العصر الخديوي الجزء الثامن

71 / المسألة الشرقية

(المسألة الشرقية) هو عنوان كتاب يتناول جذور الصراع بين الدولة العثمانية وأعدائها من الدول الأوروبية وهو من تأليف الزعيم الوطني الكبير مصطفى كامل باشا الذي ولد بالقاهرة عام 1291 هـ / 1874 م وتوفي فيها عام 1326 هـ / 1908 م وتنحدر أسرته من قرية كتامة الغابة بالغربية ، وهو أشهر من نار على علم فهو كاتِبٌ سِياسيٌّ مِصْري مِنَ الداعِمِينَ للخِلافةِ العُثْمانيَّة أَسَّسَ الحِزْبَ الوَطَني وجَرِيدةَ اللواء وهوَ أحَدُ أهَمِّ المُناهِضِينَ لِلاحْتِلالِ البِريطانيِّ لمِصْر.

أدَّتْ مَجْهوداتُه في فضْحِ جَرائِمِ الاحْتِلالِ والتَّندِيدِ بِها في المَحافِلِ الدَّوْليَّة خاصَّةً بعْدَ مَذْبحةِ دنشواي مما تسبب في عزل اللُّورد كرومر المَنْدوبِ السامِي البِريطانِيِّ في مِصْر ، وفي عامِ ١٩٠٧ م أسَّسَ حِزْبًا سِياسيًّا لإِثارةِ الرُّوحِ الوَطَنيَّةِ لَدَى المِصْريِّين وإِعْدادِ دُسْتورٍ للبِلاد أَطلَقَ عَلَيهِ اسْمَ الحِزْب الوَطَني لكِنَّه تُوفِّيَ بعْدَ تَأْسيسِه بأَرْبعةِ أشْهُرٍ فَقَط عَن عُمْرٍ يُناهِزُ أربعة وثلاثين عاما عامًا وبالرَّغمِ حياته القصيرة إلَّا أنَّه صار أيقونة النضال الوطني في القرن العشرين.

وكتاب المسألة الشرقية هو عمل تاريخي بالأساس إلا أنه لا يخلو من غرض سياسي قَصَدَ به المؤلف نُصرَة القضية المصرية ، عرَّف فيه المسألة الشرقية بأنها ذلك الصراع القائم بين دول أوروبا ودولة الخلافة العثمانية المترامية الأطراف ووجودها في قلب القارة العجوز ، ولعل المتأمل يرى أن الغرض الأبرز من مناقشة مثل هذه القضية الكبيرة هو وضع حركة الاستقلال التي كان يقودها من أجل تحرير مصر في إطار مُحدد من خلال التركيز على عداوة بريطانيا لمصر وللدولة العثمانية والعالم الإسلامي ، فالمسألة المصرية من وجهة نظره لم تكن إلا حلقة في ما أصبح يُعرَف في السياسة الدولية في القرن التاسع عشر بالمسألة الشرقية.

وتتضح وجهة نظره تلك في مقدمة كتابه التي يقول فيها : ” اتفق الكتاب والسياسيون على أن المسألة الشرقية هي مسألة النزاع القائم بين بعض دول أوروبا وبين الدولة العلية بشأن البلاد الواقعة تحت سلطانها وبعبارة أخرى هي مسألة وجود الدولة العلية نفسها في أوروبا ، وقد قال كتاب آخرون من الشرق ومن الغرب بأن المسألة الشرقية هي مسألة النزاع المستمر بين النصرانية والإسلام أي مسألة حروب صليبية متقطعة بين الدولة القائمة بأمر الإسلام وبين دول المسيحية.

إلَّا أن هذا التعريف وإن كان فيه شيء من الحقيقة فليس بصحيح تمامًا لأن الدول التي تنازع الدولة العلية وجودها لا تعاديها باسم الدين فقط بل في الغالب تعاديها طمعًا في نوال شيء من أملاكها ، وقد أرانا التاريخ أحوالًا كثيرة لم يُستعمَل الدين فيها إلَّا سلاحًا أو وسيلة لنوال غرض جوهري فهو ستار تختفي وراءه أغراض شتى وأطماع مختلفة.

والذي يراجع تاريخ الدولة العلية ويقلب صحائف أمورها من أول وجودها إلى اليوم يرى أن المسألة الشرقية نشأت مع الدولة نفسها أي إنه منذ وطأت أقدام الترك ثرى أوروبا وأسسوا دولتهم الفخمة قام بينهم وبين بعض الدول الأوروبية النزاع الشديد ودارت الحروب العديدة.

وبالجملة فإنه منذ ظهرت صولة الترك في أوروبا أخذت بعض الدول على عهدتها معاداة الدولة ومطاردتها والعمل على إخراجها من هاته القارة ولكنها أعمال حبطت وآمال خابت إذ أصبح أمر بقاء دولة آل عثمان من أول الأمور الضرورية اللازمة لسلامة بني الإنسان.

وقد وهب الله الدولة العثمانية سلطة عالية ورهبة عظيمة حينًا طويلًا من الزمان فأخضعت لسلطانها الأمم والدول وأرهبت بقوتها وعظمتها كل قوي وكل عظيم ورفعت رايتها الهلالية الجليلة على أصقاع شاسعة وأقطار واسعة فأبقت فتوحاتها وانتصاراتها في نفوس الأمم المقهورة بغضاءً كامنةً وعداوةً لدودةً، فكان ذلك السبب الأول في الحروب العديدة التي وجهت ضدها وأُقِيمت في وجهها.

ولما كانت البلاد الواقعة تحت سلطة الدولة العلية من أجمل بلاد العالم وأغناها فقد تاقت نفوس أصحاب الدول الأوروبية لإخراج التُّرْك من هذه البلاد وتقسيمها بينها فكانت هذه الدول تحارب الدولة العلية بأمل تقسيمها شيئًا فشيئًا والاستيلاء على أجزائها جزءًا فجزءًا وهذا هو سبب آخر لعداوة بعض الدول الأوروبية للدولة العلية “.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” مصطفى باشا كامل ، ترجمة حاله : وُلد في القاهرة من أبوين مصريين في ١٤ أوغسطس سنة ١٨٧٤ وكان والده علي أفندي محمد مهندسًا من جهة الصليبة اشتهر بين معارفه وجيرانه بطيب العنصر وحسن الخلق ووالدته من جهة المحجر بالقاهرة ، ولما بلغ السادسة من عمره أتاه والده بمدرس لقنه القراءة والكتابة ثم أدخله مدرسة عباس باشا الأول.

وقبل إتمام دروسه الابتدائية تُوفِّي والده فانتقل إلى مدرسة القربية وعمره ١٢ سنة فأتم دروسه الابتدائية فيها وظهر ذكاؤُه بامتيازه على سائر الرفاق فنال جائزة الامتحان الأولى بين يدي المغفور له الخديوي السابق سنة ١٨٨٧ ، ثم انتقل إلى المدرسة التجهيزية فقضى فيها أربع سنين نال في نهايتها شهادة البكالوريا وكان من النابغين، واشتهر باستقلال الفكر وصراحة القول من ذلك الحين.

وانتبه المرحوم علي باشا مبارك ناظر المعارف يومئذٍ لفصاحته وقوة عارضته فقال له مرة : (إنك أمرؤُ القيس، وستصير عظيمًا) ، وأخبرنا أحد رفاقه في تلك المدرسة أن المرحوم علي باشا مبارك اختصه بجنيه يتناوله كل شهر مدة إقامته في المدرسة ودوَّن اسمه في كشف ماهيات المعلمين ، واضطر مصطفى لنقش خاتم يختم به الكشف على اصطلاحهم وهو أول عهده بالأختام.

وكان في أثناء إقامته بالمدرسة التجهيزية موضوع إعجاب الأساتذة والتلامذة جميعًا لما امتاز به من حسن الإلقاء وفصاحة اللسان ، ولم يكن ناظر المعارف أقل منهم إعجابًا به فكان ينشطه ويدعوه إلى منزله ويناقشه في المسائل العلمية أو الاجتماعية ويقدمه إلى جلسائه من العلماء والوزراء والكل يعجبون به ويتوقعون له مستقبلًا مجيدًا.

فلما أتم دروسه التجهيزية سنة ١٨٨٩ دخل مدرسة الحقوق الخديوية على أن يعدَّ نفسه لصناعة المحاماة لأنها أحوج المهن إلى الخطابة ، ورأى في وقته متسعًا فالتحق بمدرسة الحقوق الفرنساوية أيضًا فكان يتلقى العلم بالمدرستين حتى نال الكفاية منه فذهب إلى طولوز بفرنسا أدى فيها الامتحان ونال الشهادة وهو في التاسعة عشرة من عمره.

وتنبه خاطره وهو يدرس الحقوق إلى المسائل السياسية ومدارها على مصر والاحتلال وهو وطني حريص على وطنيته مستقل الفكر، شديد الثقة بنفسه وقد تشرب من أساتذته الفرنساويين الاستهانة بإنكلترا والوثوق بفرنسا فأصبح همه إنقاذ مصر من الاحتلال ، وكان عضوًا عاملًا في عدة جمعيات أدبية يخطب فيها ويباحث وأكثر بحثه في مصر والاحتلال والجلاء.

وكان يتردد على الجرائد الوطنية ليكتب هذه المواضيع ولقي إصغاءً وتنشيطًا فألَّف رواية فتح الأندلس التمثيلية وكتابًا في حياة الأمم والرِّقِّ عند الرومان وألَّف بعد ذلك كتاب المسألة الشرقية وغيره ، وكلها ترمي إلى تحبيب الاستقلال إلى المصريين وإحياء الشعور الوطني فيهم فالتفَّ حوله جماعة من المريدين والمعجبين وأكثرهم من رفاقه في المدرسة ومن يرى رأيهم من تلامذة المدارس العالية فأنشأ لهم مجلة شهرية سماها المدرسة يبث فيها آراءه وأفكاره.

واتفق في أثناء ذلك رجوع المرحوم عبد الله نديم خطيب العرابيين إلى مصر سنة ١٨٩٢ وسمع بمصطفى كامل فقرَّبه منه ، واقتبس صاحب الترجمة بعض أساليبه واطلع على دخائل الحوادث الماضية وتبيَّن أسباب الفشل فأصبح قادرًا على تجنبها وزاد رغبة في إنقاذ مصر من سلطة الأجانب ، ولا يكون ذلك إلا بالالتفاف حول أمير البلاد فاستنبط فكرة الاحتفال بعيد الجلوس الخديوي فحرض رفاقه التلامذة على ذلك، فاحتفلوا به في الأزبكية في ٨ يناير سنة ١٨٩٣ فقرَّبته المعية ورضي عنه الجناب العالي.

وفي ذلك الاحتفال صرَّح مصطفى كامل للمرة الأولى بانتقاد حالة الحكومة ودعا المصريين إلى مطالبة الإنكليز بالجلاء عن بلادهم قيامًا بوعودهم ، وكان في جملة الحضور ناظر مدرسة الحقوق فاستدعى مصطفى إليه في الغد وعاتبه على تصريحه فأجابه أنه مصري وله الحق أن يبحث بشئون مصر وشدد لهجته فرفع الناظر أمره إلى نظارة المعارف فأصدرت أمرًا بمنع التلامذة من الاشتراك في مثل ذلك ومن مكاتبة الصحف فاعتبر مصطفى هذا الأمر موجهًا إليه فازداد تمسكًا برأيه وتضاعفت همته على إخراجه إلى حيز العمل.

وجاء مصر في ذلك الحين الموسيو دلونكل وهو فرنساوي كثير التظاهر بالغيرة على المصريين ، وكان في مصر يومئذٍ حزب وطني تألف بطبيعة الحال من أوائل عهد الاحتلال ولم يكن حزبًا منظمًا له رئيس ونائب وأمين وكاتب مثل أحزاب هذه الأيام ولكنه ضم نخبة النُّبهاء والوجهاء الذين يكرهون الاحتلال وينتقدون أعمال الإنكليز إما رغبة في استقلال مصر أو نقمة لذهاب نفوذهم.

ولهذا الحزب فضل على أكثر الصحف الوطنية التي نشأت في أوائل الاحتلال لأنهم كانوا يساعدونها ماديًّا وأدبيًّا تحت طي الخفاء للاستعانة بها على جرائد الاحتلال ، وكان مصطفى كامل طبعًا من جملة ذلك الحزب وكان دلونكل يحضر مجتمعات الوطنيين ويستحثهم على الثبات فالتقى هناك بصاحب الترجمة وأُعجب بذكائه وفصاحته فرغَّبه في السفر إلى فرنسا للتبحر في الحقوق فسافر إلى باريس آخر سنة ١٨٩٣ وأعجبته حرية القوم وموافقتهم إياه في انتقاد الإنكليز فعرف كثيرين من رجال السياسة والصحافة فيها.

وفي ٨ يناير سنة ١٨٩٤ احتفل بعيد الجلوس الخديوي هناك احتفالًا شهده أكثر المقيمين في باريس من المصريين وهم من التلامذة المرسلين لتلقي العلم على نفقة الحكومة المصرية فألقى مصطفى فيهم خطابًا استحثهم فيه على الثبات في طلب الجلاء فوافقوه وتواطئوا على استنجاد فرنسا في ذلك الطلب على أن تكون حجتهم وعد إنكلترا الذي صرحت به عام الاحتلال ، وبلغ ذلك نظارة المعارف المصرية فأخرجت المشتركين في ذلك العمل من عداد الإرسالية.

وعاد مصطفى في أواسط السنة التالية إلى مصر وتعاطى المحاماة أشهرًا فرآها أضيق من أن تسع مطامعه وفي صدره غرضٌ أصبح جزءًا من وجدانه ، ولم يكتفِ بما كان ينشره في الجرائد فعوَّل على إلقاء الخطب السياسية في المنتديات العمومية فألقى خطبته الأولى في الإسكندرية ونشرتها الجرائد ، فرأى فيها الناس من شدة اللهجة على الاحتلال وطلب الجلاء ما لم يعهدوه من قبل فأعجبوا بالشاب وشاركوه في إحساسه وفيهم من يرى ذلك الطلب بعيد المنال ولكن الإنسان يلتذ بالانتقاد على غالبه فأطرَوه ونشَّطوه فازداد رغبة في الخطابة والصحافة.

ولذَّت له الشهرة ووطَّن النفس على الاستهلاك في طلب الجلاء وجعل ذلك وجهته وكعبة آماله ومدار أعماله وهو يعلم عجزه عن تلك الأمنية بنفسه وأهله فرأى أن يستعين بفرنسا وقد جرَّأه على ذلك ما آنسه في رحلته الأولى من الحفاوة وما سمعه من التأمين والترغيب على عادة الفرنساويين من الانقياد إلى الوجدان ، فكف عن صناعته وانقطع للمطالبة بالجلاء فشخص سنة ١٨٩٥ إلى باريس ومعه رسمٌ كبير يمثل مصر والاحتلال الإنكليزي بشكل يرمز عن توسل المصريين إلى فرنسا أن تساعدهم كما ساعدت الأميركان واليونان والبلجيكيين والإيطاليان في نيل حريتهم.

رفع هذا الرسم إلى مجلس النواب الفرنساوي في ٤ يونيو من تلك السنة ومعه عريضة قدمها باسمه ينوب فيها عن مصر في استنجاد ذلك المجلس على الإنكليز ، وكان لهذا العمل دوي في فرنسا فضلًا عن مصر وتحدث الناس يومئذٍ بجرأة هذا الشاب وعلو همته وإقدامه وهو إلى ذلك الحين لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره فلم يأتِ هذا المسعى بالنتيجة المطلوبة.

ولكن الفرنساويين رحبوا بالخطيب المصري وتقاطر إليه كتَّاب الصحف يقابلونه وينشرون آراءه في جرائدهم وتسابق القوم يدعونه إلى إلقاء الخطب في أنديتهم وكلها ترمي إلى الغرض عينه ، وأول خطبة سياسية ألقاها على الإفرنج في طولوز صدَّرها بتاريخ الاحتلال وعهوده وفصَّل أحوال النظارات المصرية وسيطرة الإنكليز فيها وبالغ في استئثارهم بالوظائف والنفوذ واحتقارهم الأهالي وأخذ يبرهن أن وجود الإنكليز بمصر يخالف كل المعاهدات وأن إخراجهم منها يوافق مصالح دول أوروبا كافة.

ثم ألقى خطبًا أخرى وراسل الجرائد وكاتب الوزراء وكلها ترجع إلى انتقاد الاحتلال وطلب الجلاء أشهرها خطاب بعث به إلى المستر غلادستون من باريس يسأله رأيه في مسألة مصر والاحتلال فأجابه غلادستون جوابًا جاء في جملته قوله : (إننا يجب أن نترك مصر بعد أن نُتمَّ فيها ـ بكل شرف وفي فائدة مصر نفسها ـ العمل الذي من أجله دخلناها .. وإن زمن الجلاء على ما أعلم قد وافى منذ سنين).

فلا عجب بعد اعتراف أعظم رجال إنكلترا بموافاة زمن الجلاء إذا رأينا مصطفي كامل يزداد ثباتًا في دعوته فرجع إلى مصر في أوائل سنة ١٨٩٥ وقضى بضع سنوات وهو يخطب ويكتب ويكاتب ويناضل ، وكأنه خاف أن تضيق الصحف عن خطبه ومراسلاته فأنشأ جريدة اللواء اليومية لنشر آرائه السياسية سنة ١٨٩٩ وهي الآن في سنتها الثانية عشرة وصوتها في الدفاع عن مصر والمصريين من أعلى الأصوات.

ولما تم الاتفاق بين إنكلترا وفرنسا بشأن مصر والمغرب الأقصى ولم ينل مصطفى من فرنسا غير المواعيد وجَّه احتجاجه إلى المراجع الأصلية إما إلى رجال السياسة بإنكلترا رأسًا أو إلى جرائدهم ، وسافر إلى بلاد الإنكليز لهذه الغاية ثم رأى ذلك لا يفي بمراده ولا يحيط بمدى صوته فأنشأ اللوائين الإنكليزي والفرنساوي لينشر فيهما أقواله عن مطالب مصر حتى يصل النداء إلى إنكلترا وسائر أوروبا وألَّف لهما شركة مساهمة هي أول مساهمة تألفت لإنشاء الجرائد في هذه البلاد وذهب بنفسه إلى إنكلترا واستقدم المحررين.

فطار صيته في الآفاق وأصبح اسمه مرادفًا لاحتجاج مصر على إنكلترا وهو في خلال ذلك لا يضيع فرصة لا يحتج بها ، ومن أشهر مواضيع احتجاجه مسألة دنشواي فقد كان في مقدمة المنادين بظلم الحكومة على أهلها واستكتب الأهلين عرائض لالتماس العفو وقَّع عليها ١٢٥٠٠ من المصريين ورفعها إلى الجناب العالي.

وكان في أثناء ذلك يخدم مصلحة الدولة العليَّة من طرق كثيرة فأنعم عليه السلطان بالرتب والألقاب حتى بلغ الرتبة الأولى من الصنف الثاني والنيشان المجيدي الثاني ، وتعلقت به قلوب المصريين وتعشقوه بما لم يسبق له مثيل فلما تشكل الحزب الوطني في العام الماضي انتخبوه رئيسًا له طول حياته ولكنه رحمه الله كان قصير الحياة، فتوفي في العاشر من فبراير سنة ١٩٠٨ وهو في الرابعة والثلاثين من عمره ، فانتخبوا مكانه رفيقه في جهاده محمد بك فريد رئيسًا للحزب ومديرًا للألوية الثلاثة.

صفاته وأعماله : كان رحمه الله متوسط القامة قمحي اللون سريع الحركة جريئًا مقدامًا فصيح اللهجة قوي العارضة شديد الثقة بنفسه واسع الآمال طموحًا للعلى مستقل الفكر صريح القول ، وكان عصبي المزاج والعصبي يغلب فيه الذكاء وحدَّة الذهن وسرعة الخاطر وكانت هذه الطبائع ظاهرة في الفقيد ظهورًا واضحًا إذ كثيرًا ما كنا نراه في أثناء نضاله يكاد يُغلب على رأيه لما يظهر لنا من حجة خصمه فما هو إلَّا أن يصدر اللواء في اليوم التالي فنراه قد تدرَّع بدفاع أيَّده بشواهد تاريخية انتبه لها وكانت تساعده على ذلك قوة الحافظة.

وكان فيه من طبائع العصبيين سرعة الانفعال وسريعو الانفعال يغلب فيهم التقلُّب في الرأي ولم يكن كذلك ولكنه كان شديد الوطأة على مخالفيه ولو كانوا من أساتذته أو أقرب الناس إليه ، وسرعة الانفعال مع هذه الشدة قد يبعثان على الفشل في الأعمال العظمى لأنها تفتقر إلى التساهل والكظم والصبر على المكاره فالفقيد سدَّ هذا النقص بجرأته وعلو همَّته وثقته بنفسه فكان إذا نهض لأمر اقتحمه اقتحام الأسد فريسته وجاهد في سبيله بيده ولسانه وجَنانه لا يُعجزه السفر ولا يبالي بالتعب.

فقضى زهرة شبابه يتنقل من قارة إلى قارة ومن عاصمة إلى عاصمة لا يتحول عن منبر عربي حتى يعلو منبرًا إفرنجيًّا إذا كتب رأيت الحماسة تتجلى بين سطوره وإذا خطب انقضَّ كالصاعقة أو انهال كالسيل وإذا توهَّم في أحد وقوفًا في طريقه ناهضه وبارزه لا يبالي بمنصبه أو مقامه وكان لا يهاب عظيمًا ولا يراعي خليلًا ولا نزيلًا ولا سيما في أوائل أدواره.

وهذا هو سبب ما كان يبدو في بعض أقواله يومئذٍ من التعريض بالنزلاء أو الدخلاء لاعتقاده أنهم يخالفون مصلحة مصر وفهم القوم يومئذٍ أنه يعني بالدخلاء السوريين فعاتبوه فصرَّح أنه إنما يعني فئة منهم يعتقد أنها تكره مصلحة مصر فلم يبقَ لهم حجة عليه لأن القائل أولى بتفسير أقواله وقد يُعذر على تعريضه بالسوريين إذا ساء الظن بهم.

فقد مرَّ بهم أعوام في أواسط الاحتلال لم يقم كاتبٌ يدَّعي الدفاع عن مصلحة مصر إلا حمل عليهم واتهمهم بالعداوة تصريحًا أو تلميحًا وهم ساكتون دائبون على أعمالهم حتى تحقق العقلاء بتوالي الأعوام أن السوري لا يقلُّ غيرة على مصلحة مصر من أخيه المصري وأن السوريين طائفة ذات شأن في المجتمع المصري فعاد الفريقان إلى التحابِّ والتقارب وكان الفقيد في مقدمة أولئك العقلاء.

كان رحمه الله نزيه النفس عفيف الإزار صادق اللهجة، طاهر الجيب لا يلذُّ له من أحوال الحياة غير التفكير في الغاية التي وقف قواه عليها وهي خدمة بلاده بأشرف السبل وأنفعها ، وكان يعتقد أن الاستقلال أول خطوة يجب السير بها ويعني بالاستقلال خروج الإنكليز من مصر بمساعدة دول أوروبا ورجوعها إلى ما كانت عليه قبله.

واستجمع قواه في هذا السبيل فسافر وكتب وخطب وجادل وناقش لهذا الغرض وكان يرى مصلحة مصر مرتبطة بمصلحة الإسلام على العموم فكان شديد المدافعة عنه كثير السعي في نصرته ومن أقصى أمانيه أن يكون نصير المسلمين في أربعة أقطار الأرض ، وقد أطلعنا بعض الأصدقاء على كتاب من بعض رجال ابن الرشيد يؤخذ منه أن الفقيد سعى منذ بضع سنوات في السفر إلى نجد لملاقاة ذلك الزعيم هناك وقرأنا في تأبين بعض مريديه أنه كان ينوي استئذان جلالة السلطان في أن يكون خطيب المسلمين في المدينة يوم وصول السكة الحديدية إليها.

وأنه كان يهيئ أسباب الرحيل إلى اليابان لحضور معرضها ونقل نتائج الأفكار الكبيرة لربط العلائق مع الشعب الياباني على أن يمرَّ في أثناء طوافه ببلاد الهند ليرى أحوال النهضة الإسلامية هناك ، كل ذلك يدلُّ على كبر نفس هذا الرجل وسعة مطامعه فهل كان مخلصًا في سعيه حسن القصد بما يقوله ؟  ، فإذا ثبت أنه كذلك حقَّ للمصريين أن يبكوه ويعظموه وإن لم يروا ثمر عمله لأن الأعمال بالنيات “.  

 

72 / تاريخ الدولة العلية العثمانية

من أهم المراجع التي تناولت تاريخ العثمانيين باللغة العربية كتاب (تاريخ الدولة العلية العثمانية) والذي كان يزين مكتبة والدي رحمه الله بل من تقديره لأهمية الكتاب كان يملك منها نسختين واحدة للتداول والقراءة والثانية محفوظة لا تمس وذلك بسبب ما يحتويه الكتاب من خرائط وصور توضيحية تعد سجلا نادرا ومصدرا هاما للباحثين والمؤرخين فضلا عن أسلوبه البسيط في الكتابة والاختصار في السرد وضبط التواريخ والأحداث.

وكان اسم المؤلف وقتها قد استرعى انتباهي حيث كتب عليه (تأليف محمد فريد بك المحامي) واستغرق مني الأمر وقتا طويلا حتى عرفت أن هذا المؤرخ المتميز هو نفسه الزعيم الوطني الكبير محمد فريد الذي درسناه في مناهجنا التعليمية وقرأنا عن كفاحه البطولي ودوره النضالي ، وكان مثار التعجب وقتها هو عدم قدرتي على استيعاب هذه العبقرية التي جمع صاحبها بين مهنة المؤرخ المدقق ومهمة السياسي البارع فنجح فيهما معا.

وقد بدأ كتابه بموجز للدول الإسلامية المتعاقبة ثم انتقل منها إلى الدولة العثمانية بوصفها وريثة الخلافة الإسلامية حيث كان منحازا في كتابته لفكرة الانتماء الجامع للدولة الإسلامية كما أنه صدر مقدمته بالمدح لكل من السلطان عبد الحميد والخديوي عباس حلمي حيث صدر الكتاب في عهدهما ، ورغم ذلك فقد أضاف في نهاية الكتاب ملحقا خاصا بالأحداث التي أدت لانهيار الدولة والتي كان شاهدا على حدوثها في أيامه الأخيرة ومنها فصل رائع بعنوان (هل كان عبد الحميد مستبدا).

ولا شك أن الأصول التركية للمؤلف من الناحية العائلية قد لعبت دورا في توجهه الفكري والقومي حيث كان من أبناء طائفة كبيرة من المصريين تحمل نفس الجذور وتسعى للحفاظ على هذه الرابطة مع العثمانيين وترى فيها تمسكا بالهوية والانتماء للثقافة الإسلامية في مواجهة غيرها من الدعاوى القومية الناشئة ، ولذا تمسكوا بحكم الأسرة الخديوية ورأوا فيها امتدادا لهذه الرابطة ويظهر ذلك من خلال كلمات المؤلف في وصف محمد علي باشا حيث يقول عنه : (مجدد مصر وباعثها من رمسها ومعيد مجدها من له عليها الأيادي البيض إلى آخر الدهر).

ولد محمد فريد بك بن أحمد فريد باشا بالقاهرة عام 1284 هـ / 1867 م وتوفي في برلين بألمانيا عام 1338 هـ / 1919 م ، تعلَّم في مدرستي الألسن والحقوق وفور ثم عمل في نيابة الاستئناف ثم احترف مهنة المحاماة ، ومن مؤلفاته الأخرى المؤلفات كتاب (من مصر إلى مصر) وكتاب (رحلة إلى بلاد الأندلس ومراكش والجزائر) وكتاب (تاريخ الرومانيين) وأنشأ مع كل من أحمد حافظ عوض ومحمود أبي نصر مجلة علمية سميت ﺑالموسوعة.

وقد نذر حياته للكفاح الوطني ضد الاحتلال البريطاني فسافر برفقة مصطفى كامل باشا إلى العديد من البلدان الأوروبية مدافعًا معه عن قضايا الوطن وفاضحًا لممارسات الاحتلال في مصر كما عمل على نشر التعليم بين أفراد الأمة فأنشأ المدارس الليلية في الأحياء الشعبية لتعليم الفقراء مجانًا وأنشأ أول نقابة للعمال عام ١٩٠٩ م وهي نقابة عمال الصنائع اليدوية هي النواة التي بدأ منها التاريخ النقابي في مصر وكان مقرها بولاق وبلغ عدد أعضائها 800 عضو.

عقب وفاة مصطفى كامل انتُخب محمد فريد عام ١٩٠٨ م رئيسًا للحزب الوطني في ظروف حالكة حيث بدأ الاحتلال والقصر في تضييق الخناق على الحركات الوطنية وتقييد حرية الصحافة ، وكان من تبعات ذلك أن تم إحالة فريد لمحكمة الجنايات بتهمة باطلة حُكم عليه فيها بستة أشهر تم نفيه بعدها عام ١٩١٢ م واستمر في الدفاع عن قضايا الوطن في الخارج كما حدث في مؤتمري السلام بجنيف عام ١٩١٢ م ولاهاي ١٩١٣ م.

وظل في كفاحٍ ونضالٍ مستمرين طيلة حياته، حتى بعد أن أصابه المرض حيث نصحه الأطباء بالراحة إلا أنه لم يهدأ لكنه استمر في الدفاع عن قضيته حتى وافته المنية في برلين عام ١٩١٩ وحيداً فقيراً حتى أن أهله بمصر لم يجدوا مالاً كافياً لنقل جثمانه إلى أرض الوطن ، إلى أن تولّى أحد التجار المصريين نقله بنفسه على نفقته الخاصة وهو الحاج خليل عفيفي تاجر قماش من الزقازيق باع كل ما يملك وسافر لإحضار جثمانهِ من الخارج وقد مُنح نيشان الوطنية من الحكومة المصرية تقديراً لجهودهِ في هذا الشأن.

وقد عرفت مصر على يدي محمد فريد المظاهرات الشعبية الضخمة حيث كان باستطاعته الحشد إليها وتعبئة الناس نحو مطلب واحد كما حدث عندما طالب القصر والحكومة بوضع دستور لمصر ، أما محاكمته وسجنه في مصر فكانت بسبب مقدمة كتبها لديوان شعري بعنوان (وطنيتي) للشاعر على الغاياتي حيث جاءت مقدمته للديوان تحت عنوان (أثر الشعر في تربية الأمم) ومما جاء فيها :

(لقد كان من نتيجة استبداد حكومة الفرد إماتة الشعر الحماسي وحمل الشعراء بالعطايا والمنح على وضع قصائد المدح البارد والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس ويغرس فيها حب الحرية والاستقلال ، كما كان من نتائج هذا الاستبداد خلو خطب المساجد من كل فائدة تعود علي المستمع حتى أصبحت كلها تدور حول موضوع التزهيد في الدنيا والحض على الكسل وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل).

ولدى خروجه من السجن كتب الكلمات الآتية : (مضى علي ستة أشهر في غيابات السجن ولم أشعر أبداً بالضيق إلا عند اقتراب خروجي لعلمي أني خارج إلى سجن آخر وهو سجن الأمة المصرية الذي تحده سلطة الفرد ويحرسه الاحتلال بعد أن أصبح مهدداً بقانون المطبوعات ومحكمة الجنايات محروماً من الضمانات التي منحها القانون العام للقتلة وقطاع الطرق).

وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد فريد بك ابن أحمد فريد باشا  ، رئيس الحزب الوطني أيام الاحتلال البريطاني بمصر، وأحد نوابغها من أصل تركي ولد في القاهرة وتعلم في مدرستي الألسن والحقوق وولي نيابة الاستئناف ثم احترف المحاماة وانقطع إلى الخدمة العامة فكان مع مصطفى كامل باشا في كثير من رحلاته إلى أوربة ، ولما توفي مصطفى كامل انتخب محمد فريد رئيسا للحزب (سنة 1908) وحبس ونفي (سنة 1912).

وساح سياحات كثيرة مدافعا عن قضية مصر معلنا ظلامتها إلى أن توفي ببرلين ونقل جثمانه إلى القاهرة وقد أنفق كل ماله في سبيل بلاده ، له كتب منها : تاريخ الدولة العلية ، ومن مصر إلى مصر ، رحلة في بلاد الأندلس ومراكش والجزائر ، والبهجة التوفيقية في تاريخ مؤسس العائلة الخديوية ، وتاريخ الرومانيين (طبع الجزء الأول منه) ، ولعبد الرحمن الرافعي كتاب محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية ولأحمد شوقي المحامي محمد فريد “.

وقد صدر كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية في عام 1893 م واستهله بمقدمة يقول فيها : ” خطبة الطبعة الأولى : الحمد لله الذي شاد هذا الدين على أساس مكين متين وأقامه بالبرهان القويِّ المبين وقيَّض له في كل زمان من الدولة والسلطان ما يحفظ بيضته ويحمي عزته ويؤيد كلمته ، ثم الصلاة والسلام على خلاصة بني الدنيا إمام الأنبياء الذي دانت القبائل لطاعته وانضمَّت أشتات الأفراد تحت رايته فوحَّد بين هاتيك الجموع المتكاثرة وأَّلف بين تلك القلوب المتنافرة فجعل بذلك للإسلام من السطو والصولة ما لم تنلْه قبله ملة ولا دولة.

وبعدُ ، فقد مضى على الشرق أجيال طوال رأى فيها أهلوه من أهوال الأحوال ما تشيب له الأطفال وتندكُّ من وقعه عزائم الرجال بل وشوامخ الجبال وما كان ذلك إلا بعد أن انفرط عقد بنيه وتناثر نظام أهليه وتشاغل كلٌّ بنفسه عن أخيه وذويه ، فأغار الدهر بخيله ورَجِلِه على الشرق ودوله وقلب لأبنائه ظهر المِجَنِّ وقلَّبهم بين الإحن والمحن فتناسَوْا ما كان لهم من فخامة الاقتدار وجلالة الحضارة وضخامة العمران وأصالة الإمارة وانغمسوا في بحار الكسل والخمول ذاهلين واستكانوا إلى المذلة والهوان صاغرين حتى باتوا وأصبحوا وهم على شفا جرف هار وقد أوشكوا أن يُقضَى عليهم بالدمار والاندثار ويكونوا عبرة لأولي البصائر والأبصار.

لكن العناية الصمدانية تداركتهم بلمِّ الشعث ورمِّ الرث ورتق الفتق ورقع الخرق فأضاءت الأفق الإسلامي بظهور النور العثماني وأمدَّته بالنصر اللَّدنِّيِّ والعون الرباني فقامت الدولة العلية بحياطة هذا الدين وحماية الشرقيين ودعت إلى الخير وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر فكانت من المفلحين ، ثم وقفت في طريق أوروبا حاجزًا منيعًا وسورًا حصينًا وحالت دون أطماعها وألزمتها بكفِّ غاراتها بأنواعها ثم اهتمت بالإصلاح وسعت في تأييد النظام فصار لها بين الدول المقام الأوَّل والرأي الراجح والقول النافذ فكانت لا يضاهيها دولة من الدول بما أحرزته من الأملاك الواسعة في قارات أوروبا وآسيا وأفريقية.

ونالت من العزة والتوفيق ما يجدر بكل شرقي أن يتذكره الآن لتستفزَّه عوامل الغيرة ودواعي النشاط إلى بذل نفسه ونفيسه في سبيل تقويتها وتعزيز رايتها وتأييد كلمتها لما كان ـ ولا يزال ـ  لها من الحسنات الحسان على كافة بني الإنسان من غير نظر إلى الأجناس والمذاهب والأديان ، مما لا يراه الباحث في أية دولة غيرها قديمًا أو حديثًا بل نرى عكس ذلك ونقيضه في الدول ذات الدعاوى الطويلة العريضة التي تتقوَّل بأنها عماد المدنية والإنسانية وهي مع ذلك تصدر أوامرها الرسمية بارتكاب الفظائع والبشائع التي لا يكاد يصدِّقها السامع مما نمسك اليَرَاع عن تعداده في هذا المقام لعدم دخوله في موضوع الكتاب.

لا سيما وأن التلغرافات والجرائد تتوارد علينا في كل يوم ببيان هذه الأنباء الشنيعة وذلك بخلاف الدولة العلية فإن جميع الناس تعيش فيها بغاية الحرية والسلام وكل المطرودين من الدول الأوروبية يفدون إلى أراضيها فيرتعون في بحبوحة الراحة والهناء آمنين على أنفسهم وأعراضهم وعروضهم ، وقد أصبحت الآن ملجأً وحيدًا لكل من تلفظه الدول الأخرى من أبناء الإنسان فماذا يكون حظ هؤلاء المذكورين إذا جارتهنَّ في هذا المضمار وناظرتهن في هذه الفعال.

هذه حسنة من أقل حسناتها يحق للعثماني مهما كان جنسه ودينه أن يفاخر بها ويذكرها في كل فرصة وفي كل حين وفي ذلك أكبر داعٍ وأعظم باعث يدفع إلى الوقوف على تفاصيل تاريخها والنظر بعين الاعتبار إلى ما جرى لها وعليها من التقدم والتأخر والارتفاع والانحطاط ، فإن الوقوف على هذه الماجريات مما يهذِّب النفوس ويقوِّم الأخلاق ويقوِّي روابط الوطنية ويعزز الجامعة الملية ، وبذلك تتماسك أجزاء هذه الدول الجليلة فيتقوَّى مجموعها ويتأكَّد قوامها بل حياتها وأيُّ شرقي ـ مسلمًا كان أو غير مسلم ـ لا تهزه النخوة القومية والحمية الملية إلى المحافظة على بقائها سعيًا في بقاء نفسه وتأييدها بكل ما في وسعه لتأييد بني جنسه ؟!  

ولذلك دفعتني دواعي الضمير إلى العناية بحوادث هذه الدولة والوقوف على أحوالها ، فلما أحطت علمًا بما يجب على كل شرقي معرفته من تاريخها حدَّثتني نفسي بوجوب تدوين هذا التاريخ ونشره بين أبناء الوطن ونصراء الملة ، فشمَّرت عن ساعد الجد وبذلت غاية الجهد وأوردت في هذا التأليف من مواقف التحقيق ما وصلت إليه الطاقة وضبطت الأعلام بقدر الإمكان وشرحت في حواشي الكتاب أسماء الملوك والأعيان وبعض البلدان معتمدًا في ذلك كله على الأمهات المعتبرة والأصول الموثوق بها.

وقد قصدت بهذه الخدمة أن أقوم بفرض يجب على كل إنسان أداؤه لعرش الخلافة العظمى وملجأ الإسلام في هذا الزمان مولانا أمير المؤمنين السلطان الغازي (عبد الحميد خان الثاني) أمد الله في عمره وأيده بنصره ، إني أبتهل إلى الله القدير بأن يؤكد العروة الوثقى بين جلالته وولي أمرنا صاحب الحزم والتدبير مولانا الجليل النبيل صاحب الرأي الأصيل والمجد الأثيل رب الحزم والعزم خديوينا الأفخم (عباس حلمي الثاني) حفظه الله وأبقاه إعلاءً للوطن وإبقاءً لجامعة الملة آمين “.

73 / الوجيز في القانون الجنائي

(الوجيز في القانون الجنائي) هو عنوان كتاب في القانون والتشريع من تأليف عمر لطفي بك بن يوسف عاشور المصري الذي ولد بالإسكندرية عام 1292 هـ / 1876 م وتوفي بالقاهرة عام 1331 هـ / 1913 م ، وهو رائد الحركة التعاونية في مصر وصاحب فكرة تأسيس النادي الأهلي وترجع أصوله إلي أسرة مغربية وفدت إلي مصر في عهد محمد علي باشا وكان رئيسها من كبار الرجال في المغرب وكان يمثل المغرب لدي الحكومة المصرية.

تلقي العلم في مدرسة الجمعية الخيرية والتي أسسها الشيخ عبد الله النديم وحفظ بها القران الكريم ثم انتقل إلي القاهرة وعاش في بولاق وأتم دروسة بمدرسة الفرير ، تخرج من مدرسة الحقوق سنة 1886 وتدرج في المناصب حيث عمل في قلم قضايا الحكومة ثم في مكتب محاماة سعد زغلول ثم قاضيا بمحكمة قنا ، وبعد فترة أصبح وكيلا لمدرسة الحقوق وعمره ثمانية وثلاثون عاما ثم بعد ذلك ترك مدرسة الحقوق وعاد للعمل في مجال القضاء وافتتح مكتبا للمحاماة.

وفي عام 1907 م رأي عمر لطفي بك اشتداد الأزمة المالية  وما كان يتكبده الفلاح من ظلم المرابين والمضاربين أخذ يبحث عن طوق نجاة الشعب المصري من هذه الأزمات  ، فبعد دراسته في إيطاليا سنة 1908 عن التعاون الزراعي رأي أن تقتدي الحكومة المصرية بما فعلته ألمانيا وإيطاليا بإنشاء نقابات زراعية في كل بلدة تساعد الفلاحين بدلا من المرابين والمضاربين فلم توافق الحكومة علي اقتراحه.

فلجأ بعدها إلـي إنشاء النقابات الزراعية والتي كان عملها هو الإقراض والتسويق التعاوني للحاصلات المصرية حتي جاء بعد ذلك بنشر الدعوة لإنشاء الجمعيات التعاونية وأطلق عليها شركة التعاون المنزلي وأنشأت بالفعل هذه الجمعيات بالقاهرة ثم باقي المدن الكبري في مصر مثل الإسكندرية والمنصورة والمنيا والمنوفية وحلوان وكان يطوف بجميع أنحاء مصر لينشر دعوته بتأسيس النقابات والتعاونيات حتى صار  أحد رواد الحركة التعاونية علي المستوي العالمي وأطلق عليه الفلاحون والمصريون أجمع بلقب (بو التعاون في مصر).

وكان من أخلص أصدقائه مصطفى كامل حيث وساعده في كشف فوائد التعاونيات للشعب وهو ما يتعارض مع أطماع الاحتلال ، وعندما بعدما بدأ مصطفى كامل وجمع من أصدقائه التفكير في إنشاء نادي المدارس العليا في أكتوبر سنة 1905 وبعد جمع رأس المال اللازم لبناء النادي اجتمعت أول جمعية تأسيسية لنادي طلبة المدارس العليا يوم الجمعة 8 ديسمبر 1905 بأحد قاعات مدرسة الطب لانتخاب مجلس إدارة النادي وأسفر عملية الانتخاب عن اختيار عمر لطفي بك رئيسا للنادي.

وفي يوم الافتتاح ألقي عمر لطفي بك وأعجب الجميع بالنادي ونظامه ، وخلال ثلاثة أعوم تضاعف عدد أعضاء النادي ثم بعد ذلك أصبح نادي الطلبة هو العقل الوطني الذي تجمع حوله أبطال الحركة الوطنية ومنه كانت تخرج المظاهرات ضد الإنجليز عند أي حادث وطني ومنه ظهرت فكرة إنشاء النادي الأهلي للرياضة البدنية.

ولدت الفكرة في ذهنه لتأسيس نادي رياضي يجمع طلبة نادي المدارس العليا المهتمين بالسياسة وغيرهم من طلبة المدارس العليا رياضيا ويعدهم لتقلد مكانهم في طليعة شباب الوطن الباحثين عن حرية مصر من الإستعمار فلا بد من مكان يضمهم بعد تخرجهم لتمضية أوقات الفراغ وحتي لا يمضي كل منهم إلي قريته وينقطع عن الاتصال بهم عند حاجة الوطن لهم لمواجهة الإنجليز وكانت فكرة إنشاء النادي الأهلي باعثها الوطنية وآمن بها رجال أوفياء للوطن.

اجتمع عمر لطفي بك برجال وَطنيين وعرض عليهم فكرة تأسيس النادي الأهلي منهم صديق عمره مصطفي كامل وعميد كلية دار العلوم ومجموعة من وزراء مصر ومحافظيها ومديري أقاليمها من الشمال للجنوب وعدد من شيوخ الأزهر وأجمع هؤلاء علي إنشاء النادي الأهلي وبالفعل أنشأ النادي الأهلي وأعطي عمر لطفي بك المثال الأول في النادي الأهلي لإنكار الذات عندما اختار ميتشل أنس لرئاسة النادي على الرغم من أنه صاحب فكرة التأسيس وذلك تفضيلا لمصلحة النادي.

وهو من أوائل الباحثين في مجال حقوق المرأة حيث كتب رسالة طبعت في القاهرة سنة 1897 م وهي خلاصة محاضرة باللغة الفرنسية قد ألقاها من قبل في سبتمبر سنة 1896 م وأوضح فيها حقوق المرأة في الشريعة الإسلامية وقارن بينها وبين حقوق المرأة الغربية في ذاك الوقت وكيف أن المرأة وجدت من الشريعة الإسلامية حماية لم يجدها في القوانين القائمة وقتها.

وقد رثاه أمير الشعراء أحمد شوقي بقوله : قفوا بالقبور نسائلْ عمر .. متى كانت الأرض مثوَى القمرْ .. سلوا الأرض هل زُيِّنَتْ للعليمِ .. وهل أُرِّجَتْ كالجنان الحفرْ .. وهل قام (رضوان) من خلفها .. يُلاقي الرضيَّ النقيَّ الأبرّ .. فلو عَلِمَ الجمْع ممن مضى .. تنحَّى له الجمع حتى عبرْ .. إلى جنَّةٍ خُلقتْ للكريم .. ومن عرف الله أو مَن قدرْ.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” عمر لطفي بن يوسف عاشور المصري ، مؤسس النهضة التعاونية بمصر من علماء القانون أصله من المغرب ومولده بالإسكندرية ووفاته بالقاهرة ، أنشأ نادي المدارس العليا بمصر وكثيرا من النقابات الزراعية وغيرها وناب عن مصر في مؤتمر المستشرقين بجنيف سنة 1894 م.

وصنف كتبا منها : الإمتيازات الأجنبية ، والوجيز في شرح القانون الجنائي ،  وإنشاء شركات التعاون ، وكتب بالفرنسية رسائل الدعوى الجنائية في شريعة الإسلام ، وحرمة المساكن ، وحق المرأة ، وحق الدفاع “.

وذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” عمر بك لطفي توفي سنة ١٩١٣ ، أصله من أسرة مغربية ووُلِد في الإسكندرية سنة ١٨٦٧ وتعلم هناك ثم جاء القاهرة وتعلم الحقوق وتقلب في مناصب الحكومة حتى صار وكيلًا لمدرسة الحقوق الخديوية وهو يفكر ويعمل ويؤلف في مواضيع مختلفة منها أنه أنشأ نادي المدارس العليا وكثيرًا من النقابات الزراعية وغيرها.

أما مؤلفاته فهي : الدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية (في اللغة الفرنساوية لأنه أراد أن يفهم الإفرنج فحواه وكان له وقع حسن عندهم) ، حرمة المساكن (في الفرنساوية أيضًا أراد أن يفهم الإفرنج أن حرمة انتهاك المساكن ليست من مخترعات الشرائع الحديثة) ، حق المرأة (في الفرنساوية) ، حق الدفاع (في الفرنساوية) ، الامتيازات الأجنبية (في اللغة العربية وهو أول كتاب في هذا الموضوع) ، الوجيز في شرح القانون الجنائي ، إنشاء شركات التعاون آخِر ما كتبه في هذا الموضوع “.

وقد صدر كتابه بتعريف لنفسه جاء فيه : (الوجيز في القانون الجنائي تأليف عمر بك لطفي المحامي لدى محكمة الاستئناف الأهلية ووكيل مدرسة الحقوق الخديوية سابقا ومدرس شرف بها ومدرس القانون الجنائي بمدرسة البوليس).

واستهله بمقدمة يقول فيها : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، أما بعد فقد مارست زمنا تدريس القانون الجنائي بمدرستي الحقوق والبوليس مستعينا بما كتبه علماء الفقه الجنائي في البلاد الغربية شرحا وتعليقا على القوانين الأوربية وبأحكام محاكمنا الأهلية.

وقد طلب مني كثيرا طلبة المدرستين أن أضع تأليفا أجمع فيه ما ألقيته عليهم من الدروس فترددت طويلا لعلمي أن قانون العقوبات المصري وتحقيق الجنايات يستمدان أحكامهما من القانون الفرنساوي وفي شرح مؤلفات الأساتذة الغربيين ما يغني عن مؤلف من مثلي.

ولكن لما ظهر القانون الأخير في سنة 1904 رأيت من الضروري إجابة طلبهم لابتعاد القانون الجديد في أمور كثيرة عن الشرائع الغربية ، فوضعت هذا الكتاب راجيا ممن يطلعون عليه أن يغضوا النظر عن هفواتي وتقصيري.

وقد جرت عادة بعض المؤلفين في بلادنا أن يقدم مؤلفه لصديق أو عظيم لأي مناسبة من المناسبات وإني أقتدي بهم فأقدم كتابي هذا لطلبة مدرستي الحقوق والبوليس لأن الكثير مما علقته على مواد قانوني العقوبات وتحقيق الجنايات إنما اهتديت إليه بسبب مناقشتهم لي وقت الدرس.

هذا وقد قسمت الكتاب إلى جزأين فيشتمل الجزء الأول على القواعد العمومية في قانون العقوبات اقتداء بما فعله الأستاذ الفاضل جارو يبحث في الجزء الثاني عن تحقيق الجنايات فيتم للطالب بهذين الجزأين حاجته ، أما القسم الباقي من قانون العقوبات فإنا نفرد له أجزاء أخرى بعد طبع الجزء الثاني إذا ساعدت المقادير والله الموفق لما فيه الصواب “.

74 / المؤيد

مؤسس الصحافة الإسلامية في العصر الخديوي هو الشيخ علي يوسف صاحب جريدة (المؤيد) الذي ولد في قرية بلصفورة بالصعيد عام 1280 هـ / 1863 م وتوفي بالقاهرة عام 1331 هـ / 1913 م ، وهو صاحب أشهر قضية اجتماعية ظهرت في أوائل القرن العشرين وتناقلتها الصحف وصارت حديث النخبة المثقفة في مصر وقتها ألا وهي قصة زواجه من صفية السادات ابنة شيخ السجادة الوفائية دون موافقته والتي تحولت إلى قضية في أروقة المحاكم.

وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” الشيخ علي يوسف علي بن أحمد بن يوسف البلصفوري الحسيني كاتب من أكابر رجال الصحافة في الديار المصرية.ولد في بلصفورة (من نواحي جرجا بمصر) ونشأ يتيما خلفة والده في السنة الاولى من عمره ، وانتقل إلى القاهرة سنة 1299 هـ  فتعلم في الازهر ونظم الشعر ونشر ديوانا صغيرا سماه (نسمة السحر) وأنشأ مجلة أسبوعية سماها (الآداب) عاشت ثلاث سنوات.

ثم أصدر جريدة (المؤيد) يومية سنة 1307 هـ فكان لها شأن يذكر في سياسة مصر والشرق والاسلام واستمر صدورها إلى أواخر أيامه ، وولى مشيخة السجادة الوفائية وتوفي في القاهرة فرثاه كثيرون من الشعراء والكتاب ، وكان سريع الخاطر قوي الحجة واسع الرواية مقداما جريئا عرفه بعض الكتاب بشيخ الصحافة الإسلامية في عصره وهو تعريف صحيح “.

وكتب عنه جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” الشيخ علي يوسف المصري توفي سنة ١٩١٣  /  ١٣٣١ ﻫ ، هو مؤسس الصحافة الإسلامية العصرية بمصر نعني تأسيس جريدة المؤيد أشهر الجرائد الإسلامية وأوسعها انتشارًا في أنحاء العالم الإسلامي ، وقد تقدَّم في كلامنا عن الصحافة العربية ما نشأ من الشعور الوطني في عهد الاحتلال وانقسام الكتَّاب إلى أحزاب وطنية واحتلالية وغيرها.

وكان الشيخ علي ميَّالًا إلى الصحافة وقد أنشأ مجلة الآداب سنة ١٨٨٥ بالاشتراك مع الشيخ أحمد ماضي ، واتفق ظهور جريدة المقطم سنة ١٨٨٩ ـ وخطتها احتلالية ـ فأحس أدباء المصريين بحاجتهم إلى جريدة تمهِّد السبيل إلى إنقاذ مصر من الاحتلال فوقع اختيارهم على محرري الآداب فأصدروا المؤيد فنصرهما الوطنيون ماديًّا وأدبيًّا لكن نصرتهم لم تمنع من قيام العقبات.

وبعد قليل توفي الشيخ أحمد ماضي واستقل الشيخ علي بالمؤيد وثبت في تأييده، بذل في ذلك ما لا يقدر عليه رجل واحد حتى بلغ ما بلغ إليه من الشهرة والنفوذ وسعة الانتشار في العالم الإسلامي وخطته الدفاع عن الإسلام وحقوق المسلمين حيثما كانوا ، ونال الشيخ علي من المنزلة الرفيعة ما ليس بعده غاية لمثله فصار من خاصة القوم المقرَّبين من العرش الخديوي وولاه سُمُوُّه مشيخةَ السجادة الوفائية “.

وترجم له بالتفصيل محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة وتناول إصداراته الصحفية وقصة زواجه الشهيرة وذلك تحت عنوان الشيخ علي يوسف وصحفه حيث قال : ” نجم الشيخ علي يوسف في شهر جمادى الآخرة سنة ١٢٨٠ في بلصفورة من بلاد مديرية جرجا من أسرةٍ كريمة الأصل رقيقة الحال ولما كانت والدته من بني عديّ التابعة لمركز منفلوط وهي بلدة شهيرة بالعلم والعلماء انتقلت إليها به بعد وفاة والده فحفظ القرآن بها.

وتلقى العلم على أستاذه الشيخ حسن الهواري أحد علماء الأزهر النابهين ولما شدا طرفًا من العلم قدم إلى الأزهر فنهل منه بعض سنين ، ثم استشرفت نفسه إلى الأدب ومال هواه إلى الارتواء منه وقرض الشعر وظلّ يعالجه حتى صارت له به شهرة فمدح ورثى وتغزل وهجا وجال في فنونه وألوانه حتى اتسق له ديوان كامل وقد طبعه باسم نسمة السحر.

ودعاه حبه للأدب ونزوعه إليه أن يختلف إلى مجالس العلماء والأدباء يسامرهم ويفاكههم ويروي عنهم وأن يغشى دور العليّة التي كان الأدباء والشعراء يحجون إليها ثم طفق يرسل مقالاته إلى الصحف في ذلك الحين ، ولمّا نما هواه إلى الصحف ساعد المرحوم أحمد فارس الشدياق في تحرير صحيفة القاهرة.

وكان يكتب أول الأمر على طراز الكاتبين في عصره مقدمات طويلة تمهد بين يدي كل موضوع ولولم تدع إليها حاجة الكلام واحتفال بالمحسنات البديعية تستكره استكراهًا ولو استهلكت الغرض المطلوب ، ثم مضى مع نهضة جمال الدين وتوجيه المرصفي يُدَرِّبُ قلمه ويروّض بيانه ويسلس أسلوبه ويرسله جزلًا سهلًا لا عنت فيه حتى استقام له أسلوبٌ رصينٌ منطلقٌ عُرِفَ به.

مجلة الآداب ١٨٨٤ م : وبعد أن تهيأ للشيخ علي يوسف هذا القدر من الآدب وعبّد له طريقه ويسّرت مسالكه لبَّى هوى الصحف في نفسه فأنشأ صحيفةً علميةً أدبيةً سماها (الآداب) وقد كانت هذه المجلة شيئًا مذكورًا في ذلك الحين ولا سيما بعد أن دالت دولة صحيفة روضة المدارس التي كان يقوم على تحريرها صدور العلماء وأفذاذ الكتاب والشعراء.

وفي السنة التالية لجريدته كَثُرَ إقبال الناس عليها وعرف منشئها بمكانة مهَّدت له وضع جريدة المؤيد الغراء ، وأيّا ما كان فإن الآداب لم تكن هي الميدان الذي جُلّيَ فيه الشيخ علي يوسف بل كان ميدانه (المؤيد) أعظم صحيفة عربيةٍ في ذلك الزمان.

المؤيد ١٨٨٩ م : كانت جريدة المقطم صحيفة الاحتلال في ذلك الحين تُظَاهِرُ الإنجليز وتعاونهم وتؤيد سياسة الاحتلال وتروجها ، ولم يكن للأمة المصرية الإسلامية صحيفةٌ إذ ذاك ترفع صوتها وتعلي كلمتها وتنشر فكرها ورأيها فتلك أقلام المصريين حبيسةً لا تجد مجالًا تصور فيها آمال الأمة وآلامها ولا تجد متنفسًا لما يخالجها من كربٍ وحسرةٍ على المجد المغصوب والموطن المنكوب.

لم يكن للوطنيين مَفَرٌّ من أن يتجهوا بتفكيرهم إلى إنشاء صحيفة وطنيةٍ تعبر عن إحساسهم وآمالهم ويتخذونها منبرًا يذودون منه عن وطنهم وكرامتهم ودينهم وحقوقهم ، فاجتمع لطيف باشا سليم الحجازي وحسن باشا عاصم وإبراهيم بك الهلباوي وغيرهم من الوطنيين النابهين واستقَرَّ رأيهم على أن يعرض الأول فكرة إنشاء صحيفة على رياض باشا وعلى أن تجاهد الاحتلال وتنتهي الأحداث على رغم منه ، وأعانها على ذلك وطنية هذه الحكومة وشعورها الغيور على مجد البلاد فلم ير رئيس الحكومة مانعًا يحول دون إنشاء المؤيد.

تقدَّم الشيخ علي يوسف ومعه صديقه الشيخ أحمد ماضي أحد رفاقه في الأزهر فأنشأ صحيفة المؤيد وكان الشيخ أحمد ماضي, معروفًا بالذكاء والنباهة وفيه هوًى شديد إلى الكتابة والإنشاء وكثيرًا ما كتب بصحيفة الآداب التي كان يصدرها صديقه الشيخ علي يوسف فلا عجب أن يشرك زميله في عمله الصحفيّ الجديد.

ولكن عقبةً أثيرت في طريق المؤيد وهي في مستهلِّ الطريق إذ لم يلبث الشريكان أن اختلفا ولا ينزل أحدهما عن الشركة إلّا على مال والشيخ علي يوسف لا يجد من المال ما يسعفه ، وهنا اهتزت أريحة – المغفور له – سعد زغلول باشا فأعانه في حلكة اليأس وأمده بما خَلَّصَ المؤيد له ، ولما أتى صاحب المؤيد بمطبعة جديدةٍ من طراز فاخر وعقد لذلك حفلًا رائعًا في دار المؤيد خطب في الجمع فأتى على سيرة هذه الحادثة ونوّه بفضل سعد زغلول – المستشار بمحكمة الاستئناف – الذي أبى أن يسمع الخطبة إلّا واقفًا.

أغراض المؤيد : صدرت المؤيد في أول ديسمبر سنة ١٨٨٩ م ومن أهم أغراضها كما تقول بَثُّ الأفكار المفيدة والأخبار الصادقة والمبادرة إلى نشر الحوادث الداخلية من باب الاعتبار والتحذير أو الترويج والتبشير غير تاركةٍ شأن التجارة الداخلية والخارجية ومن واجباتها نشر كل ما يهم الوطنيّ معرفته من الحوادث معتمدةً في كل ذلك على البرهان القويّ والسند المثبت والخدمة الحقيقية والبحث الدقيق وإرسال النظر خلف كل سائحة.

وقد كانت المؤيد مؤيدة لحكومة رياض باشا مواليةً له ولا بدع في ذلك فهو الذي ارتاح لإنشائها وصرّح بها وقد عملت على نشر الأغراض التي أنشئت من أجلها في رويِّةٍ وهوادةٍ وبذلك ظفرت برضا المسلمين الوطنيين وبثقتهم.

أصبحت المؤيد ميدانًا للأقلام المشبوبة التي يجريها على صفحاتها زعماء السياسة والأدب والاجتماع وجرى المؤيد إلى غاياته طلقًا يرفده بالمقالات الرائعة أبطالُ الراي والأدب والعلم من أمثال الشيخ محمد عبده وسعد زغلوك بك ومصطفى كامل وقاسم أمين ومصطفى لطفي المنفلوطي وفتحي بك زغلول وحفني بك ناصف وإبراهيم اللقاني ومحمد المويلحي وإسماعيل أباظة ، وعالجت هذه الأقلام وعالج معها صاحب المؤيد هذه الموضوعات المصرية الإسلامية في مقالاتٍ مسهبةٍ قد تبلغ الصحفة الأولى جميعًا.

وقد كانت المؤيد ممتازة من بين الصحف المصرية بالدفاع عن الوطن والذود عن حقوقه ومهاجمة الاستعمار في شتى أساليبه فكانت قلب الوطن الخافق ولسانه الناطق ودأبت على مهاجمة الأجانب كلما وافتها الفرص والأسباب وصوّرت ظلم الاحتلال للمصريين وعسفهم بهذا الوطن المنكود.

ولعل مما يحسن ذكره إيراد أبياتٍ من القصيدة الرائعة التي نظمها المرحوم حافظ بك إبراهيم في رثاء صاحب المؤيد فما قاله في ذلك : كم أرجفوا بعد موت الشيخ وارتقبوا .. موت المؤيد فينا شر مرتقب .. وإن يمت تمت الآمال في بلد .. لولا المؤيد لم ينشط إلى طلب .. صبابة من رجاء بين أضلعنا .. قد بات يرشف منها كل مغتصب .. الم يكن لبني مصر وقد دهموا .. من ساحة الغرب مثل المعقل الأشب.

تراءى لدار الوكالة البريطانية أن ساعد المؤيد قد اشتد وأن خطرها قد تفاقم فلم تطق صبرًا على أمرها ولم تدعها تنفث في الناس أفكارها فأمرت بمعنها من دخول السودان وحوربت بشتى الأساليب فكانت تمنع هنا وهناك دون علم إدارتها فلا تصل إلى مشتركيها ، هبت على المؤيد رياح وأنواء كان من شأنها أن تعصف بها ولكنها كانت تستمد من الأحدث قوةً ولم يهن عزم صاحبها بما دبر له من كيد وعنت وما ارتصد له من ضيق وعسف بل كان يمضي في طريقه قدمًا.

هذا هو الاستعمار يضيق على المؤيد ويخلق لها المتاعب والعقبات فيحرم إصدرها في السودان والشرق ثم يحرض صحفه على مهاجمتها والنَّيْلِ منها ويشيرها على المؤيد فتكتب ملبيةً داعي الاحتلال ونداءه ، تلك هي المقطم بوق الاحتلال وداعيته تعتبر صاحب المؤيد جاهلًا بآداب المناظرة وتحمل على مصطفى كامل لأنه دعا إلى تكريم المؤيد لأنها أقدر الصحف على الإساءة إلى المقطم وأصحابه

ثم هي توجه نظر الصحف الأوربية إلى ما تنشره المؤيد وتحكم إلى الرأي العام ليحافظ على التقاليد الخديوية المشهورة بمنع التقسيم بين الرعية وتشرح للصحف العربية خطر الدعوة إلى تبثها المؤيد وأذنابها من الصحف وتلفت نظر صحيفة (الحقوق) إلى ذلك إذ لا تجد جريدةً أخرى من الجرائد العربية التي انتصرت للمؤيد تستحق أن تذكر على مسمع من أهل الفضل والأدب.

كتبت المقطم” ذلك واحتفلت الصحف الأجنبية بما كتبته وبذلت كبريات الصحف لذلك اهتمامًا بليغًا ومن هذه الصحف (لوبروجريه اجبسيان) التي ردت على الشيخ علي يوسف حملته وهاجمت سياسة التعصب وأغرت الحكومة بهذه الصحيفة لأنها تدعو إلى التعصب الذي من شأنه أن يعرض الأمن للاضطراب وحياة الأوروبيين للخطر لأن الشيخ علي يوسف يدعو إلى أن يقوم قسم من الشعب بذبح القسم الآخر.

ولم تقتصر صحف الاحتلال على مهاجمة المؤيد فسحب بل كانت تناهض الصحف الموالية لها مناهضة جاهدة ومن هؤلاء صحيفة (المقياس) التي كانت تطبع في دار المؤيد وتكتب مقالاتها بوحي من الشيخ علي يوسف وأنصاره ، والحق أن المقياس كانت قاسيةً صريحةً في عصبيتها للدين والوطن وأنها سلّت أقلامها للنيل من المقطم وأصحابه وحملت عليها حملةً شعواء وأساءت إلى المسيحيين إساءات لا لبس فيها ولا إيهام إذ نشرت مقالًا بعنوان (يضرمون نار التعصب وينكرون).

ثم إن صحف الاحتلال تذكر ما تنشره المقياس من نثر وشعر تدعو فيه إلى أن يسل المسلمون سيوفهم ويقتلون الكافرين لأنهم زلزلوا صروح دين المسلمين ، وقد حكى صاحب (مرآة العصر) أن قناصل الدول قرروا مرةً مخاطبة رئيس مجلس النظار دولة رياض باشا في هذا الشأن فأجابهم بما ينفي الريب ، ثم حَدَثَ أن الحكومة أعادت إنشاء قلم المطبوعات في نظارة الداخلية مرةً ثانيةً تحت رياسة أحد الأجانب فكان يتعقب المؤيد في كل ما يصدر منه ويناقش صاحبه الحساب على كل سطر يكتبه فيه.

وهناك عامل آخر غير الاستجابة لرغبات الاحتلال حمل المقطم ونظرائها على مناهضة المؤيد والكيد له وذلك هو حسدها على ما بلغته من مكانة وما توالى لها من مجدٍ وشهرةٍ ، ولعل مما يؤيد ذلك موقف المقطم من صاحب المؤيد في قضية الزوجية المشهورة التي شغلت المجتمع المصريّ ردحًا من الزمن وكانت مادةً خصبة للصحف والمجامع.

وذلك أن الشيخ عليًّا يوسف أراد أن يتزوج ابنة السيد عبد الخالق شيخ السادات الوفائية ورات هي هذا الرأي معه وانعقد عزمهما على إتمام الزواج دون علم شيخ السادات الذي عارض الفكرة أشد المعارضة ورأى الصحفي غير كفء لابنته لأنه دونها حسبًا ونسبًا ، وتَمَّ العقد كما يقضي بذلك الشرع ولكن والد العروس أصر على إبائه وثار على الواقع فأقام الدعوى في المحكمة الشرعية ليحال بين ابنته وزوجها ولأنه يمتهن مهنةً لا يكرم بها صاحبها.

كان لهذه القضية ضجةً في الصحف شغلت الأذهان وكان للدفاع فيها حظ من البيان الرائع والحجة المناهضة ، وحاولت الحكومة أن تحول دون فصل الزوجين وتنفيذ قرار القاضي وكاد قاضي القضاة أن يثير أزمةً حادةً في دوائر القضاء ويوقف القضايا الشرعية جميعًا ويغلق أبواب المحكمة لولا أن الحكومة نزلت عند أمره وحالت بين الزوج وزوجته إلى أن يفصل في القضية ، ثم إنه كتب له الفوز في هذه القضية وتولى مشيخة السادة الوفائية خلفًا لصهره المرحوم السيد عبد الخالق السادات.

ونظرة إلى موقف الصحف من هذه القضية وموقفها من صاحب المؤيد تريك كيف كان الشيخ على يوسف محسودًا على مجد صحيفته ، أما صحف الأقباط فقد حرص كثيرٌ منها على عدم الخوض في هذا الموضوع خلا مصر والمقطم ، فأما مصر فقد ساءها قرار محامي السادات في الصحافة فهي ترى أن ما قاله الشيخ الفندي وكيل السادات تعريضًا بالصحافة وحسبانها من المهن الدنيئة المضرة لا يصدر إلّا عن الجاهلين الأغبياء الذين لا يدركون ولا يفهمون.

وأما المقطم فقد حرصت على نشر تفاصيل القضية نشرًا يظهر فيه الغرض والتشفي دون أن يعلق الكاتب على اتهام المحامي والمحكمة الصحافة بأسوأ ما تتهم به حرفة من الحرف ، وأما المنار فقد كانت صحيفةً مواليةً لصاحب المؤيد في قضيته وكان من الممكن أن يغار صاحب المقطم على كرامة الصحافة التي امتهنها الدفاع وأن يقول كلمة إصنافٍ لمهنة هي مهنته ولكنّ حقده على صاحب المؤيد أعماه عن الدفاع عن مهنته والغيرة على شرف عمله بل إنه وجد من القضية فرصةً اهتبلها لينَفِّس بها من كربه ويفرِّجَ بها غيظه الدفين.

ومما قام في طريق المؤيد من عقباتٍ أن استدعي المرحوم حسن باشا حسني من الأستانة لينشأ صحيفةً تقوم مقام المؤيد لدى الرأي العام كي يتقلص بها ظل المؤيد وتفقد رواجها وشهرتها ، وقد حضر حسن باشا حسني إلى مصر وأنشأ صحيفة النيل تلبيةً لهذه الرغبة ولكنها لم تنل من المؤيد ولم تقف بجانبها وظلت المؤيد على مكانتها صحيفة العالم الإسلاميّ التي يتطلع الناس إليها أعناقهم ويمدون إليها أنظارهم.

وقد حدث أن اتهم صاحب المؤيد بسرقة رسالة برقية بعث بها السردار إلى ناظر الحربية ونشرها المؤيد بحروفها صبيحة ورودها فلما عرض الأمر على القضاء أبرأ ساحته وقامت على أثر براءته مظاهرات وطنية تهتف لصاحب المؤيد الذي حمله الجمهور على الأعناق وتوافد عليه من الرسائل البرقية ما يكاد يبلغ الألفين.

تلك الحواجز التي قامت في طريق المؤيد لم تعثر خطاها بل زادتها قوةً وإجفالًا وبحسبك أن تقف على أطوار النمو للمؤيد لتعلم أنها كانت مطردة القوة والحياة فقد كان عدد النسخ التي تطبع منها في السنة الأولى كل يومٍ لا يزيد عن ٨٠٠ نسخة وبلغ في السنة الثانية ١٢٠٠ وفي السنة الثالثة ٢٠٠٠ نسخة وظل على ذلك في الرابعة والخامسة وفي السنة السادسة بلغ ما يطبع منها ٢٨٠٠ نسخة وفي السابعة ٤٠٠٠ نسخة وكان كذلك حتى شهر أغسطس سنة ١٨٩٦ م.

وما انتهت القضية حتى كان متوسط ما يطبع منها في اليوم ستة آلاف نسخة وأمّا ما كان يطبع منها في أثناء مرافعات القضية فإنه بلغ عشرة آلاف نسخة كما بلغ مثل ذلك أيام حرب الدولة ، وفي كثير من الأيام كان ما يطبع منها يتجاوز هذا الكم بألفٍ أو ألفي نسخة وأما المتوسط الذي انتهى إليه ما يطبع كل يومٍ من المؤيد إلى آخر ديسمبر سنة ١٨٩٧ م فهو ثمانية آلاف نسخة وهي غايةٌ لم تدن منها صحيفةٌ ما في جميع الأقطار العربية في ذلك الحين.

خاتمة المؤيد : كانت صحيفة المؤيد في طليعة الصحف التي ناهضت الاحتلال ونفخت في المصريين من روح عزمها وقوة مضائها ، وخلال هذا النضال الذي تستمر فيه الأقلام تَمَّ الاتفاق الودي بين فرنسا وانجلترا في ٨ من إبريل سنة ١٩٠٤ وكان هذا الاتفاق صدمةً عنيفةً للمصريين فقد نصّت المادة الأولى منه على أن انجلترا ليس في نيتها تغيير الحالة السياسية لمصر والتزمت الحكومة الفرنسية من جانبها بأن لا تعرقل عمل انجلترا في هذه البلاد.

وإذ ذاك بدأت صفحة جديدة في تاريخ الحياة المصرية ودَبَّ اليأس إلى كثير من النفوس وكان هذا الاتفاق عاملًا من العوامل الأساسية في تغيير الاتجاهات الصحفية وتنكب أصحاب الأقلام عن سياستهم الأولى ، لقد كانت نتيجة هذا الاتفاق فتور السماحة الوطنية في نفوس الكثيرين وفترت معها شدة معظم الصحف الوطنية ، فتلك هي الأهرام تلتزم جانب الحيادة ولو إلى حين وهذه هي المؤيد يلين أسلوبها وتخف حدتها ويهدأ تيارها.

فترت الصحف الوطنية خلا  اللواء التي كان مصطفى كامل يصدرها فقد ظلت مشبوبة الروح ثائرة الفكر فياضة الحماسة ، ولم تكن اللواء في مستَهَلِّ ظهورها لتنال من مكانة المؤيد الراسخة المؤثلة ولكن صاحب المؤيد التوى طريقه وجنح إلى السلم قلمه واستطاع الاحتلال أن يعطفه إلى جانبه واحتفل الإنجليز بمقدمه يوم أن زار بلادهم وقال في لندن كلمته المشهورة : (إن لندرة كعبة المصريين السياسية).

من ذلك الحين تقلص ظل المؤيد وخفت صوتها وانكمش مجدها وبدأت تفسح الطريق للواء تخفق في ربوع البلاد فتخفق معه قلوب وتهتز به مشاعر وأحساسات ، ومما مَهّدَ لهذه الخاتمة ما كان لاغتيال بطرس غالي رئيس الحكومة في ٢٠ من فبراير سنة ١٩١٠ من أثر في التضييق على الصحف وحرية القول فقد صدر بمقتل هذا الرجل ثلاثة قوانين كانت حربًا على الصحف وحريتها وشرعت صحف المسيحيين تفحم المسألة الدينية في سياستها وتفيض بالعصبية والملاحاة.

نعم إن هذه المساجلات هيأت ثروةً أدبيةً خصبةً وأنتج الأدباء والشعراء روائع الأدب وبدائع الشعر في تأييد وجهات النظر المتباينة كما ترك هذا الخلاف كتبًا عربيةً وإفرنجيةً قيمةً ، ولكن قانون المطبوعات كانت هزةً عنيفةً أصابت الصحف عامة وجرائد مصر مهما تباينت مبادئها واختلفت مذاهبها تتفق على انتقاد هذا القانون وتقييد حرية الصحافة به.

أطلقت الحكومة بوحيٍ من الإنجليز يدها للتنكيل بالصحفيين وتعذيبهم واتخذت في اضطهادهم ألوانًا شتى بين إنذار وسجن وتعطيل وقد أصدرت أمرًا بتعطيل اللواء صحيفة الحزب الوطني لأنها عينت محررًا مسئولًا دون حصولها على إذن بذلك وعطلت صحيفة العلم مرةً بعد مرةٍ ثم أمرت بتعطيلها نهائيًّا.

ولم تقو الصحف على احتمال هذه الصدمات وكان من أثر ذلك أن تنكبت طريقها وتعثرت في سبيلها ، وقد قررت جريدة الشعب أن إرهاب قانون المطبوعات ضيّق على الصحف فأخذت تصور الرأي العام صورةً مشوهةً خوفًا من بطشه كما جعل الصحف الإسلامية في تناقص والقبطية في تزايد إذ أغلق ستًا من الأولى لم ينشأ على أنقاضها إلّا صحيفتان قبطيتان هما الرقيب والإقدام.

ذلك هو الجو الخانق الذي تنفست فيه الصحف وتلك هي الكوارث التي كرثت بها الأقلام التي طالما شرعت رماحًا دينية لم يطب للمؤيد في هذا الجو جهادًا ولم يسع لصاحبها فيه حياة فأصبحت شركةً بينه وبين غيره واتجهت اتجاهًا جديدًا لا قوة ولا حياة فيه ، وتخلى عنها الشيخ علي يوسف في سنة ١٩١٣ بعد أن أصبح شيخًا للسادة الوفائية وبيعت أدواتها في ١٧ أبريل سنة ١٩١٦ فاختتمت بذلك تاريخها الحافل ومجدها العظيم.

مكانة المؤيد وصاحبه : بلغت المؤيد مكانةً تتقاصر دونها جميع الصحف العربية في عصرها وانتهت من الشهرة إلى ما عجزت عنه آمال الصحفيين المعاصرين وبلغ صاحبها منزلةً تتقصف دونها أعناق الرجال فقد كان يرمى بالأصابع وتخفق القلوب عند ذكره أو الحديث عن صحيفته. وقد قالت الأجبشيان غازيت : قَلَّ أن يوجد بين الصحفيين من يستطيع الوقوف إلى جانب المؤيد ، ولا يوجد ذو مسكة من العقل لا يضع الشيخ عليًّا يوسف في أعلى طبقة من طبقات رجال الصحافة فإنه تمكن بالجدِّ والاجتهادِ والمثابرةِ من إيصال جريدته إلى درجة (التيمس) لا في العالم العربيّ فقط بل في جميع العالم الإسلاميّ وكثيرًا ما كانت تسمى (تيمس الشرق).

ويقول لطفي السيد باشا : لو وجد في مصر كل يومٍ مائةُ صحيفةٍ وأخرج معهد الصحافة كل يوم مائة أستاذ فلن يوجد في مصر صحفيٌّ مثل علي يوسف ولا صحيفة مثل المؤيد ، ولطفي السيد من شيوخ الصحافة والأدب فقد أخرج من قبل صحيفة الجريدة ومجلة الشرائع ، ويقول الدكتور تشارلز أدمس صاحب (الإسلام والتجديد) : أما الشيخ علي يوسف فقد كان صحفيًّا ماهرًا له دهاء يشوبه المكر أحيانًا وقد رفع المؤيد إلى مقام الصدر في العالم العربي.

ويقول جورجي زيدان بك : جريدة المؤيد أشهر الجرائد الإسلامية وأوسعها انتشارًا في أنحاء العالم الإسلاميّ ، ويقول المرحوم الشيخ عبد العزيز البشري : ويسير المؤيد ويذهب صيته لا في مصر ولا في العالم العربيّ فحسب بل في العالم الإسلاميّ كله فلقد أصبح لسانه المعبر أفصح تعبير عن حقيقة حاله والمترجم أفصح ترجمة عن آلامه وآماله متحدث أخبار المسلمين وراويها وملتقى أفكارهم في أقاصيّ الأراضي وأدانيها ، لا يرحل الناس إلّا نحو حجرته .. كالبيت يفضي غليه ملتقى السبل.

أسلوب صاحب المؤيد : قلنا إن صاحب المؤيد بدأ كتابه بمجاراة كُتَّابِ العصر ولكنه لم يلبث بترويض قلمه وتدريب بيانه أن استقام له بيانٌ مشرق عذب ما زال ينصقل ويعلو حتى بلغ ما شاء الله أن يبلغ في هذا الضرب من البيان وحتى سوّى لنفسه أسلوبًا كتابيًّا لا عهد للناشئ به من قبل ولا من بعد حتى الآن.

كان يجمع في كتابته بين انطلاق الأسلوب وسلامته وقوة الكلام ومتانة رصفه وقد وافاه من نفاذ الحجة ومضاء البرهان في حواره السياسيّ ما لم يتوات إلّا القليل من الكتاب ، كان شديد الهيمنة فيما يكتب نافذ السطوة قويّ الأخذ وإنك لتقرأ له المقال يفتنك ويروعك وتشعر أن أحدًا لم ينته في البيان منتهاه ثم تقلب صحيفته وتفتشها فلا تكاد تقع على شيء من هذا الذي يتكلفه صدور الكتاب وبهذا أنشأ الرجل لنفسه أسلوبًا وعلى الأصح لقد خط قلمه القويّ النهج من البلاغة غير ما درج عليه الناس من منازع البلاغات.

كان يجمع الموضوع من أقطاره وتشفى الغلة باستيفائه ويسمو بسطوة قلمه على كل كاتب فحل وقد أثر عنه أنه كان فيّاض الخاطر متدفق المعاني سريع الكتابة لا يتوقف ولا يتردد ثم يدفع بالمقال فإذا هو سَويّ لا عوج فيه ولا تجد المراجعة إليه منفذًا.

وكان مما يشاع عنه – وعي الخصوم أن يكونوا من أشاع – أنه يقول : أنا لا أبالي أن أخسر هذا البلد ففي إمكاني إن أعود فأكسبه بثلاث مقالات ، فإن صحّ هذا القول إليه فثقة أحسها في نفسه فزها بها ودل وما خسر البلد وما خان وإن كان خصومه هم الذين تَقَوَّلُوا عليه فإنهم لم يجردوه فيما وصفوه من فضله الذي امتاز به “.

75 / النظرات

المنفلوطي هو اللقب الذي عرف به أديب مصري ونابغة في الإنشاء والأدب تفرد بأسلوب أدبي فذ  وصياغة عربية فريدة في غاية الجمال والروعة تجلت في كافة مقالاته وكتبه كما نظم الشعر في رقة وعذوبة ، ويعتبر العديد من النقاد كتابيه النظرات والعبرات من أبلغ ما كُتب بالعربية في العصر الحديث ، ولد مصطفى لطفي محمد لطفي محمد المنفلوطي في بلدة منفلوط بالصعيد عام 1292 هـ / 1876 م لأب مصري وأم تركية وعُرفت أسرته بالتقوى والعلم ونبغ فيها الكثير من القضاة الشرعيون والنقباء على مدار مئتي عام.

التحق بكتَّاب القرية فحفظ القرآن الكريم كله وهو في التاسعة من عمره ثم أرسله أبوه إلى الجامع الأزهر بالقاهرة فظل يتلقى العلم فيه طوال عشر سنوات حيث درس علوم العربية والقرآن الكريم والحديث الشريف والتاريخ والفقه وشيئًا من الأدب العربي الكلاسيكي ، وقد وجد في نفسه ميلًا جارفًا نحو الأدب فأقبل يتزود من كتب التراث في العصر الذهبي كما طالع كلاسيكيات التراث الضخمة وذات التأثير الجلي في الثقافة العربية والإسلامية مثل كتاب الأغاني والعقد الفريد وسواهما من كتب التراث.

لم يلبث المنفلوطي وهو في مقتبل عمره أن اتصل بالشيخ الإمام محمد عبده فلزم حلقته في الأزهر واستمع لشروحاته العميقة لآيات القرآن الكريم ومعاني الإسلام بعيدًا عن التزمت والخرافات والأباطيل والبدع ، وبعد وفاة أستاذه الإمام رجع المنفلوطي إلى بلدته  ومكث عامين متفرغًا لدراسة كتب الأدب القديم فقرأ للجاحظ والمتنبي وأبي العلاء المعري وغيرهم من الأعلام وكون لنفسه أسلوبًا خاصًّا يعتمد على شعوره وحساسية نفسه.

يتحاكى كثير من الناس بعبقريته الإنشائية  حيث كان يتمتع بحسٍّ مرهف  وذوق رفيع وملكة فريدة في التعبير عن المعنى الإنساني من خلال اللغة ، وقد أصقل هذه الموهبة بشغفه المعرفي وتحصيله الأدبي الجاد فجاءت كتابته رفيعة الأسلوب أصيلة البيان فصيحة المعنى  غنية الثقافة ندر أن نجد لها مثيلًا في الأدب العربي الحديث.

وقد صعدت روحه إلى بارئها عام 1342 هـ / 1924 م فكان مثال هذه الروح هو بحق الوردة العطرة التي فنيت والصخرة الجَلْدة التي بقيت ، للمنفلوطي أعمال أدبية كثيرة اختلف فيها الرأي وتدابر حولها القول وقد بدأت أعمال المنفلوطي تتبدى للناس من خلال ما كان ينشره في بعض المجلات الإقليمية كمجلة الفلاح والهلال والجامعة والعمدة وغيرها ثم انتقل إلى أكبر الصحف وهي المؤيد وكتب مقالات بعنوان نظرات جمعت في كتاب تحت نفس الاسم على ثلاثة أجزاء.

ومن أهم مؤلفاته : النظرات (ثلاث أجزاء) ويضم مجموعة من مقالات في الأدب الاجتماعي والنقد والسياسة والإسلاميات وأيضاً مجموعة من القصص القصيرة الموضوعة أو المنقولة جميعها كانت قد نشرت في الصحف وقد بدأ كتابتها منذ عام 1907 م ، العبرات : يضم تسع قصص  ثلاثة وضعها المنفلوطي وهي : الحجاب ، الهاوية ، وواحدة مقتبسة من قصة أمريكية اسمها صراخ القبور للكاتب جبران خليل جبران وجعلها بعنوان : العقاب ، وخمس قصص عربها المنفلوطي وهي : الشهداء ، الذكرى ، الجزاء ، الضحية ، الانتقام.

ومن أشهر قصائده الشعرية ما قاله مخاطبا نهر النيل : عهدناك صبًّا بالوفاء فما لنا .. نرى ماء ذاك العهد قد صار بنضب .. قسوتَ وما عهدي بقلبك صخرة .. فجوهرك السيّال بالرفق أنسب .. فرحماك نهر النيل بالأنفس التي .. إذا لم تداركها برحماك تُعطب .. فمدّ يداً بيضاء منك تنيلنا .. من الخير ما نرجو وما نتطلب .. وليس لنا إلا الدموع وسيلة .. إليك فإن الشبه بالشبه يجذب .. لقد كان في فيض المدامع نافع ..      لغلتنا لو كان مثلك يعذب.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المنفلوطي ، نابغة في الإنشاء والأدب انفرد بأسلوب نقيّ في مقالاته وكتبه له شعر جيد فيه رقة وعذوبة ، ولد في منفلوط (من مدن الوجه القبلي بمصر) من أسرة حسينية النسب مشهورة بالتقوى والعلم نبغ فيها، من نحو مئتي سنة قضاة شرعيون ونقباء أشراف.

وتعلم في الأزهر واتصل بالشيخ (محمد عبده) اتصالا وثيقا وسجن بسببه ستة أشهر لقصيدة قالها تعريضا بالخديوي عباس حلمي وقد عاد من سفر وكان على خلاف مع محمد عبده ، مطلعها : قدوم ولكن لا أقول سعيد .. وعود ولكن لا أقول حميد.

وابتدأت شهرته تعلو منذ سنة 1907 بما كان ينشره في جريدة (المؤيد) من المقالات الأسبوعية تحت عنوان (النظرات) ، وولي أعمالا كتابية في وزارة المعارف (سنة 1909) ووزارة الحقانية (1910) وسكرتارية الجمعية التشريعية (1913) وأخيرا في سكرتارية مجلس النواب واستمر إلى أن توفي.

له من الكتب : النظرات ، وفي سبيل التاج ، والعبرات ، والشاعر او سيرانو دي برجراك ، ومجدولين ومختارات المنفلوطي (طبع الجزء الأول) ، وبين كتبه ما هو مترجم عن الفرنسية ولم يكن يحسنها وإنما كان بعض العارفين بها يترجم له القصة إلى العربية فيتولى هو وضعها بقالبه الإنشائي وينشرها باسمه ، ولمحمد زكي الدين : (المنفلوطي، حياته وأقوال الكتاب والشعراء فيه ، والمختار من نثره وشعره) ولأحمد عبيد (كلمات المنفلوطي) مذيل بخلاصة ما قيل في وصفه وتأبينه “.

وترجم له محمد كامل الفقي في كتابه وأثره في النهضة الأدبية الحديثة فقال : ” السيد مصطفى لطفي المنفلوطي المتوفي سنة المتوفى سنة ١٣٤٢هـ / ١٩٢٤ م ، نشأته وحياته :  السيد مصطفى المنفلوطي بن محمد المنفلوطي ولد في سنة ١٨٧٦ م بمدينة منفلوط واليها ينتسب ، وقد انحدر من أسرة عريقة عرفت بالوجاهة والحسب وتوارثت القضاء الشرعي ونقابة الصوفية زهاء مائتي عام وأما أبوه فعربي واضح النسب يمتد إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما وأما أمه فهي وثيقة القرابة بأسرة الجوربجي التركية الضاربة في الشرف والمجد.

حفظ القرآن بالمكتب ثم اتجه إلى الأزهر فتلقى علومه به وكان معروفا بين أقرانه بحدة الذكاء وسلامة الذوق وصفاء الفكر وقد نزع إلى طريقة ارتضاها لنفسه غير الطريقة التي درج عليها أبناء الأزهر فكان يطالع الدروس على طريقة يخلص منها إلى تحرير الفكرة وتحديد الجوهر غير مبال بما يعترضه من جدل ونزاع لفظي ، وأكب في صباه على كتب الأدب يغذي هواه ويروي فطرته فقد نشأ شغوفا بالأدب مفطورًا على التقليب في آثاره والتروي من روائعه ومحاسنه ودرس فيما درس طائفة من كتب الطبيعة والحكمة والأخلاق.

وأقبل على الأشعار يحفظها والشوارد بتصيدها ونظم الشعر وحرر الرسائل وذاع صيته بين الناس وبين الأزهريين خاصة فقربه الإمام المرحوم الشيخ محمد عبده ووجد في ظلال الإمام التوجيه النافع والهدى الموفق ، وما لبث المنفلوطي أن اتسع له صدر الإمام فلازمه وصاحبه وتردد على درسه وتغشى منزله ، ودامت هذه الصلة الوثيقة عشر سنين كانت للمنفلوطي غذاء لروحه وتوجيها لفكره وتعبيدا لطريق حياته وأثمرت صلته بالإمام معرفته بالمرحوم سعد باشا زغلول فهش له وقدر مواهبه وتفطن لما شب عليه من صفاء القريحة وسلاسة الأسلوب فقربه ورعاه.

وقد بلغ من حب المنفلوطي للإمام وتعلقه به أنه انتبذ مكانا قصيا إلى أهله بمنفلوط حين استأثر الله بالإمام وأظلمت الدنيا في محياه وابتأس حين أوحشت حياته من لقائه ، ثم بدد عزلته النائية التي بكى فيها أستاذه وموجهه الشيخ محمد عبده فراسل المؤيد برسائله الممتعة التي طالما أتلع الناس إليها أعناقهم واستشرفوا للقائها وتزاحموا على ورودها ، وقد كانت ترد إليه رسائل من أقاصي البلدان تسأله أن يعالج موضوعا أو يجلي حادثا أو يعلق على أمر ذي بال والناس لمطلعها مشوقون.

وقد تأثر المنفلوطي بالشيخ محمد عبده فطبع بطابعه ونهل من شعوره وانصرف منصرفه في معالجة الشئون وتناول الإصلاح الوطني والخلقي والاجتماعي ، ويتجلى تأثره به في الحملة التي شن غارتها على المفاسد التي دخلت على الإسلام وفي دعوته إلى الإصلاح تلك الدعوة التي اصطبغت بالصبغة التي نجدها في كثير من كتابات الشيخ محمد عبده ، وقد نسب إليه في أثناء طلبه العلم بالأزهر أنه هجا الخديو السابق بقصيدة نشرتها إحدى الصحف الأسبوعية فحكم عليه بالسجن وقضى به مدة عقوبته ثم شفع له بعض المقربين لدى الخديو فعفا عنه ويرى بعض الأدباء أن القصيدة من عمل غيره ونسبت له “.

ولما ولي سعد زغلول باشا نظارة المعارف عينه محررا عربيا لها فأصلح من أسلوب الكتابة بها وأشرف على لغة الكتبة وتعهدهم بالرعاية والإرشاد حتى إذا ما حول سعد إلى نظارة الحقانية استصحبه معه لمثل هذا العمل فكان له فضل عظيم في ترقية الكتابة وتقدم لغتها وتخلصها من الركة والعجمة والضعف بقدر ما وسعته الجهود وبعد عامين فصل من هذا العمل ، ولما انعقد البرلمان عين كاتم سره وكان القدر قد أراد أن تنطفئ شعلته فمضى إلى ربه في العقد الخامس من عمره عام ١٩٢٤ م.

وكان رحمه الله عالي النفس عزيزا متوقرا يجافي صغائر الأمور ولا يتعلق إلا بجلائل الأعمال نزاعا إلى الحرية عيوفا من كل ما يدنس صفحته كريم الخلق طيب السريرة في تواضع جم وكرم نفاح ، وقد عاش طول حياته لم يلوث يده بأجر على ما كان يكتبه على جلالة شأنه ونباهة ذكره ما يهيئه من الرفعة وعلو المكانة لمن يحظى بقلمه مؤيدا ومعاضدا.

وقد اجتمعت عليه عداوات وأرثت أحقاد من طول ما لقيه من الشهرة بأدبه وبعد الصيت بقلمه وتألبت عليه الأقلام تنوشه وتنهشه حقدا وموجدة وهو ثابت كالطود موفورًا الحلم والأناة واسع العفو والإغضاء فكان كما قال : إذا ما سفيه نالني منه نائل .. من الذم لم يحرج بموقفه صدري .. أعود إلى نفسي فإن كان صادقا .. عتبت على نفسي وأصلحت من أمري .. وإلا فما ذنبي إلى الناس أن طغى .. هواها فما ترضى بخير ولا شر.

وقد صور المرحوم أحمد شوقي بك أمير الشعراء خصومة حساده وكلفهم بتتبعه وأنصف حلمه وسعة صدره وعفوه عن خصومه اللد فقال في رثائه له : سكن الأحبة والعدا وفرغت من .. حقد الخصوم ومن هوى الأشباع .. كم غارة شنوا عليك دفعتها .. تصل الجهود فكن خير دفاع ..  والجهد مؤت في الحياة ثماره .. والجهد بعد الموت غير مضاع .. فإذا مضى الجيل المراض صدوره .. وأتى السليم جوانب الأضلاع .. فافرغ إلى الزمن الحكيم فعنده .. نقد تنزه عن هوى ونزاع.

أدب المنفلوطي : لقي الأدب بالمنفلوطي حياة جديدة وتهيأت له بقلمه جدة وروعة فأينع وانتعش ، كان رشيق القلم عذب البيان فصيح التعبيير مشرق الديباجة محكم الرصف متين النسج وكان مرهف الحس دقيق التفطن لمواطن البلاغة طروبا للتعبير الفخم والتركيب المحكم يحتفل بأسلوبه ويجود في صياغته إذا هبطت عليه سجعة فذاك وإلا لم يتكلف طلبها ولم يتعمل.

وإذا جاز أن يكون الأدب العربي المعاصر قبل المنفلوطي دائرا على اللفظ يغل الفكرة فلا يتوخاها ويغضي عن المعنى فلا ينفذ إلى روائعه ، فإن المنفلوطي كان أحد أولئك الأدباء القلائل الذين أدخلوا المعنى والقصد في الإنشاء بعد أن ذهب منه كل معنى وضل به الكاتبون عن كل قصد ، وقد حدث المستعرب أغناطيوس فيما قاله عن الأدب العربي الحديث ورجال له فقال : امتاز مصطفى لطفي المنفلوطي وهو أصغر تلاميذ الشيخ عبده سنا بالجهود الموفقة لابتكار أسلوب جديد شائق ويمكننا أن نقول إنه نجح كثيرا عن جدارة واستحقاق.

وكان المنفلوطي صاحب طريقة في الأدب وذا مكان ملحوظ فيه ولقد بهر الناس أدبه وفتنهم روعته وجذبتهم طريقته السهلة المشرقة المتدفقة حتى كان محفوظ التلاميذ مرقوب المتأدبين وكان بحيث لو لم يذكر المنفلوطي مع ما يكتبه لنم أسلوبه عنه وهدى إشراقه إليه ، ومن أهم ما يسر له هذه المكانة بعد روائع أسلوبه الذاتية بروز شخصيته فيما يكتب ويصور حتى قال المرحوم سعد زغلول باشا : إني لأرى لك في كتابتك شخصية أتمنى أن أجدها كثيرا في أقلام الكاتبيين.

وكان رفيع الأدب في كل ما يكتب فلم يسف في مقال ولم يتدل في موضوع بل كان الكاتب الفريد الذي يحافظ على أسلوبه في جميع حالاته وشئونه سواء في ذلك المعاني المطروقة لكتاب العربية الأولى أو التي لم يكتبوا عنها شيئا ولم يرسموا لها أسلوبا مما يدل على أن السليقة العربية ملكة من ملكاته لا عارية من عواريه.

ولم يكن مفتونا بالصنعة متهافتا على تجويد الأسلوب بل كان طبعه يغلب صناعته ولم تكن الصنعة لتخلق أديبا كالمنفلوطي في نباهة شأنه وروعة أدبه ، ولو رجحت الصنعة في أدبه لضل في ثناياها الغرض وغمرت الفكرة وعز عليك أن تجد له هذه الأفكار الحية وتلك الموضوعات الاجتماعية التي يتهم فيها وينجد التي عبر فيها عن خلجات النفوس وخفقات القلوب ومسارح الفكر والشعور وصور بها الآلام والأحزان صورة يرتسم فيها الأسى حتى كان من أشد الأدباء تأثرا بالأدب الغربي واصطباغا بصيغته.

وأول ما بهر الناس من أدبه وفتنهم من جمال أسلوبه ما نشره من (نظراته) في صحيفة المؤيد سنة ١٩٠٨ فقد اهتزت لها القلوب والأسماع ورأى الأدباء والقراء في هذا الفن الجديد ما لم يروا في فقرات الجاحظ وسجعات البديع وما لا يرون في غثاثة الصحافة وركاكة الترجمة ، فأقبلوا عليها إقبال الهيم على المورد الوحيد العذب هذه (النظرات) التي كان الأدباء يتشوقون إليها ويعدون لها أيام الأسبوع يوما بعد يوم ويترقبون لرؤيتها ما يترقبه الضال في ظلمة الليل البهيم من الفجر الطالع والظاميء في المهمة القفر من الغيث الهامع.

امتازت هذه المقالات بطابعها الأنيق ومعالجتها شئونا مختلفة بأسلوب رشيق جمع بين الأدب العالي وإرضاء الذوق لأنها كتبت بلغة موسيقية صافية فكانت بمثابة الوحي يهبط على جمهور تعود قراء الكلفة والتصنع ، وقد انتشرت انتشارا واسعا بين قراء العربية من بغداد إلى مراكش وهذا مما يدل على أنهم ألفوا فيها شيئا قيما كما كانت تمثل الشعور الذي تردد صداه في العالم الإسلامي أبلغ تمثيل.

كان المنفلوطي رحمه الله رحيم الفؤاد رقيق العاطفة يهتز لكل مأساة ويبتئس لكل كارثة وتسيل عبراته على ما تقع عليه العين من شقوة أو بأساء ، ومن كتب في البؤس والمأساة فبلغ ما لم يبلغه أحد وصور ما يعتلج في الأفئدة من هموم وأحزان بقلم باك وبراعة دامية وقال فيه عارفوه ومن صاحبوه : إنه لم يكتب إلا عن فيض شعوره وحسه وإن كتاباته صورة حقيقية لنفسه.

المنفلوطي القصصي : ثم إن المنفلوطي تناول القصة فمهد لها في الأدب العربي طريقا وفسح لها في فنونه مكانا وبلغ بها منزلة سامقة ، وذلك أنه كان يستعين بإخوانه ممن يعرف لغة أجنبية فيستوحيه معاني القصة فإذا ما استقرت في نفسه صاغها بعبارة الساحرة وزانها بقالبه الجميل ولم يكن يتقيد إذ ذاك بعبارات المؤلف ومعانيه.

ولهذه الطريقة حسنات أهمها أنها تمكن الناقل من إظهار ما لديه من شخصية ومقدرة وعبقرية ولكنها من الجهة الأخرى قد تخطئ الغرض الأصلي إذا كان الغرض نقل الأثر الغربي إلى اللغة العربية ،  فالقصص التي ينقلها المنفلوطي بهذه المثابة قد تبعد عن الأصل في ترجمتها أما إذا اعتبرت من وضعه على أنه استعان بواضعها الغربي فهي من جهده الذي يفاخر به.

وأيا ما كان فقد كانت القصص والروايات التي تناولها المنفلوطي مرآة تنطبع عليها العيوب والمآسي الخلقية والاجتماعية بأسلوب مؤثر وعبارة فصيحة ، وإذا كنا لا نستطيع أن نقول إن المنفلوطي في عصره كان أبرع القصاص وأنبغ الرواتيين فإنه لا ريب من خير من عبد هذه الطريق ومن طلائع الذين أودعوا خيال الغرب وذلك لا يعفيه من ضعف الأداء والتحريف في التعبير أحيانًا.

المنفلوطي الناقد : المنفلوطي إذا نقد الأحوال السياسية أو الشئون الاجتماعية أو الأدبية أو تناول نقدا شخصيا بينه وبين مصاول كان بارع النقد لماح الفكر يعالج الموضوع في تحليل مستوعب وإلمام شامل ولا يجمح قلمه فيما ينقد أو يتجاوز العفة والنزاهة وتوخي الحق فيما يرى ، وقد أثر عنه كرم القلم وترفع الأسلوب ونزاهة الرأي على رغم ما ارتصد له من عقارب تنفث سمومها على الصحف وفي المجتمعات ولكنه كان يعتصم دائما بقوله : إن الله وحده هو الذي يستطيع أن يغير طبيعة الإنسان.

ومهما يكن من شيء فالمنفلوطي في الأدب أمة وحده نهج فيه نهجا رفيعا مبتكرًا وخلد بهذا الفن الرائع ذكره واستحق أن تصفه صحيفة الهلال بأنه أمير النثر العصري وأن يقول فيه الأستاذ أحمد الزيات : فإذا قدر الله لأدب المنفلوطي أن يفقد سحره وخطره في أطوار المستقبل فإن تاريخ الأدب الحديث سيقصر عليه فصلا من فصوله يجعله في النثر بمنزلة البارودي في الشعر.

شعره : للمنفلوطي شعر جمع بين الجزالة والسهولة رصين القافية فخم التعبير وله قصائد رائعة متينة السبك محكمة النسج لطيفة المعنى بارعة الوصف ، وله في الوجديات غرر وفي الحكم بدائع غير أنه مقل لم يتجه إلى الشعر اتجاهه إلى النثر الذي ملك عليه نفسه واستأثر بقلمه ولو أن ولعه بالنثر ترفق به وخلى بينه وبين الشعر أحيانا أخرى لكان من أبرع الشعراء وأنبه الفحول.

آثاره الأدبية : النظرات وهي مقالات الفذة الرائعة الأسلوب التي كان ينشرها في المؤيد تباعا ويعالج فيها شئون المجتمع وقد كانت مثار شهرته وبعد صيته ، العبرات وهي مجموعة روايات موجزة وضع فريقا منها وترجم فريقا آخر وقد ساقها عظة وتذكرة وهي اليتيم، والشهداء والححاب والذكرى والهاوية والجزاء والعقاب والضحية ومذكرات مرغريب وهي مطبوعة تكرر طبعها ، الشاعر أو سرانو دي برجراك رواية أدبية تهذيبية غرامية تمثيلية استخلصها من روايات ادمون اوستان تكرر طبعها أيضًا.

ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون : ألفها الكاتب الفرنسي ألفونس كار ونقلها عن الفرنسية إلى العربية المنفلوطي في قالب قصة خيالية تخيل وقائعها في ألمانيا وأملي عليها ترجمتها الحرفية صديقة الأستاذ محمد فؤاد كمال بك ثم تصرف فيها المنفلوطي بأسلوبه وهذبها بحذف ما يجافي الذوق العربي منها مع حفاظه لطابع الرواية ومغزاها ، وقد كتب الأستاذ خلاصة شعرية لهذه الرواية وهي نسخة في مجلد واحد تكرر طبعها.

الانتقام : رواية أدبية اجتماعية أخلاقية تصور حكاية المسيو كابريني وكيف قضى شطرا طويلا من حياته سعيدا بزوجته وثروته حتى عصف الدهر بهما مع تصوير ما وقع لابنته مع زوج أبيها من بؤس وتعس إلى غير ذلك من مشاهد طبعت بمطبعة المكتبة التجارية سنة ١٩٢٣ م ، في سبيل التاج : ألف هذه الرواية الشاعر الفرنسي الشهير المسيو فرانسو كوبيه ثم نقلها المنفلوطي إلى العربية وقد وقعت أحداث هذه الرواية في القرن الرابع عشر بين العثمانيين وشعوب البلقان وأراد مؤلفها أن يجاري بها كروفي وراسين عميدي الشعر التمثيلي في القرن السابع عشر طبعت بالمطبعة الرحمانية بالقاهرة سنة ١٩٢٠ م ثم توالى طبعها.

الفضيلة : رواية ألفها الكاتب الفرنسي الشهير المسيو برناردين دي سان بير ثم نقلها المنفلوطي إلى العربية بتلخيص وتهذيب وهي من الروايات الأدبية الأخلاقية الاجتماعية التي تؤرخ لحوادث غريبة كتب عن جزيرة موريس إحدى جزر أفريقية الواقعة في المحيط الهندي قريبا من مدغشقر ، وقد وصفت طبيعة هذه الجهة وصورت الاستعمار الأوروبي بها وتحدثت عن أشخاص عاشوا بهذه الأصقاع وبآخرها قصيدة في العظة والعبرة خاطب بها بول وفرجيني اللذين هما بعض سكان هذه الجزر التي شاهدها المؤلف في رحلاته طبعت بالمطبعة الرحمانية سنة ١٩٢٣ م ثم أعيد طبعها.

مختارات المنفلوطي : هي روائع من النظم والنثر مما استجاده واهتز له فؤاده ووقف عنده معجبا بأسلوبه وتصويره وقع عليها من كثرة ما يحيل النظر في الكتب العربية وآدابها وهي دالة على حسن ذوقه وروعة اختياره “.

76 / سلم المسترشدين

(سلم المسترشدين لأحكام الشريعة والدين) هو عنوان كتاب في الفقه الحنفي وتطبيقاته التشريعية في القوانين المصرية في العصر الخديوي وهو من تأليف الإمام الكبر الشيخ حسونة بن عبدالله النواوي الحنفي شيخ الأزهر الذي ولد في قرية نواي بالصعيد عام 1255 هـ / 1840 م وتوفي بالقاهرة عام 1343 هـ / 1924 م ، وهو رائد الإصلاح الكبير في الجامع الأزهر حيث ترأس المجلس المكلف بالتطوير الإداري والمالي والتعليمي.

حصل على شهادة العالمية وتولى مشيخة الأزهر مرتين وشغل مناصب مفتي الديار المصريَّة ووكيل الجامع الأزهر والقاضي بالمحاكم الشرعيَّة ودرس بمدرستي الحقوق ودار العلوم ومن أحفاده محمد بن عبد الخالق حسُّونة ثاني أمين عام لجامعة الدول العربية ، وقد حظي كتابه بمكانة كبيرة في وقته  واشتَهَر شهرة واسعة جعلت القائمين على نظارة المعارف يقرِّرون طباعته وتدريسه بالمدارس الأميرية.

وقد وردت بيانات المخطوطة الأصلية للكتاب ومؤلفه في كتاب خزانة التراث فهرس مخطوطات وهي كالتالي : ” الرقم التسلسلي :١٠٣١١٥ ، الفن : فقه حنفي ، الفن : عقائد ، عنوان المخطوط : سلم المسترشدين لأحكام الشريعة والدين ، اسم المؤلف :حسونه بن عبد الله النواوي ، اسم الشهرة : النواوي ، اسم الشهرة : حسونه النواوي ، تاريخ الوفاة :١٣٤٣هـ ، قرن الوفاة :١٤هـ ، نسخه في العالم : اسم المكتبة : المكتبة الازهرية ، اسم الدولة : مصر ، اسم المدينة : القاهرة ، رقم الحفظ : ٧٠٦ /  ١١٤٤٦ “.

وقد ذكره علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وهو يتكلم عن قرية نواي فقال : ” وفى عصرنا هذا قد نشأ منها علماء أفاضل مقيمون بالأزهر منهم الفاضل الشيخ حسونة بن عبد الله أحد المدرسين بالجامع الأزهر  يقرأ الكتب المستعملة فى مذهب أبى حنيفة  مع تأدية وظيفة تدريس فقه بجامع المرحوم العزيز محمد على بالقلعة ومثلها لتلامذة دار العلوم بالمدارس الملكية ، وتلامذة مدرسة الإدارة.

وقد ألف كتابا فى فقه أبى حنيفة  سماه (سلّم المسترشدين في أحكام الفقه والدين) نحو جزءين وهو مستعمل الآن فى المدارس  وطبع منه نحو ألف نسخة  وله رسائل آخر ، ومنهم ابن عمه الشيخ عبد الرحمن القطب الحنفى أحد مدرسى الأزهر أيضا وظّف مساعدا للسيد على البقلى مفتى مجلس الأحكام بالمحروسة ثم أنعم عليه الخديوى إسماعيل باشا بخمسين فدانا ثم ولي قضاء ولاية الجيزة “.

وقد ترجم له أحمد تيمور باشا في كتابه أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث فقال : ” حسونة النواوي ١٢٥٥ ﻫ / ١٣٤٣ ﻫ ، وُلِد الشيخ حسونة بن عبد الله النواوي سنة ١٢٥٥ ﻫ في قرية نواي التابعة لملوي من أعمال أسيوط ، ولما ترعرع حضر إلى الأزهر وتلقَّى به العلم على شيوخ وقته وكان حضوره الفقه الحنفي على الشيخ عبد الرحمن البحراوي والمعقول على الشيخ محمد الإنبابي والشيخ علي بن خليل الأسيوطي.

ثم تولَّى التدريس في الأزهر وأُحيل عليه تدريسُ الفقه بدار العلوم ومدرسة الإدارة التي سُمِّيت بعد ذلك بمدرسة الحقوق مع درس آخر بمسجد محمد علي بالقلعة فكان له من مجموع وظائف هذه الدروس ما حسُن به حالُه ، وألَّف في أثناء ذلك كتابَه سلم المسترشدين في الفقه الحنفي لتلاميذ مدرسة الإدارة وقد سطَع نجمُه وتألَّق وأصبح علَمًا خفَّاقًا يهتدي به الحائرون.

وحينما بدأ إصلاحُ نظام الأزهر وإدخال بعض العلوم الحديثة فيه كالرياضيات وتقويم البلدان والتاريخ وغيرهم بسعْي الإمام الشيخ محمد عبده ثم تأليف مجلس لإدارته مع إبقاء الشيخ محمد الإنبابي شيخًا له ، واختير الشيخ حسونة رئيسًا لهذا المجلس بعد أن رشَّحه لذلك بعضُ كبار رجال الحكومة ممن سبق لهم التلقِّي عليه بمدرسة الإدارة فأخَذ في إدارة أمور الأزهر حتى انحصرتْ فيه كلياتها وجزئياتها ولم يصبر الشيخ محمد الإنبابي على ذلك واعتلَّتْ صحتُه فاستقال في ٢٥ ذي الحجة سنة ١٣١٢ ﻫ وأُقيل في ثاني المحرم ١٣١٣ ﻫ.

وكانت توليةُ الشيخ حسونة مكانه ضدَّ رغبة العلماء الأزهريين إذ كانوا يرون أن فيهم مَن هم أكبر سنًّا وأكثر علمًا وأحق بالرياسة عليهم منه ولأنه جاء مؤيدًا لتدريس الحساب والهندسة والجبر وتقويم البلدان وما إليها في الأزهر وكانوا ينفرون منها بدعوى أنها علومٌ مستحدثة ، وما هي إلا علوم قديمة اشتغل بها المسلمون وألَّفوا فيها وكانت تُدرَّس بالأزهر قبل انحطاطه وإنما نفروا منها لبُعدِ عهدِهم بها ولظنِّهم أنها من علوم الإفرنج وأنها ما أُدخلت في الأزهر إلا للقضاء على العلوم الشرعية أو تقليل الرغبة فيها.

كذلك كان من أسباب ضيق الأزهريين بتولية الشيخ حسونة شيخًا للأزهر أنه تولَّى خلفًا للشيخ الإنبابي المشهود له بالعلم والفضل والتقوى بين الخاصة والعامة ، وقد أشاع بعضُ الحاقدين أن الشيخ حسونة مطبوعٌ على الشدة والجفاء في مخاطبة الناس ومعاملتهم وأنه بعد التولية داخَله شيءٌ من الزهو والخيلاء كما أشاعوا أنه ممالئٌ للإنجليز على هدم مكانة الأزهر بإدخال العلوم الجديدة فيه.

وفي عهد توليته على الأزهر وقعتْ حادثةُ الوباء التي امتنع فيها الطلبةُ بإغراء بعض متهوريهم عن الإذعان لأوامر الحكومة واعتصموا بالأزهر وقاوموا رجالَ الشرطة ورمَوهم بالأحجار حتى أُصيب محمد ماهر باشا محافظ القاهرة بحجر أدمَى وجهَه فأُحيط بهم ورُمُوا بالرصاص فجُرح بعضهم ثم قُبض على زعمائهم وحُكِم على بعضهم بالسجن وعلى البعض الآخر بالنفي وأُغلق رُواق الشوام لأن حركة التمرد بدأتْ منه.

وانتهز هذه الفرصة أعداءُ الشيخ النواوي وانتصروا للطلبة وأخذوا يرمُون الشيخَ بالضعف والتهاون عن الدفاع عن حُرمة المسجد والمحاماة عن أهله فردَّ الله كيدَهم في نحورهم ، ولما تُوفي الشيخ محمد المهدي العباسي سنة ١٣١٥ ﻫ أُضيف منصب الإفتاء الذي كان يشغله إلى الشيخ النواوي بجانب رياسة الأزهر.

واستمرَّ الشيخ النواوي جامعًا للمنصبَين حتى وقع الخلافُ الكبير أواخر سنة ١٣١٦ ﻫ بشأن إصلاح المحاكم الشرعية وعُرِض على مجلس شورى القوانين اقتراحٌ بندْب قاضيَين من مستشاري محكمة الاستئناف الأهلية ليُشاركا قضاةَ المحكمة الشرعية العليا في الحكم ، فوقف الشيخ حسونة ضد ذلك الاقتراح وجرتْ مناقشةٌ بين الشيخ ورئيس النظار مصطفى فهمي باشا انتهت بأن غادر الشيخ المجلس مغضبًا محتجًّا.

وأكبَر الناسُ موقفَ الشيخ ولا سيما بعد أن سرَى إلى الأذهان أن الحكومة تُريد هدمَ الشريعة بذلك المشروع ، ولكن النظار أحفظَهم ما واجه به الشيخُ رئيسَهم وحرَّك ذلك ما كان في صدورهم منه يوم أرادوا منْعَ الحج احتجاجًا بالوباء واستفتوه ليجعلوا فتواه عصًا يتوكئُون‎ عليها كلما أرادوا منْعَ الحج وظنوا أنه يوافقهم لكنه أخلف ظنَّهم وأفتى بعدم جواز المنع ، فلما كانت حادثتُه مع رئيس النظار شكَوه إلى الخديو وطلبوا عزلَه.

وحاول الخديو حمْلَ الشيخ على قَبول الاقتراح بعد تعديله وتغيير ما يراه مخالفًا الشرعَ منه فأصرَّ على الامتناع وقال : (إن المحكمة الشرعية العليا قائمةٌ مقام المفتي في أكثر أحكامها ومهما يكن من التغيير في الاقتراح فإنه لا يُخرجه عن مخالفته للشرع لأن شرط تولية المفتي مفقودٌ في قضاة الاستئناف).

وتألَّم الخديو من الشدة في كلام الشيخ فمال لرأي نُظَّارِه فيه ثم أصدر أمرَه يوم السبت ٢٤ المحرم سنة ١٣١٧ ﻫ بعزْل الشيخ عن رياسة الأزهر والإفتاء وإقامة ابنِ عمِّه الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي شيخًا على الأزهر والشيخ محمد عبده المستشار بالاستئناف الأهلي مفتيًا ، ولما أُذيع الأمر كثرتْ وفودُ العلماء والوُجهاء على دار المترجَم وانطلقت الألسنةُ بمدحه والثناء عليه وتعلَّقت به القلوبُ وأقبل الناسُ عليه أيَّ إقبال وتحققوا بطلان ما اتهمه به خصومُه.

والحقيقة أن الشيخ لم يُعهَد عليه ما يشين دينَه ولا دنياه بل عُرِف بالعفة وعلوِّ الهمة ونقاء اليد ، ولولا جفاءٌ كان يبدو بعضَ الأحيان في منطقه وشدةٌ فيه يراها بعضُ الناس غِلظة ويَعُدُّها البعضُ شهامة لحفِظ ناموس العلم خصوصًا مع الكبراء الذين أفسدهم تملُّقُ علماء السوء وحملهم على الاستهانة بهذه الطائفة.

ولم يزل المترجَم معتكفًا في داره، مقبلًا على شأنه حتى انتقل إلى دارٍ ابتناها بجهة القبة ، ولم يقم ابنُ عمه في الأزهر طويلًا بل تُوفي فجأة بعد نحو شهر من ولايته سنة ١٣١٧ ﻫ فوُلي على الأزهر الشيخ سليم مطر البشري المالكي ثم استقال فأُقيل يوم الأحد ٢ ذي الحجة سنة ١٣٢٠ ﻫ ، وأراد الخديو إعادةَ المترجَم أو توليةَ الشيخ محمد بخيت فلم يوافق النظار ثم تولَّى على الأزهر الشيخُ علي بن محمد الببلاوي المالكي نقيب الأشراف واستقال يوم الثلاثاء ٩ المحرم سنة ١٣٢٣ ﻫ فأُقيل يوم السبت ١٢ منه.

وفي اليوم التالي عُيِّن الشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي شيخًا للأزهر ثم استقال فأُقيل يوم الأربعاء ١٦ ذي الحجة سنة ١٣٢٤ ﻫ ورُتِّب له ١٥ دينارًا مصريًّا في الشهر من الأوقاف الخيرية ليكمل مرتَّبه ٢٥ دينارًا ، وفي اليوم نفسه أُعيد الشيخ حسونة النواوي شيخًا على الأزهر ولكنه لم يمكثْ في المنصب طويلًا بسبب اختلالِ الأحوال في الأزهر فاستقال سنة ١٣٢٧ ﻫ وأُعيد إلى الأزهر الشيخ سليم البشري.

ولزِم المترجَمُ دارَه بالقبة يزوره محبُّوه ويزورهم حتى آخر حياته ، وكان خلال توليته الأُولى قد عُيِّن عضوًا دائمًا غير قابل للعزل بمجلس شورى القوانين ولهذا بقي في المجلس بعد عزله من الأزهر والإفتاء حتى أُلغي المجلس واستُعيض عنه بالجمعية التشريعية سنة ١٣٣٢ ﻫ ، وقد أُصيب الشيخُ في أواخر أيامه بأمراض ووهنٍ في القوى وضعفٍ في النظر وانتقل إلى رحمة مولاه صباح يوم الأحد ٢٤ من شوال سنة ١٣٤٣ ﻫ ودُفِن بقرافة المجاورين “.

77 / المعلوم والمجهول

(المعلوم والمجهول) هو عنوان كتاب في المجال السياسي من تأليف الأديب والشاعر ولي الدين يكن الذي ولد في إسطنبول عام 1290 هـ / 1873 م وتوفي في حلوان بمصر عام 1339 هـ / 1921 م ، والده من أصول تركية وهو حسن سري بن إبراهيم باشا يكن من كبار الأعيان ووالدته من أصول شركسية

ارتحل مع أبيه إلى مصر حيث توفي وصار يتيما وهو في السادسة من عمره فانتقل لكفالة ورعاية عمه علي حيدر وزير المالية الذي اعتنى بتعليمه وتعريفه بالأدب العربي ، وقد التحق ﺑمدرسة الأنجال التي أنشأها الخديوي توفيق لتعليم أنجاله وأولاد الأمراء والأعيان ثم انتقل إلى مدرسة مارسيل التي أسسها العالم فرنس مارسيل وتهتم بتعليم الفرنسية وآدابها ثم استكمل تعليمه بعد ذلك في المدارس الأميرية.

أجاد الفرنسية والتركية وبعضًا من الإنجليزية بجانب لغته الأم العربية ، وقد نشأ محبًّا للأدب العربي فبدأ في كتابة المقالات الأدبية والسياسية قبل أن يبلغ العشرين من العمر وقد لقيت هذه المقالات صدى طيبًا لدي القراء ، واهتم بمسالة إصلاح الحكم أملًا في النهوض بالدولة العثمانية وإصلاح أحوالها التي أصيبت بالضعف في أواخر القرن التاسع عشر وهو الأمر الذي أرجعه لعدة أسباب منها الاستبداد والتضييق على الحريات.

وقد دعا لأفكاره هذه في صحيفة الاستقامة فلم تعجب جرأتها القائمين على الحكم في إستانبول فتم منع تداولها في الولايات العثمانية حتى اضطر صاحبها إلى إيقافها ولكنه واصل نشر مقالاته النارية في جرائد المشير والمقطم والقانون الأساسي ، وحاولت السُلطات إسكات مطالباته المستمرة بالحرية فقبض عليه وأرسل إلى السجن بعض الوقت ثم نفي إلى مدينة سيواس التركية حتى عام ١٩٠٨ م حيث أعلن الدستور التركي وأفرج عن المعتقلين السياسين.

بعدها عاد إلى استانبول ثم إلى مصر حيث استقر بها حتى نهاية عمره حيث توفي بعد صراع مع المرض ، وقد كانت موهبته الأدبية خصبة فياضة فقد تنوع إنتاجه الأدبي ما بين المقال والرواية الاجتماعية بالإضافة لقصائده الشعرية التي تميزت بسلاسة الأسلوب وسهولة الألفاظ والتحرر من قيود السجع والمحسنات المتكلفة التي كانت شائعة في هذا الوقت ، وقد جمع أخوه يوسف يكن الكثير من أشعاره بعد وفاته في ديوان صغير.

وقد شغل عدة مناصب في كل من الآستانة ومصر حيث عين في عام 1316 هـ عضواً في مجلس المعارف الكبير في العاصمة العثمانية ثم عمل في مصر بوزارة الحقانية في عهد فعين سكرتيراً عربياً لديوان الأمناء بأمر من السلطان حسين كامل ، وكان منحازا لبريطانيا مهاجما للعثمانيين رغم أصوله التركية حيث ألف كتابا بعنوان (مائة برهان وبرهان على ظلم عبد الحميد السلطان) وكتابا آخر يهاجم فيه مستشاره الشيخ الصوفي أبا الهدى الصيادي بعنوان (الخافي والبادي من فضائح الصيادي).

ويكشف المؤلف بين سطور هذا الكتاب ما خَفِي من أحداثٍ سياسية في فترةٍ مهمة من تاريخ مصر ألَا وهي فترة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فيَشرع في ذِكرِ تحليلٍ وتفصيلٍ لسياسات هذا العصر بلا تخوُّف ولا مُوارَبة وهو ما جعل الكتابَ يُعبِّر عن شريحةٍ من المُعارَضة المصرية في ذلك الوقت.

ويَسرُد المؤلِّف في فصولٍ مُتلاحِقة مُقتطَفاتٍ عن الأحزاب والشخصيات التاريخية المهمة والأحداث التي كان يحرص الطُّغاة على طَمْسها وعدم تدوينها كالمذابح وكَبْت الحريات وبذلك جمَع بين ما هو (معلوم) للناس من أحداثٍ كبرى وما حُجِب عنهم من (مجهول) في كتابٍ ثريٍّ يجعل القارئ يعيش أحداثَ تلك الفترة الزمنية دون حذفٍ أو تجميل.

ومن أشهر عباراته التي تعبر عن هويته وانحيازاته القومية والفكرية والتي تعبر عن مكنون نفسه قوله : ” شهد الله وكلُّ عثمانيٍّ حرٍّ يكون قد قرأ لي شيئًا أني لا أتعصب للدين ولا للجنس ، أنا تركيٌّ وأبغض عباد الله إلي تركيٌّ يعتدي ، أحب العناصر العثمانية كلها وآخذ بناصر المستضعف منها ثم أحب العرب حبًّا خالط الروح وجرى مجرى الدم من العروق.

وأنا عربيُّ الأدب والقلم عربي النزعة ومَنْ أبغض العرب فأنا مبغضه ، أولئك إخواني الذين أغنيهم فيطربون وأحدثهم فيقبلون علي بالسمع غير أني لا أكذبهم إني كذلك لا أحب من يسبُّ الترك ولا مَنْ يكون لهم عدوًّا وكذلك العرب لا يحبون من لا يحب إخوانهم ، وإذا جرى بين العرب والترك شرٌّ أكون يومئذٍ بمعزلٍ عن كليهما داعيًا عليهما بالفشل جميعًا “.

وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام وذكر مؤلفاته فقال : ” وَليّ الدِّين يَكَن ١٢٩٠ – ١٣٣٩ هـ / ١٨٧٣ – ١٩٢١ م ، ولي الدين بن حسن سري بن إبراهيم باشا يكن شاعر رقيق من الكتاب المجيدين تركي الأصل ، ولد بالآستانة وجئ به إلى القاهرة طفلا فتوفي أبوه، وعمره ست سنوات فكفله عمه علي حيدر (ناظر المالية بمصر) وعلمه فمال إلى الأدب وكتب في الصحف فابتدأت شهرته.

وسافر إلى الآستانة مرتين سنة ١٣١٤ و ١٣١٦ هـ وعين في الثانية عضوا في مجلس المعارف الكبير ، ونفاه السلطان عبد الحميد إلى ولاية سيواس (أول سنة ١٩٠٢ م) فاستمر إلى أن أعلن الدستور العثماني (١٩٠٨) فانتقل إلى مصر ، وعاد إلى الكتابة فنشر كتابه المعلوم والمجهول (في جزأين ضمنهما سيرة نفيه) والصحائف السود (سلسلة مقالات اجتماعية) والتجاريب (مثله) وله ديوان شعر وكان يجيد التركية والفرنسية ويتكلم بالإنكليزية واليونانية.

وترجم عن التركية خواطر نيازي وعن الفرنسية رواية الطلاق لبول بورجيه ، وعمل في وزارة الحقانية بمصر إلى أواخر سنة ١٩١٤ فعينه السلطان حسين كامل سكرتيرا عربيا لديوان كبير الأمناء ، ومرض وابتلي بالكوكايين فقعد عن العمل سنة ١٩١٩ وقصد حلوان مستشفيا فتوفي فيها ودفن بالقاهرة ، ولكل من أحمد أبي الخضر منسي والدكتور محمد مندور وفؤاد البستاني كتاب (ولي الدين يكن) في سيرته وأخباره وجاء اسمه في بعض المصادر محمد ولي الدين “.

وكتب عنه الدكتور محمد مندور في كتابه (محاضرات عن ولي الدين يكن) فقال : ” لا شكَّ أنَّ وَلِيَّ الدِّين يَكَن يُعتبر من الظواهر الفريدة بين رجال الأدب والفكر وذلك لأنَّ هذا التركي العنيد يُعتبر مثلًا قويًّا في صلابة الرأي وجرأة الفكر وانفعال العصب في كل أو معظم ما كتب من شعرٍ ونثرٍ.

ولا شكَّ أيضًا في أنَّ وضعه الخاص وظروف عصره وتضارب التيارات السياسية والاجتماعية في أيامه لا شكَّ أنَّ كلَّ هذا قد أثَّر تأثيرًا بليغًا على مكانة وَلِيِّ الدين ككاتبٍ وشاعرٍ وعلى ما خلَّف من شعرٍ ونثرٍ وعناية النَّاس بدراسة تراثه الأدبي.

وذلك لأنَّ وليَّ الدين وُلد تركيًّا وهو بحكم هذا المولد لم يكن يستطيع إلا أن يتعصب للجنس العثماني وأن يغار على مجده وسُلطانه ، ولكنَّه من جهةٍ أُخْرَى كان ساخطًا على الفساد الذي انتشر في قصر الخلافة وفي حكم الخلفاء العثمانيين وقد أخذ يُهاجم هذا الفساد والظلم والطغيان هجومًا عنيفًا لا هوادة فيه.

وانضم إلى جماعة تركيا الفتاة وحزب الإصلاح والتَّرَقِّي حتى نفاه السلطان عبد الحميد إلى مدينة سيواس حيث ظلَّ في منفاه من سنة ١٩٠٢ إلى سنة ١٩٠٩ ولم يطلق سراحه إلا بعد أن نجحت الثورة ضد الخليفة وأرغمته على إصدار الدستور وتقرير الحكم النيابي سنة ١٩٠٨ ومنذ أن أُطلق سراحه قدم إلى مصر وظلَّ فيها حتى تُوفي.

وكانت مصر في ذلك الحين تَعُجُّ بالتيارات السياسية، والدينية والعنصرية المختلفة المتضاربة ففيها المنادون بالجامعة العثمانية المتحمسون للخلافة والمتمسكون بأهدابها لكي يستعينوا بها على محاربة الاستعمار الإنجليزي وكان هذا التيار هو الغالب عندئذٍ حتى لقد اختلط بفضل مصطفى كامل وزملائه في الحزب الوطني بمعنى الوطنية المصرية العنيفة المتطرفة.

بينما كان هناك نفرٌ آخر يبغضون حكم الأتراك وظلمهم واستبدادهم ويرون من الوطنية الواعية أن يُوفِّروا الجهد أولًا على تخليص مصر من السيطرة العثمانية حتى ولو أدَّى بهم ذلك إلى مُهادنة الإنجليز والاستعانة بهم ضد الأتراك ، وقد استغل هذا النفر شعور العداء الذي ولدته الثورة العُرابية ضد الأتراك والجراكسة وغطرستهم واحتقارهم للفلاحين واحتكارهم لمناصب البلاد الكبرى وخيراتها الوفيرة.

ولذلك نادى هذا الفريق بمبدأ (مصر للمصريين) حتى يقضوا على الدعوة القائلة بأنَّ مصر للعثمانيين وهذا النَّفر هم الذين كونوا حزب الأمة ، وإنْ يكُن هذا الحزب قد ضَمَّ الكثيرين من وجوه البلاد وباشواتها وأصحاب الإقطاع فيها أي أولئك الذين كانوا يُسمُّون أنفسهم بأصحاب المصالح الحقيقية وكانت هذه المصالح تتفق وترتبط بمصالح الاستعمار الإنجليزي الاقتصادية.

وعلى ضوء هذه الحقائق والتيارات نستطيع أن نُحدِّد الوضع الذي لم يكن بدٌّ من أن نجد فيه وليَّ الدِّين يَكَن العثماني بمولده والساخط على الخلافة العثمانية وحكمها الظالم الفاسد بطبعه ومزاجه وثقافته وظروف حياته ، ثم موقفه من الإنجليز وموقف الإنجليز منه بعد أن تيقنوا من أنَّه من رجال تركيا الفتاة الذين يُناهضون عبد الحميد الثاني وخلافته الفاسدة المستبدة بل وموقفه من حركة الإصلاح في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية وفضلًا عن نزعته العنيفة نحو التحرر الفكري والتخلص من سيطرة الكهنوت الديني بل والتزمُّت الإسلامي كله واتجاهه بكل قوته نحو النظم المدنية والحضارة الحَدِيثة.

وهكذا تآمرت الظروف والأحداث لكي تضع وليَّ الدِّين يَكَن في وضعٍ لم يكن يُرضي التيار الوطني المسيطر أو الآخذ في السيطرة عندئذٍ وهو تيار مصطفى كامل وأنصاره من رجال الحزب الوطني الذين كانوا يُحاربون الإنجليز حربًا لا هوادة فيها ويتمسكون بحكومة الخلافة ويستمدون منها العون ضد الاستعمار الإنجليزي ويحرصون على الروح الدينية والوحدة الإسلامية.

وكان هذا الوضع من الأسباب الرئيسية التي أصابت وليَّ الدِّين يَكَن وأدبه بالخمول حتى يومنا هذا، بالرغم من قوة نزعته التحريرية ونبلها وإفناء حياته في سبيل مثل الحرية والتقدم التي آمن بها، وتعصب لها ودفع في سبيلها أبهظ الأثمان من عذاب النفي والفقر والمرض وإنهاك الأعصاب “.

78 / ديوان إسماعيل صبري

(شيخ الشعراء) هو اللقب الذي عرف به الشاعر الكبير إسماعيل صبري باشا الذي ولد بالقاهرة عام 1270 هـ / 1854 م وتوفي فيها عام 1341 هـ / 1923 م وهو من رواد مدرسة الإحياء والبعث في الأدب العربي ومن رجال الحركة الوطنية ، نشأ يتيمًا والتحق بمدرسة المبتديان ثم التجهيزية (الثانوية) حتى عام 1874 م ثم التحق ببعثة رسمية إلى فرنسا فنال شهادة البكالوريا في الحقوق من جامعة إكس ليبان في 29 نوفمبر 1876  ثم إجازة الليسانس في الحقوق في 13 أبريل 1878 م.

عُين مساعدًا للنيابة العمومية لدى المحاكم المختلطة ووكيلًا لها في المنصورة في 17 فبراير 1883 م ووكيلًا لمحكمة طنطا الابتدائية الأهلية في 30 ديسمبر 1883 م ورئيسًا لمحكمة بنها الابتدائية الأهلية سنة 1885 م ثم رئيسًا لمحكمة الإسكندرية الأهلية في 22 يونيو 1886 م ثم قاضيًا بمحكمة الاستئناف الأهلية بمصر في 29 نوفمبر 1891 م ثم نائبًا عموميًا لدى المحاكم الأهلية في 21 أبريل 1895 م ، وفي 27 فبراير 1896 م عُين محافظاً للإسكندرية ثم صار وكيلًا لوزارة الحقانية في 3 نوفمبر 1899 م ثم استقال من الخدمة في 28 فبراير 1907 م.

وكان مبغضًا للاحتلال الإنجليزي ومساندًا للحركة الوطنية وعندما كان صبري محافظًا للإسكندرية أراد مصطفى كامل أن يعقد هناك اجتماعًا عامًا يلقي فيه خطابًا سياسيًا فأرسلت نظارة الداخلية تعليماتها إلى المحافظة بإلغاء الاجتماع ، غير أن إسماعيل صبري احتج على هذه التعليمات قائلًا (أنا المسؤول عن الأمن في محافظتي) ورخص بعقد الاجتماع الذي ألقى مصطفى كامل فيه خطابًا تاريخيًا.

وقد تميز شعره بالرقة والعاطفة الحساسية المفرطة لكنه لم يهتم بجمع شعره بل كان ينشره أصدقاؤه خلسة ، وقد توقف عن نظم الشعر عام 1915 م ولم يُنشر ديوانه إلا عام 1938 م بعد رحيله بخمسة عشر عاماً بفضل جهود صهره حسن باشا رفعت وكتب مقدمة الديوان الدكتور طه حسين ، كما نظم بعض الأغاني بالعامية المصرية لكبار مطربي عصره كعبده الحامولي ومحمد عثمان ومنها : قدّك أمير الأغصان ، الحلو لما انعطف ، خلي صدودك وهجرك.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” إسماعيل صبري باشا ، من شعراء الطبقة الأولى في عصره امتاز بجمال مقطوعاته وعذوبة أسلوبه وهو من شيوخ الإدارة والقضاء في الديار المصرية تعلم بالقاهرة ودرس الحقوق بفرنسة ، وتدرج في مناصب القضاء بمصر فعين نائبا عموميا فمحافظا للإسكندرية فوكيلا لنظارة (الحقانية) وكان كثير التواضع شديد الحياء ولم تكن حياته منظمة كما يظن في رجل قانوني إداري يكتب شعره على هوامش الكتب والمجلات وينشره أصدقاؤه خلسة.

وكان كثيرا ما يمزق قصائده صائحا : إن أحسن ما عندي ما زال في صدري ! وكان بارع النكتة سريع الخاطر ، وأبي وهو وكيل للحقانية (العدل) أن يقابل (كرومر) فقيل له : إن كرومر يريد التمهيد لجعلك رئيسا للوزارة ، فقال : لن اكون رئيسا للوزارة وأخسر ضميري ! ، ولما نشبت الحرب العامة الأولى سكت وطال صمته إلى أن مات ، توفي بالقاهرة ورثاه كثيرون من الشعراء والكتّاب وجمع ما بقي من شعره بعد وفاته في ديوان “.

وقد كتب عنه الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه تراجم مصرية وغربية فقال : ”  ولد المرحوم إسماعيل صبري في ١٦ فبراير سنة ١٨٥٤ ودخل مدرسة المبتديان التجهيزية فمدرسة الإدارة وفي سنة ١٨٧٣ التحق بالإرسالية المصرية لفرنسا فنال إجازة الحقوق في سنة ١٨٧٨ وهذه الإجازة هي التي فتحت أمامه أبواب السلك القضائي من مساعد نيابة لدى المحاكم المختلطة إلى وكيل وزارة الحقانية.

على أن الجانب النفسي الأقوى منه لم يكن الجانب التشريعي أو الجانب القضائي بل كان جانب تجاوب الأوزان والأنغام والشعر وكثيرًا ما رأيت رجالًا يكونون دون غيرهم من أهل حرفهم في الكفاية والمقدرة ولكنهم يمتازون بجانب آخر لهم فيه نبوغ ، هؤلاء يحجب فيهم جانب النبوغ الجانب الآخر ويجعله يبدو ضعيفًا بل كثيرًا ما يجني جانب النبوغ على الجانب العملي للحياة لما يكره النبوغ عليه من وهبته الطبيعة إياه من مجهود مستمر وحياة خاصة فإذا الجانب العملي يكاد يُنسَى إلا ما تمليه عليه الملكات الممتازة من قوة واقتدار.

ولم يكن لجانب النبوغ الشعري في إسماعيل صبري تاريخ قديم معروف وقد عبر شوقي في رثائه إياه عن ذلك بقوله : إن فاته نسب الرضى فربما جريًا لغاية سؤدد وطراف .. شرف العصاميين صنع نفوسهم من ذا يقيس بهم بني الأشراف .. قل للمشير إلى أبيه وجده أعلمت للقمرين من أسلاف.

وكثيرًا ما كانت المواهب الممتازة لا ترجع إلى تاريخ قديم معروف بل كثيرًا ما رأيت هذه المواهب الممتازة تتجلى في أشخاص لا تلمح في تاريخهم أية مقدمة لها وهي قد تجلت في نفس إسماعيل صبري مذ كان في السادسة عشرة من عمره وقبل أن يختط طريقه إلى السلك القضائي ، فقد نشرت له مجلة روضة المدارس وما يزال في هذه السن مقاطيع شعرية تلمح خلالها روح الشاعر وإن كانت في تلك الحين قد كانت متأثرة أشد التأثر بأغراض الشعر في عصر إسماعيل من مدح الأمراء وذوي السلطان وروضة المدارس كانت يومئذٍ مجلة أدبية تعمل لإحياء اللغة العربية والشعر العربي.

ولما سافر في الإرسالية وأقام بمدينة اكس أتيح له الاطلاع على الأدب والشعر الفرنسي ويدل شعره في السنوات الأخيرة على أنه تأثر بهذا الشعر كثيرًا وأنه انطبع منه في نفسه حظ غير قليل، على أنه لم يستطع في أول أمره أن ينقل إلى الشعر العربي روحًا غربية مثلما فعل شوقي مثلًا ، فأنت ترى في شعر صبا شوقي الشيء الكثير المتأثر تأثرًا باديًا بحياة شوقي في أوربا أما إسماعيل فكان منذ أول حياته شاعرًا مقلًّا وكان ـ على ما يظهر من شعره ـ لا يتأثر سريعًا ولكن ما يؤثر فيه يبقى عالقًا بنفسه حتى يكون له مظهره ولو بعد حين.

والظاهر أن التقاء الحياتين الشرقية والغربية والشعرين الشرقي والغربي في نفس إسماعيل صبري أَحدث أثرًا عميقًا امتزج مع غريزة حياته فقد كان رجلًا رقيقًا كل الرقة دمث الأخلاق حاضر البديهة اجتمع له كل ما يعرف من صفات (ابن البلد) وظرفه ، وإنك لتسمع ما يرويه عنه أصحابه من ذلك الشيء الكثير فكان إذا سئم إنسانًا من الناس ولم تطاوعه نفسه الرقيقة على الإغلاظ له في القول طلب إلى صديقه حافظ إبراهيم أن يوقع بينه وبين هذا الثقيل حتى لا يضطر لمقابلته أو التحدث إليه ، وكان كثير التندر، حتى لقد تحكم عليه النكتة فلا يرى بأسًا من أن يقول إنه لو نزل كتاب مقدس في القطب الشمالي لوعد الله عباده النار أعدها للمتقين

وكان ظرفه وخفة روحه وسرعة بديهته يلهمانه في كثير من المواقف ما لا يلهم المنطق ، اعترف أمامه متهم بجريمة القتل فلما خلا مع زملائه للمداولة ورأى أن العقوبة هي الإعدام ذكر لهم أنه يشك في اعتراف هذا الرجل لأنه لا يرى في سيماه معنى شجاعة يمتاز به على سواه من أمثاله وجيء بالرجل إلى غرفة المداولة وقال هو له : أتدري أن اعترافك هذا يجعلنا نحكم عليك بالإعدام ، فكان جواب الرجل : لكن العمدة لم يقل هذا بل قال لي حين دفع لي الجنيهين : إني سيُعفَى عني لأني كنت في السجن حين ارتكاب الحادثة ، وتبين فعلًا أن الرجل كان في السجن فلم يكن له في الحادثة يد وقضى ببراءته.

إلى جانب هذه الصفات التي يمتاز بها ابن البلد المصري مما تأثرت به نفس إسماعيل صبري الشاعرة بمخالطتها الوسط المصري ، كان رجل اجتماع بالمعنى الإفرنجي الصرف أي رجل دنيا إذا أردت ترجمة العبارة الفرنسية Homme du monde ترجمة حرفية ، وكان له أصدقاء كثيرون جدًّا من الجاليات الأوربية المقيمة بالقاهرة وكان يغشى اجتماعات من يختارهم من أهل هذه الجاليات بمقدار ما يغشى اجتماعات الظرفاء وأولاد البلد ، على أنه مع كل هذه الوداعة والظرف ومع ما كان يسيل به خلقه من رقة كان أبيًّا لا يقيم على ضيم.

ذكر لي أصدقاؤه الذين عرفوه طوال حياته أنه برغم ما تقلب فيه من كبرى مناصب الحكومة كان المصري الوحيد الذي لم يقابل لورد كرومر ولم يدخل الوكالة البريطانية في مصر ، وأنه حدث بينه وبين رياض باشا ـ وكان رئيس النظار ـ جفاء لحكم أصدره ماسًّا ببعض المحسوبين على رياض باشا ، فلما جاء في أحد المواسم إلى عابدين ومثل بين يدي الخديو توفيق ثم خرج من لدنه إلى رياض باشا مهنئًا إياه كرئيس حكومة أوقفه رياض باشا ولم يأذن له بالجلوس ، وكان ابن رياض باشا واقفًا عند باب الحجرة التي يجلس فيها أبوه فقال إسماعيل صبري مخاطبًا الابن بمسمع من الأب : قل لأبيك يحترم الناس كي يحترموه.

وروى عثمان باشا مرتضى في حفلة تأبين إسماعيل صبري أن أحد قناصل الدول الأجنبية طلب إليه ـ وكان محافظًا للإسكندرية ـ أن يشيع جنازة غني من أهل جاليته ترك ثروة طائلة كسبها في مصر وأوصى بها كلها لبلاده فكان جواب المحافظ أن اعتذر لأن المحتفل بجنازته لم يفكر في مصر التي أثرى فيها فليس يطلب من مصري أن يفكر في مجاملته حيًّا أو ميتًا.

دعة وظرف ورقة وحسن معاشرة وإباء اجتمعت كلها في نفس شاعر التقت فيه الحياتان الشرقية والغربية وألهمتها الطبيعة ذوق الجمال وبخاصة ما كان منه متعلقًا بالنغم الشعري فماذا ترى يكون أثر ذلك كله في شعره ؟ ، فأما الرقة فقد تنفست في شعر صبري غزلًا بالمرأة وهيامًا بجمالها أيًّا كانت هذا المرأة، وأنت ترى من ذلك شيئًا غير قليل حين تذهب إلى مراجعة شعر صبري الغنائي لكنك تراه ماثلًا بصورة حلوة جميلة آخذة باللب في قصيدته البديعة (تمثال جمال) وبخاصة في هذه الأبيات منها يخاطب المرأة الجميلة أو كما سمَّاها (لواء الحسن) :

إن هذا الحسن كالماء الذي فيه للأنفس ري وشفاء .. لا تردي بعضنا عن وِرْده دون بعض، واعدلي بين الظماء .. ساعفِي آمال أنضاء الهوى بقبول من سجاياك رخاء .. وتجلَّي واجعلي قوم الهوى تحت عرش الشمس بالحكم سواء .. أقبلي نستقبل الدنيا وما ضمنته من معدات الهناء .. واسفري تلك حلى ما خلقت لتوارى بلثام أو خباء .. واخطري بين الندامى يحلفوا أن روضًا راح في النادي وجاء .. وانطقي ينثر إذا حدَّثْتِنا ناثر الدر علينا ما نشاء .. وابسمي روحانية لا تدعي أن هذا الحسن من طين وماء .. وانزعي عن جسمك الثوب يبن للملا تكوين سكان السماء .. وأري الدنيا جناحي مَلكٍ خلف تمثال مصوغ من سناء.

وتراه كذلك في هذه الأبيات يخاطب بها امرأة لا تدري أية واحدة هي من أَلْوِية الحسن التي تزدحم عادة في نفس ذوي الظرف والرقة ممن لا تحتمل نفوسهم طغيان الحب المستبد يذعن له الفؤاد والقلب والنفس والجوارح جميعًا إذعان خضوع وإيمان واستسلام وهو مع ذلك بإذعانه راضٍ وبذُلِّه سعيد : زِيني النَديَّ وسيلي في جوانبه لطفًا يعم رعايا اللطف ريَّاه .. ريحانة أنت في صحراء مجدبة من الرياحين حيَّانا بها الله .. إن غاب ساقي الطلا أو صد لا حرج هذا جمالك يغنينا مُحيَّاه.

لعلك تلمح فيما نقلنا من هاتين القصيدتين ـ أو المقطوعتين إن شئت ـ شيئًا غير الغزل بجمال المرأة من غير تقيد بامرأة معينة ، ولعلك تلمح فيها من الموسيقى أكثر مما اعتدت أن تلمح فيما تستمع إليه من شعر غير إسماعيل صبري وإنك لواجد هذه النغمة الموسيقية الحلوة الرقيقة في أكثر شعره وإن لم يكن في شعره جميعًا بل إنك لواجدها حتى في القصائد التي يكلف الشاعر نفسه أن يكون حماسيًّا فيها كقصيدة فرعون وقومه بل إنك لواجدها حتى فيما يتكلف فيه الحكمة كقصيدة الساعة وما نظمه عن نجم هالي.

وذلك طبيعي وقد كان إسماعيل صبري مشغوفًا بالغناء طول حياته إلى غير حد حتى كانت الحياة عنده قطعة من الموسيقى أو قل كان خير ما في الحياة عنده قطعة من الموسيقى ، وكان سمعه أكرم حواسه علي، أليس في رثائه يقول حافظ إبراهيم : لقد كنت أغشاه في داره وناديه فيها زها وازدهر .. وأعرض شعري على مسمع لطيف يحس نبو الوتر.

والحق أن إسماعيل صبري لم يولع في حياته بشيء ولعه بالغناء ولم يجاهد وهو في مناصب القضاء لترقية شيء في مصر أكثر من جهاده لترقية الغناء ، كان ذلك شأنه منذ عهد الخديو إسماعيل باشا أي منذ أن نشأ يقول الشعر إلى أن مات وكان لا يقف من شعره الغنائي عند الشعر العربي بل كان يختلط بالمغنين ورجال الموسيقى وكان يضع لهم أدوارًا باللغة المصرية وكان لذلك موضع محبة رجال الفن الموسيقيين والمغنين واحترامهم.

ولقد كان له في هذا الباب فضل كبير : رفع الأدوار الغنائية من درك كانت فيه فجعلها ذات معانٍ رقيقة تمثل عواطف طاهرة وميولًا سامية ، وأدواره قدك أمير الأغصان والفجر لاح قوموا يا تجار النوم وغيرهما لا تزال من أفضل الأدوار المصرية التي تُغنَّى إلى وقتنا الحاضر وقد عرفه الناس جميعًا بذلك حتى كان حجة يرجع إليه.

روى لي أحمد شوقي بك حادثة غاية في اللطف تلك أنه كان عنده وهو يشغل منصب النائب العمومي يومًا وكانت مصر تموج أفكار أهلها بحادث سياسي وقع فيها وفيما هما جالسان يتحدثان دخل حاجب ومعه مظروف حكومي كبير فقطع ذلك حديثهما وانتظرا أن يجدا فيه إشارة إلى الحادث السياسي وما يجب اتخاذه من الإجراءات بإزائه ، فلما فض إسماعيل باشا المظروف وقرأ ما بداخله هز رأسه مبتسمًا.

ذلك أن علي باشا شريف رئيس مجلس الشورى يومئذٍ قد بعث في هذا المظروف بدور غنائي وهو يطلب إلى النائب العمومي إصلاحه ولهذه المناسبة قص إسماعيل باشا صبري حادثًا وقع في قرطبة حين كانت الدولة الإسلامية على وشك الزوال منها وكانت طرقها تجري دمًا لاقتتال الناس فيها ذلك أن فتاة أطلت من نافذتها منادية صديقة لها في نافذة مقابلة تطلب إليها وترًا تصلح به عودها ، وكذلك يطلب رئيس مجلس الشورى إلى النائب العام أن يصلح له دورًا غنائيًّا بينما تموج البلاد بحادث سياسي لا تعرف نتائجه.

ولهذا الولع بالنغمة وبالغناء ترى الكثير من شعر إسماعيل صبري صالحًا لأن يكون صوتًا يغنى فيه اسمع إلى قوله يخاطب سيدة تدعى ألكسندرا : انثري الدر يا سَمِيَّةَ إِسْكَندرَ لا فُضَّ عِقدُهُ من فيك .. وأميطي عن الحقيقة ما يحجب عنا جمالها من شكوك ، وقوله : أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة ولا بشافعة في رد ما كانا .. سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنًا حمل الصبابة فاخفق وحدك الآنا .. هلَّا أخذت لهذا اليوم أُهْبَته من قبل أن تصبح الأشواق أشجانا .. لهفي عليك قضيت العمر مقتحمًا في الوصل نارًا وفي الهجران نيرانا ، وغير ذلك مما يغنى فيه من شعر إسماعيل صبري كثير.

أنت لا تستطيع أن تطلب إلى شاعر بلغ من الرقة ما بلغ إسماعيل صبري وشغف بالغناء شغفه أن يكون ممن يجاهدون الحياة ويحاولون إخضاعها لرأيهم أو أن يكون قوي الإيمان مما في الحياة بشيء ، فالمرأة وجمالها والغناء وألحانه والموسيقى وأنغامها صور يطرب لها الحس وينطبع طربه في النفس فيدعوها إلى الطمأنينة للحياة والاستهتار بما يشغل الناس أنفسهم فيها من شئون والتوافر على المتاع بهذا الطرب والحرص على استدامته والفزع لذلك من الموت ويذكر الذين عرفوا إسماعيل صبري معرفة صحيحة أنه كان كذلك.

لكنك مع ذلك ترى في شعره نزعات تكاد تكون صوفية وترى إلى جانب ذلك شيئًا من التبرم بالحياة ومن إيثار الموت واستعجاله أليس يُذكِّر بتغزل عمر بن الفارض شيخ الصوفية في الذات الإلهية قول إسماعيل صبري : يا رب أهلني بفضلك واكفني شطط العقول وفتنة الأفكار .. وَمُرِ .. الوجود يشف عنك لكي أرى غضب اللطيف ورحمة الجبار .. يا عالم الأسرار حسبي محنة علمي بأنك عالم الأسرار .. أخلق برحمتك التي تسع الورى ألَّا تضيق بأعظم الأوزار.

ولا أستطيع أن أختم هذا البحث العجل عن إسماعيل صبري من غير أن أضع أمام القارئ أبياتًا ارتجلها تسيل رقة وتعبر أرق تعبير عن هذه النفسية التي كانت ترى العاطفة كما كانت ترى كل ما في الحياة حسًّا منظورًا أو مسموعًا ارتجلها يوم دفن ابن صغير للمرحوم الشيخ علي يوسف فقال :

يا مالئ العين نورًا والفؤاد هوى والبيت أنسًا تمهل أيها القمر .. لا تُخلِ أُفقَك يخلفك الظلام به والزم مكانك لا يحلل به الكدر .. في الحي قلبان باتا يا نعيمهما وفيهما إذ قضيت النار تستعر .. وأعين أربع تبكي عليك أسى ومن بكاء الثكالى السيل والمطر .. قد كنت ريحانة في البيت واحدة يروح فيه ويغدو نفحها العَطِر .. ما كان عيشك في الأحياء مختصرًا إلا كما عاش في أكمامه الزهر .. فارحل تشيعك الأرواح جازعة في ذمة الله بعد القبر يا عمر “.

79 / النسائيات

(باحثة البادية) هو اللقب الذي عرفت به الكاتبة ملك حفني ناصف  ، وهي أديبة ومثقفة مصرية وداعية للإصلاح الاجتماعي وإنصاف وتحرير المرأة في أوائل القرن العشرين وكانت من أُوَل الناشطات المصريات في مجال حقوق المرأة ، نظمت أول قصيدة لها في رثاء السيدة عائشة التيمورية التي توفيت عام 1902 م ثم نشرت باسمها المستعار عدة مقالات في صحيفة (الجريدة) جمعت بعد ذلك في كتاب بعنوان (النسائيات) ولها مجموعة شعرية متفرقة في شئون المرأة كالزواج والطلاق والسفور والحجاب وغيرها.

وُلِدت في حي الجمالية بالقاهرة عام ١٨٨٦ م وهي كُبرى سبعة أبناء للشاعر المصري حفني ناصف القاضي ، بدأت تعليمها في المدارس الأجنبية ثم التحقت بالمدرسة السنيَّة حيث حصلت منها على الشهادة الابتدائية عام ١٩٠٠ م ، ثم انتقلت إلى قسم المعلمات بالمدرسة نفسها وكانت أولى الناجحات في عام ١٩٠٣ م وبعد تدريب عملي على التدريس مدة عامين تسلَّمت الدبلوم عام ١٩٠٥ م.

عملت مدرسة في القسم الذي تخرجت فيه بالمدرسة السنيَّة ثُم تزوجت بعدها في عام ١٩٠٧م بأحد أعيان الفيوم وهو عبد الستار بك الباسل أخو حمد الباسل باشا زعيم قبيلة الرماح ، وفي البيئة الجديدة (بادية الفيوم) التي أقامت فيها بعد الزواج اتخذت اسم (باحثة البادية) حيث عرفت عن قرب الحياة المتدنية التي تعيشها المرأة ومن ثم وقفت نشاطها على الدعوة إلى الإصلاح وتحرير المرأة بما لا يتعارض مع الدين أو التقاليد.

أسست (اتحاد النساء التهذيبي) فضمَّ كثيرًا من السيدات المصريات والعربيات وبعض الأجنبيات وكان هدفه توجيه المرأة إلى ما فيه صلاحها والاهتمام بشئونها كما كوَّنت جمعية لإغاثة المنكوبين المصريين والعرب وهو أساس لما عُرِف فيما بعد بالهلال الأحمر ، وأقامت في بيتها مدرسة لتعليم الفتيات مهنة التمريض وكفلت لهذه المدرسة كل احتياجاتها ومثلت المرأة المصرية في المؤتمر المصري الأول عام ١٩١١ م لبحث وسائل الإصلاح وقدَّمت فيه المطالب التي تراها ضرورية لإصلاح حال المرأة المصرية.

وكتاب النسائيات وهو عبارةٌ عن سلسلة من المشاهداتِ والتجاربِ التي مرَّتْ بها الكاتبةُ وينقسمُ إلى جزأين ، الجزء الأول تتحدَّث فيه الكاتبةُ عن رأيِها في الزواجِ وتربيةِ البناتِ ومعاملةِ الرجال للنساء ثم تقومُ بعد ذلك بعمل مقارنةٍ بين المرأة المصريَّة والمرأة الغربيَّة ، ويضم الجزءُ الثاني  عدَّة خطاباتٍ ومقالاتٍ متبادلة بين الكاتبة وبين رائدةٍ أخرى من روَّاد التيار النسويِّ العربيِّ هي مي زيادة حيث يعرض هذا الكتابُ لصورةٍ بانوراميَّة بديعة للقضايا النسويَّة في العصر الذي كُتِب فيه.

توفيَّت عام ١٩١٨ م عن عمر اثنين وثلاثين عامًا إثر دخولها في حالة اكتئاب نتيجة انتشار إشاعة تقول إنها عاجزة عن الإنجاب ، وقد كتبت عنها الأديبة اللبنانية مي زيادة ونشرت الكاتبة الكبيرة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) دراسة عنها وعندما توفيت رثاها الشعراء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران.

أما والدها فكان من كبار الشعراء والأدباء في زمنه حيث تولى عدة مناصب في الدولة وترك عدة مؤلفات في الأدب واللغة العربية وكان من أنصار المدرسة التقليدية في الكتابة النثرية ، ومن أهم مؤلفاته كتاب  (مميزات لغات العرب وتخريج ما يمكن من اللغات العامية عليها وفائدة علم التاريخ من ذلك) حيث كان مهتما بالعلاقة بين الفصحى واللهجات العامية المصرية.

وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” حِفْني ناصِف ١٢٧٢ – ١٣٣٨ هـ / ١٨٥٦ – ١٩١٩ م ، حفني (أو محمد حفني) بن إسماعيل ابن خليل بن ناصف قاض أديب له شعر جيد ولد ببركة الحج (من أعمال القليوبية بمصر) وتعلم في الأزهر وتقلب في مناصب التعليم ثم في مناصب القضاء وعين أخيرا مفتشا أول للغة العربية بوزارة المعارف المصرية.

واشترك في الثورة العرابية بخطب كان يلقيها ويكتبها ويوزعها على خطباء المساجد والشوارع ، وكان يكتب في بعض الصحف المصرية باسم (إدريس محمدين) وقام برحلات إلى سورية والآستانة واليونان ورومانيا والنمسا وألمانيا وسويسرا والسويد وبلاد العرب ، وتولى منصب النائب العمومي والقضاء الأهلي ٢٠ عاما وقام برئاسة الجامعة (١٩٠٨) عند تكونها وكان من أوائل المدرسين فيها كما شارك في إنشاء المجمع اللغوي الأول.

وله مداعبات شعرية مع (حافظ إبراهيم) وغيره وكان يتجنب المدح والاستجداء والفخر في شعره وهو والد (باحثة البادية) توفي بالقاهرة ، له تاريخ الأدب أو حياة اللغة العربية (طبع جزآن من أربعة) ، ومميزات لغات العرب ، ورسالة في المقابلة بين لهجات بعض سكان القطر المصري ، واشترك في تأليف الدروس النحوية (أربعة أجزاء) وجمع ابنه مجد الدين ناصف شعره في ديوان سماه شعر حفني ناصف “.

وترجم له أدهم الجندي في كتابه أعلام الأدب والفن فقال : ” حفني ناصف 1859 ـ 1919 م ، مولده ونشأته : ولد سنة 1859 م وفي الحادية عشرة من عمره فرَّ من قريته إلى القاهرة طلباً للعلم فالتحق بالأزهر وأكمل دراسته فيه وقضى ثلاث عشرة سنة يدرس علوم العربية والدين وكان شديد الميل للمطالعة فما أضاع وقته في المجادلات كغيره فكان راوية لأخبار العرب حافظاً أكثر تراث الشعراء ويعتبر من أعلام النهضة الأدبية الحديثة.

في خدمة الدولة : ولما غادر الأزهر عين مدرساً في المدارس الرسمية ثم عهد إليه بتدريس اللغة العربية والمنطق في مدرسة الحقوق وأتاحت له ظروفه فدرس الحقوق ونال الشهادة وعلى إثرها التحق بالقضاء ، ودامت خدماته مدة عشرين عاماً اشتهر بالعلم والتشريع ثم نقل إلى وزارة المعارف فكان المفتش الأول للغة العربية.

آثاره العلمية : لقد ألف خمسة أجزاء في الصرف والنحو كانت تدرَّس في مدارس الحكومة ، وألف بحثاً موضوعه (مميزات لغة العرب)، قدمه إلى مؤتمر المستشرقين في فيينا سنة 1886 م ، وجمع محاضراته التي كان ألقاها في الجامعة المصرية في كتاب سماه (حياة اللغة العربية).

شعره : هو من الشعراء المجيدين في هذا العصر وقد بدأ بنظم الشعر وهو طالب في الأزهر ولعله أكثر الأدباء اطلاعاً على آداب اللغة العربية يميل في غالب شعره إلى المباسطة فيوردها بقالب جيد بديع ، أما نثره فكثير التكلف في صياغته يميل إلى السجع البديع ، وله شعر كثير في الغزل والوصف والمدح ومن شعره يصف البحيرة في جنيف بسويسرا فقال :

سل المها بين إقيانٍ ولوزان .. ماذا فعلن بقلب المغرم العاني .. إذ كنَّ في الفلك كالأقمار في فلك .. يشرفن منه على ألعاب نيران .. فكم من الأرض سهم للسماء وكم .. سهم تسدد لي من تحت أجفان .. يعلو البحيرة من نيرانها شرر .. كزفرتي حين يجري مدمعي القاني .. يذهبن بالفلك أيماناً  وميسرة .. فيها ويَطرَبنَ من توقيع ألحان .. سرب يغنين بالأفواه مطربة وثلة بربابات وعيدان .. والورق في الشاطئ الأدنى تجاوبها .. تبدو أفانين شدو بين أفنان.

وله ثلاثة أبيات مشهورة بعنوان (ميراث الحكماء) وفيها يعبر عن حسرته لأنه لم يستطع أن يخلف لأبنائه ميراثاً يكفيهم شر العوز قال : أتقضي معي إن حان حيني تجاربي وما نلتها .. إلا بطول عناء .. ويحزنني أن لا أرى لي حيلة .. لإعطائها من يستحق عطائي .. إذا ورَّث المثرون أبناءهم غنى .. وجاهاً فما أشقى بني الحكماء.

وفاته : أصيب بمرض وقد ضاعف مرضه شدة حزنه على وفاة كريمته الأديبة الشاعرة ملك الملقبة بباحثة البادية فلحق بها بعد سنة وكانت وفاته سنة 1919 م “.

وكتب عنه عمر الدسوقي في كتابه كتاب نشأة النثر الحديث وتطوره فقال : ” حفني ناصف وقد تخرج في دار العلوم سنة ١٨٨٢ بعد أن قضى بها ثلاث سنوات وتلك السنة التي شبت فيها الثورة العرابية ودخل الإنجليز مصر ، وكان حفني أديًبا وعالمًا لغويًا وأهم ظاهرة في أدبه شعره ونثره تلك الروح المصرية السمحة التي تتميز بالدعابة والفكاهة ، ويقول عنه تلميذه طه حسين : إنه كان ذكي القلب خصب الذهن نافذ البصيرة حاضر البديهة سريع الخاطر ذرب اللسان وكان أسمع الناس طبعًا وأرجحهم حلمًا وأعذبهم روحًا وأرقهم شمائل.

وقد شغل حفني مناصب عدة فاشتغل بالتدريس والقضاء وسافر إلى أوروبا وكتب في الصحف وكان لكل ذلك تأثير في عقله ومن ثم على قلمه ، ولعله أشهر كتاب الرسائل وأقواهم بعد عبد الله فكري وهو ممن يؤثرون السجع ويدافعون عنه وسنرى بعد قليل حجته في ذلك ، وقد تدعوه روح الفكاهة والظرف إلى استخدام بعض الألفاظ العامية أو المتداولة كثيرًا إذ يراها تضفي على كتابته الروح التي يريدها ومن ذلك مثلًا قوله من رسالة يشكر فيها من أهدى له عنبًا:

وصل يا مولاي إلى هذا الطرف ما خصصت به العبد من الطرف (قفص) من عنب كاللؤلؤ في الصدف تتألق عناقيده كأنها من صناعة (النجف) ولعمر الحق إنها تحفة من أحلى التحف لا يعثر على مثلها إلا بطريق (الصدف) فقابلناه لثما بالأفواه ورشفا بالشفاه واحتفينا بقدومه كل الاحتفاء ولم نفرط في حبه عند اللقاء بل حللنا به الحبى وقلنا له أهلا وسهلا ومرحبًا وأوسعناه عضا ولثما وتناولناه تجمنيشًا وضما … إلخ “.

80 / تاريخ آداب اللغة العربية

(تاريخ آداب اللغة العربية) هو أحد المراجع الكبرى في الأدب العربي وتاريخ الأدباء والشعراء وأهم المؤلفات الأدبية وتطور الشعر عبر العصور وهو من تأليف الأديب والمفكر جورجي زيدان الذي ولد في لبنان عام 1278 هـ / 1861 م وتوفي بالقاهرة عام 1332 هـ / 1914 م ، وهو مؤسس مجلة الهلال المعروفة ومن أنصار فكرة القومية العربية وصاحب المؤلفات العديدة في مجالات الأدب والفكر المختلفة وله عدد من الروايات التاريخية التي قدم فيها التاريخ الإسلامي من وجهة نظره.

استقر في القاهرة وعمل في التأليف والترجمة وأدار مجلة المقتطف واستقال منها بعد أن عمل بها عاما ونصف واشتغل بتدريس اللغة العربية بالمدرسة العبيدية الكبرى لمدة عامين ثم تركها واشترك مع نجيب متري في إنشاء مطبعة ، إلا أن الشراكة بينهما انفضّت بعد عام واحتفظ جرجي زيدان بالمطبعة وأسماها مطبعة الهلال بينما نجيب متري أنشأ مطبعة مستقلة أسماها مطبعة المعارف.

ثم أصدر العدد الأول من مجلة الهلال في عام 1892 م وكان يقوم بتحريرها بنفسه ثم ساعده إبنه إميل ،  ثم أصبحت بعد خمس سنوات من أوسع المجلات انتشارا وكان يكتب بها عمالقة الفكر والأدب في مصر والعالم العربي ورأس تحريرها كبار الأدباء والكتاب مثل أحمد زكي وحسين مؤنس وعلي الراعي والشاعر صالح جودت وغيرهم.

وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” جرجي زيدان ، جرجي بن حبيب زيدان منشئ مجلة (الهلال) بمصر وصاحب التصانيف الكثيرة ولد وتعلم ببيروت ورحل إلى مصر فأصدر مجلة الهلال (عشرين عاما) وتوفي بالقاهرة ، له من الكتب : تاريخ مصر الحديث (جزآن) وتاريخ التمدن الإسلامي (خمسة أجزاء في مجلد) وتاريخ العرب قبل الإسلام.

وتاريخ الماسونية العام وتراجم مشاهير الشرق (جزآن) والفلسفة اللغوية وتاريخ اللغة العربية وآداب اللغة العربية (أربعة أجزاء) وأنساب العرب القدماء وعلم الفراسة الحديث وطبقات الأمم وعجائب الخلق والتاريخ العام (طبع الجزء الأول) و مختصر تاريخ اليونان والرومان ومختصر جغرافية مصر و22 رواية مطبوعة “.

وفي مقدمة طبعة هنداوي لكتبه جاءت ترجمته وفيها : ” جُرجي زيدان مفكِّرٌ لبناني يُعَدُّ رائدًا من روَّادِ تجديدِ عِلمِ التاريخِ واللِّسانيَّات وأحدَ روَّادِ الروايةِ التاريخيةِ العربية وعَلَمًا من أعلامِ النهضةِ الصحفيةِ والأدبيةِ والعلميةِ الحديثةِ في العالَمِ العربي وهو من أخصبِ مؤلِّفي العصرِ الحديثِ إنتاجًا.

وُلِدَ في بيروتَ عامَ ١٨٦١ م لأسرةٍ مسيحيةٍ فقيرة وبالرغمِ من شغفِه بالمعرفةِ والقراءة فإنه لم يُكمِلْ تعليمَه بسببِ الظروفِ المعيشيةِ الصعبة إلا أنه أتقنَ اللغتَينِ الفرنسيةَ والإنجليزية ، وقد عاوَدَ الدراسةَ بعدَ ذلك وانضمَّ إلى كليةِ الطب، لكنَّه عدَلَ عن إكمالِ دراستِه فيها وانتقلَ إلى كليةِ الصيدلة وما لبِثَ أن عدَلَ عن الدراسةِ فيها هي الأخرى ولكنْ بعدَ أن نالَ شهادةَ نجاحٍ في كلٍّ مِنَ اللغةِ اللاتينيةِ والطبيعياتِ والحيوانِ والنباتِ والكيمياءِ والتحليل.

سافَرَ إلى القاهرة وعمِلَ محرِّرًا بجريدةِ (الزمان) اليوميَّة ثُم انتقلَ بعدَها للعملِ مترجمًا في مكتبِ المُخابراتِ البريطانيةِ بالقاهرةِ عامَ ١٨٨٤ م ورافَقَ الحملةَ الإنجليزيةَ المتوجِّهةَ إلى السودانِ لفكِّ الحصارِ الذي أقامَته جيوشُ المَهدي على القائدِ الإنجليزيِّ غوردون ، عادَ بعدَها إلى وطنِه لبنان ثم سافرَ إلى لندن واجتمعَ بكثيرٍ من المُستشرِقينَ الذين كانَ لهم أثرٌ كبيرٌ في تكوينِه الفِكْري ثم عادَ إلى القاهرةِ ليُصدِرَ مجلةَ (الهلال) التي كانَ يقومُ على تحريرِها بنفسِه وقد أصبحَتْ من أوسعِ المَجلاتِ انتشارًا وأكثرِها شُهرةً في مِصرَ والعالَمِ العربي.

بالإضافةِ إلى غزارةِ إنتاجِه كانَ متنوِّعًا في مَوْضوعاتِه حيثُ ألَّفَ في العديدِ من الحُقولِ المَعْرفية كالتاريخِ والجُغرافيا والأدبِ واللغةِ والرِّوايات ، وعلى الرغمِ من أن كتاباتِ زيدان في التاريخِ والحضارةِ جاءَت لتَتجاوزَ الطرحَ التقليديَّ السائدَ في المنطقةِ العربيةِ والإسلاميةِ آنَذاك والذي كانَ قائمًا على اجترارِ مَناهجِ القُدامى ورِواياتِهم في التاريخِ دونَ تجديدٍ وإعمالٍ للعقلِ والنَّقد فإنَّ طَرْحَه لم يتجاوزْ فكرةَ التمركُزِ حولَ الغربِ الحداثيِّ (الإمبرياليِّ آنَذاك).

حيث قرَأَ التاريخَ العربيَّ والإسلاميَّ من منظورٍ استعماريٍّ (كولونيالي) فتأثَّرَتْ كتاباتُه بمَناهجِ المُستشرِقِين بما تَحملُه من نزعةٍ عنصريةٍ في رؤيتِها للشرق ، تلك النزعةِ التي أوضَحَها بعدَ ذلك جليًّا المُفكِّرُ الأمريكيُّ الفَلسطينيُّ المُولَّدُ إدوارد سعيد في كِتابِه (الاستشراق) ، رحَلَ عن عالَمِنا عامَ ١٩١٤ م ورثَاه حينَذاك كثيرٌ مِنَ الشُّعراءِ أمثال أحمد شوقي وخليل مطران وحافِظ إبراهيم “.

وجاء في وصف الكتاب : ” يُعَدُّ هذا الكتاب من أنفس الذخائر الأدبية التي أفصحت عن عِظَمِ تاريخ آدابِ اللغة العربية في مُخْتلف أطواره ويتَّسمُ جرجي زيدان في دراسته تلك بالتهذيب والتنظيم وعدم الاكتفاء بقراءة النصوص في محيطها الأدبي بل يستقصي أخبارها في دروبِ بيئات المستشرقين متأثرًا بكتاب (تاريخ الأدب) لبروكلمان.

فهو يدرس العلل والأسباب السياسية والاجتماعية التي أَثَّرَتْ في الآداب العربية على مَرِّ العصور كما يُفْرِدُ فصولًا للحياة العقلية وأثرِها في الواقع العربي ويرى أن الأدب لا يعيش بمعزِلٍ عن غيره من شُعَبِ الحياة والفكر في الأمة لأنَّه النسيجُ المُؤَلِّف لملامح طبيعتها الثقافية والفكرية “.

ويتحدث المؤلف عن ذلك في مقدمة كتابه فيقول : ” أما في العربية فلعلنا أول من فعل ذلك ونحن أول من سمى هذا العلم بهذا الاسم (تاريخ آداب اللغة العربية) فنشرنا منه فصولًا صدر أولها سنة ١٨٩٤ في عدد الهلال التاسع من السنة الثانية وآخرها في أواخر السنة الثالثة وقد انتهينا فيه إلى تاريخ آدابها في عصر الانحطاط.

ثم شغلنا عن إتمامه ووعدنا القراء بالعود إلى هذا الموضوع على أن نفرد له كتابًا خاصًّا مع التوسع والتدقيق ، فقضينا بضع عشرة سنة ونحن لا تقع لنا شاردة إلا قيدناها وملاحظة إلا حفظناها وتدبرناها ، والقراء يطالبوننا به فأعلنَّا أخيرًا عزمنا على القيام بوعدنا وها نحن فاعلون.

الغرض من هذا الكتاب : نعني بتاريخ آداب اللغة العربية تاريخ ما تحويه من العلوم والآداب وما تقلبت عليه في العصور المختلفة أو هو تاريخ ثمار عقول أبنائها ونتائج قرائحهم وهاك أهم أغراضنا منه : بيان منزلة العرب بين سائر الأمم الراقية من حيث الرقي الاجتماعي والعقلي ، تاريخ ما تقلبت عليه عقولهم وقرائحهم وما كان من تأثير الانقلابات السياسية على آدابهم باختلاف الدول والعصور.

تاريخ كل علم من علومهم على اختلاف أدواره من تكونه ونشوئه إلى نموه ونضجه وتشعبه وانحلاله حسب العصور والأدوار ، تراجم رجال العلم والأدب مع الإشارة إلى المآخذ التي يمكن الرجوع إليها لمن يريد التوسع في تلك التراجم ، وصف الكتب التي ظهرت في العربية باعتبار موضوعاتها وكيف تسلسلت بعضها من بعض وبيان مميزاتها من حيث حاجة القراء إليها ووجه الاستفادة منها.

لا نهتم من هذه الكتب إلا بما لا يزال باقيًا منها ويمكن الحصول عليه ، فإذا كان مطبوعًا ذكرنا محل طبعه وسنته وإذا كان لم يطبع أشرنا إلى المكاتب التي يوجد فيها ـ نعني المكاتب الدولية في أوربا أو غيرها ـ كالمكتبة الملكية في برلين ومكتبة المتحف البريطاني في لندن والمكتبة الأهلية في باريس والمكاتب الدولية في فينا وغوطا وأكسفورد ومنشن وليدن وغيرها ودار الكتب المصرية في القاهرة ومكاتب أيا صوفيا وكوبرلي وبايزيد أو غيرها في الأستانة ، حتى إذا أراد أحد الوقوف على شيء من الأصول الخطية طلبها في فهارس تلك المكاتب.

وبالجملة فإن غرضنا الرئيسي أن يكون لهذا الكتاب فائدة عملية فضلًا عن الفائدة النظرية بحيث يسهل على طلاب المطالعة معرفة الكتب الموجودة ومحل وجودها وموضوع كل منها وقيمته بالنسبة إلى سواه من نوعه ،  فهو أشبه بدائرة معارف تشتمل تاريخ قرائح الأمة العربية وعقولها وتراجم علمائها وأدبائها وشعرائها ومن عاصرهم من كبار الرجال ووصف المؤلفات العربية على اختلاف موضوعاتها ومتى تم الكتاب ألحقناه بفهرس أبجدي للأعلام والموضوعات فيصير معجمًا للعلم والعلماء والأدب والأدباء والشعر والشعراء ولما جادت به قرائحهم من التصانيف أو المنظومات ووصف كل منها ومحل طبعه أو وجوده “.