل كما عرف عنه اهتمامه بالأدب والشعر فكان راعيا لاثنين من أشهر شعراء العرب في زمانه وهما أبو تمام حبيب بن أوس الطائي والوليد بن عبيد التنوخي المعروف بالبحتري ، ونتيجة لموقع مدينته المتميز بين الموصل وحلب صارت من بعده موضعا للنزاع بين البويهيين والحمدانيين ثم بين السلاجقة والفاطميين حتى استقرت الأمور فيها أخيرا بعد ضمها إلى دولة عماد الدين زنكي ..
وإثر زلزال ضرب مدن الشام قرر الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي إعادة إعمارها فولى عليها الأمير أسد الدين شيركوه (قبل ذهابه إلى مصر) فقام بتوسعتها حتى صارت أهم محطة للقوافل في المنطقة وظلت تحت حكم أبنائه وأحفاده قرنا من الزمان ، وفي العهد المملوكي تحولت المدينة إلى خط الدفاع الأول ضد هجمات المغول فشهدت أعنف المعارك في ميادين القتال وتحول اسمها تدريجيا عند عامة الناس إلى (الميادين) نسبة لهذه الحروب وهو الاسم الذي عرفت به في العصر الحديث ..


خان يونس .. مدينة الأمير يونس الداوادار
في عام 789 هـ. / 1387 م. قرر السلطان الظاهر سيف الدين برقوق إنشاء قلعة في المنطقة الواقعة على طريق القوافل بين غزة ورفح لخدمة التجار والمسافرين وضمان أمنهم وسلامتهم وكلف بذلك الأمير شرف الدين يونس النوروزي الداوادار فقام بالأمر خير قيام ، بنى قلعة محكمة حصينة متينة البنيان عالية الجدران على هيئة نزل فكانت أشبه بمجمع حكومي كامل تقيم فيه حامية من الفرسان وفيها مسجد تطل مئذنته من فوق سور القلعة وحفر بداخلها بئرا للمياه وأقيمت فيها نزل للمسافرين وإسطبل للخيول وعلى أسوارها الخارجية أربعة أبراج ..
أطلق عليها أولا اسم (قلعة برقوق) لكن بعد بروز أهميتها للمسافرين عمرت ونشأت حولها العديد من الخدمات التموينية والفندقية وتحولت إلى مدينة متكاملة بعد سنوات قليلة فأطلق الناس عليها اسم (خان يونس) حيث كانت كلمة خان تستعمل لوصف الفنادق والإستراحات في ذلك الزمن ونسبت للأمير يونس عرفانا بفضله وتخليدا لذكراه حيث عرف عنه حب العمران فكان من أعماله بالقاهرة قيسارية (أسواق مسقوفة) وربع وقفهما على تربته بقبة النصر وله تربة خارج باب الوزير ومدرسة خارج دمشق وله عدة أحواض سبيل بديار مصر والشام ..
قال عنه ابن حجر (كانت له حرمة وافرة وتغلب عليه محبته لأهل الخير وعمر الخان الكبير الذي بعد غزة في طريق مصر فعظم النفع به وله آثار) ، وقال عنه المقريزي (كان خيرا كثير المعروف صاحب نسك من صوم كثير وصلاة في الليل مع وفور الحرمة وقوة المهابة والإعراض عن سائر الهزل ومحبة أهل العلم والدين وإكرامهم) ، وقال ابن تغري بردي (كان الأمير جليلا مهابا خيرا دينا كثير المعروف صاحب صوم وصلاة عفيفا عن المنكرات والفروج) ، وذكر ابن إياس أنه حضر دروس العلامة ابن خلدون في المدرسة القمحية ..
وكان يونس الدوادار عاقلاً مُدبراً حازماً عليما ببواطن أمور السياسة والحكم فكان من أخص أمراء الظاهر برقوق ومدبر دولته وكاتم أسراره حيث جاء في النقش التأسيسي للمدينة (أنشىء هذا الخان في أيام سيدنا مولانا السلطان الملك سيف الدنيا والدين أبي سعيد برقوق خلد الله سلطانه وشد بالصالحات أركانه .. أوقفه المقر الشريف العالي المولوي الأميري الزعيمي المثاغري الشريف ظهير الملوك والسلاطين والفقراء والمساكين أمير المؤمنين التقي يونس النوروزي الداوادار لمولانا السلطان الملك الظاهر أعز الله تعالى أنصاره وضاعف جزاءه) ..


تعز .. مدينة الملك المنصور الرسولي
من الناحية الجغرافية تنقسم اليمن إلى إقليمين مختلفين في المناخ والنشاط الاقتصادي وتوزيع القبائل .. المنطقة الجبلية في الشمال وتتوسطه مدينة صنعاء والسهل الساحلي في الجنوب وتتوسطه مدينة عدن ، وفي النصف الأول من القرن السادس الهجري قرر أبو الحسن علي بن محمد الصليحي مؤسس الدولة الصليحية تكليف أخيه عبد الله بإنشاء قلعة حربية على سفح جبل صبر لتكون متوسطة بين الإقليمين وسماها قلعة القاهرة تيمنا بالدعوة الفاطمية ..
وتم بناء القلعة بالقرب من مسجد الجند الذي بناه الصحابي الجليل معاذ بن جبل في القرن الأول الهجري وصارت مركزا عسكريا هاما ، وفي عام 570 هـ سيطر الأيوبيون على اليمن بقيادة تورانشاه بن أيوب نائبا عن أخيه السلطان صلاح الدين وقرر الانتقال للقلعة وجعلها مقر سكنه ومن بعده قام أخوه سيف الإسلام طغتكين بتوسعة القلعة لتصلح للسكن وأحاطها بسور وأنشأ منطقة سكنية بالقرب منها سماها المنصورة وجعلها عاصمة لبلاد المعافر ..
وبعد انتهاء حكم الأيوبيين تمكن الملك المنصور عمر بن رسول مؤسس الدولة الرسولية من توحيد كافة مناطق اليمن تحت حكمه وحول القلعة وما حولها إلى مدينة عامرة بالبساتين والمنازل والمدارس والمساجد ودور الضيافة والقصور والأسواق ومظاهر العمران المختلفة مؤسسا بذلك مدينة تعز والتي صارت عاصمة لدولته في عهد خليفته الملك المظفر يوسف الأول والذي امتد حكمه من ظفار في الساحل العماني وحتى مكة المكرمة في الحجاز ..
واهتم حكام دولة بني رسول بإنشاء المدارس ومنها جامع ومدرسة المظفر والمدرسة المعتبية والمدرسة الأشرفية وكان معظم حكام الأسرة من المتعلمين والمهتمين بالكتابة والتأليف خاصة في مجالات الطب والفلك والزراعة كما كانت مدينة تعز واحدة من أهم مراكز المذهب الشافعي في العالم الإسلامي ، واستمرت نهضة الدولة الرسولية قرابة مائتي عام ازدهرت فيها المدينة حتى صارت ثالث أهم مدينة في اليمن بتوسطها بين صنعاء وعدن ..


جبلة .. مدينة الملكة أروى الصليحية
في عام 455 هـ / 1063 م. دخل علي بن محمد الصليحي الهمداني مؤسس الدولة الصليحية في اليمن إلى مدينة صنعاء وأعلن تبعيتها للخليفة المستنصر بالله الفاطمي في القاهرة ثم كلف أخاه عبد الله بإنشاء عدد من القلاع في الجنوب ليحكم قبضته على البلاد كلها ، ومن ضمن هذه القلاع حصن تم تشييده على مرتفع جبلي بالقرب من مدينة إب وأطلق عليه ذي جبلة والذي صار في عام 458 هـ مقرا لولي العهد الملك المكرم أحمد بن علي الصليحي وزوجته السيدة أروى بنت أحمد الصليحي ..
وبعد تولي الملك المكرم للحكم أوكل إدارة الشئون الداخلية لزوجته نتيجة الانشغال في الحروب فقامت السيدة أروى بالأمر خير قيام حيث حولت ذلك الحصن الصغير إلى مدينة كبيرة عامرة بالعمران والبنيان واتخذتها عاصمة للدولة بعد أن تولت الحكم في أعقاب وفاة زوجها ، وتدريجيا انفردت بالأمر والتدبير وحصلت على تفويض الخليفة الفاطمي وأطلق عليها لقب السيدة الحرة والملكة الصليحية بالإضافة إلى إشرافها على الدعوة الإسماعيلية في كافة بلاد اليمن وعمان والهند ..
حققت خلال حكمها الذي استمر خمسين عاماً نجاحاً باهراً وفريداً نظراً لما عرفت به من حكمة وعدل وثبات وقامت ببناء جامع السيدة أروى بمدينة جبله وهو الجامع الكبير في المدينة وأوقفت الكثير من الأراضي الزراعية على بناء المرافق الخدمية كما أوصلت مياه الشرب النقية إلى كل منازل مدينة جبله عبر ساقية طويلة تمتد إلى أعلى قمم الجبل المطل على المدينة وعملت على توفير مساكن العلماء والمتعلمين وشكلت حلقات العلم في جامع جبلة وجذبت طلبة العلم من مختلف المناطق ..
وقد عملت أروى إِبّان حكمها على تشجيع البناء والعمارة وأولت إِنشاء المدارس والمستشفيات والمساجد اهتمامها الزائد وقامت بتوسعة مسجد صنعاء الكبير وأضافت له الجزء الشرقي ، وبنت دار العز وهو قصر منيف على قمة الجبل به مئات الغرف وأنشأت مكتبة ضخمة جمعت فيها آلاف المخطوطات وشجعت النساء على تعلم الكتابة ونسخ الكتب وكانت محبة للعلم والثقافة وعمرت طويلاً حتى بلغت التسعين من العمر ودفنت في مسجدها بذي جبلة وقبرها إلى اليوم مزار يحكي قصة بلقيس المتجددة ..


زبيد .. مدينة محمد بن زياد الأموي
زبيد هي أول عاصمة لليمن في العصور الإسلامية واستمرت أربعة قرون في عهد الزياديين والنجاحيين ثم جاءت بعدها جبلة التي تأسست في عهد الصليحيين ثم مدينة تعز التي تأسست في عهد الأيوبيين وبني رسول ثم عادت إلى صنعاء في عهد الأئمة الزيديين ، ويرجع تأسيس زبيد إلى عام 204 هـ / 819 م. وذلك على يد محمد بن زياد بن عبد الله بن زياد بن أبيه الأموي وكان في أول أمره من الثائرين على الحكم العباسي ثم وقع أسيرا بيد الخليفة المأمون الذي عفا عنه وقربه ورأى فيه نجابة وعزما ..
وبناء على نصيحة الوزير الفضل بن سهل قرر المأمون توليته أميرا على الجيش العباسي باليمن بصحبة القاضي محمد بن عبد الله التغلبي وذلك لمواجهة ثورة قبائل عك والأشعريين فنزل منطقة الحصيب من تهامة وأسس مدينة زبيد بجوار مسجد الأشاعرة الذي بناه الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري في زمن الدعوة النبوية واستمر حكمه فيها أربعين سنة ودام حكم أسرته مائتي عام ، واشتقت المدينة اسمها من وادي زبيد الذي تقع في منتصفه وينسب إلى قبيلة زبيد وهي فرع من سعد العشيرة من مذحج ..
يقول الحضرمي (وكانت زبيد غيظه أي هيجة كثيرة الأشجار يرعون بها الرعاة مواشيهم ويسقون دوابهم من بئر قديم عمر بجواره مسجد مرصوف بالحجارة سمى بالأشاعرة) ، ولذا عمد ابن زياد إلى ترغيب الرعاة في الاستيطان بإعفائهم من الزكاة لمدة سنة ثم قام بتوحيد اليمن وإخضاع القبائل في كيان واحد مستقل لكنه تابع اسميا للدولة العباسية واهتم بنشر المذهب السني ، وبعد أسرة الزياديين تولت أسرة بني نجاح التي حافظت على نفس النهج حتى عمرت المدينة وازدهرت اقتصاديا وثقافيا ..
وأُحصيت المدارس والمؤسسات الثقافية في مدينة زبيد في أواخر القرن الثامن الهجري فبلغت مائتين وبضعاً وثلاثين موضعاً على ما صرح به الخزرجي في القرن التاسع ومن بعده ابن الديبع الشيباني في القرن العاشر ، وصفها ابن بطوطة بقوله (زبيد مدينة عظيمة باليمن وليس باليمن بعد صنعاء أكبر منها ولا أغنى من أهلها واسعة البساتين كثيرة الفواكه من الموز وغيره كثيرة العمارة بها النخل والبساتين والمياه أملح بلاد اليمن وأجملها ولأهلها لطافة الشمائل وحسن الأخلاق وجمال الصور) ..


المكلا .. مدينة الملك المظفر الرسولي
في عام 1271 م. قرر الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول الغساني بناء ميناء بحري كبير على ساحل بحر العرب بعد أن ازدهرت تجارة الدولة الرسولية في اليمن مع فارس والهند واختار لها موضعا يتوسط المسافة بين عدن وظفار بالقرب من مرسى قديم كان يستعمل لتحميل البضائع منذ عام 1035 م. ، وجعلها مدينة حصينة حيث بنى القلاع حولها والأسوار الضخمة لحمايتها وأطلق عليها في البدء اسم الخيصة أي مكان الاصطياد ثم توسعت بعد ذلك في عهد آل كساد الحضرمية ..
وكان الملك المنصور الرسولي في أول الأمر نائبا عن الأيوبيين في حكم اليمن فلما تولى المماليك في مصر أعلن الاستقلال عنهم وأعلن تبعيته للخليفة العباسي مباشرة ثم تولى ابنه الملك المظفر الرسولي الذي حكم نصف قرن وحد فيها أقاليم اليمن كلها ونشطت فيها التجارة وامتدت دولته من عمان إلى مكة المكرمة وقام بكسوة الكعبة في زمن غزو المغول وكان مثقفا عالي الهمة وله عدة مؤلفات منها في الصناعة كتاب المخترع في فنون من الصنع وفي الطب كتاب المعتمد في الأدوية المفردة ..
وذكر تاريخها بالتفصيل عبد الرحمن السقاف مؤلف كتاب إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت فيقول : المكلا اسم دال على مسماه فهو يكلأ السفن من الريح وكان المكلا خيصة صغيرة لبني حسن والعكابر وملجًا تعوذ به سفائن أهل الشحر والواردين إليه من الآفاق عندما يهيج البحر في أيام الخريف لتأمن به من عواصف الرياح لأنه مصون بالجبال بخلاف ساحل الشحر فإنه مكشوف وقد اتخذ الصيادون به أكواخًا ففرضت عليهم العكابر ضريبة خفيفة إزاء استيطانهم بها لأنها حدود أرضهم ..
ثم ازدادت الأكواخ واستوطنها كثير من العكابرة أنفسهم وناس من أهل روكب ويقال إنه في أواخر القرن الحادي عشر أو أوائل الثاني عشر ورد المكلا أحد آل ذي ناخب اليافعيين وهو جد آل كساد وبمجرد ما استقرت به قدمه في المكلا اتجهت همته للتجارة والمضاربة مع أهل السفن ثم اتفق هو وإياهم على شيء يدفعونه إليه برسم الحراسة يعطي العكابرة وبني حسن بعضه ويستأثر بالباقي إلى أن استقوى أمره وضعف أمر أولئك وانشق رأيهم فما زال يتدرج حتى صار أميرًا للمكلا ..


بغداد .. مدينة أبي جعفر المنصور
في عام 762 م. قرر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور إنشاء عاصمة جديدة لدولته بعد أن استقرت له الأمور في أعقاب سنوات من الاضطرابات والمعارك التي صاحبت ظهور الدعوة العباسية وانتصارها على الأمويين وسقوط عاصمتهم دمشق في أيديهم ، وقد تنقل مقر قياة العباسيين بين الحميمة والكوفة والهاشمية والأنبار والتي كانت مقرات مؤقتة قريبة من مناطق نفوذهم في العراق وفارس وخراسان لكنها جميعا لا تواكب التغير الكبير الحادث ..
وبعد بحث دقيق للموقع المنشود عثر المنصور على بغيته على الشاطىء الغربي لنهر دجلة بالقرب من سوق تجاري موسمي عرف عند التجار والعامة باسم سوق بغداد (وهي لفظة فارسية تعني البستان) وذلك في منطقة تتوسط وادي الرافدين حيث أضيق مسافة بين دجلة والفرات وتتصل بسهولة بكل من فارس من ناحية دجلة وتشرف على البادية العربية من ناحية الفرات وتقع جغرافيا في منتصف المسافة بين الموصل شمالا والبصرة جنوبا ..
أطلق الخليفة المنصور على عاصمته الجديدة اسم (مدينة السلام) لكن الناس عرفوها باسم بغداد وعرفت في المصادر التاريخية بأسماء متنوعة منها الزوراء والمدينة المدورة وفقا لتصميمها الدائري الذي بنيت عليه حيث أحيطت بسور ضخم وخندق مائي متصل يتخخله جسور الأبواب الأربعة الكبرى (باب الكوفة وباب البصرة وباب خراسان وباب الشام) وتتصل الأبواب بالطرق الأساسية الكبرى المؤدية إلى هذه الأقاليم مباشرة ..
وبذل المنصور كل جهده لإعمار المدينة وساعده في تأسيسها ابن أخيه وولي عهده الأمير عيسى بن موسى وهو شخص حازم من عقلاء القوم ، وعمرت المدينة في زمن قياسي ثم توسعت في عهد المهدي بن المنصور حيث أنشأ على الضفة الشرقية المنطقة التي عرفت باسم الرصافة في مقابل الجزء الغربي الذي عرف باسم الكرخ ومنهما معا تكونت المدينة التاريخية والتي صارت حاضرة العالم القديم وأكبر مدينة في العصور الوسطى ..


البصرة .. مدينة عتبة بن غزوان
في أعقاب معركة القادسية وحصار المدائن عاصمة الفرس تنبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى ثغرة قد تستغلها الحاميات الفارسية في الأحواز والأبلة وميسان للالتفاف من الخلف ومهاجة الجيش ، لذا أسرع بإرسال قوة عسكرية خفيفة من ثمانمائة مقاتل إلى المنطقة بقيادة الصحابي عتبة بن غزوان بن جابر المازني في ديسمبر 636 م. وحدد له هدفين وهما حجز القوات الفارسية هناك ومنعها من التقدم شمالا وفتح الأبلة لإرباك الفرس وتخفيف الضغط على قوات سعد بن ابي وقاص ..
وقد عسكر عتبة في أقصى البر من أرض العرب وأدنى أرض الريف من وادي الرافدين في الحد الفاصل بين الصحراء والأرض الزراعية وظل هناك مرابطا لمدة شهور بسبب خوف الحاميات الفارسية من التصدي له لكنه في النهاية انتصر عليهم وتمكن من فتح مدينة الأبلة ثم ميسان والأحواز ، واقترح عتبة على الخليفة أن يحول معسكره إلى مدينة يستقر بها الجيش حيث كان موقعها متميزا فهو يشرف على جنوب العراق كله وهو بالقرب من المدن القديمة فيه ويقع على شط العرب وقريب من البحر ..
وكتب عتبة إليه (إني أرى أرضًا كثيرة القضة في طرف البر إلى الريف ودونها مناقع فيها ماء وفيها قصباء) ، فقال عمر بن الخطاب : (هذه أرض بصرة قريبة من المشارب والمراعي والمحتطب) ومعنى البصرة في اللغة العربية الأرض الحجرية الصلبة ، وهكذا تأسست مدينة البصرة التي قدر لها أن تكون أول مدينة إسلامية في العراق وقدر لها أن تكون شاهدة على الكثير من الأحداث السياسية التي دارت وقائعها في عصر الأمويين والعباسيين وأن تصبح ثالثة مدن العراق الكبرى بعد بغداد والموصل ..
وكانت البصرة منذ نشأتها واحدة من مراكز الثقافة الإسلامية حيث المنافسة الدائمة بينها وبين قرينتها الكوفة التي تأسست في زمن مقارب حيث حوت الكثير من العلماء والفقهاء والأدباء والنحويين وظهر في كل مجال مذهب الكوفيين ومذهب البصريين ، ومن أشهر أعلامها الحسن البصري وأبو الحسن الأشعري ومحمد بن سيرين والحسن بن الهيثم والأصمعي والفراهيدي ورابعة العدوية كما كانت من المراكز الهامة للمعتزلة وإخوان الصفا وازدهرت فيها الحركة الفكرية حتى وصفت بأنها قبة الإسلام ..


الكوفة .. مدينة سعد بن أبي وقاص
في عام 638 م. قرر الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص إنشاء عاصمة لولاية العراق بعد الانتصار على الفرس في معركة القادسية وذلك في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فاختار موضعا يلتقي فيه وادي الفرات مع حافة الصحرء بالقرب من مدينة الحيرة العربية القديمة ، وأطلق عليها اسم الكوفة من التكوف وهو التجمع واستمدت المدينة شهرتها من الأحداث السياسية المتعاقبة التي مرت عليها خاصة بعد أن اتخذها الإمام علي بن طالب عاصمة له فكانت ثاني العواصم الإسلامية بعد المدينة ..
وفي وسط المدينة بني المسجد الجامع ودار الإمارة التي عرفت باسم (دار سعد) كما اشتهرت الكوفة منذ نشأتها بالمساجد العديدة حيث اختطت كل قبيلة مسجدها الخاص في خطتها فبنت كندة مسجد الأشعث وبنت تميم مسجد بني عبد الله وبنت طي مسجد عدي بن حاتم وبنت هوازن مسجد بني عدي وبنت مذحج مسجد بني أود وبنت عبس مسجد بني جذيمة وبنت جهينة مسجد بني دهمان وبنت عامر مسجد بني هلال حيث كان سكن القبائل بالكوفة ملائما لهم لقربها من الصحراء على عكس المدن القديمة بالعراق ..
وحظيت المدينة باهتمام الخلفاء في كل العصور بسبب دورها السياسي وارتباطها بالثورات الدائمة فتم إعمارها في العصر الأموي وأدمجت فيها مدينة الحيرة القديمة عاصمة المناذرة وبنيت فيها القصور والجسور والأسواق والضياع ، ومنها أعلن قيام الدولة العباسية حيث كانت الكوفة أول عاصمة لها فلما تأسست بغداد فقدت الكوفة دورها السياسي لكنها احتفظت بمكانتها عاصمة للثقافة العربية مع قرينتها البصرة حيث التنافس الدائم بينهما حيث كانت لكل منهما مذهبها الخاص في الأدب واللغة والفقه والفلسفة ..
ومن أعلامها في الفقه التابعي سعيد بن جبير والإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان وفي اللغة والنحو أبو الأسود الدؤلي وعلي بن حمزة الكسائي وحماد والضبي وابن عبد الأعلى وفي الشعر الكميت بن زيد وأبو الطيب المتنبي ودعبل الخزاعي وأبو العتاهية وفي الكيمياء جابر بن حيان ، وقد ارتبطت الكوفة بالخط العربي خاصة المستعمل في أعمال الزخرفة الإسلامية والكتابة البارزة على الجداران والذي نسب إليها وفي ذلك يقول القلقشندي (الخط العربي هو ما يسمى الآن بالكوفي ومنه تطورت باقي الخطوط) ..


الموصل .. مدينة عرفجة البارقي
عندما تسمع اسم عرفجة بن هرثمة قد تتعجب من هذا الاسم البدوي الغليظ لكن هذه الدهشة سوف تزول عندما تعلم أنه رجل دولة من الطراز الأول وسياسي رفيع المستوى حيث قدر له أن يقترن اسمه بواحدة من أهم المدن العربية وهي مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق ، وكان قبل الإسلام سيدا من سادات العرب ومن الدهاة المحنكين ومن الأثرياء المعدودين وزعيما مطاعا في قبائل بارق وبجيلة وسائر عشائر الأزد وكان محل ثقة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لسابق هجرته وجهاده وحسن تدبيره ..
وكان عرفجة واحدا من قادة حروب الردة ثم شارك في كافة معارك فتوح العراق وكان من ضمن المبعوثين الذين أرسلهم سعد بن أبي وقاص إلى رستم وشارك في فتح المدائن ثم عاون عتبة بن غزوان في تخطيط مدينة البصرة ثم شارك في معركة نهاوند ، وفي عام 22 هـ / 642 م. انتدبه عمر بن الخطاب ليحل محل عتبة بن فرقد السلمي في شمال العراق ليتمكن عتبة من مواصلة التحرك إلى أذربيجان بعد أن طرد الحامية الفارسية من حصن قريب من أطلال مدينة نينوى عاصمة الآشوريين التاريخية ..
وعندما وصل عرفجة إلى الحصن الواقع شرقي نهر دجلة تطلع ببصره إلى الأرض الفضاء التي تقع غرب النهر ورأى أنها تصلح لإنشاء مدينة كبيرة مثلما فعل في البصرة فانتقل إليها وبدأ في تخطيطها فأنشأ المسجد الجامع ودار الإمارة ثم اختط مبانيها ومرافقها وسورها ودورها وأسواقها وأسكن فيها القبائل العربية من الأزد وكندة وطيء وعبد القيس ثم توسع باتجاه الضفة الشرقية وبنى ضاحية سكنية عرفت باسم الحديثة جذبت القبائل القديمة في المنطقة مثل تغلب والنمر بن قاسط وربيعة وإياد وشيبان ..
وأطلق على المدينة اسم الموصل لأنها وصلت بين العراق والجزيرة وظل عرفجة واليا عليها ثلاثة عشر عاما في عهد عمر وعثمان حتى توفي عام 34 هـ واستمرت ذريته في قيادة المدينة في عصر الأمويين حيث حظيت بالاهتمام ثم صارت عاصمة ولاية الجزيرة في عهد العباسيين ، وتأسست فيها الدولة الحمدانية ثم الدولة الزنكية وكلاهما انطلق منها للجهاد ضد الروم والفرنجة وأنشأ فيها الملك العادل نور الدين محمود المستشفيات والقياسر (الأسواق المسقوفة) ومسجده الكبير الذي عرف باسم (الجامع النوري) ..


سامراء .. مدينة المعتصم بالله العباسي
في عام 833 م. تولى المعتصم بالله العباسي سدة الخلافة في بغداد بعد أخيه المأمون وانتهج سياسة جديدة للحد من المنافسة بين العرب والفرس في دواوين الحكومة وقيادة الجيوش وذلك بإضافة عنصر ثالث وهم الأتراك حيث جلب منهم الآلاف على هيئة جنود مرتزقة ومماليك اتخذ منهم حرسه الخاص وحاشيته وكان يميل إليهم بحكم أن والدته تركية لكن ضاقت عليهم العاصمة بغداد وبدأت تحدث المناوشات بينهم وبين الأهالي فقرر المعتصم إنشاء عاصمة جديدة لتكون مقرا له ولجنوده من الأتراك ..
وفي موقع شمالي بغداد بينها وبين الموصل أنشأ المعتصم مدينته الجديدة على الضفة الشرقية لنهر دجلة وبنى فيها ثكنات للجند وذلك في عام 835 م. وأطلق عليها في البداية اسم العسكر لكنها عرفت عند العوام باسم (سر من رأى) ثم حرف إلى سامراء ، ورغم طابعها العسكري إلا أنه سرعان ما جذبت الأعيان والأهالي فأقاموا فيها القصور والمنازل والأسواق والمباني الشاهقة كما جلب المعتصم إليها مختلف أنواع الأشجار المثمرة من كل مكان وغرست البساتين والحدائق في أنحائها المختلفة ..
واستمرت المدينة عاصمة للخلافة قرابة ستين عاما حيث قام الخليفة المتوكل بتوسعتها وأنشأ فيها ضاحية جديدة في عام 859 م.عرفت باسم المتوكلية وبنى فيها الجامع الكبير ومأذنته المدرجة والتي استوحى منها أحمد بن طولون مأذنة مسجده في القطائع بمصر ، ومن أهم المعالم الدينية في المدينة قبة سرداب الغيبة الواقع فوق بيت الأئمة ومرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري والسيدة حكيمة بنت الإمام الجواد والسيدة نرجس زوجة الحسن العسكري ووالدة الإمام الثاني عشر محمد المهدي ..
واتسعت الثكنات العسكرية فيها لسكن 250 ألف جندي وكذلك الاصطبلات لتستوعب 160 ألف حصان ولا تُعرف مدينة اتسع عمرانها في بضع سنوات كما اتسع عمران مدينة سامراء حتّى امتد العمران إلى مسافة 35 كيلومتراً على ضفتي نهر دجلة ، ومنها خرجت جيوش المعتصم في عام 838 م. تلبية لنداء (وامعتصماه) لتحقق انتصارا ساحقا على الروم في معركة عمورية والذي خلده الشاعر أبو تمام في قصيدته التي تبدأ بقوله (السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب) ..


الحلة .. مدينة سيف الدولة المزيدي
ارتبطت مدينة الحلة العراقية باسم مؤسسها الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور المزيدي فوصفت في كتب التاريخ باسم الحلة المزيدية والحلة السيفية ، هو شيخ العرب سيف الدولة صدقة بن بهاء الدولة منصور بن نور الدولة علي بن سند الدولة دبيس بن الأمير علي بن مزيد الأسدي حيث منحت لهم هذه الألقاب بعد استقدامهم على رأس عشائر بني أسد من قبل العباسيين للقيام بواجبات حماية طرق التجارة والحج في بادية العراق ، وعندما تولى صدقة الإمارة قرر الانتقال من طور البداوة إلى طور الاستقرار فاختط مدينة الحلة عام 495 هـ. / 1101 م. وجعلها مقرا لدولته وشيد فيها العمران وأقام حولها الأسوار ..
قال عنه ابن الأثير يصفه : ” كان له من الكتب المنسوبة الخط شيء كثير ألوف مجلدات وكان يحسن يقرأ ويكتب وكان جواداً حليماً صدوقاً كثير البر والإحسان ما برح ملجأ لكل ملهوف يلقى من يقصده بالبر والتفضل ويبسط قاصديه ويزورهم وكان عادلاً والرعايا معه في أمن ودعة وكان عفيفاً لم يتزوج على امرأته ولا تسرى عليها فما ظنك بغير هذا .. ولم يصادر أحداً من نوابه ولا أخذهم بإساءة قديمة وكان أصحابه يودعون أموالهم في خزانته ويدلون عليه إدلال الولد على الوالد ولم يسمع برعية أحبت أميرها كحب رعيته له وكان متواضعاً محتملاً يحفظ الأشعار ويبادر إلى النادرة .. لقد كان من محاسن الدنيا ” ..
وقال عنه الذهبي : ” صاحب الحلة الملك سيف الدولة صدقة بن بهاء الدولة منصور بن ملك العرب دبيس بن علي بن مزيد الأسدي الناشري العراقي اختط مدينة الحلة في سنة خمس وتسعين وأربع مئة “.. وفي عهده توسعت الإمارة المزيدية حتى بلغت نفوذها من الفرات الأوسط إلى البطائح والبصرة وواسط جنوبا وإلى عانة وهيت وتكريت شمالا وسيطر على بني خفاجة وبني عقيل وبني عبادة وقبيلة جاوان الكردية واهتم برعاية الأدباء والشعراء حتى اشتهرت المدينة بهم ، وقال ابن خلدون عن عشيرته (كان بنو مزيد هؤلاء من بني أسد وكانت محلاّتهم من بغداد إلى البصرة إلى نجد وهي معروفة) ..
ومن أشهر أعلام مدينة الحلة الشاعر العربي الكبير أبو المحاسن عبد العزيز بن سرايا الطائي المعروف بلقب صفي الدين الحلي (677 – 752 هـ / 1277 – 1339 م) والذي كان شاهدا على انتصار القبائل العربية على المغول حيث حشدت الدولة الأيلخانية كامل عتادها وعبرت إلى الأنبار فتصدت لها القبائل العربية في الفرات بزعامة قبيلة طيء وهزمتها شر هزيمة وقال فيها أبياته المشهورة التي اشتق منها علم العروبة ذو الألوان الأربعة والتي جاءت في قوله (سلي الرماح العوالي عن معالينا .. واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا .. بيض صنائعنا سود وقائعنا .. خضر مرابعنا حمر مواضينا) ..


واسط .. مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي
دخل الحجاج بن يوسف الثقفي إلى مسجد الكوفة فرقي المنبر ثم قال (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني .. إني والله لأحمل الشر بحمله وأجزيه بمثله وإني أرى أبصارا طامحة وأعناقا متطاولة وإني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها كأني الآن أنظر للدماء تترقرق بين العمائم واللحى) ..
ودخل مسجد البصرة وقال (أيها الناس من أعياه داؤه فعندي دواؤه ومن استطال أجله فعلي أن أعجله ومن ثقل عليه رأسه وضعت عنه ثقله ومن طال ماضي عمره قصرت عليه باقيه .. إن للشيطان طيفا وإن للسلطان سيفا .. والله لا آمر أحدكم أن يخرج من باب هذا المسجد فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه) ..
وبعد أن استتبت الأمور رأى الحجاج أن الكوفة والبصرة لا تصلحان لإقامته وقرر بناء عاصمة جديدة لولاية العراق واختار موضعها متوسطة بين هاتين البلدتين ليسهل له مراقبتهما ولذا سميت (واسط) حيث اختارها على الضفة الغربية لنهر دجلة مقابلة قرية كسكر القديمة وشرع في بنائها عام 81 هـ وانتهى منها في عام 86 هـ ..
وذكر ياقوت الحموي فى كتابه أن الحجاج بنى في الداخل قصره الذي اشتهر بقبته الخضراء العالية التي كانت ترى من مدينة فم الصلح الواقعة على بعد سبعة فراسخ شمالي واسط وأقيم القصر فوق مساحة من الأرض مربعة الشكل أبعادها أربعمئة ذراع في مثلها وكانت له أربعة أبواب كل منها يفضي إلى طريق عرضه ثمانون ذراعاً ..
وبنى المسجد الجامع وكانت مساحته مئتي ذراع في مثلها وجعل على مقربة من القصر سوقاً عامرة كان فيها تجار لكل صنف من البضائع يتعاطون تجارتهم في قطعة خاصة لا يخالطهم فيها أحد وأمر بأن يكون مع أهل كل تجارة صيرفي لتسهيل معاملاتهم المالية وفي الجانب الغربي سجن الحجاج المعروف باسم الديماس ..
وظلت واسط عاصمة للعراق طوال العصر الأموي ثم تراجعت مكانتها الإدارية في العصر العباسي لكنها ظلت المركز الأهم لسك النقود والإشراف على الزراعة في السواد ثم تعرضت للتخريب في ثورة الزنج وتنازع عليها السلاجقة وأمراء بني مزيد ثم اضمحلت بعد انحراف نهر دجلة وموضعها اليوم بجوار الكوت في محافظة واسط ..
ومن واسط خرجت جيوش محمد بن القاسم الثقفي لفتح بلاد السند (باكستان حاليا) حتى وصلت إلى الديبل (كراتشي) والملتان في البنجاب وخرجت جيوش قتيبة بن مسلم الباهلي إلى خراسان ثم بلاد ما وراء النهر خوارزم وبخارى وسمرقند حتى وصلت إلى كاشغر على حدود الصين حيث وصفت المدينة بأنها مربط خيل الفتوحات الإسلامية ..