العصر الخديوي الجزء الثاني

11 / الوقائع المصرية 

رائد النهضة الحديثة في مصر هو الإمام الأكبر حسن العطار شيخ الجامع الأزهر الذي ولد بالقاهرة عام 1180 هـ / 1766 م وتوفي فيها عام 1250 هـ / 1835 م وقد لقبه المؤرخون بلقب (إمام المجددين وقائد ركب المصلحين) بسبب دور الكبير في الحركة التعليمية والثقافية ، وهو مؤسس أول جريدة مصرية رسمية وهي (الوقائع المصرية) التي صارت بعد ذلك السجل الرسمي للدولة ومنشوراتها كما كان له دور كبير في إقناع محمد علي باشا بإرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا ومن أبرز تلاميذه السيد رفاعة الطهطاوي.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : حسن بن محمد بن محمود العطار من علماء مصر أصله من المغرب ومولده ووفاته في القاهرة ، أقام زمنا في دمشق وسكن اشكودرة بألبانيا واتسع علمه وعاد إلى مصر فتولى إنشاء جريدة (الوقائع المصرية) في بدء صدورها ثم مشيخة الأزهر سنة 1246 هـ إلى أن توفي ، وكان يحسن عمل المزاول الليلية والنهارية وله رسالة في (كيفية العمل بالأسطرلاب والربعين المقنطر والمجيب والبسائط) وكتاب في الإنشاء والمراسلات وديوان شعر وحواش في العربية والمنطق والأصول أكثرها مطبوع ، أفرد الحسيني لترجمته عشر صفحات وللشاعر محمد عبد الغني حسن (حسن العطار).

وذكره أحمد تيمور باشا في كتابه أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث فقال : ” حسن العطار 1180 هـ / 1250 هـ ، هو العلامة شيخ الإسلام حسن بن محمد العطار المصري المولود بالقاهرة في حدود سنة 1180 هـ / 1766 م ونشأ بها في رعاية والده الشيخ محمد كتن ، سمع من أهله أنه مغربي الأصل قدم بعض أسلافه مصر واستوطنوها وكان والده عطارا صغيرا له إلمام بالعلم.

وكان في أول أمره يستصحبه إلى الدكان ويستخدمه في صغار شئونه ويعلمه البيع والشراء ولشدة ذكائه وحدة فطنته كان يميل إلى التعليم وتأخذه الغيرة عند رؤية أترابه يترددون إلى المكاتب فكان يختلف إلى الجامع الأزهر لحفظ القرآن الكريم ، ولما رأى والده فيه هذه الرغبة إلى التعلم ساعده حتى أتم حفظ القرآن في مدة يسيرة ثم أقبل على طلب العلم وجد في التحصيل على كبار المشايخ كالشيخ الأمير والشيخ الصبان وغيرهما حتى بلغ من العلوم في زمن قليل ما هيأه للتدريس وزادت رغبته في التزود بكثير من العلوم المختلفة فعكف على دراستها وأتقنها.

ولما دخل الفرنسيون مصر غادر القاهرة مع جماعة من العلماء إلى الصعيد ثم عاد إليها إبان احتلالهم الممقوت فقربوه منهم واتصل بعلمائهم فأفادهم واستفاد منهم وكان يتنبأ لمصر بتقدم عمراني وثقافي ، ثم سافر إلى الشام وأقام بدمشق بالمدرسة البدرية زمنا ثم سافر إلى إستانبول وأقام هناك مدة وتأهل بها وأعقب ولم يبق عقبه ولم يزل مشتغلا بالإفادة والاستفادة حتى عاد إلى مصر بعلوم كثيرة وأقر له علماء عصره بالانفراد وعقد مجلسا لقراء تفسير البيضاوي وقد مضت مدة على هذا التفسير لا يقرؤه أحد فحضره أكابر المشايخ والتفوا حول دروسه.

وكتب عنه معاصره الشيخ محمد شهاب الشاعر قال : كان آية في حدة النظر وشدة الذكاء وكان يزورنا ليلا في بعض الأحيان فيتناول الكتاب الدقيق الخط الذي تعسر قراءته في وضح النهار فيقرأ فيه على ضوء السراج وربما استعار مني الكتاب في مجلدين فلا يلبث عنده إلا أسبوعا أو أسبوعين ويعيده إلي وقد استوفي قراءته وكتب في طرره على كثير من مواضعه.

ظل الشيخ حسن مصدر إشعاع لمختلف العلوم إلى أن ولي مشيخة الأزهر عقب وفاة الشيخ محمد الشنواني في سنة 1246 هـ فزانها وشرفها وظل شيخا للأزهر إلى أن توفي في آخر سنة 1250 هـ وترك مؤلفات قيمة منها ما دونه طيب الذكر يوسف سركيس في معجم المطبوعات العربية بعد أن ترجم للشيخ وهي : إنشاء العطار في المراسلات والمخاطبات وكتابة الصكوك والشروط مما يحتاج إليه الخاص والعام وقد طبع عدة طبعات وهو مؤلف صغير الحجم كبير الفائدة يشهد له بدقة الملاحظة وقوة الأسلوب وفيه الكثير من أشعاره.

حاشية العطار على التذهيب للخبيصي شرح التهذيب وبهامشها الشرح المذكور وحاشية ابن سعد (منطق) طبع ببولاق سنة 1296 هـ ، حاشية العطار على شرح إيساغوجي لأثير الدين الأبهري وبالهامش الشرح المذكور (منطق) طبع سنة 1311 هـ ، حاشية العطار على جمع الجوامع ثلاثة أجزاء طبع مصر ، حاشيته على متن السمرقندية (بلاغة) طبع بالدهينة سنة 1288 هـ ، حاشيته على شرح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري (نحو) طبع عدة طبعات بمصر .

حاشيته على شرح المقولات المسمى بالجواهر المنتظمات في عقود المقولات كلاهما للشيخ أحمد السجاعي طبع بمصر سنة 1282 هـ ، منظومة العطار في علم النحو، في مجموع من مهمات الفنون طبع سنة 1280 هـ ، وقد زاد المغفور له على باشا مبارك على ذلك من مؤلفات العطار : رسالة في كيفية العمل بالأسطرلاب والربعين المقنطر والمجيب والبسائط ورسائل في الرمل والزايرجة والطب والتشريح وغير ذلك وذكر أنه كان يرسم بيده المزاول النهارية والليلية.

وذكره أشرف فوزي صالح في كتابه شيوخ الأزهر فقال : ” الإمام الشيخ حسن بن محمد بن العطار المغربي الأصل ولد بالقاهرة عام 1182 هـ ونشأ في رعاية والده الشيخ محمد الذي كان عطاراً بسيطاً رقيق الحال ولكنه مع ذلك كان ملماً ببعض العلوم وعلى ثقافة جيدة.

نشأ الشيخ العطار حاد الذكاء شديد الشغف بالمعارف والعلوم وله طموحاته الواسعة وآماله في أن يصبح ذا شأن بين العلماء وساعده ذكاؤه في ذلك، فقد أراد أبوه أن يعلمه العطارة ويعتمد عليه في ذلك إلا أن الفتى تملكته الغيرة العلمية حين رأى من هم في سنه يترددون على الأزهر لتحصيل العلم وحفظ القرآن الكريم فتردد خفية – دون علم أبيه – على الأزهر وحفظ القرآن في فترة وجيزة ، بعدها علم أبوه بما كان منه فساعده وشد من أزره وألحقه بالجامع الأزهر.

دفعه حبه للعلم إلى تطبيق ما تعلمه فاشتغل بصناعة المزاول والرصد بالإسطرلاب وأتقن التشريح والطب وأصبح موسوعة علمية في جميع فروع العلم وتعددت مواهبه في العديد من الفنون ، وكثرت رحلاته بالداخل والخارج وزاد ارتباطه بالعلماء والشيوخ وجلس للتدريس بالأزهر الشريف وهو في سن مبكرة لنباهته وسعة علمه ذلك بالإضافة إلى اتصاله بعلماء الحملة الفرنسية حين وجودهم في مصر وقد شاهد تجاربهم العلمية وزاد من رحلاته لينهل من معين المعارف والعلوم والخبرات التي لم تتوافر له بوجوده في مصر آنذاك.

كان الشيخ العطار يرعى تلاميذه النابهين واشتغل بالآداب وصنف روائع الشعر والنثر والمقامات وألف في المنطق والفلك والطب والكيمياء والطبيعة والهندسة ، ودرس الجغرافيا والتاريخ بالأزهر وخارجه وعلق على تفسير البيضاوي، وكان أحد عجائب زمانه لدرجة أن العلماء كانوا يتركون حلقات دروسهم لينضموا إلى تلاميذه في حلقة درسة ليستفيدوا من علومه وثقافاته المتنوعة.

وكانت شخصية الإمام العطار قوية وكان مرهوب الجانب متمسكاً بالحرية مدافعاً عنها وكان لبقاً ذا عزيمة ماضية ، تولى مشيخة الأزهر عام 1246 هـ بأمر من محمد علي والي مصر الذي كان على صلة قوية به ، ولقد كان الإمام العطار هو المرشح الوحيد لهذا المنصب بثقافته وعلمه وشخصيته الفذة وأخلاقه الراقية وأدبه الجم لذا يقول عنه الجبرتي : هو قطب الفضلاء وتاج النبلاء ذو الذكاء المتوقد والفهم المسترشد الناظم الناثر الآخذ من العلوم العقلية والأدبية بحظ وافر.

برع الشيخ في كتابة الأدب شعراً ونثراً ومقامات وكان أسلوبه في الكتابة العلمية يميل إلى السهولة والبعد عن السجع والمحسنات البديعية التي كانت شائعة في عصره ، ويعتبر الشيخ العطار هو البداية الحقيقية لبزوغ فجر النهضة الشعرية الحديثة، وله أبيات فكاهية لطيفة يقول فيها : إني لأكره في الزمان ثلاثة .. ما إن لها في عدها من زائد  .. قرب البخيل وجاهلا متفضلا .. لا يستحى وتودداً من حاسد .. ومن الرزية والبلية أن ترى .. هذي الثلاثة جمعت في واحد.

وقال أحمد تيمور باشا عن الشيخ العطار مقولة طيبة جمع فيها صفاته جاء فيها : كان الشيخ العطار عالماً جليلاً ذائع الصيت في مصر وسائر الأقطار العربية والشرقية وأديباً فريداً وشاعراً مجيداً وكان مع ما اتصف به حميد السجايا طيب الخلال متواضعاً كريماً زاهداً وجيهاً أينما توجه وحيث أقام ، وللشيخ العطار مصنفات كثيرة وضع فيها خلاصة فكره وتجاربه وظل في منصبه – مشيخة الأزهر – حتى وافاه أجله عام 1250 هـ ورحل بجسده لكنه بقي بعلمه الغزير وثقافته المتنوعة التي وضعها في تلاميذه النبلاء الذين ملؤوا الأرض علماً من بعده وكذلك بقي الشيخ بمصنفاته الجليلة التي حوت كل جديد وحديث ومتنوع ، رحم الله الشيخ الإمام ونفعه بما ترك وأدخله فسيح جناته بما أفاد وعلم.

وفي موقع دار الإفتاء المصرية مزيد من المعلومات عنه منها أنه ولد في القاهرة سنة 1182هـ وقد حدد تاريخ مولده بنفسه في منظومته النحوية حيث ذكر أنه ألفها في يومين في شهر ذي القعدة سنة 1202 هـ / 3 أغسطس سنة 1788 م وأن سِنَّه في هذا الحين كانت عشرين عامًا وذلك حيث يقول : وألف في يومين عام الذي له .. غرب جاء تاريخًا بشهر أحد عشر .. ومعذرة يا صاحبي لمؤلف .. له عشر أعوام وعشر من العمر.

ويحدِّثُنا عنه تلميذه العلامة رفاعة الطهطاوي فيقول : كانت له مشاركة في كثير من هذه العلوم – العلوم العصرية – حتى في العلوم الجغرافية ، لقد وجدت بخطه هوامش جليلة على كتاب تقويم البلدان لإسماعيل أبي الفداء سلطان حماة ، وله هوامش أيضًا وجدتها بأكثر التواريخ على طبقات الأطباء وغيرها ، وكان يطلع دائمًا على الكتب المعربة من تواريخ وغيرها وكان له ولوع شديد بسائر المعارف البشرية.

وقد حمله شغفه بالمعارف والفنون على التطبيق العملي للمعارف التي تعلمها نظريًّا فقد اشتغل بصناعة المزاول الليلية والنهارية وأتقن الرصد الفلكي الأسطرلاب وسجل هذا في مؤلفاته إلى جانب الطب والتشريح ، وبهذا تعددت مواهبه وتنوعت مداركه حتى أصبح شبيهًا بالموسوعات العلمية التي تتناول جميع الفنون وقد أعانته على ذلك رحلاته العديدة بالداخل والخارج واتصاله الوثيق بعلماء الحملة الفرنسية ومشاهدته التجارب العلمية التي باشرها هؤلاء العلماء.

وقد جدَّ الشيخ العطار – رحمه الله – في تحصيل العلم ووسع دائرة ثقافته العلمية حتى شملت المنقول والمعقول – كما يقول القدماء – وتصدَّر للتدريس في سن مبكرة وبدأت الأنظار تتجه إليه ، ولما داهمت الحملة الفرنسية مصر لم يطق البقاء بالقاهرة ففر إلى أسيوط حيث وجد الأمن والحرية وإن كان شوقه إلى القاهرة قد برح به وما قاساه في الغُرْبَة قد أحزنه وأفزعه هذا إلى ما كابده في سبيل كسب رزقه وما قاساه من أهوال الطاعون الذي انتشر بأسيوط فصرع الآلاف وأفزع الباقين.

وقد عبَّر عن هذه الأحداث في مسهبة كتبها إلى صديقه المؤرخ الجبرتي قال فيها : تلك شؤون طال بها العهد وانجرَّ عليها ذيل الحوادث وامتد وما كنت أوثر أن يمتد بي الزمن حتى أرى الأسفار تتلاعب بي كالكرة في ميدان البلدان ، حصل لي القهر بخروجي من القاهرة واغبرَّ أخضر أيامي الزاهرة وقد ألجأتني خطوب الاغتراب واضطرتني شؤون السفر الذي هو قطعة من العذاب إلى التقلُّب في قوالب الاكتساب والتلبُّس بتلبيس الانتساب وأخفي معالم المجيء والذهاب.

ثم عاد إلى القاهرة بعد أن حصل الأمن واتصل بناس من الفرنسيين فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم ويفيدهم اللغة العربية ، وبهذا جمع الشيخ الإمام حسن العطار – رحمه الله – بين الثقافة الغربية والثقافة العربية الإسلامية واستفاد من خبراته العديدة والأحداث المثيرة -التي أصابت وحلت بالبلاد – أعظم استفادة ولا شيء يُكَوِّن الرجال مثل مقاساة الشدائد واحتمال النكبات ومصارعة الأهوال ، ثم أضاف إلى هذا رحلاته العديدة إلى الخارج فقد أتقن اللغة التركية وألمَّ بالفرنسية واختلط بكثير من العلماء النابهين من عرب وأتراك وفرنسيين فزادت ثروته الثقافية نماء واتِّساعًا وعُمقًا.

أما سبب رحلاته الخارجية فنرجح أنه راجع إلى طغيان الفرنسيين وجبروتهم وتنكيلهم بالشعب بعد أن تعددت ثوراته ضدهم فهاجر الشيخ الإمام إلى مكة للحج ثم سافر منها إلى معان ثم الخليل فالقدس بفلسطين ورحل إلى الشام فأقام بدمشق في المدرسة البدرية ثم رحل إلى ألبانيا حيث استقر بمدينة أشكور مدة ، وأخيرًا عاد إلى القاهرة بعد جلاء الفرنسيين عنها فلفت إليه الأنظار لتنوع ثقافته وتعدد مواهبه فقد كان متعمقًا في العلوم الدينية واللغوية.

وكان عالما فلكيًّا ورياضيًّا، وكان إلى هذا أديبًا وشاعرًا معدودًا في طليعة الأدباء والشعراء في عصره ولهذا عهد إليه بإنشاء جريدة الوقائع المصرية والإشراف على تحريرها فكانت فرصة لإظهار آثاره النثرية وروائعه الشعرية وكانت الوقائع المصرية منبرًا أعلن فوقه آراءه في الدعوة إلى التجديد في مناهج التربية والتعليم وإلى مناداته بإدخال العلوم الحديثة والعلوم المهجورة بالأزهر إلى مناهجه ، فطالب بدراسة الفلسفة والجغرافيا والتاريخ والأدب والعلوم الطبيعية كما طالب بالرجوع إلى أمهات الكتب العلمية وعدم الاقتصار على المتون والحواشي المتأخرة كما نادى بالإفادة من أئمة العلماء القدماء وعدم الاقتصار على العلماء المتأخرين القائمين بالتقليد والمحاكاة.

هذه النصيحة الجادة المبكرة تلقفها بعد الشيخ الإمام تلميذه النجيب الشيخ محمد عياد الطنطاوي وتلميذه العلامة رفاعة الطهطاوي وما زال العلماء الأعلام يتلقفونها جيلا بعد جيل حتى آتت أكلها وأثمرت أينع الثمار في العصر الحديث، والفضل للرعيل الأول من زعماء العلماء الأعلام ، وكان شعار الشيخ الإمام قوله: إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها ولم يكن شعارًا نظريًّا فحسب بل طبقه تطبيقًا علميًّا فدرَّس وألَّف في فنون شتى لم تكن مطروقة في عهده.

ثم وجَّه تلاميذه إلى التجديد فيما يعالجونه من أبحاث ودراسات حتى ولو كانت تتناول موضوعات قديمة فقد نجح في إدخال الدراسات الأدبية بالأزهر على يدي تلميذه محمد عياد الطنطاوي ، وهو الذي أشار بإرسال تلميذه النجيب رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا وهو الذي وجهه وأرشده إلى استيعاب ما يمكن استيعابه من آثار الحضارة الفرنسية وأشار عليه بتدوين كل ما يشاهده أو يعرفه أو يسمع عنه فكانت نتيجة التوجيهات أن ألَّف الطهطاوي كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز).

وقد أحبَّ الشيخ تلميذه رفاعة الطهطاوي حبًّا كبيرًا لما آنسه فيه من الذكاء والنجابة فقربه إليه وأحاطه برعايته وكان رفاعة يتردد على بيت شيخه يقرأ عليه بعض كتب العلوم الحديثة وكان يتلو على شيخه ما نظمه من قصائد شعرية فيلقى منه التشجيع وحسن التوجيه ، وهكذا كان الشيخ يرعى تلاميذه النابهين ولم يكن يكتفي بالتوجيه والإرشاد بل كان يعطي القدوة من نفسه فاشتغل بالآداب شعرًا ونثرًا وصنَّف فيها كثيرًا من روائع الشعر وفصول النثر والمقامات وألَّف في المنطق والفلك والطب والطبيعة والكيمياء والهندسة.

وقام بتدريس الجغرافيا والتاريخ بالأزهر وخارج الأزهر وكان يتناول الموضوعات القديمة بأسلوب جديد مشوق فقد لاحظ أن تفسير البيضاوي كاد يكون مهجورًا في الأزهر فقام بقراءته والتعليق عليه بطريقة مشوقة جذبت إلى حلقته كثيرًا من العلماء والطلبة فكان إذا بدأ درسه ترك كبار العلماء حلقاتهم وأقبلوا عليه مستزيدين من علمه الفيَّاض ، ودفع تلميذه الأديب محمد عياد الطنطاوي ليشرح مقامات الحريري بأسلوبه الأدبي البليغ كما دفع تلميذه الطهطاوي لتدريس الحديث والسُّنَّة بطريق المحاضرات دون التقيد بكتاب خاص أو نص معروف فكان ذلك مثار إعجاب العلماء.

وترجم له عبد الرازق بن إبراهيم البيطار في كتابه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر فقال : ” الشيخ حسن بن محمد الشهير بالعطار الأزهري المصري مولدا المغربي محتدا عظيم شأن لا عيب يضاف إليه سوى أن أهل عصره قد دار أمرهم في علومهم عليه فهو فرد المعارف والعوارف وكعبة حرم اللطائف لكل طائف به جمال محيا العلم قد ازدهى وإليه كمال الفهم قد انتهى فلله دره من همام قد ارتقى سماء الفضائل وانتقى لنفسه أحسن الخصال والشمائل.

ولقد انفرد في علم الأدب وأجاد فيما نظم ونثر وأحاطت به الفنون إحاطة الهالة بالقمر وكان مقره بالجامع الأزهر والمقام الأنور ، ولما استولى الفرنسيس على مصر وجعل زمامها إليه بالقوة والقهر وسام أهلها كل ضيم وبلية وكاد أن يجرعهم كؤوس المنية خرج المترجم فاراً بنفسه إلى دمياط لما حصل في مصر من الشطط والشياط ، وفي عام ألف ومائتين وسبعة عشر توجه إلى بلاد الروم فاستقام بها مدة واستقر وفي سنة خمس وعشرين توجه إلى الشام فدخلها زوال يوم الجمعة ثاني شهر ربيع الأول شهر ولادة سيد الأنام.

فتلقاه أهلها بما لاق وعقدوا على تفوقه وتفرده بالفضائل كلمة الاتفاق فتعلق به والدي تعلق اللازم بالملزوم وحضر دروسه في أكثر العلوم والفنون فكان لوالدي كالروح للجسد وكان هو يقبل على والدي إقبال الوالد على الولد لما يرى له من علو الهمة وسهر الليالي المدلهمة ، ولم يزل لمجالسه ملتزما وفي سلك الملتقطين لدرر نفائسه منتظما إلى أن خرج من الشام بعد الثلاثين وكان قد استقام بها نحواً من خمس سنين فرجع إلى مصر بعد هذه المدة، وكان قد زال عن مصر ما كان بها من شدة وحينما عزم على السفر استجازه والدي فأجازه “.

ومن كلماته المأثورة قوله : ” من تأمل ما سطرناه وما ذكرناه من التصدي لتراجم الأئمة الأعلام عرف أنهم مع رسوخ قدمهم في العلوم الشرعية والأحكام الدينية لهم اطلاع على غيرها من العلوم حتى في كتب المخالفين في العقائد والفروع ، وقد انتهى الحال في زمن وقعنا فيه من تقليد ونقل علوم فوجدنا أن نسبتنا إليهم كنسبة عامة زمانهم فإن قصارى جهدنا هو النقل عنهم دون أن نخترع شيئًا من عند أنفسنا وليتنا نصل إلى هذه المرتبة بل اقتصرنا على النظر في كتب محصورة “.

12 /  المنحة في سياسة حفظ الصحة

(المنحة في سياسة حفظ الصحة) هو عنوان كتاب طبي مترجم تمت إعادة صياغته باللغة العربية على يد أقدم محرري مدرسة الطب الشيخ محمد عمران الهراوي المتوفي بالقاهرة عام 1257 هـ / 1840 م ، وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمَّد عمران الهِرَّاوي فاضل مصري عرف بما صححه من الكتب المترجمة عن الفرنسية إلى العربية في أيام محمد علي وهو أقدم المصححين في مدرسة الطب ، تولى (نظارة) مدرسة المارستان إلى أن أغلقت (سنة 1836 م) وعكف على تصحيح ترجمة الكتب نحو ست سنوات توفي في آخرها “.

وذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” ولما أراد محمد علي نقل العلوم الحديثة إلى العربية كان أكثر النقلة لا عناية لهم في اللغة العربية وأكثر علماء اللغة لا معرفة لهم باللغات الأجنبية فاحتاج إلى من يحرر الكتب المنقولة ويهيئها للطبع وهو غير المصحح الذي يتولى تصحيح الكتاب في أثناء الطبع لأن المحررين يشترط فيهم معرفة العلم الذي يعهد إليهم تحريره وفهم مصطلحاته العلمية وغير ذلك فضلًا عن معرفة اللغة ، أما المصححون فيكفي فيهم معرفة قواعد اللغة وشواردها لضبط العبارات حسب القواعد ولما كانت الكتب التي أريد نقلها يومئذٍ علمية فنية لها مصطلحات خصوصية كانت الحاجة ماسة إلى محررين يفهمون مصطلحاتها ويعرفون مظانها.

على أن المحررين كانت الحاجة ماسة إليهم بالأكثر في أوائل هذه النهضة على عهد محمد علي ثم أخذوا يستغنون عنهم بالتدريج بعد أن استقرت المصطلحات العلمية كما وضعها المحررون الأولون وهم أصحاب الفضل الأول على هذه النهضة من حيث وضع المصطلحات وإمام هذه الطائفة السيد محمد عمر التونسي صاحب معجم المصطلحات العلمية الآتي ذكره.

والمحررون بالمعنى المراد هنا قليلون وقد تعاصروا في زمن محمد علي وإليك أشهرهم على حسب الأقدمية : محمد عمران الهراوي توفي في أواسط القرن التاسع عشر هو أقدم محرري الكتب في هذه النهضة لم نقف له على أخبار كثيرة من حيث أصله وترجمة حاله لكنه طبعًا من تلاميذ الأزهر لأنهم أوثق الثقات في علوم تلك الأيام وخصوصًا اللغة.

وقد حرر أول كتاب من كتب الطب المترجمة في هذه النهضة نعني كتاب القول الصريح في علم التشريح تأليف كلوت بك وترجمة يوحنا عنحوري طُبِع في أبي زعبل سنة ١٢٤٨ﻫ ، وحرر أيضًا كتاب العجالة الطبية في ما لا بد منه لحكماء الجهادية تأليف كلوت بك وترجمة أوغسطين سكاكيني طُبِع في مطبعة أبي زعبل سنة ١٢٤٩ﻫ وهو الكتاب الثاني من مطبوعاتها ، وحرر كثيرًا من ترجمات عنحوري والمدرسة لا تزال في أبي زعبل وظل على عمله بعد انتقالها إلى قصر العيني.

وذكره محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة فقال : ” محمد عمران الهراوي ، يقول جورجي زيدان في الحديث عنه هو أقدم محرري النهضة في هذه النهضة لم نقف له على أخبار كثيرةٍ من حيث أصله وترجمة حاله لكنه طبعًا من تلاميذ الأزهر لأنهم أوثق الثقات في علوم تلك الأيام وخصوصًا اللغة.

وعلى الرغم أن حديث جورجي زيدان عنه من حيث نسبته إلى الأزهر كان مبنيًّا على الاستنباط غير معتمد على حجة قاطعة بنسبة إلى الأزهر ، إننا نذهب مذهبه ونسلكه فيمن نهض بالتحرير من أبناء الأزهر في صدر النهضة فلم يكن سواهم في هذه الفترة على تمكن من اللغة وعلومها وإلمام بشواردها ودقائقها.

ويذكر عبد الرحمن الرافعي بك أن محمد علي اختار طائفة من المحررين من علماء الأزهر وأن ممن مهر من هؤلاء التونسي ومحمد عمران الهراوي ومما يذكر له بالفضل أنه هو الذي وضع نواة التحرير في النهضة الحديثة فقد حَرَّرَ أول كتاب مترجم في الطب في صدر هذه النهضة وهو كتاب القول الصريح في علم التشريح الذي ألفه كلوت بك وترجمه يوحنا عنحوري وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٢٤٨هـ.

كما حَرّرَ كتاب العجالة الطبية فيما لابد منه لحكماء الجهادية ألفه كلوت بك وترجمه أوغسطين سكاكيني وطبع في مطبعة أبي زعبل سنة ١٢٤٨هـ وهو الكتاب الثاني من مطبوعاتها على أن الهواري حرر كثيرًا مما ترجمه يوحنا عنحوري والمدرسة لا تزال في أبي زعبل وقد ظلَّ في عمله حتى بعد انتقالها إلى القصر العيني “.

ويستهل الهراوي كتابه المنحة في سياسة حفظ الصحة بمقدمة يذكر فيها المؤلف والمترجم وظروف إعداد الكتاب فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، نحمدك يا من خلقت الإنسان في أحسن التقويم وجعلت حفظ صحته لمصدر أفعاله الركن القويم وأغنيته بتدبير الأسباب الضرورية والاقتصاد فيها عن تحكيم الحكيم فسبحانك يا عزيز يا عليم أدم الصلاة والتسليم على ذي الخلق العظيم وآله وصحبه ما اهتز غصن قويم أو سرى على أرض نسيم.

وبعد ، فيقول مغفور المساوي محمد الهراوي : لما كان علم الطب مع شدة الاحتياج إليه وتوقف صحة صحة الأبدان عليه منبوذا بين أهل المشرق فيما وراءهم ظهريا متروكا فيما بينهم كبقية العلوم الرياضية حتى صار نسيا منسيا لا يشتغلون به ويدعيه منهم من لا يحسن أن ينطق بمبانيه فضلا عن أن يدري مباديه.

فبينما هو بين أيديهم في حياض الغمرات يتجرع غصص السكرات وينادي يا حي يا قيوم أغثني فقد بلغت مني الروح الحلقوم إذ أدركته خفايا الألطاف وأسعفته مزايا الإسعاف وقيض الله له من على يديه يعيده ويبديه وفي مهده يكفله ويربيه حتى ينمو بين أهالي هاتيك البلاد ويكون شابا مليحا بينهم في كل ناد ويكسبه من المحاسن جلبابا ويجعل له منهم معشرا أصحابا.

صاحب السعادة التي لا مطمع لغيره فيها حتى تنال والهمة العليا التي يعجز عن الإفصاح عنها البلغاء في المقال ، من تسابقت سوابق فخره على صافنات النسيم بين الأقيال وتتابعت لواحق نعمائه على جواري التسنيم بين الأمثال وتحصل له جميع ما في الممالك من أنواع الكمال وتمثل بين يديه مع البشر والإقبال حتى طفق الكل يشهد له بالفضل والأفضال حضرة سعادة سمي المصطفى في الأرض وعلي المكارم والوفا في طولها والعرض أيده الله بالبهاء والوقار وزين مملكته بجنات تجري من تحتها الأنهار.

فأحضر له معشرا من بلاد الأوربا لهم فيه أقدام عيسوية وأخلاق موسوية علما منه بأن معلوم هذا العلم لا يتغير بتغير الملل والأديان ومحصوله لا يختلف باختلاف الأماكن والأزمان ، وكان الرئيس على هؤلاء المعلمين ماهرهم كلوت بيك ذو اليد الطولى في العمليات والسطوة الأولى في المعالجات  فقسم الطب بينهم كما في بلادهم أقساما وجعل كل واحد من رفقته لتعليم كل قسم إماما.

فكان لقسم حفظ الصحة الخواجا برنار فجمع هذا الكتاب من مجلدات كبار وترجمه من الفرنساوي للعربي بالكتابة والمقال المترجم الحلبي جورجي فيدال ، وكنت مقيدا لتصليح ما ترجم ترجمة لفظية وتوقيعه مواقع عبارات عربية مع إبقاء أسلوبهم لمساق الكلام على ما هو عليه واصطلاحهم في كثرة التقسيمات وتطويل العبارات على ما مالوا عليه حفظا لمقابلة الكلام عند التعليم وتسهيلا لفهمه منهم وقت التفهيم.

غير أني بذلت في أن تستفاد المعاني غاية الجهد وحفظت في أن لا أكتب شيئا إلا بعد معرفتي إياه كل عهد ، والله أسأل تسهيله لمطالعيه والانتفاع به لمقتفيه آمين ، ولما تهيأ للتمام ولبس وشاح الختام وسمته بالمنحة في سياسة حفظ الصحة “.

 

13 / فتح الجليل بشرح شواهد ابن عقيل

في عام 1821 م قرر الوالي محمد علي باشا الكبير تأسيس المطبعة الأميرية ونبغ فيها واحد من أهم رجال بني عدي في ذلك الزمان وأحد رواد العلم وهو العلامة الجهبذ الشيخ محمد بن الشيخ عبد الرحمن قطة العدوي عمدة المحققين في المطبعة الأميرية وجريدة الوقائع المصرية وكبير المعلمين بمدرسة الألسن وصاحب المؤلفات القيمة في النحو والشاعر والمصحح والناقد والأديب.

ولد بالقاهرة سنة 1210 هـ / 1795 م وتوفي فيها عام 1281 هـ / 1862 م. عقب حج مبرور ودفن ببستان العلماء وذلك بعد أكثر من سبعين سنة قضاها في خدمة الدين واللغة والعلم ، ومن مؤلفاته : (فتح الجليل بشرح شواهد ابن عقيل وتتميم الفوائد بشرح أبيات الشواهد) ، وقد استهل كتابه فتح الجليل بمقدمة يقول فيها : هذا شرح جميل على شواهد ابن عقيل يحل مبانيها ويبين معانيها على وجه حسن وأسلوب مستحسن يسر والإكرام بجاه حبيبه خير الأنام أن يتوفاني على الإيمان والإسلام وكما أحسن لي البدء يحسن لي الختام آمين.

وقد حفظ القرآن الكريم وجوده على والده ومهر في علوم اللغة العربية والأدب وكانت له مقدرة فائقة على الحفظ حيث حفظ الألفيات والمتون والأشعار وتصدر للتدريس في الأزهر ثم اختاره رفاعة الطهطاوي مدرسا بمدرسة الألسن ومعاونا له في إدارتها ، ومن تلاميذه الشيخ حسن بن محمد بن داود العدوي المالكي (المتوفي سنة 1320 هـ) والشيخ حسن بن أحمد رفاعي الهواري العدوي (المتوفي سنة 1924 م) والشاعر صالح مجدي بك (المتوفي سنة 1880 م).

عمل محققا ثم كبيرا للمحققين في المطبعة الأميرية وساهم في تصحيح وتحقيق المئات من أمهات الكتب وأشهرها كتابي ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ثم عمل مصححا بجريدة الوقائع المصرية بحكم عمله بالمطبعة الأميرية وهي أول جريدة مصرية وعربية وإسلامية تصدر باللغة العربية أسسها محمد علي باشا سنة 1828 م.

والده هو العلامة الكبير الشيخ عبد الرحمن قطة العدوي المالكي ولد ببني عدي القبلية فى العام 1170 هـ الموافق للعام 1756م وحفظ القرآن الكريم وجوده فى البلدة على العلماء فيها وأخذ بعض الدروس فى الفقه المالكي والتفسير والحديث والسيرة النبوية والنحو عن علماء بني عدي أيضًا من أمثال الشيخ محمد حسن الهواري المالكي العدوي المتوفى فى العام 1210هـ والشيخ سليمان طايع السباعي الحسني المالكي العدوي المتوفى فى العام 1232هـ والشيخ محمد خضر الزواوي المالكي العدوي المتوفى فى العام 1216هـ والشيخ محمد دقيلة العدوي المالكي.

ثم رحل إلى الأزهر للاستزادة من العلم وفى الأزهر لزم دروس الشيخ الإمام أبي البركات أحمد الدردير المالكي العدوي المتوفى فى العام 1201 هـ حيث أخذ عنه الفقه المالكي وعلوم التوحيد كما أخذ بالأزهر عن غيره من العلماء من أبناء بني عدي ومن غيرهم فأخذ عن الشيخ صالح السباعي الحسني العدوي المتوفى فى العام 1221 هـ والشيخ أحمد بن محمد بن موسى البيلي المالكي العدوي المتوفى فى العام 1241 هـ وغيرهم من علماء الأزهر الفضلاء فى ذلك الحين.

قال على باشا مبارك فى كتابه الشهير الخطط التوفيقية فى الجزء التاسع : ” الشيخ عبد الرحمن قطة العدوي الإمام المجتهد الشهير قرين مفتي السادة المالكية الشيخ محمد الأمير ” .. وقال الشيخ حسن بن أحمد رفاعي الهواري العدوي المالكي المتوفى فى العام 1924 الميلادى : ” الأستاذ المشهور بالزهد والورع العلامة الشيخ عبد الرحمن قطة العدوي وكان من تلاميذ الإمام الأمير ”.

وفى الغالب أنه توفى بعد العام 1250 هـ وقد كان من معاصريه من علماء بني عدي والأزهر الشيخ عبد الله القاضي العدوي المتوفى عام 1258 هـ والشيخ عبدالرحمن بن أحمد الخطيب الجديمي المالكي العدوي والشيخ محمد خضاري العدوي المالكي والشيخ عبد الفتاح دقيلة العدوي السماني المالكي والشيخ علي الشاذلي الضرير العدوي المالكي المتوفى عام 1273هـ وغيرهم من العلماء الأجلاء .. وقد توفى الشيخ عبد الرحمن قطة ببني عدي القبلية ودفن فى الجبانة المعروفة الآن بالفدان والتي تقع جنوب المستشفى ببني عدي القبلية وقبره لا يزال موجودا ومعروفا وهو يقع على بعد خطوات قليلة من السور الفاصل بين الجبانة والمستشفى.

وجاء في كتاب تاريخ بني عدي ترجمة وافية للأستاذ محمد قطة العدوي : ” هو العالم الأديب اللغوي الشيخ محمد بن العلامة الشيخ عبد الرحمن قطة العدوي نسبة إلى بني عدي مركز منفلوط ، قال محمد علي مخلوف : ولد المترجم رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة 1210 هـ الموافق لعام 1795م الميلادي حيث كان أبوه العلامة الشيخ عبد الرحمن قطة العدوي مقيما فيها ويدرس العلوم الدينية والعربية فى الجامع الأزهر وقد حفظ القرآن الكريم وجوده على أبيه وحضر دروس غيره من علماء بني عدي وسواهم الذين كانوا يقومون بالتعليم بالأزهر الشريف حينذاك.

ولم يزل يجد فى التحصيل والطلب حتى استوعب كثيرًا من العلوم ونال شهادة العالمية وأذن له بالتدريس وكانت له شهرة بين الأزهريين والاقتدار فى علوم اللغة العربية والولوع بالأدب العربى وحفظ الأشعار وتقريظها بأسلوبه الإنشائي الناصع والمشتمل على السجع غير المتكلف ونظم الشعر الجيد وكان مالكي المذهب مثل والده وغالبية العدوية الأزهريين عاكفا على القراءة والإطلاع غزير المادة متمكنا من كل فن وبخاصة الفنون الأدبية.

حكي أنه كان يقرأ للطلاب فى حاشية الجمل على تفسير الجلالين للقرآن الكريم فأخذ يتعقب العلامة الشيخ الجمل وينقد ما كتبه ويبين وجه الخطأ فى أقواله ويذكر الصواب للطلاب وبلغ صنيعه هذا الشيخ الجمل فوفد إلى درسه واستمع لما يوجهه من النقد والاعتراض لحاشيته فدارت بينهما مناظرة علمية نادرة حامية الوطيس وكانت الغلبة فيها بحق للشيخ محمد قطة العدوي ففرح المالكية العدوية والمالكية الصعايدة وعيروا الشافعية وأهل العلم من أبناء الوجه البحرى بقولهم : ” قطة الصعيد غلبت جمل الوجه البحرى أو جمل البحيرة “.

وقد عين الشيخ محمد قطة العدوي مصححا بجريدة الوقائع المصرية مدة من الزمن ووقع عليه الاختيار ليقوم بتصحيح الكتب العربية بمطبعة بولاق الأميرية فقام بمراجعة كثير من كتب التراث وبذل الجهد الكبير فى سبيل تصحيحها وإخراجها مطبوعة خالية من الأخطاء وكانت قبل ذلك لا ترى النور ولا يكاد يعرفها أحد من القراء فأكمل ما نقص وقدم فيها وأخر وحذف ما يصدم الأخلاق ويخدش الحياء من العبارات الممجوجة والكلمات النابية.

وكان محل ثقة العلماء لما عرفوه عنه من مقدرة فائقة على امتلاك ناصية اللغة العربية وآدابها وتوفره على استقامة المعاني فإنه كان إذا وجد عبارة قلقة فإنه يقوى ضعفها ويصحح سقمها حتى يخرج الكتاب فى ثوب بهيج لا أثر فيه لجهل الناسخ وعبث الأيدي ، قال محمد علي مخلوف وكان يكتب خواتيم الكتب ويترجم لمؤلفيها ويقرظها بأسلوب مسجوع على طريقة أهل عصره أو يقول أبياتا من الشعر فى تقريظ الكتاب ومؤلفه.

وهذه نماذج من نثره وشعره فى تقريظ الكتب التي قام بتصحيحها وإخراجها مطبوعة لأول مرة فقد قال عن حاشية العلامة الصبان على شرح الأشمونى للألفية : ” وبالجملة فهو كتاب لا تحصى فوائده ولا تحصر عوائده وذلك غنى عن البيان قاض به العيان كما أشرت إلى ذلك بقولي مؤرخا عام الطبع ملوحا لبعض ما فيه من المزايا والنفع وإن لم أكن من فرسان هذه الحلبة ولا أزن معهم مثقال حبة “.

وفي بحث بعنوان ” الشيخ محمد قطة العدوى الأديب النحوى ” من إعداد الدكتور محمد حسن محمد يوسف الأستاذ المساعد فى قسم اللغويات بكلية البنات الإسلامية بأسيوط جاءت تفصيلات عن دوره العلمي الكبير حيث يقول : ” كان الشيخ محمد قطة مدرسا بمدرسة الألسن وكان منهج المدرسة فى الترجمة عمليا ومفيدا فلم يكن دروسا تكتب فى دفاتر وتهمل بل يمرن الطلبة على الترجمة فى كتب نافعة فإذا استغلقت عليهم جملة لجأوا إلى شيخهم الشيخ رفاعة الطهطاوى يذللها لهم ثم عرضوا ما ترجموا على أستاذ اللغة العربية يصحح لهم لغتهم خاصة الشيخ محمد قطة العدوى فقد كان ساعده الأيمن فى هذه المدرسة لما رزقه موهبة جليلة فى التدريس بلغة سهلة وعبارة فصيحة وقدرة فائقة على تصحيح عبارات الطلبة فيما يترجمون فإذا أتموا الكتاب أو الكتب روجعت ثم قدمت إلى المطبعة لتطبع فتكون أثرا خالدا.

هناك طائفة من العلماء غبنوا حقهم ولم يؤرخوا التاريخ الواجب لهم وهم المصححون .. قال الأستاذ أحمد أمين : ” كانوا يمتازون ـ فى عصرهم ـ بثقافة أوسع من أمثالهم واقتضاهم عملهم أن يطلعوا على كثير من الكتب فى التاريخ والأدب واللغة والفلسفة وغير ذلك مما وسعته مداركهم وآفاقهم واضطرهم عملهم أن يكتبوا خاتمة الكتب أو يكتبوا شرحا لغامض أو أن ينشئوا تقريظا لكتاب أو تعليقا عليه أو قصيدة فى مثل هذه الأغراض فجرت أقلامهم ومرنوا على الإنشاء والكتابة فى زمن عز فيه الأديب وندر فيه الكاتب وإن كان إنشاؤهم وكتابتهم مقيدة بنمط العصر من التزام السجع المكلف والاستعارة المشدودة وما إلى ذلك.

ثم قال : ” اشتهر من هذه الطبقة الشيخ نصر الهوريني ثم الشيخ محمد قطة العدوي ثم الشيخ إبراهيم الدسوقي ويظهر أنهم كانوا فى درجة علمهم وأدبهم كما كانوا حسب ترتيب زمنهم .. نشروا كثيرا من الكتب القيمة ولقوا فى تصحيحها المتاعب وأذهبوا فى مسوداتها سواد عيونهم وهم وإن لم تبلغ كتبهم منتهى الجودة من حيث الإخراج والضبط فقد بذلوا غاية جهدهم وجعلوها صالحة للاستفادة منها واستخرجوها من أصول سقيمة وخطوط عليلة ..

وطبعت المطبعة الأميرية نحو ثلاثمائة كتاب فى الرياضيات والطب وطبعت أمهات الكتب الأدبية بفضل القسم الأدبى الذى فصل عنها ووصل بدار الكتب المصرية ومنذ يومئذ اقتصرت مطبعة بولاق على طبع الوقائع المصرية والكتب المدرسية والأعمال الحكومية .. وعين الشيخ محمد قطة مصححا لجريدة الوقائع المصرية منذ مدة من الزمان.

وقد وقع عليه الاختيار ليقوم بتصحيح الكتب العربية بمطبعة بولاق الأميرية والتي أقامها محمد على 1821م. فقام بمراجعة كثير من كتب التراث وبذل الجهد الكبير فى سبيل تصحيحها وإخراجها مطبوعة خالية من الأخطاء فى وقت غمرت فيه الكتب وظلت حبيسة لا ترى النور ولا تقع فى يد أحد وخرجت هذه النفائس إلى النور وعملت على تغذية العقول بنتائج السلف وتهذيب اللغة وتقويمها كما كان يكتب خواتيم الكتب ويترجم لمؤلفيها ويقرظها بأسلوب مسجوع على طريقة أهل عصره يدل على قدمه الراسخة فى مجال الأدب والتعبير ” ا. هـ.

14 / نيل الأرب

(نيل الأرب في مثلثات العرب) هو عنوان منظومة شعرية في اللغة العربية كتبها الأديب والشاعر حسن قويدر الخليلي الذي ولد في القاهرة عام 1204 هـ / 1789 م وتوفي فيها عام 1262 هـ / 1845 م وهو من كبار محرري جريدة الوقائع المصرية ، وهو كتاب جليل جمع فيه المؤلف ما يثلث من الألفاظ العربية بالحركات نظمه في أرجوزة حسنة السبك محكمة النظم يقول في مطلعها : يقول من أساء واسمه حسن .. لكن له ظن بمولاه حسن .. فكم لمولاه من منن .. بالعد لا تدخل تحت الحصر.

وهي سهلة الحفظ واضحة غير معقدة وبهامشها فوائد قيمة فيها غنية لكل أديب طبعت بمصر سنة ١٣٠٢ وفي صدرها ترجمة للمؤلف بقلم الأستاذ محمد فني وترجمت هذه المثلثات إلى اللغة الإيطالية بقلم المستشرق (فيتو) وطبعت الترجمة في بيروت ، ويقول في مقدمتها : جمعت فيها الكلمات اللاتي .. تكون في الشكل مثلثات .. أبدأ بالمفتوح ثم آتي .. بالضم لكن بعد ذكر الكسر ، ثم يقول : رتبتها كمعجم على الولا .. معتبر اللباب حرفا أولا .. بذا أتت غريبة في الوضع .. يعشها كل رقيق الطبع ، وعدد أبياتها ٢٢١ بيتا.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” حسن بن علي قويدر الخليلي فاضل له شعر وأدب أصله من المغرب ومولده ووفاته في القاهرة كان يحترف التجارة كأبيه وله كتب منها نيل الأرب في مثلثات العرب (في اللغة على نسق مثلثات قطرب نظما وقد ترجم إلى الإيطالية) وزهر النبات (في الإنشاء والمراسلات) والأغلال والسلاسل في مجنون اسمه عاقل (في الخزانة التيمورية) وقعت لي نسخة منها ناقصة الآخر وفي طرّتها أنها للشيخ حسن قويدر الخليلي فرجعت إلى مصادر ترجمته فعرفت منها أن والده عليّا كان من أهل الخليل – بفلسطين – انتقل إلى القاهرة وهو مغربي الأصل “.      

وقد ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” الشيخ حسن قويدر الخليلي المتوفى سنة ١٨٤٥ / ١٢٦٢ﻫ ، هو حسن بن علي قويدر أصل أجداده من المغرب نزحت عائلته إلى فلسطين وأقامت فيها وجاء علي إلى مصر فوُلِد له حسن سنة ١٧٨٩ / ١٢٠٤ﻫ ، وتفقه في الأزهر على الشيخ العطار المتقدم ذكره والباجوري واشتهر في اللغة والأدب وهو لا يزال يتعاطى تجارة أبيه بين مصر والشام ويشتغل في ساعات الفراغ بالتأليف والشروح ، وذكروا أنه أرَّخ وفاته وهو مريض سنة ١٢٦٢ﻫ بقوله : رحمة الله على حسن قويدر ، وكان عالمًا بأسرار اللغة وآدابها وهاك أهم مؤلفاته :

نيل الأرب في نظم مثلثات العرب : يشتمل على ما يثلث من الألفاظ منظومة في أرجوزة مطلعها (يقول من أساء واسمه حسن) طُبِعت بمصر سنة ١٣٠٢ﻫ في صدرها ترجمة المؤلف بقلم محمد فني وقد ترجمت هذه المثلثات إلى اللغة الإيطالية بقلم ڨيتو المستشرق وطُبِعت الترجمة في بيروت ، شرح منظومة العطار في النحو مشهورة ، زهر النبات في الإنشاء والمراسلات لم يُطبَع ، رسالة الأغلال والسلاسل في مجنون اسمه عاقل انتقد فيها رجلًا اسمه عاقل انتحل قصيدة لسواه منه نسخة في المكتبة الخديوية ، وتجد أمثلة من منظوم قويدر ومنثوره في كتاب أعيان البيان للسندوبي “.

وقد وصفه الأديب حسن السندوبي في كتابه أعيان البيان فقال : ” نفحة من نفحات العطار الزكية وعلم من أفراد أدباء الأزهر النوادر الذين وجد الأدب في مهاد قلوبهم أرضا خصيبة وفي أذهانهم سماء صافية الأديم ومن طباعهم جودا مغسثا وغيثا مدرارا فأزهر وأثمر وجاء من الأفانين بكل زوج بهيج ، فما شئت من من نثر مجود سهل وما رمت من شعر منسجم جذل في ميل إلى السجع مع قليل تكلف وخبرة بأسرار الكلام وتفوق في فن المزدوجات بما لا يطال وحسبه أنه نابغة زملائه من خريجي الأزهر في زمنه أدبا وفضلا “.

وقد ترجم له عبد الرازق البيطار في كتابه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر فقال : الشيخ حسن بن الشيخ علي بن قويدر الأزهري الخليلي الأديب الناظم الناث ذو الفضائل والمآثر من رقى أوج المعارف وانتقى برج العوارف وخاض بحور العلوم ونزه صائب فكره في رياض المنطوق والمفهوم ، فلا ريب أنه كامل المقاصد جيد القصائد شعره المنسجم السهل يزري بشعر الأخطل وابن سهل ونثره البليغ البديع يحاكي مقامات الحريري والبديع وهو ثقة فيما يؤخذ عنه من النقول وحجة في علمي المعقول والمنقول كثير المعارف والفنون غزير اللطائف قليل المجون.

لم يتخذ الشعر حرفة ولا سكن من بيوته غرفة بناء على أنه جل صناعته أو أجل متاعه وبضاعته وإنما دعاه إليه حب الأدب ولواه إليه ما اشتمل عليه من طوية العرب ، وكان رحمه الله وأحسن مقره ومثواه غاية في الزهد والديانة آية في العفة والأمانة كثير الود للإخوان مهيباً بين الأحبة والأقران لا تمل وإن طالت مجالسته ولا تعل وإن زادت مفاكهته لما كانت تشتمل على الفوائد العائدة على محبيه بالصلات والعوائد ، وكانت له صدقات وفية مستورة عن الإظهار خفية وقصارى الكلام في هذا الفرد الهمام إنه كان حسنة من حسنات عصره وجوهرة يتيمة في جيد مصره.

ولد بمصر سنة ألف ومائتين وأربع وتربى في حجر والده على الرحب والسعة ، وإن أصوله من المغرب من ذرية ولي ذي مقام روحاني يعرف بسيدي عبد الله الغزواني وإن علامة من كان من ذرية هذا الولي المعروف بالهدى والصلاح أنه إذا جاء لزيارته أحد يفتح له الباب من غير مفتاح وإن بعض ذرية هذا الولي انتقل إلى مدينة سيدنا الخليل عليه صلاة المنان وتناسل بالمدينة المذكورة واشتهرت تسمية نسله بالمغاربة وهم معروفون بذلك هنالك إلى الآن ، ثم إن والد المترجم انتقل إلى مصر القاهرة وأقام بها وكان ذا تجارة وافرة.

وبها رزق بصاحب الترجمة المذكورة صاحب الشمائل المأثورة ، فلما أن بلغ أشده وجه عنان همته للطلب بكل إقبال وشدة فقرأ على جملة من العلماء والسادة الفضلاء منهم العلامة الشيخ حسن الأبطح والفهامة شيخ الأزهر الشيخ حسن العطار ذو الأرج الأفيح والمرحوم الشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الإسلام والشيخ إبراهيم السقا عمدة الأنام وغيرهم من مشايخ العصر المتصدرين للإفادة في أزهر مصر ، وكان شافعي المذهب خلوتي الطريقة قد أخذها عن الأستاذ معدن السلوك والحقيقة العارف بالله تعالى صاحب الإمداد السيد الشيخ أحمد الصاوي أبي الإرشاد.

ومن تآليفه المفيدة وتصانيفه العديدة شرحه على منظومة شيخه الشيخ حسن العطار في علم النحو وقد أجاد به أحسن إجادة ونحا ألطف نحو وقد قال في شرحه عليها موجهاً جميل مدحه إليها : منظومة الفاضل العطار قد عبقت .. منها القلوب بريا نكهة عطرة .. لو لم تكن روضة في النحو يانعة .. لما جنى الفكر منها هذه الثمرة .. في ظلمة الجهل لو أبدت محاسنها .. والليل داج أرانا وجهها قمره .. قالوا جواهر لفظ قلت لا عجب .. بحر البلاغة قد أهدى لنا درره.

ثم قال : ومن شغفي بتلك العرائس الخواطر حملتني بواعث الخواطر على أن أكتب عليها شرحاً وأبني على دعائمها صرحا وأشد بنطاق البلاغة لها كشحا فوقفت على أقدامي متردداً في تأخري وإقدامي ، إلى أن قال بعد كلام طويل ليس له في البلاغة مثيل : فشددت نطاق العزم وتقلدت بصارم الحزم وقومت سنان يراعي وبسطت في حومة هذا الميدان باعي وإني لأرى التوفيق يقوم أمامي والعناية تقود زمامي ، وإذا العناية صادفت عبد الشرا .. نفذت على ساداته أحكامه.

فاجتفيت من رياض العلوم الأثمار واجتليت بنات الأفكار وافتضضت من المعاني الأبكار ورصدت من بين النجوم الأقمار وأتيت بمؤلف يهزأ بقلائد النحور ويعبث بألحاظ الحور تتألف نجوم المعارف من مطالع أفلاكه وتتناثر درر اللطائف من قلائد أسلاكه جعلته تاجاً لتلك العروس ونزهة لنفائس النفوس ونمقته تنميقاً عجيبا وسبكته سبكاً غريبا وشحنت زورقه بالدرر وأثقلت أغصانه بالثمر.

وجعلت لشرح أبيات الغزل خواتم كأنها في أصابع الدهر خواتم بينت فيها معاني ألفاظه المنظومة اللغوية من كتب صحاح كقاموس البلاغة والصحاح ، وضمنتها سجعاً مأثورا ودراً منظوماً منثوراً ونوادر أدبية يرشفها السمع مداما وتميل الأذاق السليمة إلى محاسنها غراما لتكمل المناسبة بين الأصل وفرعه ويحتلب الطالب در الأدب من ضرعه ويكون ذلك ترويحاً للنفس وتنشيطاً للبدن بالانتقال من فن إلى فنن ، تنقل فلذات الهوى بالتنقل .. ورد كل صاف لا تقف عند منهل .. ولا تتبع قول امرىء القيس إنه .. ضليل ومن ذا يهتدي بمضلل.

إلى آخر ما قال وأجاد في المقال وهذا الشرح في نحو ثلاثين كراساً قد أحكمه فرعاً وأساساً ، ومنها شرح مزدوجته وقد تناولته أيدي الضياع قبل انتقاله إلى مبيضته وهو يزيد على مائة كراس قد أودعها ما يزري باللؤلؤ والماس ومنها رسالة الأغلال والسلاسل في مجنون اسمه عاقل ، ومنها زهر النبات في الإنشاء والمراسلات ومنها نيل الأرب في مثلثات العرب الذي مدحه محمد أفندي فني بقوله : يا صاح إن رمت النشب .. ورغبت في أعلى الرتب .. وأردت سفراً نافعاً .. من در ألفاظ العرب .. فمثلثات قويدر .. هي كاسمها نيل الأرب .. هي روضة مطلولة .. منها صبا الآداب صب.

وله غير هذه من التآليف وجميل التصانيف ، ومن أشعاره الفائقة وأفكاره الرائقة قصيدته التي مطلعها : يا طالب النصح خذ مني محبرة .. تلقى إليها على الرغم المقاليد .. عروسة من بنات الفكر قد كسيت .. ملاحة ولها في الخد توريد .. كأنها وهي بالأمثال ناطقة .. طير لها في صميم القلب تغريد .. احفظ لسانك من لغط ومن غلط .. كل البلاء بهذا العضو مرصود .. واحذر من الناس لا تركن إلى أحد .. فالخل في مثل هذا العصر مفقود .. بواطن الناس في ذا الدهر قد فسدت .. فالشر طبع لهم والخير تقليد .. هذا زمان لقد سادت أراذله .. قلنا لهم هذه أيامكم سودوا.

وهي قصيدة طويلة ، وله قصيدة ثانية أرسلها إلى بعض الناس أولها : يا من له خلق كنفحة عنبر .. بالله كف سهام لومك عن بري ، وله أيضاً قصيدة قال في براعة استهلالها : لو كان أمر فؤادي دائماً بيدي .. لما وضعت يدي اليمنى على كبدي ، وله مزدودة جميلة متداولة مشهورة وله غير ذلك من القصائد الطنانة والمقاطيع الرنانة : تلك آثارنا تدل علينا .. فانظروا بعدنا إلى الآثار.

ومات ولم يدون شعره في ديوان كما جرت بذلك عادة الشعراء من غابر الأزمان ، ومع اشتغاله بالعلم ليلاً ونهاراً كان يشتغل بالتجارة متعففاً عما في أيدي الناس سراً وجهاراً ولم يزل في زيادة نعم مع كمال الاحترام رفيع القدر بين الخاص والعام حتى انتقل إلى دار السلام في شهر رمضان سنة ألف ومائتين واثنتين وستين.

ومن العجائب أن محمود أفندي الساعاتي الشاعر المصري المشهور قبل وفاة المترجم بثلاث ليال رأى في منامه أن الشيخ المترجم توفي وكان ذلك في مرض موته فانتبه قائلاً : رحمة الله على حسن قويدر .. فحسب هذه الجملة فكانت تاريخا للسنة التي وقعت فيها الرؤيا ثم توفي المترجم بعد ذلك بثلاث ليال فكانت تاريخاً أيضاً لوفاته.

ثم إن محمود أفندي المرقوم أشار إلى ذلك في قصيدته الطنانة التي رثى بها المترجم المرقوم بقوله : بكت عيون العلا وانحطت الرتب .. ومزقت شملها من حزنها الكتب ، وقال فيه أيضاً وقد سئل رثاه : قالوا قضى حسن المناقب فارثه .. فأجبتهم ومدامعي تتحدر .. لا أستطيع رثاء من لمصابه .. أضحى لساني في فمي يتعثر ، وكانت وفاة هذا الهمام العلي القدر في رمضان كما تقدم سنة ألف ومائتين واثنتين وستين بداء الصدر رحمة الله عليه.

15 / الإشعار بحميد الأشعار

(الإشعار بحميد الأشعار) هو عنوان الديوان الشعري للأديب والشاعر السيد علي الدرويش المصري الذي ولد في القاهرة عام 1211 هـ / 1796 م وتوفي فيها عام 1270 هـ / 1853 م وهو واحد من كبار شعراء الموشحات والأدوار الغنائية في زمنه وكان من المقربين للوالي عباس باشا الأول ، وقد قام بجمع الديوان تلميذه الشيخ مصطفى بن سلامة النجاري ومن مؤلفاته الأخرى كتاب الدرج والدرك وكتاب تاريخ محاسن الميل لصور الخيل وكتاب سفينة الآداب وهو الذي أطلق اسم الحلمية على سراي عباس حلمي (حي الحلمية حاليا).

وكان الشاعر ضمن الوفد الذي أرسله عباس باشا إلي شبه الجزيرة العربية على ظهور الإبل إلى جزيرة العرب سنة 1848 م حيث باشرت في التجوال بوديان العرب وديارهم وما جاورها من البلدان بقصد شراء الخيل وتدوين أصولها ورسم مشجرات نسبها وتسجيل أسماء أصحابها من الأفراد والأسر والعشائر والقبائل وتثبيت كل هذه المعلومات التاريخية المهمة في دفاتر معدة لهذا الغرض ، وبعد أن أنهت بعثة عباس باشا مهمتها رجعت إلى القاهرة وباشرت بالعمل على ترتيب وتنسيق معلوماتها المدونة سابقًا وقامت بتبييض كل هذه المعلومات والكتابات السابقة ووضعها بين دفتي كتاب أصول الخيل.

وقد ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” السيد علي الدرويش المصري المتوفى سنة ١٨٥٣ / ١٢٧٠ﻫ ، هو السيد علي بن حسن بن إبراهيم المصري الشهير بالدرويش كان من خيرة شعراء مصر في أوائل القرن الماضي ، نشأ في القاهرة وكانت له منزلة رفيعة بين الأمراء والوجهاء وقد مدحهم وعُرِف على الخصوص بشاعر عباس باشا الأول ، واهتم تلميذه الشيخ مصطفى سلامة النجاري بجمع ديوانه ورتبه على ثلاثة أبواب الأول في الصناعات مرتَّب على السنين ، الثاني في غير المصنع رتَّبه على حروف المعجم ، والثالث في النثر والأدوار طُبِع على الحجر بمصر سنة ١٢٨٤ﻫ ويسمى الأشعار بحميد الأشعار “.

وذكره حسن السندوبي في كتابه أعيان البيان فقال : ” مالت نفسه إلى الأدب فانكب على ما وصلت إليه يده من كتبه واستقرى أمهات اللغة وأخذ يستخرج دررها ويحتلب درها كما صبت نفسه إلى تعلم الهندسة والحساب ، ثم تفرغ للكتابة وقرض الشعر واختص بعلم البديع وأتقن فيه فن التأريخ حتى ما كانت تمر به حادثة إلا أرخها عفو الساعة.

وكان يعرف بشاعر عباس باشا الأول ، وقد كان حسن الحال ذا مال وعقار غير متكسب بالشعر ميالا إلى اللهو والسرور مداحا للكرام نباذا للئام مقذعا في الهجاء مر الخصومة حلو المفاكهة ، ومازال مشتغلا بنظم الشعر وإنشاء الرسائل ومكاتبة أدباء عصره حائزا لإعزاز أصدقائه وإجلال عارفي فضله إلى أن توفاه الله في 27 ذي القعدة سنة 1270 هـ.

مميزاته : جارى أدباء عصره في ضروب الشعر وتحبير الرسائل المسجعة والمقامات المرصعة وبرع في صناعة البديع وحسن التفنن فيه وامتاز من أنواعه بالتأريخ وأدوار التغني وصناعة المواليا والموشحات وما إليها من فنون الغناء ، وأحسبه ممن يعدون في ذيل الطبقة الأولى في شعره حسبما كان عليه الشعر في عصره ، ولولا ما كانت تجره إليه الأسجاع من الحشو والخروج لعد من كتاب الطبقة الأولى في منشئي ذلك العهد ومع هذا فهو من أفراده المعدودين في الأدب والفضل “.

وقد استهل النجاري ديوانه بمقدمة يقول فيها : ” أما بعد ، فيقول راجي عفو الباري الفقير مصطفى سلامة النجاري : هذا جزء صغير وشيء يسير حصلت عليه ووصلت إليه من صناعة وحيد دهره وبراعة فريد عصره ذي القدر الكريم المرحوم السيد علي أفندي الدرويش بن حسن بن إبراهيم جمعته تحفة لكل أريب وجعلته ذكرى حبيب عندما قضى نحبه وجاور ربه طلبا لبقاء ذكره باستبقاء بدائع فكره ورغبا في إتحاف الأفكار بما وقفت عليه من تلك الآثار التي هي من أينع ثمرات الأوراق وأبرع قول رق أوراق.

وضربت به الأمثال في الآفاق إذ هو جدير بربان يكون لفنون الآداب غره ولعيون الطلاب قرة ويحرر رقيق مكاتباته على جبين الأعصار ويحبر أنيق صناعاته بسواد الأبصار في جميع الأمصار ويبقى زهر آدابه جميل النشر ويرقى بإطرائه وأطرائه إلى يوم الحشر وقد رتبت بديع صنعه وهديت سريع جمعه وسميته بتاريخ الإشعار بحميد الأشعار “.

وقد ترجم له محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة فقال : السيد علي الدرويش المصري المتوفى سنة ١٢٧٠هـ / ١٨٥٣  ،” هو السيد علي الدرويش بن حسن بن إبراهيم الأنكوري ولد بالقاهرة في غرة شهر المحرم سنة ١٢١١هـ ولما شب ألحق بالأزهر فتلقى علومه على جلة من شيوخه.

وكان منذ صباه ميالا إلى الأدب وفنونه فأقبل على كتبه يغذي ملكته بقراءتها ويرتوي من محاسنها ويستظهر ما يستطيبه منها وقلب في كتب اللغة فعرف أسراره، ووقف على مكنونها ، وكان هواه إلى الهندسة والحساب أيضا فأجال فيهما نظره ثم تفرغ للكتابة وقرض الشعر وحرر الرسائل ونظم جمهرة من الأصوات (أدوار الغناء) واشتهر بصناعة المواليا والموشحات وتهيأت له بأدبه وشهرته منزلة رفيعة لدى الوجوه وأمراء العصر حتى أصبح شاعر المرحوم عباس الأول “.

وكان غنيا بماله وعقاره عن التكسب بشعره معروفا بميله إلى اللهو والطرب غزير المدح لمن يحبه لاذع الهجاء لمن يبغضه ولعله امتاز بهذين من الشعراء الأزهريين الذين لم يكونوا في ذلك مسرفين كما كان حاضر البديهة عذب المفاكهة حلو المنادرة ، كانت وفاته في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين وألف من الهجرة.

عصر الدرويش عصر صناعة وزخرف وطلاء وتعمل وكلف بالبديع وإغراق فيه على تفاوت الشعراء في ذلك ولو أن الدرويش اقتصر في شعره على الحظ الذي تناوله المعاصرون له من الصناعة والمحسنات لكان من أجودهم شعرًا إلا أنه أغرق في البديع وكلف بالزخرف يحشده حشدا ويشده شدا ويسرف فيه إسرافا ويتصيده بسهولة ويرتقبه رضيه الذوق أو أباه وبذلك استغلق شعره والتوى قصده وانحط نسجه وضت معانيه فيما أغرى به من صنعة وما سهر عليه من زينة.

فمن جناسه الذي يستعمله في شعره قوله : أيام أفراح هي الحسن .. صدق اليمين بأنها يمن ، فالجناس بين اليمين واليمن وهو متكلف إلا أنه غير موغل في الثقل ، وقوله : كالروض مختلف الثمار مهذبا .. أفنانه من عنده فن ، فالجناس بين أفنان جمع فنن “وفن ، وقوله : أملي وعلم مآله أعياني .. أو لم تكن منقولة أعياني ، فالجناس بين أملي ومآله وبين أعياني بمعنى أثقلني وأعيان المضافة إلى ياء المتكلم جمع عين.

وقوله : صفو الليالي أحسنا .. يمن تراهم أحسنا ، فالجناس بين أحسن ضد أساء وأحسن وصفا من الحسن ، هذه الجناسات ليس فيها ما واتاه عفوا أو انساق إليه دون استكراه بل احتفل الشاعر بها فشدها شدا أضاع المعنى الشعري وجرد الشعر من الجمال والروعة ، وهو يغرى بالبديع أيضا في الموشحات والأدوار الغنائية فتراه يلتزم الجناس فيها ويستعمل التورية ما استطاع كقوله : بافاتك الفتان .. ناسي ناسي أهواء .. وخده النعمان .. كاسي كاسي آه … وآه.

فقد أوقع الجناس بين ناسي اسم فاعل وناسي بمعنى أهلي وأوقعه بين كاسي اسم فاعل من كسا وكاسي التي هي إناء الخمر مضافة إلى ياء المتكلم كما أوقعه بين أهواه فعلًا بمعنى أحبه وآه وواه اسمي فعل بمعنى أتألم وفي ذلك من التكلف والتشدد ما فيه ، ويقول : يا من على خده دينار .. صرفت فيه فضة دمعي .. جد لي ببوسه قال دي نار .. والبوس محرم في شرعي ، ففي كلمة دينار الثانية تورية إذ يحتمل أن تكون مكونة من دي اسم الإشارة بالعامية ونار أي هذه نار لا تطيقها وأن تكون النقد المعروف من المذهب والمعنى هات دينارا إن أردت القبلة.

وهو مفتون بالتاريخ الشعري وما زال يستعمله في شعره حتى عرف به ومهر فيه حتى ما كانت تمر به حادثة إلا أرخها عفو الساعة فمن ذلك ما قاله يؤرخ به إنشاء قنطرة : إنشاء ممدوح الملا .. من عدله الدنيا ملا .. أعني الوزير محمدا .. رب المحامد والولا .. لقبوله قد أرخوا .. إنشاء قنطرة العلا

ويؤرخ لتجديد القصر العالي فيقول : قصر به نور السعادة آهل .. إسعاد منشئه به متواصل .. فكأنه الفردوس في أوصافه .. ظل وفاكهة وماء هاطل .. وبلابل الأغصان فيه ترنمت .. فرحا فنقطها اللجين الوابل .. والسعد نادي بالسرور مؤرخا .. قصر به نور السعادة آهل.

وقد جمع تلميذه مصطفى سلامة النجاري شعره ونثره في كتاب سماه (الإشعار بحميد الأشعار) وطبعه على مطبعة الحجر سنة ١٢٨٤هـ ، ورتب الديوان على ثلاثة أبواب : الأول في الصناعات مرتبة على السنين ، والثاني في غير المصنع مرتبا على حروف الهجاء ، والثالث في النثر والأدوار ، وقد نظم الدرويش جملة متون وأراجيز منها متن التنوير ومنظومتان في العروض والقوافي افتتح الأولى بقوله : إلهي لك الحمد فصل مسلما .. على المصطفى والآل والصحب تفضيلا ، واستهل الثانية بقوله : لك الحمد فاللهم صل مسلما .. لطه وآل فضلهم مد أبحرا .. وبعد ففي نظم عروضا قوافيا .. على هو الدرويش وازن أسطرا.

من مؤلفاته كتاب الدرج والدرك وهو كتاب وضعه في مدح من اشتهر في أيامه بكريم الصفات وجميل المزايا وذم ذوي الدنايا والمثالث على ما هداه ميله وأوحى إليه عقله جعل الدرج للممدوحين والدرك للمذمومين ، روى تلميذه مصطفى النجاري أن هذا الكتاب استعاره منه صديقه حافظ بك مصطفى ولم يرده ، وله كتاب آخر اسمه تاريخ محاسن الميل لصور الخيل وهو كتاب وضعه تلبية لرغبة الخديو عباس الأول ذكر فيه محاسن الخيل ومساوئها وله رحلة لم تطبع ولم يتيسر الاطلاع عليها ، وله سفينة الآداب استعارها منه صديقه على أغا الترجمان ولم يردها “.

16 / سفينة الملك ونفيسة الفلك

(سفينة الملك ونفيسة الفلك) هو عنوان كتاب في الشعر الغنائي والموشحات والموسيقى والنغم والألحان من تأليف الأديب والشاعر شهاب الدين محمد بن إسماعيل بن عمر المكي المصري الذي ولد في مكة المكرمة عام 1210 هـ / 1795 م وتوفي بالقاهرة عام 1274 هـ / 1857 م ، وهو من كبار محرري جريدة الوقائع المصرية وتولى الإشراف على القسم الأدبي فيها ثم عين لرئاستها بعد تولي الشيخ حسن العطار مشيخة الأزهر ثم تفرغ في آخر حياته للكتابة والتأليف وله ديوان شعر كبير.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد بن إسماعيل بن عمر المكيّ ثم المصري المعروف بشهاب الدين ، أديب من الكتاب له شعر ولد بمكة وانتقل إلى مصر فنشأ بالقاهرة وتعلم في الأزهر وأولع بالأغاني وألحانها وساعد في تحرير جريدة (الوقائع المصرية) وتولى تصحيح ما يطبع من الكتب في مطبعة بولاق ، واتصل بعباس الأول (الخديوي) فلازمه في إقامته وسفره ثم انقطع للدرس والتأليف فصنف (سفينة الملك ونفيسة الفلك) في الموسيقى والأغاني العربية ورسالة في التوحيد وجمع ديوان شعره وتوفي بالقاهرة “.   

وذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” الشيخ شهاب الدين المصري توفي سنة ١٨٥٧ / ١٢٧٤ﻫ ، هو الشيخ شهاب الدين محمد بن إسماعيل بن عمر المصري وُلِد في مكة في أول القرن التاسع عشر ورحل إلى مصر تفقَّه في أزهرها على الشيخين العروسي والعطار ، وبرع في الأدب والشعر وتعلم الحساب والهندسة والموسيقى وساعد العطار في تحرير الوقائع المصرية ثم خلفه في تحريرها وجاء الشيخ أحمد فارس الشدياق في أثناء ذلك إلى مصر وأخذ عنه.

ثم جُعِل مصححًا لمطبوعات بولاق وانقطع أخيرًا للكتابة حتى مات ، وأشهر آثاره : مجموعة في الأدب تُنسَب إليه سماها (سفينة الملك ونفيسة الفلك) وتُعرَف بسفينة شهاب الدين فيها أمثلة كثيرة من الموالي والموشحات والأهازيج والأزجال التي يتغنى بها رتبها على ثلاثة أبواب : الأول في الموسيقى والثاني في ما نظمه فيه والثالث في التلاحين والعمليات وغيرها طُبِعت بمصر غير مرة ، ديوان الشعر مرتَّب على حروف المعجم طُبِع بمصر سنة ١٢٧٧ﻫ “.

ووصفه حسن السندوبي في كتابه أعيان البيان بقوله : ” الشيخ محمد شهاب الدين ، هو محمد بن إسماعيل الشهير بشهاب الدين صاحب السفينة ولد بمكة سنة 1210 هـ / 1876 م ثم حضر إلى القاهرة ونشأ بها والتحق بالأزهر فدرس على مشايخه واختص منهم بالشيخ حسن العطار والشيخ العروسي ، وكان ميالا إلى الأدب حسن النظر في فنونه فبرع في الإنشاء وأتقن الشعر وتفنن في ضروبه كما أخذ قسطا وافرا من علوم الرياضة كالحساب والهندسة والموسيقى والألحان ، وكاتب أدباء عصره وقصده الطلاب للاستفادة من معارفه وبارع آدابه وكان فيمن تخرج عليه في فقه اللغة وأسرار البيان الشيخ أحمد فارس وناهيك بها مفخرة كبرى.

ولما كان ممن يحررون الوقائع المصرية مع الشيخ العطار فقد ولي رئاسة تحريرها بعد إسناد مشيخة الأزهر إلى شيخه المذكور ومن ثم أطلق يد الشيخ أحمد فارس في إنشاء الفصول وتحبير الرسائل فيها وظل مهيمنا على تحريرها إلى سنة 1252 هـ / 1836 م ، ثم جعل مصححا لمطبعة بولاق الشهيرة وكان من حاشية عباس باشا الأول ومن القائمين بالأدب بين يديه والملازمين له في حله وترحاله ، وقد كان حسن الأخلاق رقيق حاشية الطبع فكه المسامرة مقصود الجناب يمنح أدبه لأي طلب غير ضنين بما وهب ولما توفي المرحوم عباس باشا الأول لزم بيته وانقطع للدرس والتأليف ونشر الآداب إلى أن توفي سنة 1274 هـ / 1857 م “.

وفي مقدمة كتابه السفينة يستهله بقوله : ” وبعد ، فلما كانت الأرواح تتروح بالطرب واللهو وترتاح لاستماع الأغاني في مجالس الصفو والزهر وتنزع إلى مشاهدة بديع الجمال وتأنس بائيناس كمال المحاسن ومحاسن الكمال تذكرا للذي سمعته في عالم الذر من لذيذ الخطابات الجلية ، وكنت مذ لم أزل ممن هاموا بالشراب والغناء وعاشوا قانعين بالماء والهواء فإذا حضروا الخان والألحان شربوا وطربوا وإذا شاهدوا الجمال والكمال حربوا وكربوا وكلما شدا لهم شادي التصافي أنوا وحيثما حدا بهم حادي التصابي حنوا.

بعثني باعث فراحي ومنشأ اقتراحي في وقت راحي ونزهة نفسي وريحانة أنسي ومطرب حضرتي ومدير أقداح خمرتي من إذا ابتسم بسم عن شنب يزري بالدر والحبب وإذا حي بالكووس أحيي النفوس وإذا تغنى أطرب وأعرب عن لحن معبد وأغرب وإذا حدث النديم أغناه حديثه عن القديم كيف لا وهو الفريد المصون الذي يفضح تثنيه الغصان وتستعير الشمول لطف شماله وتخجل البدور بطلعة جماله داعيا إلى أن أصنع له سفينة أشحنها بكل نفيسة ثمينة مما نظمته بتنسيقي في نظام علم الموسيقى.

ليصل من فنونه إلى كل ما اشتهى بها ويعبر بحر الظلمات مستضيئا بشهابها فالتزمت مساعدته على ذلك إذ هو السيد المالك وصنعتها له مطيعا ولقوله مجيبا سميعا وأوسقتها بالدرر اليتيمة التي لا تقوم بقيمة وسميتها سفينة الملك ونفيسة الفلك ورتبتها على ثلاثة أنابير ، صغير ووسيط وكبير الأول في معرفة الموسيقى والثاني فيما نظمته فيه بتنسيقي والثالث في التلاحين والعمليات وما في ذلك من بعض الموشحات والأبيات وقلت هاكها فاعبر بها الجج واعتمد على ما شحنت به من الأدلة والحجج “.

وفي كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة يتناول محمد كامل الفقي أشعاره وحكايته مع الولاة فيقول : ” وكان مداخلا للكبراء موصولا بالعظماء نديما مسامر فكها ومحاضرا ذا نكتة بارعة وبديهة مساعفة وحديث طلبي ، وقد تسامع الناس بهذه المواهب ونمى للخديو عباس الأول براعته وسعة روايته وخفة روحه فقربه وأدناه من مجلسه وجعله صاحب أسماره وكبير ندمائه وأباح له الدخول دون إذن عليه،وبلغ من الخطوة والمكانة ما لم يبلغ شاعر معه إذ جعل في كل قصر من قصوره حجرة يبيت فيها الليلتين والثلاث إذا طلبه للمجالسة والمنادمة فأفاض عليه من نعمه وأغدق عليه من كرمه وصار شفيعا لديه فيما جل من الأمور.

وكانت له مع عباس نوادر ومفاكهات منها ما رواه صاحب أعيان القرن الثالث عشر وذلك أن شهاب الدين كان جالسا في حجرته بأحد القصور ومعه بعض جلساء الوالي ينتظرون الإذن بالدخول عليه فقال في عرض الكلام : يقولون إن البغلة لا تحمل أفلا يكون ذلك بسبب رطوبة أو ما أشبهها مما يمنع الحمل وعند الأمير أطباء كثيرون فلو أنه أطال الله بقاءه أمر بعضهم بالبحث عن سبب هذه العلة وإزالتها فلست أشك في أنها تحمل بعد ذلك ، وأسرع بعض العيون فأبلغ عباسا كلامه فجاء بعد هنيهة أحد رجال القصر وقال له : يا أستاذ يقول لك أفندينا أننا سنأمر بعض الأطباء بما أشرت ولكن إذا لم تحمل البغلة ماذا يكون ؟ ، فبهت القوم لنقل الحديث بهذه السرعة إلا شهابا فإنه وقف وقال : أبلغ مولاي أن شهابا له كذبتان كل سنة أيام الباذنجان هذه إحداهما.

ويرجع اتصال شهاب الدين بعباس الأول إلى ما قبل ولايته على مصر حيث كان كتخدا لجده فقد كانت للشاعر تهان متعاقبة لفتت نظر عباس حتى إذا ما صارت الولاية إليه قربه وأدناه ، ولما صارت الولاية لسعيد باشا اتصل الشاعر به وأجزل له المدح وأزجى له التهاني في كل مناسبة إلا أنه لم يجد من خصب جنابه ما وجده من عباس فقد كان الثاني أشد حدبا عليه وتكريما له وبرًّا به.

ثم بدأ المترجم ينقطع للدرس ويعكف على التأليف وينشر أدبه على الناس حتى استأثر الله به ، وكان ذكيًّا عبقريًّا ممتازًا بقوة المناظرة ورصانة الجدل وقدرته على الحوار راوية كثير الإنشاء يتنادر في مجالسه بطرائف من شعره ويطرف مجالسيه بألوان فاتنة من أدبه فلا يمل له حديث ولا يغمض عنه جفن ، وشعر شهاب الدين من أجود الشعر في هذا العصر وهو صورة صادقة للحياة الاجتماعية في زمنه ومرآة صافية تتمثل فيها حياته وصفاته وهو يقول الشعر غير مستعص عليه وإنما يواتيه طيعا وينقاد إليه غير متأب.

وأكثر ما في شعره إنما هو المدائح التي وجهها لمحمد علي ولعباس الذي كان شاعره ثم لسعيد من بعده بل إنه ليمدح كثيرًا ممن لهم مقام كريم وجاه رفيع فيمدح أدهم باشا ومختار بك ناظري المعارف ومديري إدارة المدارس ويمدح عارفا بك شيخ الإسلام بتركية والشريف محمد بن عوان وأستاذيه الشيخ حسن العطار والشيخ محمد والعروسي كما يمدح الشيخ أحمد الصائم والشيخ محمد العباسي المهدي المفتي والشيخ محمد عليش شيخ المالكية والسيد محمد البكري نقيب الأشراف وغيرهم ، ولعل لرقة حاله سببا يتصل بإفراطه في المدائح فقد نشأ وزانا صغيرا يزاول ذلك في أسواق البيع فاتخذ من هذه المدائح عنوانا له ليحيا حياة رغد وكرامة.

وقد كانت له مدائح نبوية إلا أنها لم تبلغ شيئًا من شعره بجانب ما بلغه المدح الآخر ، فمما قاله يمدح به محمدا عليا وليكتب على مسجد القلعة الذي أنشأه سنة ١٢٦١هـ : مليك جليل الشأن ليس كمثله .. جليل بعلياه اقتدى كل مقتدي .. محمد آثار على مآثر .. عزيز افتخار ساد كل مسود .. هو المنهل العذب الذي دون ورده .. تزاحمت الأقدام في كل مورده .. والغيث يحيي كل قطر بجوده .. فيخضل من قطر الندى وجهه الندى .. هو الشمس لم تحجب سناها غمامة .. ولا أنكرت أضواءها عين أرمد .. له همم تسمو إلى هامة العلا .. إذا حددت لا تنتهي بالتحدد .. مبان إذا أمعنت فيها مؤرخًا .. تريك على قدر العزيز محمد.

ومما امتاز به شعر شهاب الدين السلاسة والسهولة، وخضوعه للشاعر يصرفه في كل أمر ويطوعه لكل غرض فينساب بين يديه عذاب رقيقا ويشف عن المعنى الذي سيق له بلطف وسلاسة وذلك الذي جعل شهابا يستخدم شعره في التعبير عن رغائبه والإفصاح عن آماله ومطالبه وهو في هذه الأغراض لا تعقيد فيه ولا غموض يحتاج إلى بغلة يركبها وله على عباس دالة فيرفع إليه هذه الأبيات الطريفة فيهتز لها ويجيب رغبته وذلك حيث يقول :

تبت عن مدح غير بابك يا من .. أنت ذخري وموئلي وثمالي .. وتجردت عن سواك لعلي .. أكتسي خلعة ألسنا المتلالي .. وترجيت من جميل العطايا .. بغلة حالها يليق بحالي .. أن بدا لي ركوبها تهت عجبا .. في ازدهار وبهجة واختيال .. أو بدا لي ارتباطها فاجتلاها .. في مجالي الجمال زين مجالي .. فتفضل وامنن وأنعم على من .. هو عبد من بعض بعض الموالي ، وترق حاله ويشتد عسره فيكتب إلى عبد الباقي بك خازن خزينة الخديو فيقول :

أصبحت في مضايق .. من فاقة وعطب .. وصرت محتاجا إلى .. نوالك المستعذب وأنت باقي الكرما .. وخير سامي الرتب .. فاصرف إلى ما تشا .. من فضة أو ذهب .. حتى أعود ساعيا .. في جمع شمل الحسب ، ويكتب إلى أدهم باشا يشكو إليه ضيق يده فيقول من قصيدة طويلة : فبادر إلى الشكوى وقل إن صاحبي .. محا رسمه عصف الرياح الروامس .. وقد ضاقت الدنيا عليه وأظلمت .. وكان شهابا في الدياجي الدوامس .. فوسع عليه بالذي أنت أهله .. وخلصه من أشراك ضيق المنافس.

ولم يكن شهاب يقرض الشعر يطلب به بغلة أو ينشد فضة أو ذهبا فحسب بل كان ينظمه كلما عرضت له حاجة أو دفعته مسألة فإنه لينظمه ملتمسا به من أمين جمرك بولاق علي بك حسيب شيئا من السمن لندرته فيقول له : ألية بالسمن أو بزبدة .. لله در أصلها الحليب .. لأعرضن الحال للفتى الذي .. رجاء من يرجوه لا يخيب ، وهكذا طوع الشعر فنظمه في حاجته ومسألته وعبر به عن شكايته وأمله وأودعه مطامح نفسه جلت أو هانت.

وشهاب الدين يخضع في شعره لما شاع في عصره من طلب الزينة ونشدان الصنعة والجرى وراء الطلاء فيغرى بالجناس وخاصة في مطالع القصائد فيقول في مطلع قصيدة يوجهها إلى عباس ويستهديه بغلة : أكؤس تجلي ببنت الدوالي .. أم شهي الرضاب فيه الدوالي ، فيوقع الجناس بين الدوالي بمعنى العنب وكلمة الدوالي الثانية المركبة من الدوا مقصورا مضافا إلى اللام المقرونة بياء المتكلم.

ويقول في مطلع قصيدة يهنئ بها عباسا بنجاته من مرض : تاب الزمان وقال إني نادم .. فادعوا الندامى والمدام ونادمو ، فقد أوقع الجناس بين نادم من الندم وفعل الأمر نادموا من المنادمة ، ويقول أيضا في مطلع قصيدة يهنئه بها على أثر عودته من الأستانة : شرح الصدور قدوم أعدل وال .. فأدر مدام الإنس صاح ووا” ، فالجناس بين وال الأولى بمعنى راع والثانية فعل أمر من الموالاة.

ويولع بالتورية لا سيما في شهاب كنيته فيستعملها في شعر طبعة حينا وعصية حينا ومن ذلك قوله : هاك مني وصيفة بنت فكر .. مثلها خادم ومثلك يخدم .. حرست في سماء حسن حلاها .. بشهاب به الشياطين ترجم ، ويقول في مدحه عباسًا الأول : هاك مني فريدة بنت فكر ما اعترتها يد الخنا بمساس .. لو أتاها الشيطان يسترق السمع رماها شهابها بانتكاس ، ويقول إذ يمدح الشيخ أحمد الصائم أحد شيوخ الأزهر : هذا شهابك بالمرصاد يثقب من .. يسمعون وترديهم قوافيه ، فقد استعمل كلمة شهاب موريا بها بين معنييها كنيته والشهاب الذي ترجم الشياطين به المذكور في قوله تعالى : {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا}.

ويتناول المصطلحات العلمية متأثرا بها فيقول : رطيب قوام أهيف القد لم تدع .. ليانة عطفيه قياسا لقائس .. فإن قسته بالبان فالفرق ظاهر .. وإن بالعوالي فهي غير موائس ، فالقياس هنا من مصطلح علم المنطق ، ويشير إلى علل الصرف فيقول : علل الصرف في الضرورة تلغي .. كيف ذو الصحة اختيارًا يعل ، ويغرق في مصطلحات علم النحو فيوري بها ويقول : رأيت حالا مضى فعل .. أبرز في شأنه الضمير ، فكل هذه الكلمات مصطلحات نحوية ودى بها الشاعر عن معانيها النحوية وغير النحوية.

ولشهاب الدين كتابات لطيفة يعبر بها مبتكرا لها فهو يكنى عن المطر بابن السحاب فيقول : زوجوها بابن السحاب فجاءت .. من دراري حبابها بذراري ، ويكنى عن الخمر ببنت الكرم فيقول : بنت كرم عذراء شهد لماها .. كشذا المسك في مذاق العقار ، وعن القصيدة ببنت فكر ووليدة فكر ووصيفة فيقول : هاك مني خريدة بنت فكر .. ما اعترتها يد الخنا بمساس .. ويقول خدا وليدة فكر راق منظرها .. كأن ريقتها ضرب من الضرب .. ويقول أرجو قبول وصيفة قد قلدت .. بحلاك عقدا لم تنله وصائف.

وشعر شهاب الدين من أوضح الشعر في هذا العصر وأسهله طريقا وأرقه حاشية وهو أقل متكلفي الصنعة وطلاب المحسن تعقيدا وغموضا ، وهذه المحسنات التي تشيع في شعر شهاب الدين لا تؤثر في جمال شعره كثيرا، فتراه على غير قليل من السلاسة والوضوح وجمال المعنى ، وديوان شعره الكبير الحجم الواقع في ٣٨٠ صفحة المشتمل على شعره الرقيق بالنسبة لعصره وهو مرتب على حروف المعجم طبع بمصر سنة ١٢٧٧هـ.

سفينة الملك ونفيسة الفلك : وهو كتاب جليل اشتهر الشهاب به أودعه كثيرا من الموالي والموشحات والأهازيج والأزجال التي يتغنى بها وقد جدد بهذا الكتاب دارس الغناء العربي وافتتح مغالقه بعد إيصادها من عهد الأصبهاني ومن سار على نهجه ممن جاء بعده وأوضح معالمه وأبان ما استعجم من آياته فكان فيه المبرز من بين أدباء المتأخرين والمعلم الأخير الذي لم يأت مثله إلى الآن ، وهو مرتب على ثلاثة أبواب الأول في الموسيقى والثاني فيما نظمه فيها والثالث في الألحان وقد طبع بمصر غير مرة ، ولما أتمه سنة ١٢٥٩هـ قال في تاريخه : هذي سفينة فن بالمنى شحنت .. والفضل في بحره العجاج أجراها .. وإذ جرت بالأماني فيه أرخها .. سفينة البحر باسم الله مجراها ، وله رسالة في التوحيد ورسالة في الآوفاق “.

17 / تشحيذ الأذهان

(تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان) هو عنوان كتاب يجمع بين الجغرافيا وأدب الرحلات من تأليف الأديب والمترجم محمد بن عمر بن سليمان التونسي الذي ولد في تونس عام 1204 هـ / 1789 م وتوفي بالقاهرة عام 1274 هـ / 1857 م ، وله إسهامات قيمة في مجال التصحيح اللغوي أنجزها عندما كان يعمل في مدرسة الطب ومنها معجم في المصطلحات الطبية لإفادة الطلاب بالإضافة إلى ترجمة عدد من الكتب الهامة في مختلف العلوم.

ويتناول كتاب تشحيذ الأذهان وصفا تفصيليا لأقاليم السودان وخاصة دارفور وكذلك الجزء الشمالي الذي تسكنه القبائل العربية ووصفه بمصطلح (بلاد العرب) وذلك من واقع مشاهداته في رحلة طويلة قام بها هناك ، ووصف في كتابه سلطنة دارفور وما يتميز به شعب الفور من خصائص عرقية واجتماعية وثقافية ووصف ملابسهم واحتفالات الزواج عندهم وأمراض السودان والمأكولات والصيد والحيوانات المنتشرة هناك وما ينبت فيها من النباتات.

ويحكي المؤلف عن سبب تأليف الكتاب فيقول في مقدمته : ” وكان أول خدمتي بوظيفة واعظ في الآلاي الثامن من المشاة وسافرت معه إلى ألموره وكابدت المشقات ، وكنت قبل ذلك سافرت إلى بلاد السودان ورأيت فيها من العجائب ما إن سطر يكون كزهر بستان ثم استخدمت في مدرسة أبي زعبل لتصحيح الكتب الطبية وخصصت منها بتصحيح كتب الأجزجية.

ومكثت على ذلك حتى اجتمعت بأبرع أهل زمانه حذاقة وفهما وأذكى أهل عصره صناعة وعلما معلم الكيميا الحكيم بيرون الفرنساوي وقرأ علي كتاب كليلة ودمنة باللغة العربية ، فذكرت له بعض ما عاينته في أسفاري من العجائب البهية فحملني على أن أزين وجه الدفتر بإيضاح ما شاهدته من العجائب وأخبره بما حصل لي في تلك الأسفار من الغرائب.

فامتثلت أمره لما له علي من اليد البيضا ورأيت أن ذلك أجمل بي أيضا لقول صاحب المقصورة من الرجز : إنما المرء حديث بعده .. فكن حديثا حسنا لمن وعى ، فشرعت في إبراز فرائدها من صدف الأذهان وكشف حجاب خرائدها الحسان إلى العيان وضممت لذلك من النوادر ما سمعته من الثقات أو نقلته من الكتب على سبيل الاستطراد للمناسبات.

لتكون هذه الرحلة روضة يانعة الأزهار لمن تأمل فيها وحديقة دانية الثمار لمن تصفح معانيها ولم آل جهدا في إيضاح معانيها للمتأملين ولم أتعمق في غريب اللغة ليسهل فهمها على السامعين ، ورتبتها على مقدمة ومقصد وخاتمة وفي كل منها أبواب كما يعلم من الفهرسة وسميتها (تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان) ، والله أسأل أن ينشر عليها حلة القبول ويقيها شر حاسد يطعن فيما فيها من المقول ، وكم من عائب قولا صحيحا .. وآفته من الذهن السقيم “.

 ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد بن عمر بن سليمان التونسي ، عالم بمفردات اللغة واصطلاحاتها ولد في تونس ورحل إلى السودان ومصر فاختير مصححا للكتب في مدرسة أبي زعبل بمصر وترجمت في أيامه كتب كثيرة في الكيمياء والطب والنبات فكان يحررها ويهذب لغتها ويأتي لمصطلحاتها بصحيح الألفاظ ثم عكف على إلقاء دروس في الحديث بمسجد السيدة زينب وتوفي بالقاهرة.

من كتبه الشذور الذهبية في الألفاظ الطبية رتبه على الحروف وتشحيذ الأذهان بسيرة بلاد المغرب والسودان وصف فيه رحلته إلى السودان وقد ترجم إلى الفرنسية وطبع فيها باسم Voyage au Darfour في مجلدين ، وكتاب آخر في الرحلة إلى وادي ترجمه الدكتور بيرون Dr Perron إلى الفرنسية باسم Voyage au Ouaday وطبع بها وضاعت نسخته العربية ، والدر اللامع في النبات وما فيه من الخواص والمنافع “.

وذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” محمد عمر التونسي توفي سنة ١٨٥٧ / ١٢٧٤ﻫ ، هو محمد بن عمر بن سليمان التونسي كان من المبرزين في معرفة اللغات والمصطلحات العلمية وُلِد في تونس سنة ١٢٠٤ﻫ وأمه مصرية حملت به في مصر وكان أبوه عمر التونسي مجاورًا في الأزهر فتزوج من مصر وكان جده سليمان من أشراف تونس ، وقد فصَّل محمد عمر هذا تاريخ أسرته في رحلته الآتي ذكرها وذكر فيها سفره إلى السودان فلما عاد منها وقد ضاقت أحواله عكف على تحصيل العلم ومحمد علي فى إبان نهوضه وقد أخذ في إحياء مصر وأوجد مجالًا لأصحاب المواهب فأخذ محمد التونسي في الدرس حتى تمكن من أن يكن واعظًا في خدمة إبراهيم باشا في حملته إلى المورة.

ولما عاد من تلك الحملة كانت قد أنشئت مدرسة أبي زعبل وأخذوا في نقل كتب الطب وغيرها فتعين مصححًا للكتب فيها وارتاح الدكتور برون بك إلى أدبه فقرأ عليه كتاب كليلة ودمنة في اللغة العربية وأخذت مواهبه تظهر في التحرير والتصحيح وامتاز عن سائر أقرانه المصححين بمعرفة المصطلحات العلمية باللغة العربية فكانوا يرجعون إليه في تحقيقها ويسمونه (مصحح كتب الطب ومحررها) فكانوا إذا نقلوا كتابًا في أوائل إنشاء المدرسة الطبية يرون مشقة في إيجاد الألفاظ الوضعية العربية الملائمة للألفاظ الإفرنجية الموجودة في الكتاب المترجَم فيرجعون إليه في تحرير الكتب الهامة.

وكان ماهرًا في صياغة الألفاظ والمعاني في قالب عربي فيعولون عليه في ذلك كما فعلوا في تنقيح كتاب الدرر الغوال في علم أمراض الأطفال تأليف كلوت بك فقد نقله الدكتور محمد الشافعي من الفرنساوية إلى العربية ثم عرضوه قبل الطبع على محمد التونسي فنقحه وحرره ، وكذلك فعل في كتاب كنوز الصحة تأليف كلوت بك والجواهر السنية في الكيمياء لبرون بك وقد تعب في تحرير مصطلحات هذا العلم على الخصوص وحرر كتاب النبات لفيجري بك وله مآثر كثيرة ، وهاك أهم مؤلفاته :

الشذور الذهبية في الألفاظ الطبية : وهو معجم للمصطلحات العلمية على اختلاف مواضيعها قال في مقدمته ما خلاصته : (لما كثرت ترجمات الكتب الطبية رأيت أن أؤلف قاموسًا جامعًا للمصطلحات وكان كلوت بك قد أتى بكتاب فرنساوي في المصطلحات الطبية والعلمية وأوعز إلى مهرة المعلمين بترجمته وهم إبراهيم النبروي معلم الجراحة الكبرى ومحمد علي البقلي معلم الجراحة الصغرى ومحمد الشافعي معلم الأمراض الباطنية ومحمد الشباسي معلم التشريح الخاص وعيسوي النحراوي معلم التشريح العام والسيد أحمد الرشيدي معلم الأقرباذين والمادة الطبية ومصطفى السبكي معلم أمراض العين وحسنين علي معلم النبات.

فترجم كل منهم الجزء الذي أُعطِيه فأوعز إليَّ الدكتور برون ناظر المدرسة أن آخذ من الكتاب كل لفظ يدل على مرض أو عرض أو نبات أو معدن أو حيوان أو غير ذلك من الاصطلاحات وأن أستخرج ما في القواميس من التعاريف وما جاء في تذكرة داود وما في فقه اللغة وغيره من المعاجم أو كتب اللغة ففعلت ذلك وأضفت إليه أسماء العقاقير وأسماء الأطباء المشهورين ورتبته على حروف المعجم … إلخ).

فهو معجم للمصطلحات الطبية والأطباء وقد أسند لكل مؤلف ما التقطه منه فجاء كتابًا في نحو ٦٠٠ صفحة متوسط الحجم وهو من الذخائر النفيسة وقد حُمِل إلى باريس وفي المكتبة الخديوية نسخة منقولة بالفوتوغراف عن نسخة باريس وقد أقرت نظارة المعارف على طبعها في جملة كتب إحياء الآداب العربية.

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان : هي رحلة يصف بها سفره إلى السودان وقد ذكر ما شاهده في طريقه من واحات مصر إلى دارفور ووادي وهي عظيمة الفائدة ، وفي الخطط التوفيقية (ص٣٣ ج١٧) قطعة منها في وصف الواحات والرحلة المذكورة طُبِعت في باريس مع ترجمة فرنساوية سنة ١٨٥١ وعلق عليها سديليو مقالة في المجلة الأسيوية “.

وترجم له محمد محفوظ في كتابه تراجم المؤلفين التونسيين (ص 203) فقال : ” التونسي 1204 – 1274 هـ‍ / 1790 – 1857 م محمد بن عمر بن سليمان التونسي نزيل القاهرة اللغوي المشارك في بعض العلوم الرحّالة ، كان والده مجاورا في الأزهر فتزوج بمصر ولد ابنه المترجم له في تونس وعكف على تحصيل العلم ونبغ فيه حتى تمكن أن يكون واعظا في خدمة إبراهيم باشا في حملته إلى المورة وقبل ذلك سافر إلى بلاد السودان ورأى فيها من العجائب ما أدهشه.

ولما عاد من تلك الحملة كان قد أنشئت مدرسة أبي زعبل وأخذوا في نقل كتب الطب وغيرها فتعيّن مصححا للكتب فيها وأخذت مواهبه تظهر في التحرير والتصحيح وامتاز عن سائر أقرانه المصححين بمعرفة المصطلحات العلمية باللغة العربية فكانوا يرجعون إليه في تحقيقها ويسمونه (مصحح كتب الطب ومحرّرها) فكانوا إذا نقلوا كتابا في أوائل إنشاء المدرسة الطبية يرون مشقة في إيجاد الألفاظ الوضعية العربية الملائمة للألفاظ الإفرنجية الموجودة في الكتاب المترجم فيرجعون إليه في تحرير الكتب المهمة.

وكان ماهرا في صياغة الألفاظ والمعاني في قالب عربي فيعوّلون عليه في ذلك كما فعلوا في تنقيح كتاب الدرر الغوالي في علم أمراض الأطفال تأليف الدكتور كلوت بك وكتاب كنوز الصحة للدكتور كلوت بك والجواهر السنية في الكيمياء لبيرون بك ، وقد تعب في تحرير مصطلحات هذا العلم على الخصوص ودرس عليه الحكيم بيرون Perron الفرنسي أستاذ الكيمياء بمدرسة أبي زعبل كتاب كليلة ودمنة باللغة العربية وهو الذي حمله على تدوين ما عاينه في أسفاره من العجائب.

مؤلفاته : تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان وهو رحلة وصف فيها سفره إلى السودان وذكر ما شاهده في طريقه من واحات مصر إلى دارفور ووادي ، وفي الخطط التوفيقية لعلي مبارك قطعة منها في وصف الواحات ج 17 ص 32 طبعة على الحجر باعتناء الدكتور بيرون باريس 1851 ص 311 وعلّق عليها سدييو Sedillot بمقالة في المجلة الآسيوية ، وطبعت ترجمة الكتاب على حدة بعناية الدكتور المذكور سنة 1850 وبها خرائط ورسوم وسمّى الكتاب Voyage au Darfour  في مجلدين.

وقد حقّقه وكتب حواشيه د/ خليل محمود عساكر د/ مصطفى محمد مسعد المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر الدار المصرية للتأليف والترجمة سنة 1969 ، 578 صفحة مع خرائط وجداول ، كما ترجم له الدكتور بيرون المذكور Dr Perron الرحلة إلى وداي Wadday   Voyage au  وطبع بها وضاعت نسخته العربية وطبع كتاب تشحيذ الأذهان منذ أكثر من عقد ونصف من السنين في القاهرة في سفر واحد في سلسلة تراثنا.

الدرر اللوامع في النباتات وما فيها من المنافع (طب) فرغ منه سنة 1256 (مطبوع) إيضاح المكنون 1/ 468 ، الشذور الذهبية في الألفاظ الطبية وهو معجم للمصطلحات العلمية على اختلاف موضوعاتها وهو كتاب في نحو 600 ص متوسطة الحجم وقد حمل إلى باريس وفي دار الكتب نسخة منقولة بالتصوير من نسخة باريس وهو معجم مرتّب على الحروف لم يطبع “.

18 / منح الفتاح

دائما ما تأتي كلمة حواشي للدلالة على الاستطراد المبالغ فيه في شرح النصوص لكن الحقيقية أنها كانت مدونات تفصيلية للعلوم المختلفة خاصة الفقه الإسلامي الذي كان مرتبطا بالتشريع القائم وقتها والذي كان يشكل بالفعل القانون العام الذي تحكم به دوائر القضاء في مختلف الشئون خاصة الأحوال الشخصية وما يطرأ عليها من متغيرات ، ومن أهم تلك المؤلفات كتاب (منح الفتاح على ضوء الصباح في أحكام النكاح) من تأليف شيخ الأزهر الإمام الأكبر إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري الذي ولد في قرية الباجور بالمنوفية عام 1198 هـ / 1784 م وتوفي بالقاهرة عام 1277 هـ / 1859 م.

وقد استهل كتابه بمقدمة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، الحمد لله الذي جعل حل النكاح رحمة للعالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وعلى آله وأصحابه أجمعين صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين ، أما بعد فيقول أفقر الورى إلى عفو ربه القدير إبراهيم الباجوري ذو التقصير : فقد سألني بعض السادة من أهل اليمن أتحفه الله تعالى من فضله وكرمه بالإحسان والمنن أن أشرح مقدمة العالم العلامة البحر الفهامة الشيخ عبد الله بن أحمد بن عبد الله باسودان المقدادي التي نظمها في أحكام النكاح فأجبته إلى ذلك والله أعلم بما هنالك وشرحتها شرحا يسر الناظرين ويعذب لفظه للسامعين وسميه (منح الفتاح على ضوء المصباح في أحكام النكاح) جعله الله تعالى خالصا لوجهه الكريم وسببا للفوز بجنات النعيم إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير “.  

وقد ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية في باب المؤلفات الإدارية والقضائية حيث قال : ” رجال القضاء وغيره في النهضة الأخيرة ، وهاك أشهر من نبغ من علماء القضاء والفقه والإدارة في أثناء هذه النهضة حسب سني الوفاة ونلتفت خصوصًا إلى رجال القضاء على العموم : إبراهيم الباجوري المصري توفي سنة ١٨٥٩ / ١٢٧٦ﻫ هو من طلبة العلم في الأزهر ومال إلى اللغة والعلوم الشرعية وانتهت إليه رئاسة الأزهر ، وله كثير من المؤلفات والشروح والحواشي في الفقه والتوحيد واللغة أكثرها مطبوع أشهرها الحاشية المعروفة باسمه فتح رب البرية “.

وترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” البَاجُوري (١١٩٨ – ١٢٧٧ هـ = ١٧٨٤ – ١٨٦٠ م) ، إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري شيخ الجامع الأزهر من فقهاء الشافعية نسبته إلى الباجور (من قرى المنوفية بمصر) ولد ونشأ فيها وتعلم في الأزهر ، وكتب حواشي كثيرة منها حاشية على مختصر السنوسي (في المنطق) والتحفة الخيرية (حاشية على الشنشورية في الفرائض) وتحفة المريد على جوهرة التوحيد وتحقيق المقام (حاشية على كفاية العوام للفضالي في علم الكلام) وحاشية على أم البراهين والعقائد للسنوسي (توحيد) والمواهب اللدنية (حاشية على شمائل الترمذي) ، وله فتح الخبير اللطيف (في الصرف) والدرر الحسان فيما يحصل به الإسلام والإيمان وتحفة البشر على مولد ابن حجر وغير ذلك ، تقلد مشيخة الأزهر سنة ١٢٦٣ هـ واستمر إلى أن توفي بالقاهرة ” .

وذكره ابن البيطار في كتابه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر فقال : ” الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد الباجوري قدس الله سره وجعل أعلا الجنان مثواه ومقره ، شيخ الوقت والأوان المستوي في فضائله على عرش كيوان فهو الذي بهر بإبداعه وظهر على ذوي الكمال بسعة اطلاعه وعطل العوالي بيراعه ومد لتناول المعالي طويل باعه وأطلع الكلام رائقا وجاء به متناسقا فهو العالم العامل والجهبذ الكامل الجامع بين شرفي العلم والتقوى السالك سبيل ذلك في السر والنجوى قد افتخرت به الفضائل حتى قدمته على الأوائل وكان لسان شمائله يخطب على منبر فضائله : غنيت بحلية حسنها عن لبس أصناف الحلي .. وبدت بهيكلها البديع تقول شاهد واجتلي .. تجد المحاسن كلها قد جمعت في هيكلي.

ولد رضي الله عنه سنة ألف ومائة وثمان وتسعين ببلدة بيجور قرية من قرى مصر المحروسة من الغم والملحوظة بعين السرور على مسيرة اثنتي عشرة ساعة من غير استعجال بل بسير الوسط والاعتدال ، ونشأ فيها في حجر والده وقرأ عليه القرآن المجيد بغاية الإتقان والتجويد ثم قدم إلى الجامع الأزهر ذي القدر السامي الأظهر سنة ألف ومائتين واثنتي عشرة هجرية لأجل تحصيل الآداب والعلوم الشرعية وسنه إذ ذاك أربع عشرة سنة تماماًن ومكث فيه حتى دخل الفرنساوي سنة ألف ومائتين وثلاثة عشر عاماً فخرج وتوجه إلى الجيزه واقام بها مدة وجيزه.

ثم عاد سنة ألف ومائتين وست عشرة إلى المكان الأنور والجامع الأزهر عام خروج الفرنساوي من القطر المصري كما أفاد ذلك بنفسه أعلى الله تعالى في فراديس الجنان مقامات قدسه فأخذ في الاشتغال بالتعليم والتحصيل وقد أدرك الجهابذة الأفاضل ذوي القدر الجليل كالشيخ محمد الأمير الكبير صاحب المقام السامي الشهير والشيخ عبد الله الشرقاوي والسيد داود القلعاوي ومن كان في عصرهم وتلقى عنهم ما تيسر له من العلوم إلى أن صار عمدة ذوي المنطوق والمفهوم.

ولكن كان أكثر ملازمته وتلقيه وأخذه للعلم الشريف الذي كان به ترقيه عن الأستاذ الشيخ محمد الفضالي والمرحوم الأستاذ الشيخ حسن القويسني ذي القدر العالي ولازم الأول بالجد والاجتهاد إلى أن توفي ورحل إلى دار الفضل والإسعاد ، وفي مدة قريبة لاحت عليه لوائح النجابة ولبى السعد نداه بالإقبال وأجابه فدرس وألف التآليف العديدة الجامعة المانعة المفيدة في كل فن من توحيد وأصول ومعقول ومنقول منها حاشيته على متن الشمائل وحاشيته على رسالة شيخه الفضالي في لا إله إلا الله وحاشيته على الرسالة المسماة بكفاية العوام فيما يجب عليهم من علم الكلام لشيخه المذكور.

وكتاب فتح القريب المجيد شرح بداية المريد للشيخ السباعي وحاشيته على مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم للعلامة ابن حجر الهيثمي وحاشية على مختصر السنوسي في فن الميزان وحاشية على متن السلم للأخضري في فن الميزان أيضاً وحاشية على متن السمرقندية في فن البيان ، وكتاب فتح الخبير اللطيف شرح نظم الترصيف في فن التصريف وحاشية على متن السنوسية في التوحيد وحاشية على مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم للشيخ الدردير وشرح على منظومة الشيخ العمريطي في النحو.

وحاشية على البردة الشريفة وحاشية على بانت سعاد وحاشية على متن الجوهرة في التوحيد وكتاب منح الفتاح على ضوء الصباح في أحكام النكاح وحاشية على الشنشوري في فن الفرائض وكتاب الدرر الحسان على فتح الرحمن فيما يحصل به الإسلام والإيمان للزبيدي ورسالة صغيرة في فن الكلام وحاشية على شرح ابن قاسم لأبي شجاع في فقه مذهب الإمام الشافعي قدس الله سره بمجلدين وله مؤلفات أخر لم تكمل فلذا أضربنا عن ذكرها صفحاً.

وكان ديدنه رحمه الله التعلم والاستفادة والتعليم والإفادة حتى صار له ذلك سجية وعادة فكان عمره رضي الله عنه ما بين إفادة واستفادة وكان لسانه دائماً رطباً بذكر الله وتلاوة القرآن وكان متميزاً بذلك على الأمثال والأقران ، وله وله عظيم وحب جسيم لآل بيت النبي الكريم ولذلك كان مواظباً على زياراتهم ومتردداً على أبوبا حضراتهم وبالجملة فإنه رضي الله عنه كان صارفاً زمنه في طاعة مولاه وشاكراً له على ما أولاه.

فمن جملة نعمه عليه الانتفاع بتآليفه في حياته في كل ناد والسعي في طلبها من أقصى البلاد والاجتهاد في تحصيلها من كل حاضر وباد والاجتماع بها على كل مرام ومراد ، وقد انتهت إليه رئاسة الجامع الأزهر ومحفل الدين الأبهى الأبهر وتقلدها في شهر شعبان سنة ثلاث وستين ومائتين وألف ولا غرو أنه ابن بجدتها وأبو عذرتها وفي أثنائها قرأ كتاب الفخر الرازي في تفسير القرآن وحضره أفاضل الجامع الأزهر ذوي الملكة والإتقان ولكنه لم يكمل بسبب ضعف اعتراه.

وقد امتدحه مهنئاً حضرته حين آلت الرئاسة إليه حضرة المعروف بكل كمال السيد محمد شهاب الدين فقال : أترى الغمام بدره المنثور … وشى رياض الورد والمنثور .. أم ذي تباشير الصباح تنفست … وجلت أشعتها دجى الديجور .. كبلابل الأفراح أبدت طالعاً … حظي الزمان بحظه الموفور .. هو كوكب إيضاح بهجة ضوئه … مغن عن المصباح والتنوير .. رفعت لواء العز دولة مجده … وسطت بصارم فضله المشهور .. أكرم به حبراً هماماً رحلة … تطوى القفار لعلمه المنشور.

ثم إنه لما قربت وفاته وكادت أن تتناهى حياته نزل به مرض الحمام ولازمه إلى أن استوفى من عمره التمام توفي يوم الخميس ثامن وعشرين من ذي القعدة سنة ألف ومائتين وست وسبعين ودفن بتربة المجاورين “.

19 / تحفة الأذكياء

(تحفة الأذكياء بأخبار مملكة الروسيا) هو عنوان كتاب يجمع بين المذكرات الشخصية وأدب الرحلات من تأليف العالم العلامة الشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي ولد في قرية نجريج بالغربية عام 1225 هـ / 1809 م وتوفي في مدينة سان بطرسبرج الروسية عام 1278 هـ / 1861 م ، وهو في الأصل فقيه شافعي لكنه أغرم بالأدب وعلوم اللغة ثم انتدب لتدريس اللغة العربية في روسيا وحظي بمكانة مرموقة لدى كل من محمد علي باشا والسلطان عبد المجيد الثاني العثماني والقيصر نقولا الأول الذي عينه مستشارا له ومنحه عددا من الأوسمة.

ويحكي المؤلف في كتابه عن ظروف السفر إلى روسيا للعمل في (مدرسة الألسن الشرقية) بروسيا فيقول : ” ومن حيث أن سعادة الوزير الروسي معتن بإحياء مدرسته لا زال في كل حين يجتهد في تسهيل تعلم التلاميذ فلهذا لما توجه جناب الكونت ميدن إلى الديار المصرية كلفه بالتفتيش على معلم عربي للمدرسة ، ومن حيث أني تعرفت بجنابه بواسطة مسيو فرينل الذي طالع معي كتباً عربية أدبية وتاريخية واكتسب في هذا اللسان مهارة ألمعية بسبب كثرة صحبة العرب والمعية.

طلب مني الذهاب فأجبت ومن مدة أربع سنين بالدخول في هذه المدرسة تشرفت ، وبعدما رضيت استأذن لي جناب الكونت من حضرة الباشا عزيز مصر وممدنها وحامي ذمارها ومؤمنها فأذن لي وطلب حضوري فمثلت بين يديه فأمرني بالجلوس فامتثلت أمره المأنوس ثم حضني على تعلم لسان الروسيا ووعدني بالإكرام إذا تعلمته لأنه مشغوف بجلب الألسن الغريبة إلى بلاده ولذلك ترى في مدارسها نجابة التلامذة خصوصاً في اللسان الفرنساوي وكتب لي مرسوماً بختمه كالالتزام بما وعد “.

وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد عياد بن سعد بن سليمان بن عياد المرحوميّ الطنطاوي ، أديب مدرس مصري نسبته إلى محلة مرحوم (في غربية مصر) كان أبوه منها ومولده في قرية نجريد (من أعمال طنطا) تعلم وعلّم بالأزهر.

واتصل به بعض المستشرقين فدعي لتدريس اللغة العربية في معهد (اللغات الشرقية) ببطرسبورج (ليننغراد) فسافر سنة 1256 هـ واستمر إلى أن توفي بها ، وقد تخرج عليه بعض المستشرقين من الروس وغيرهم منهم المستشرق الفنلندي الأصل (فالن) G Wallin وله معه مراسلات بعد ذلك جمعها (فالن) وطبعها مترجمة إلى اللغة الأسوجية.

وصنف كتبا أكثرها للتدريس منها منتهى الآراب في الجبر والميراث والحساب والحكايات العامية المصرية ومسودات لتاريخ العرب وأحسن النخب في معرفة لسان العرب وتحفة الأذكيا بأخبار بلاد روسيا وحاشية على منظومة السمرقندية (بخطه في رسالة لطيفة عندي) وحواش وشروح في العقائد والنحو والصرف والعروض ومنظومة في البيان ، وللدكتور حسين محفوظ رسالة في سيرته “.

وقد ترجم له أحمد تيمور باشا في كتابه أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث فقال : ” محمد عيَّاد الطنطاوي ١٢٢٧ﻫ ـ١٢٨٠ﻫ /١٨١٠م ـ ١٨٦٢م ، وقفتُ له على ترجمة بخط الأديب الأستاذ عبد المعطي السعد قال : هو الشيخ محمد بن سعد الملقب بعياد الطنطاوي الشافعي أحد أفراد الطبقة الأولى الآخذة عن شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر المتوفى سنة ١٢٧٦ﻫ.

كان رحمه الله من أعيان علماء القرن الثالث عشر راسخَ القَدم في العلوم العقلية والنقلية آخذًا بحظٍّ وافر من الأدب وله كثيرٌ من الشعر الحسن والنثر المستحسن ، وكان المشتغلون بالأدب من علماء الأزهر في عهده قليلين يُعَدُّون على أصابع اليد كشيخ الإسلام الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر والشيخ خليل الرجبي.

وقد وُلِد المترجم في طنطا سنة ١٨١٠م وتعلَّم في الجامع الأحمدي بها ثم أتمَّ تعليمَه في الأزهر ، وله رحمه الله مؤلفاتٌ كثيرة تنمُّ على غزارة مادة ودقَّة نظر منها : في العقائد حاشية على الشرح المسمَّى بالتحفة السَّنية في العقائد السُّنية للعلَّامة الكبير برهان الدين أبي المعالي إبراهيم السقا على منظومة السيد محمد بليحة يقول في آخرها : وحيث طعمتَ من بليحة وشربتَ من منهل السقا .. فتفكَّه بها لأُنس نفسك علَّك أن ترقى.

ومنها : حاشية على رسالة شيخه العلَّامة الشيخ إبراهيم الباجوري يقول فيها مادحًا ومقرظًا كما وجدته مكتوبًا بخطِّه تحت طُرَّتها : إنَّ علْمَ الكلام أفضلُ علْمٍ فيه وصفُ الإله والرسل يُسرَد .. فإلى هذه الرسالة يَمم فهْي حازت لما عليك تأكَّد ، ومنها : شرح منظومة الشيخ السلموني التزم السجع في جميع جُمله يقع في نحو كراسة ، وحاشية على شرح الشيخ خالد الأزهري على متنه المسمَّى بالأزهرية في علم النحو ضمَّنها تحقيقاتٍ جمَّة.

وحاشية على متن الزنجاني في الصرف المشهور بمتن العزي قال في أولها موريًا بالمتن المذكور : الصَّرفُ زَينُ أهله وهو لهم كالكنز .. قالوا لِمَا تقرؤه قلتُ لأجل (العز) ، ومنها : منظومة في البيان نظم فيها متن السمرقندية وشرح على المنظومة المذكورة في كراستين لطيفتين ، ومنها حاشية جليلة على كتاب الكافي في علمي العَروض والقوافي.

وقُدِّر له رحمه الله الذهاب إلى روسيا فذهب إليها حوالي سنة ١٨٤٠م وعمِل مدرسًا للغة العربية بمعهد اللغات الشرقية في بطرسبورج ، وظلَّ يعمل هنالك نحو ربع قرن إلى أن انتقل إلى رحمة الله سنة ١٨٦٢م بعد أن تخرَّج على يدَيه عددٌ كبير من المستشرقين.

وكانت بينه وبين رفاعة الطهطاوي مراسلاتٌ أدبية وكلاهما من خاصة تلاميذ الشيخ حسن العطار وقال في إحدى رسائله إليه : (أنا مشغول بكيفية معيشة الأوروبيين وانبساطهم وحُسن إدارتهم خصوصًا ريفهم وبيوتهم المحدقة بالبساتين والأنهار إلى غير ذلك مما شاهدته قبل بباريز إذ بطرسبورج لا تنقص عنها بل تَفضُلها في أشياء كاتِّساع الطُرق أما من جهة البرد فلم يضرني جدًّا وإنما ألزمني ربْط منديل في العنق ولبْس فروة إذا خرجت أما في البيت فالمداخن المثبتة معدَّة للإدفاء).

ومن أهم مؤلفاته كتابٌ سمَّاه (أحسن النخب في معرفة لسان العرب) وقد ضمَّنه جُمَلًا وألفاظًا ومكاتباتٍ وقصصًا وأغاني عامية مع ترجمتها إلى الفرنسية وله مخطوطاتٌ عِدَّة موجودة في مكتبة كلية بطرسبورج ، وقد اصطحب معه إلى روسيا زوجتَه وابنه وبقيَا بعده فيها إلى أن تُوفِّيَا ودُفنَا مثلَه بمدافن المسلمين في بطرسبورج ، ولم تؤثِّرْ إقامتُه الطويلة في روسيا في شيء من دينه أو عقيدته كما يؤخذ من قوله في قطعة شعرية أرسلَها إلى أحد أصدقائه بمصر : أنا بين قومٍ لا أَدينُ بدينهم أبدًا ولا يتديَّنون بديني.

وقد وقفت على ترجمة أخرى للشيخ محمد الطنطاوي في كتاب تلقيتُه من المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشوفسكي عضو أكاديمية العلوم الروسية كتَبه في ليننغراد في ٣٠ تشرين الثاني (أكتوبر) سنة ١٩٢٤م وهذا نصُّ الكتاب : جناب العالِم العلَّامة الفاضل والأستاذ المدقِّق الكامل.

قد تسلَّمتُ في هذه الأيام الجزءَ التاسع من مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق ورأيتُ فيه مقالةً عن الشيخ الطنطاوي جاد بها قلمُكم السيَّال وعِلمكم الواسع وسُررتُ بها جِدَّ السرور لما نشرتم من ذكْر هذا الرجل الفاضل الذي خدَم الأدبَ العربي والروسي خدمةً تُذكَر وتُشكر ، قد طال ما أعلل نفسي بكتابة ترجمة الشيخ وقد تراكمتْ لديَّ المواد ولكن لم تساعدني الظروفُ حتى الآن بجمْعها وترتيبها أما المستقبل فآتٍ ولذلك رأيتُ أن أكتبَ إليكم ببعض الملاحظات والاستدراكات على مقالتكم اللطيفة.

وأقول : من أهم المصادر في هذا الموضوع تاريخ الحياة للشيخ المكتوب بقلمه وإن لم يُكتب منه إلا قطعةٌ صغيرة وهي منشورة بأصلها العربي والترجمة الألمانية للعلَّامة Y. G. Ksscgarten في مجلة اسمها: Testochrisftder Dentocben Morginla rdcsehen Yesselle choft I, V, 482, 282.

والمصدر الثاني لتاريخه لا يقلُّ أهمية عن الأول وهو مخطوطاته العديدة الموجودة الآن في مكتب الكلية البتروغرادية وهي لا تقلُّ عن مائة وخمسين نسخة يُوجد بينها كثيرٌ من تأليفات الشيخ كُتبت أغلبها بخطِّ يده ، ومن مؤلفاته المذكورة في مقالتكم (ص٩ ـ ٣٨٨) يوجد في الكلية حاشية على الأزهرية كُتبت سنة ١٢٥٣ﻫ وهي بخط يده (عدد ٨٢٧) ونظم التعريف للزنجاني كُتِب سنة ١٢٥٥ﻫ حسب النسخة الأصلية المؤرخة سنة ١٢٩٥ﻫ (عدد ٧٢٦).

وعددُ التأليفات غير المذكورة في مقالتكم ليس بقليل ككتاب منتهى الآراب في الجبر والميراث والحساب كُتِب سنة ١٢٩٥ بيده (عدد ٨٢٠) وكتاب الحكايات المصرية العامية بيده (عدد ٧٤٥) ومسودات لتاريخ العرب وترجمة الباب الأول من كلستان السعدي بيده (عدد ٨٣٨) وغيرها ، وكثير من المخطوطات مع الحواشي والشروح للشيخ يذكر فيها وقتَ قراءته لها أو نسخه وفي هذا من الفوائد كثير.

والمصدر الثالث لتاريخ حياة الشيخ مشتَّت ومبعثر بين أيدي الناس والمكاتب أعني مكاتبته مع أصدقائه وتلاميذه ولم يَصِلْ إلى يدي منه غيرُ شيء قليل لا يُطفئ غليلًا ، وكان من تلاميذه المشهورين  Y, A, Mallin الفنلاندي أصلًا الذي ساح في جزيرة العرب وفي بلاد مصر وسورية سنين عديدة تحت اسم عبد المولى وقد طُبعت بعضُ مكاتيب الشيخ إليه مترجمة إلى اللغة الأسوجية ويوجد غيرُها في مكتبة الكلية في عاصمة فنلندا المسماة : Ilalsingfors وقد أحرزت على النسختين منها.

وما ذكره الأستاذ Ilnart من تاريخ موته (٣٩٠) من مقالتكم فلا صحة له وهو مأخوذ على علَّاته من كتاب تاريخ الآداب العربية للأستاذ Brockclinann الشهير وأقربُ منه إلى الصواب ما رواه أمين فكري مسندًا إلى الأستاذ غوتوالد فإن الشيخ الطنطاوي تُوفي إلى رحمة ربه سنة ١٨٦١م في ٢٩ أكتوبر منها.

كذلك لا صحةَ لِما ذكرتْه مجلة رعمسيس (ص٣٩١) وهو مأخوذ حرفيًّا من كتاب الأب لويس شيخو عن تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر (٥٩:٣) لأن الشيخ دُعي للتدريس في الكلية سنة ١٨٤٠م وليس سنة ١٨٥٨م وكان هو المعلِّم الأول وكان نفروتسكي معاونًا له وليس العكس ، أما سفره إلى روسية فكان بدعوة من نظارة الخارجية لتدريس العربية في مدرسة الألسن الشرقية التابعة للنظارة المذكورة.

أما وقت سفره فليس ببعيد مما استنبطتموه في مقالتكم (ص٣٩١) لأنه دُعي إلى الروسية سنة ١٨٤٠م وقَدِم إليها على ما يظهر في هذه السنة ومما يؤيِّد ذلك نسخة (شرح سِقط الزَّنْد) الموجودة بين مخطوطاته (عدد ٨٣٧) فإنه يذكر في ختامها أنه نسخها سنة ١٢٥٦ وهو في المحجر الصحي بالقسطنطينية.

وكذلك أصبتم في تعيين وظيفة الخواجة بكتي (ص٣٩٠) فإنه كان ترجمانًا Agent  consulaire  للقنصلية الروسية بالقاهرة ، هذا ما سنح لي تحريرُه في هذه الفرصة والمرجو من جنابكم أن تغضُّوا الأنظار عن هفواتي وتَقبلوا عذري على تقصيري فإن العذر عند كِرام الناس مقبول “.

20 / مربعات ابن عروس

لعلك سمعت يوما قولهم : ” ولا بد من يوم معلوم .. تترد فيه المظالم .. أبيض على كل مظلوم .. أسود على كل ظالم ” .. هذه الأبيات الشعرية المعروفة والتي جاءت في تتر مسلسل ذئاب الجبل هي في حقيقة الأمر أشهر رباعيات فن الواو المتوطن في محافظة قنا تحديدا حيث تقطن قبائل هوارة ، وتنسب الأبيات إلى شاعر شعبي متصوف يدعى ابن عروس وهو أحمد بن محمد بن عبد الله المزاتي من أبناء قرية مزاتة مركز قوص وسمي على اسم فتاته (عروس الهودج).

وفن الواو هو رباعيات أو مُربعات شعرية من بحر المُجتث الذي يتكون من التفعيلة (مستفعلن فاعلن) في كل شطر ويتكون كل مُربّع من أربع شطرات متبادلة القافية أي أن للبيت الأول والثالث قافية موحدة والثاني والرابع قافية موحدة ، وسُمي بـاسم فن الواو لأن من يُلقيه قد اعتاد أن يبدأه بـعبارة : ” وقال الشاعر ” ، و في رواية أخرى أنه كان شكلا من المباراة الشعرية التي يشترك فيها شاعران والثاني يبدأ مُربعه بـعبارة : ” وأزيدك ” ..

والغرض الشعرى لفن الواو كان الشكوى من الزمان وغِدر الخلّان وينطوى على حِكَم وغزليات وأفرزته جلسات أهل الصعيد الطويلة نهارا أو ليلا وبالأخص ليالى السّـمَـر القمرية فى الساحات والمنادِر وفى الأجران أو المساطيح (أرض فضاء تحت الشمس تُجفف فيها الذرة والبلح) ، ويطلق على شاعر الواو اسم المواوي أو القوال أو الراوي حيث يلقيها في أمسيات شعرية خاصة أو في المناسبات الاجتماعية في أجواء احتفالية ..

وفن الواو في جذوره مستمد من أشعار السيرة الهلالية التي كانت بعض أبياتها تأتي على هيئة رباعيات وهو أيضا مصدر شعر الرباعيات الذي اشتهر في العصور الحديثة وتطور على يد بيرم التونسي وصلاح جاهين وعلي النابي ، وقد نشأ هذا الفن في العصر المملوكي مع انتقال قبائل هوارة البربرية من البحيرة إلى الصعيد بأمر السلطان برقوق وتوليهم إمارة الإقليم وعمارته وزراعة القصب فيه طوال خمسة قرون كاملة ..

واشتهر من أشعارها في الغزل قول أحدهم مخاطبا قلة الشرب : ” خايف أقوله يقول لا .. والقلب مرعوب وخايف .. ابقي قوليله يا قلة .. حين توردي عالشفايف ” ، ومن أهم شعراء فن الواو في الزمن المعاصر الشاعر عبد الستار سليم الباحث في هذا الفن وله أبيات منها : ” بخت الخسيس اتعدل لما الزمن غلاه .. ورخص ابن الأصول وفي قدرته غلاه .. فردت قلعي عشان أرحل خانتني الريح .. ودرست جرني طلع تبني بلا غلاه ”.

وقد اختلف الباحثون حول شخصية ابن عروس وما إذا كان شخصية حقيقة أم خيالية من صنع شاعر آخر عاش في نفس الفترة الزمنية ، ويرى عبد الرحمن الأبنودي أنه شخصية خيالية من صناعة الشاعر الشعبي علي النابي (نسبة إلى عرب أبو ناب من قبيلة بلي المستقرين في قنا) وأنه استوحى شخصيته من متصوف تونسي يحمل نفس الاسم ، لكن عارضه في ذلك عدد كبير من الباحثين منهم أحمد سليمان حجاب ومسعود شومان حيث أكدوا في مؤلفاتهم أنه شخصية حقيقية وحدد بعضهم تاريخ مولده في عام 1780 م وذكر آخرون أنه عاش حتى بلغ الثمانين.

وقد جاء في موقع بوابة الشعراء قولهم : ” هو أحمد بن محمد بن عبدالله الشهير بـابن عروس ولد في قرية مزاتة التابعة لمركز قوص في محافظة قنا بصعيد مصر لأبوين فقيرين وقد بدأ حياته كقاطع طريق وعاش حياة اللهو والفتونة والصعلكة.

ظل الشاعر القنائي حتى بلوغه الثلاثين من عُمره يسترزق من ذراعه التي يبطش بها، ويسطو على القبائل المارّة مع عصابته ويشكل رُعباً للحكومة المملوكية التي كانت قد ضيّقت على الشعب، فاستهدفها ابن عروس كما استهدف الأغنياء البخلاء الذين تغافلوا عن الشعب الجائع.

سُمي ابن عروس بهذا الاسم نسبةً إلى عروس الهودج وهي الفتاة التي فُتن بها، فغيّرت حياته وكأنما أنجبته للحياة في ميلاد جديد بعدما قابلها ففي إحدى المرات التي قرر فيها الإغارة على قافلة بعينها كان فيها عروس مُبهرة الجمال وقع هو في غرامها وطلبها للزواج.

وحسب الروايات فإن هذه الفتاة قد اشترطت أن يتوب عن السرقة والترويع وقطع الطرق وألقت عليه (مُربعاً) عن الأمانة والصدق فتاب كما اشترطت عليه وألهمته هي مربعاته الخالدة وارتدى خرقة الصوفية وأخذ ينشد الأشعار الوعظية بالعامية المصرية ثم ذاع صيته بين أبناء القرى وأخذوا يرددون أشعاره التى أسموها (المقطعات) وأصبح الكثير من أقواله أمثالا ، ويعد النقاد ابن عروس رائدا للشعر العامى فى مصر ولكن لا يعرف على وجه التأكيد تاريخ مولده أو وفاته.

لم يعرف أحد حتى الآن هل هو من نسج خيال الناس أم إنه شخص كان متواجد بمصر في خلال تلك الحقبة الزمنية ولكن أغلب الباحثين يرون أنه حقيقة والدليل عليه مربعاته التي اشتهر بها بعد وفاته وخصوصا في العصر الحديث.

لا توجد رواية مؤكدة عمّا إذا كان ابن عروس قد أكمل حياته برفقة العروس التي سباها أو أنه قد تركها لحال سبيلها ، لكن المؤكد أنها قد ألهمته فناً صعيدياً خالصاً هو فن الواو الذي يُعرفه النقاد على أنه (المُربعات الشعرية من بحر المُجتث الذي يتكون من التفعيلة مستفعلن فاعلن في كل شطر ويتكون كل مُربّع من أربع شطرات متبادلة القافية أي أن للبيت الأول والثالث قافية موحدة والثاني والرابع قافية موحدة) ، وسُمي بـفن الواو لأن من يُلقيه قد اعتاد أن يبدأه بـ (وقال الشاعر) و في رواية أخرى أنه كان شكل من المباراة الشعرية التي يشترك فيها شاعران الثاني يبدأ مُربعه بـ (وأزيدك).

وذكره الباحث الأستاذ أحمد مجاهد في مقال خاص به نشر في جريدة الشروق بتاريخ 2 نوفمبر سنة 2009 م بعنوان ابن عروس وفن الواو فقال :  ولد ابن عروس عام 1780 م فى قرية مزاتة مركز قوص بمحافظة قنا وهى التى اشتهرت منذ الفتح الإسلامى لمصر بأنها كانت محط الرحال للقبائل النازحة من شبه الجزيرة العربية ، وقد أدى هذا ــ كما يقول عبدالستار سليم ــ إلى ظهور أثر للهجات القبائل العربية جعل اللسان القنائى أقرب إلى العربية الأم ولهذا تأثر الشعر المحلى بالقصيدة العربية الوافدة التى كانت القافية سمة أساسية فيها فولد قالب شعرى شديد الالتصاق بها لكنه باللهجة العامية المحلية وهو فن الواو الذى اشتهرت به قنا دون غيرها.

وفن الواو رباعية تتكون فى حقيقة الأمر وفقا لرأى إبراهيم أنيس من بيتين فقط من بحر المجتث وأجزاؤه مستفعلن فاعلاتن مرتين لكن الشطرتين الأولى والثانية تنتهيان بحرف واحد كأنه قافية تختلف مع قافية البيتين المشتركة فيبدو الأمر وكأنه رباعية حيث يقول ابن عروس مثلا : ولا حد خالى من الهم حتى قلوع المراكب .. ماتقولشي للندل عم وإن كان على السرج راكب

وكان الشاعر لا يكتفى بإلقاء مربع واحد من مربعاته القصيرة على جمهوره لكنه كان يصمت برهة حتى يتأكد من استيعاب المتلقى للمربع ثم يواصل بادئا بعبارة (وقال الشاعر) ولهذا كثرت الواوات بين المربعات حتى أصبحت تسمى بفن الواو.

وإذا ذكر فن الواو فلابد من الحديث عن رائده أحمد بن عروس الذى يقول عنه أحمد سليمان حجاب إنه كان يستخلص قُوتَه بقُوَّتِه فى عصر مملوكى شحيح وكانت له عصابة من الفاتكين واللصوص لها سطوة عظيمة تخشاها الحكومة ذاتها ، وعندما أدركته الشيخوخة خاف أن يلقى ربه بذنوبه فأقلع عن الإجرام وتاب وانقطع للتأمل والعبادة وأخذ يسير فى الطرقات يلقى المواعظ بين الناس فى مربعات شعرية.

ويمكننا أن نجد لدى ابن عروس نفسه مربعا يلخص رحلته من الإجرام إلى التوبة حيث يقول :  حرامى وعاصى وكداب عاجز هزيل المطايا .. وتبــت ورجــعت للــبـاب هيا جــــزيل العطايا ، كما أننا قد نلمح أحيانا علامات الزهد على وجه الشيخ الذى أدركته الحكمة بعد زمن طويل كان يجمع فيه المال هو ورجاله بفرض الإتاوات على الضعفاء : كسرة من الزاد تكفيك وتبقى نفســــك عــفيفه .. والقــــبر بكره يطــويك وتنام فى جار الخليفة.

على أننا لا نعدم لدى ابن عروس الزاهد مربعات تعلى من قيمة المال ودوره المهم فى تحقيق النفوذ، حيث يقول مثلا : الليل ما هـــواش قصير إلا عـلى اللى ينامه .. والشــخص لو كان فقير ما حد يسمع كلامه ، وأحيانا يصل به الأمر إلى طلب المجاهرة بالعداء للخصم بدلا من التسامح معه حيث يقول : اللى يداديك داديه واجـــعل عــيالك عـبيده .. واللى يعاديك عـاديه روحك ماهياش فى إيده.

وهذا يدفعنى إلى تصديق الرواية الدنيوية لا الدينية التى ذكرها أحمد سليمان حجاب أيضا فى تفسير التحول الدرامى لشخصية ابن عروس من الإجرام والسطوة إلى الفلسفة الشعبية والحكمة ، وهى رواية تشرح فى الوقت نفسه أسباب تسميته بابن عروس حيث يروى أنه لما بلغ ابن عروس الستين أحب فتاة دون الخامسة عشرة ولما كان أهلها يخشون سطوته وافقوا على زواجه لكن الفتاة قد هربت مع حبيبها قبيل الزفاف بساعات ودار الخبر بين الناس ودار صاحبنا فى البلاد بعد انكساره ينشد حكمة تجربته بصوت متهدج ، وصار اسمه ابن عروس لأن هذه العروس الهاربة هى التى أنجبته للحياة فى ثوبه الجديد ولعل المربع التالى يعبر عن هذه التجربة المريرة حيث يقول : يا قلبى لاكويك بالنار وان كنت عاشق لا أزيدك .. يا قلبى حملتنى العار وتـــريد مـــــن لا يريـدك

كما أن هذا يفسر أيضا وجود كثير من المربعات التى هاجم فيها ابن عروس المرأة عموما هجوما شديدا حيث يقول : كيد النسا يشـــبه الكى من مكرهم عدت هارب .. يتحزموا بالحنش حى ويتعصـبوا بالعقـارب ، ويقول : ما ينجــدك غـــير دمك ولا ينفعــك غــــير مالك .. واحلف يمين بعد أمك حبيب من النسا ما بقالك ، ويقول : فيهــــم كمــــا هـــمة البين والبعل مسـكين قناها .. وفيهـــم الدابـة والتنين ورطه على اللى اشتراها.

ويلاحظ على مربعات ابن عروس أنها تكاد تترجم الأمثال الشعبية فى ثوب شعرى ، ولم لا وهذه الأمثال تعبر عن خلاصة الحكمة الشعبية التى يسعى لنشرها حيث يقول : كل عيش بملحك وفجلك وعيش عيشـــــة جدودك .. واتمـــد عــلى قد رجـــــلك بلاش تزيد عن حدودك ، ويقول : الندل له طعم مالح وله خصايل ذميمة .. القرب منه فضـايح والبعد عنه غـــنيمة ، ويقول : والله ما هى بسعيك ولا بكتر الخطــاوى .. إلا إذا كان ســعدك فى كل خطوة مساوى.

وقد تسبب ابن عروس بإبداعه المتميز فى شيوع فن الواو بصعيد مصر وبخاصة بين أبناء محافظة قنا وصار له أبناء فى هذا الإبداع مثل الشيخ أحمد محمد القوصى المولود بقنا عام 1860 م والذى يقول : الناس للـكــف باســطـــين والكل عـــاوز نوالك .. واللى خضع لك وباس طين للشـــــر هــــوه نوى لك ، ومثل الشيخ حسن عبد الرحيم الفرشوطى المولود بقنا عام 1873م، والذى يقول : ماله الهــوى زاد وَسْــمِى من حين بعادهم بدالى .. سمت ولدها على اسمى خـايف تحـبه بدالى

على أن التأثير الأكبر يتمثل فى تعميق المشاركة الوجدانية بين المبدع والمتلقى فى هذا الإبداع الشفاه، التى سمحت لفن الواو بعد رسوخه باستيعاب القص الملحمى فكانت السيرة الهلالية الصعيدية التى تم نظمها من خلال مجموعة من مربعات الواو حيث شاعت هذه السيرة فى صعيد مصر كله وما زالت تتردد حتى اليوم.

وكتب عنه الشاعر عبد الرؤوف بطيخ في مقدمة ديوان (مربعات ابن عروس) المنشور في أخبار الأدب عام 2022 م فيقول : ” هو أحمد بن محمد بن عبدالله الشهير بـابن عروس ولد عام (1780 م) في قرية مزانة التابعة لمركز قوص بمحافظة قنا تاريخ الوفاة غير معلوم ، ولد شاعر العامية وصاحب المربعات الشهير ابن عروس ليمزج الشعر بالحكمة في فن مصري خالص هو فن الواو بعد حياة حافلة بدأها لصاً وقاطع طريق لينتهي شاعراً وفيلسوفاً تتناقل الأجيال حكمه المختزلة في صورة أبيات رباعية الشطرات.

ولد الشاعر القناوي باسم محمد بن عبدالله وبدأ حياته كقاطع طريق يسترزق من ذراعه التي يبطش بها ويسطو على القبائل المارّة مع عصابته ويشكل رُعباً للحكومة المملوكية التي كانت قد ضيّقت على الشعب فاستهدفها ابن عروس كما استهدف الأغنياء البخلاء الذين تغافلوا عن الشعب الجائع وحتى بلوغه الثلاثين من عُمره لم يكُن يعلم أن التاريخ سيذكره بابن عروس.

وبالعودة الى مخطوط بدار الكتب المصرية بعنوان ديوان ابن عروس وبحث ميداني مسح فيه عدد من الروايات الشفهية، حقق الكاتب مسعود شومان شخصية (شاعر الواو ومُربعاته الشعريّة) في كتاب مربعات ابن عروس الذي تناول فيه حظ الخيال والحقيقة من قصة الشاعر الصعيدي ، ونسبة اللبس بينه وبين المُتصوّف التونسي ابن عروس المُلقب بأبي الصرائر والتي جعلت الشاعر عبدالرحمن الأبنودي يُجزم بأن ابن عروس محض وهم وأن أشعاره إنما تنتمي إلي الشاعر المغربي مثال الشاعر عبدالرحمن المجدوب ما جعل نقاد وكُتاب آخرين يُشيروا إلي الروح الصعيدية في المُربعات وتشابكها مع الحكمة المصرية في مربعات متعددة.

ويقول الكاتب خيري شلبي عن ابن عروس (ابن عروسنا) إذ يعتز بمصريته هو ويري أن أمثاله يصل عند الشعوب البدائية إلي مرتبة الأنبياء أصحاب العقائد لأنهم يجدون في شعره الإجابات الحكيمة لكُل ما في صدورهم من تساؤلات “.