العصر الخديوي الجزء الخامس

41 / الخطط التوفيقية الجديدة

من أهم وأشهر ما صدر في جغرافية وتاريخ القاهرة والكفور والنجوع والقرى المصرية كتاب الخطط التوفيقية الجديدة من تأليف رائد النهضة التعليمية والإنشائية في العصر الخديوي المغفور له علي باشا مبارك الذي ولد في قرية برنبال بالدقهلية عام 1239 هـ / 1823 م وتوفي بالقاهرة عام 1311 هـ / 1893 م ، وقد سمي الكتاب باسم الخطط تيمنا بكتاب الخطط المقريزية وهي جمع خطة وتعني الحارة أو القسم في القاهرة التاريخية وأضيف إليها النسبة إلى الخديوي توفيق حاكم مصر وقت صدور الكتاب.

وقد بدأ كتابه بوصف القاهرة بالتفصيل ومقارنتها مع خطط المقريزي لبيان ما حدث في العاصمة من تغيرات مع الزمن حيث تناول الشوارع والحارات والميادين والأحياء والمساجد والزوايا والمدارس والتكايا والقصور والأسبلة والحمامات والكنائس ، ثم انتقل منها إلى وصف الإسكندرية وما حدث فيها من عمران في زمنه خاصة الميناء والتوسعات الجديدة والمكاتب التجارية وأفرد فصلا خاصة لمدن قناة السويس وحفل افتتاحها حيث كان واحدا من كبار المسئولين عن المشروع من الجانب المصري.

وتناول البلدات المصرية وفق الترتيب الأبجدي حيث ذكر الموقع الجغرافي لها ثم نبذة عن تاريخ البلدة وتكوينها السكاني وأهم المعالم فيها وأشهر شخصياتها التاريخية وأكبر عائلاتها وشيوخ العرب فيها والقبائل العربية النازلة بها وطبيعة زراعتها ونشاطها الاقتصادي ، وبعد ذلك تناول نهر النيل وفروعه ( الرياحات جمع رياح والأباحر جمع بحر والخلجان والترع والمصارف) ثم ختم الكتاب بفصل خاص عن العملات النقدية المستعملة وقتها وبعض الموضوعات المتفرقة مثل افتتاح الأوبرا والثورة العرابية وغيرها.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” علي باشا مُبارك ١٢٣٩ – ١٣١١ هـ / ١٨٢٤ – ١٨٩٣ م ، علي بن مبارك بن سليمان الروجي وزير مصري من المؤرخين العلماء العصاميين النوابغ ولد في قرية برنبال (من الدقهلية بمصر) وتلقن العربية وحذق بعض الفنون وسافر سنة ١٢٦٠ هـ مع بعثة مصرية إلى باريس فتعلم فني الاستحكام والمفرقعات والحركات الحربية ، وعاد إلى مصر فتقلب في الوظائف العسكرية وبلغ رتبة أميرآلاي.

وحضر الحرب التركية الروسية سنة ١٢٧٠ هـ ثم نصب ناظرا للأوقاف المصرية ، وأضيفت إليه المعارف فأنشأ مدارس كثيرة وأبقى آثارا منها دار الكتب المصرية في القاهرة ، وتولى نظارة الأشغال العامة سنة ١٢٩٧ هـ فحدثت ثورة عرابي باشا فاستقال مع زملائه في الوزارة ، وآخر أعماله ولايته نظارة المعارف المصرية سنة ١٣٠٥ هـ وتوفي بالقاهرة.

له الخطط التوفيقية في ٢٠ جزءا حذا به حذو المقريزي في خططه ، قصة سماها (علم الدين) في ثلاثة مجلدات ضمنها مباحث دينية واجتماعية ، حقائق الأخبار في أوصاف البحار (مدرسي) ، خواص الأعداد ، نخبة الفكْر المهندسين ، تقريب الهندسة ، جغرافية مصر ، الميزان في الأقيسة والمكاييل والأوزان ، وأشرف على ترجمة خلاصة تاريخ العرب للمستشرق الفرنسي سيديو “.

وقد استهل الكتاب بمقدمة يشرح فيها منهجه فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ، فلما كانت مدينة القاهرة المعزية التى هى دار الحكومة الخديوية قد كثر ذكرها فى كتب الخطط والتواريخ والسير ووصف ما كان بها من المبانى والبساتين وهى الآن غيرها فى تلك الأزمان لتغيرها عما كانت عليه زمن الفاطميين الذين اختطوها بتغير الدول وتقلب الأزمنة وكانت تارة يؤثر فيها الزيادة وتارة النقصان فترى أحيانا زاهرة زاهية وطورا واهنة واهية.

ولم نر منا معشر أبنائها من يهدينا إلى تلك التقلبات ويفقهنا أسباب هاتيك الانتقالات ويدلنا على ما فيها من الآثار فنجوس خلالها ولا نعرف أحوالها ونجوب أقطاعها ولا ندرى من وضعها ، وقد خطّها العلامة المقريزي لوقته وأطال القول فيما فيها من المباني والمزارع وتكلم على الحوادث والرجال ولكن بعده كم من أمور مرت فدمرت وغير جرت فغيّرت حتى ذهب أكثر ما أسهب فى شرحه كليا وزال حتى صار نسيا منسيا وكم من آثار خيرية صار نفعها مندثرا مهجورا ومصانع وصنائع قد دثرت كأن لم تكن شيئا مذكورا.

وكم من تلال كانت عمارات شاهقة ووهاد كانت بساتين معجبة فائقة وقبور مزوية فى جوانب الحارات ومشاهد متباعدة فى الفلوات أطلق عليها العامة أسماء كاذبة كقولهم هذا ضريح الأربعين مثلا ، وكم من مساجد نسبوها لغير من بناها ومعابد أسندوها لمن لم يكن رآها والحقيقة أنها قبور ملوك عظام أو معابد سادات كرام أو مساجد أمراء فخام.

مع أن معرفة ذلك حق علينا إذ لا يليق بنا جهل بلادنا والتهاون بمعرفة آثار أسلافنا التي هي عبرة للمعتبر وذكرى للمدّكر ، فهم – وإن مضوا لسبيلهم – قد تركوا لنا ما بحثنا على اقتفاء آثارهم وأن نصنع لوقتنا ما صنعوه لوقتهم وأن نجدّ فى طرق الإفادة كما جدّوا ، دعتني نفسى لتأليف كتاب واف بما لمصر من قديم وحديث متضمن لذكر مبانيها الداثرة والموجودة وما يتبع ذلك من أخبار أربابها وذكر نيلها ومنافعه وكيفية تصرفاته ومواضعه.

لكنى رأيت هذا المشروع صعب المسلك لما يحتاج إليه من مراجعة كتب كثيرة فى هذا الشأن ومناظرة رسوم القديم والجديد من تلك الأزمان وربما تعسر الوجود أو تعذر المقصود ، كما أنه محتاج لخلو بال وصلاح زمان وأنّى لى بذلك مع كثرة أشغالي وتحملي أعباء الوظائف المهمة في أزمان الحوادث التي أخلت بالراحة العمومية والخصوصية مما يكدر الفكر ويحير العقل ؟

فأخذت أحمل جهابذة العلوم ومن لهم القدرة على ذلك وأحثهم على وضع كتاب يفك لنا عقدة تلك الصعوبات ويفض ختام ما أودع في كتب الخطط من أخبار المتقدمين وآثار القرون السالفين وأهل العصر الذى نحن فيه وأبين ما لهذا المشروع الجليل من الفائدة في الدنيا والثواب في العقبى حتى كلّ فؤادي وكأن لا حياة لمن أنادى.

فلما لم يلتفت لهذا الأمر إنسان بل ربما عدّه بعض الجهلة ضربا من الهذيان ، قمت مشمرا عن ساعد الجد والاجتهاد معتمدا على من بيده الهداية إلى سبيل الرشاد منتهزا لكل فرصة سنحت مداوما على استنباط الغرائب وترتيب المقاصد جامعا من كتب العجم والعرب ما يفضى بمتأمله إلى العجب مراجعا كتب العرب والإفرنج الذين ساحوا تلك الديار ورسومهم التي بينوا فيها حدود هذه الأقطار.

وكذا حجج الأوقاف والأملاك وما وجد مسطورا على الأحجار والجدران ملخصا من ذلك ما يحتاج إليه ولا يحسن جهله بحسب الإمكان إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله ، ولم أزل على ذلك مدة من الزمن حارما للعين في كثير من الأوقات لذيذ الوسن حتى جاء بحمد الله مجموعا يسر الناظر ويشرح الخاطر وهو وإن كان بالنسبة لما قصدت ليس على ما أردت لكن اخترت أن يكون ذلك مقدمة لمن يوافيه فينتفع بما فيه.

ورأيت أن العلاّمة المقريزي لم يقتصر في خططه على مدينة القاهرة المعزية بل تكلم على كثير من بلدان الديار المصرية بعضها اندثر ولم يبق له أثر وبعضها صار إلى حالة فائقة لا مناسبة بينها وبين الحالة السابقة ونصّ على أسماء رجال لم يترجمها وبلدان وقرى لم يذكر موضعها ، وذلك مما ينبغي بيانه خصوصا أن أكثر الآثار القديمة كالأهرام والبرابي وغيرها مما بقى من أعمال الأمم الماضية والقرون الخالية لم يكن الغرض من ذكرها إلا كونها من عجائب الدنيا.

ومعلوم أن الكتابة الطيرية المعروفة بالهيروجليفية لم تنكشف حقيقتها إلا في هذا القرن فقد وقف الإفرنج على حقائقها من الكتابات الباقية على جدران الآثار المصرية والمباني الفرعونية وأخذوا مجدّين اليوم في توسيع دائرة علمها فالتزمت أن أطالع ما كتب بخصوص تلك الآثار وألخص ما فيه الفائدة من غير إطالة ولا إكثار.

ووضعت في كل بلدة من البلدان المذكورة في هذا الكتاب تراجم من أحاط به الاطلاع ممن نشأ منها أو استوطنها أو أقام بها أو دفن فيها أو له مناسبة بها من أعلام العلماء والأمراء ومشاهير الرجال مع بيان ما لهم من الآثار والأخبار والمصنفات والمرويات بحسب الاستطاعة ، وأتيت على ذكر ما عثرت عليه أو نقل إلىّ علمه مما اختص بالبلدة أو برعت فيه أو عرفت به من صناعة أو غيرها مضافا إلى ما بها من الآثار العتيقة والمباني الشهيرة.

وابتدأت الكتاب بهذا المجلد فجعلته مقدمة له لخصت فيه الكلام على محل القاهرة قبل قدوم جوهر القائد وعلى ما حصل لها من الأحوال والتغييرات بتقلب الأزمان وتداول الدول من عهد الدولة الفاطمية وعلى بقية ملوك القاهرة إلى الآن على الإجمال ، وجعلت للبلدان والقرى مجلدات مخصوصة على ترتيب حروف المعجم تسهيلا على الطالب.

ثم شرحت مقياس النيل السعيد فى مجلد وحيد وبسطت الكلام عليه وأضفت المتجددات إليه ، وأتيت فيه بالحوادث والكائنات من أول الزمان متتابعة يتلو بعضها بعضا إلى وقتنا هذا وقصدت أتم الروايات فنقلتها عمن يعلم صدقهم فيما نقلوه وصحة ما دونوه وإنه بذلك لجدير كيف لا وهو الإشارة الناطقة والدلالة الواضحة على نمو الزراعة فى كل سنة ، وبحثت على درجات ارتفاعه وانخفاضه من الكتب العربية والإفرنجية ووضعت لذلك جدولا لطيفا شاملا لارتفاعه وحوادثه وما صار بسببه إلى بلادنا وطبعته مع الكتاب لوقوف أهل ديارنا على حقيقة نيلهم الذى هو منبع سعادتهم إن اعتنوه ومورد شقاوتهم إن أهملوه.

وأفردت الترع والخلجان بمجلد بينت فيه أحوالها وما كانت عليه قبل الآن أو هى عليه الآن ، وجعلت أيضا لمدينة الإسكندرية جزءا مشتملا بوجه وجيز على بعض حوادثها وما كانت عليه في الأزمان المتقدمة ولم أتكلم على الفسطاط لاندثارها وخرابها ومن أراد الوقوف على ما كان بها فليراجع خطط المقريزي فقد أتى فيها بما يشفى ويكفى.

ولما كانت مدينة القاهرة هي الغرض الأصلي المقصود بالذات من هذا الموضوع لأنها أم البلاد المصرية وتخت الحكومة الخديوية ومنبع العلم والصنعة والتجارة ، جعلت مبانيها الشهيرة – كالمساجد والمدارس ونحوها – مرتبة على ترتيب حروف الهجاء فى مجلدات على حدتها حتى أن من أراد الاطلاع على مسجد أو مدرسة مثلا يسهل له الوقوف على ما أراد بعد معرفة اسمه ، ولم أقتصر فى ذلك على شرح الحالة الراهنة بل أخذت ما وجدته فى الخطط وغيرها من صفة الحال السالفة رغبة في جمع ما تشتت من أحوالها لوقوف الطالب على جميع صفاتها قديما وحديثا.

ووضعت أيضا لشوارعها مجلدين على ترتيب الحروف وتكلمت على ملحقات كل شارع من دروب وحارات وعطف وأزقة مع ما فيها من المساجد والمدارس والأضرحة والأسبلة والحمامات والوكائل ونحو ذلك سابقا ولاحقا ، حتى صار هذان المجلدان عبارة عن خطط القاهرة في زماننا هذا فجاء ما فيهما كافيا وافيا في الدلالة على هذه المدينة ومشتملاتها.

ولتتم الفائدة من هذا الكتاب أفردت مجلدا قررت فيه القول على أصناف النقدية التي كان جاريا بها التعامل في مصرنا بكل عصر من الأزمان الخالية وشرحت تاريخها وأصل وضعها، وأسباب حدوثها ومن أحدثها وقوّمها ، حتى صار في إمكان الطالب أن يقارن بين أسعار الأشياء في الأوقات المتفاوتة فإنه متى قيل كان صنف كذا يباع بكذا من الدنانير مثلا وحصلت مقارنة بين هذه القيمة لهذا الصنف في سنة كذا وبين قيمته الآن بمعاملتنا يعلم أن هذا الصنف كان أعلى قيمة مما هو عليه الآن أو أقل في كل زمن وقع فيه الاعتبار.

فكمل كتابنا هذا بحمد الله في عشرين مجلدا لطيفا على أسلوب رقيق ووضع أنيق يسرّ سامعه ويروق مطالعه ، والله الكريم أسأل من فضله وكرمه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به كل طالب بقلب سليم وأن يوفق من اطلع عليه إلى إصلاح ما عسى أن يكون فيه من الخطأ والنسيان ويزيد عليه ما عجزت عن الإتيان به وأن يكافئنا وإياه بما كافأ به عباده الصالحين الذين قصروا أعمالهم مدة حياتهم على طلب مرضاته إنه جواد كريم رؤوف رحيم “.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” علي باشا مبارك ، ولد في قرية برنبال الجديدة من مديرية الدقهلية سنة ١٢٣٩ﻫ واسم والده الشيخ مبارك بن مبارك بن سليمان بن إبراهيم الروجي ، وابتدأ في تعلُّم القراءة والكتابة على رجل من أهل القرية أعمى ثم نزحت العائلة إلى ناحية الحماديين فلم يَطِب لهم المقام فيها.

فارتحلوا إلى عرب السماعنة بالشرقية ولم يكن عندهم فقهاء فأنزلوا والد صاحب الترجمة منزل الإكرام وصار مرجعهم إليه في الأمور الدينية لأنه كان صالحًا تقيًّا متفقهًا فاعتنى بتربية ولده بنفسه ، ثم عهد تعليمه إلى معلم اسمه الشيخ أبو خضر في مكان قرب برنبال لا يذهب إلى والده إلا كل يوم جمعة فختم القرآن بسنتين ولكنه ترك معلمه لكثرة ضربه له وجعل يقرأُ على والده.

على أَنَّ كثرة أشغال الشيخ مبارك حملت صاحب الترجمة على اللهو واللعب حتى نسي ما كان قد تعلَّمه فأشفق والدُهُ عليه لئلا يعيش بغير تعلُّم فأراد إجبارَه على العود إلى معلمه فأبى خوف ضربه ، فتوسط له أشقاؤُهُ لدى والده فسأله عما يريد تعلُّمه، ففضَّل العدول عن الفقه ورغب في الكتابة لِمَا كان يرى من حُسن زي الكتَّاب وهيبتهم.

وكان لوالده صديقٌ يتعاطى الكتابة في القسم بناحية الأخيوة فعهد إليه تعليمه فأنس عليٌّ به وألفه حتى اختلط بعائلته فرأى حالته الداخلية غير ما كان يراه منه في الظاهر ، واتفق أنه سأله مرة كم يجمع الواحد والواحد فأجابه (اثنين) فضربه بمقلاة البن فشجَّ رأسه وكان ذلك في محضر من الناس فشقَّ ذلك على عليٍّ فغادره وسار إلى والده يشكوه إليه فنقم عليه والدُهُ فَفَرَّ من البيت إلى المطرية جهة المنزلة ملتجئًا إلى خالة له هناك.

واتفق انتشارُ الوباء (الكوليرا) إذ ذاك فأُصيب به في الطريق فحمله بعضهم إلى بيته في قرية صان الحجر وعالجه حتى شفي ، وادَّعى أنه يتيم الأب والأم ولكن والده وأخاه كانا ساعيَيْن في التفتيش عنه فلمَّا رآهُما في تلك القرية طلب الفرار ولكنهما أمسكاه بعد ذلك وَحَمَلَاه على العود إلى التعليم فسلَّمه والدُهُ إلى كاتبٍ آخر فلم يلبث معه إلا قليلًا ثم عاد إلى القراءة على والده.

فجعله مساعدًا لأحد الكتَّاب في القسم ولم يكن يدفع إليه الراتب المعين له وقدره خمسون قرشًا فاتفق أنه أُرْسِلَ يومًا لقبض حاصل بعض القرى فقبضه وأبقى معه من المقبوض استحقاقه من الراتب وأرسل الباقي فغضب عليه الكاتب ، حتى إذا اتفق جمع أنفار العسكرية وشى به إلى المنوط به جمعهم فأمسكوه وألقوه في السجن فتوسط له والدُهُ أمام عزيز مصر إذ ذاك محمد علي باشا فأطلقوا سراحه.

وسعى له بعضُهُم في أن يكون كاتبًا لدى مأمور زراعة القُطن في أبي كبير فحضر بين يدي المأمور واسمه عنبر أفندي فإذا هو حبشي اللون لكنه سمح الوجه ورأى المشايخ والحكام وقوفًا بين يديه، فتأخر حتى انصرفوا ثم دخل عليه وقبَّل يده ، فخاطبه بكلام رقيق عربي فصيح والتمس خدمته عنده على أن يدفع إليه ٧٥ قرشًا شهريًّا مع كفاءته من العيش فسُرَّ عليٌّ بذلك ولكنه عجب لحال هذا المأمور المخالفة لسواد وجهه لاعتقاده أَنَّ الحكام لا يكونون إلا من الأتراك.

وما زال يتحرى الأسباب التي جعلت ذلك العبد حاكمًا حتى علم أخيرًا أنه معلِّم في مدرسة قصر العيني وأن تلك المدرسة تعلِّم الخط والحساب واللغة التركية ، فسأل إذا كان يجوز للفلاحين الانتظام فيها فقيل له إنما يدخلها مَن ساعدته الوسائط فاتقدت في قلبه نار الغيرة ومال بكلِّيته إلى الدخول في تلك المدرسة على بُعدها عن مقره وقلة وسائطه فاستأذن رئيسَه يومًا مدَّعيًا الذهاب إلى بيت أبيه فأذن له فغادر البلدة.

والتقى في قرية بني عياض بطريقه بتلامذة مدرسة الخانقاه فأراد أن يدخلها لعلمه أن تلامذة قصر العيني إنما ينتخبونهم من هذه المدرسة ، فأجبره والده أن لا يفعل واختطفه قهرًا وحمله إلى بيته وعهد إليه رعاية الماشية ولكن ذلك لم يحوِّلْه عن عزمه ففرَّ ذات ليلة حتى جاء المدرسة ودخلها ولم يخرج منها ليلًا ولا نهارًا خوفًا من أن يلقاه والدُهُ فيختطفه ويرجع به إلى البيت.

ولم يكن والده يكره تعليمَه ولكنه يودُّ بقاءه قريبًا منه ، ثم جاء بعد ذلك ناظرُ تلك المدرسة لانتخاب أنجب التلامذة وإدخالهم في مدرسة قصر العيني ـ ولم تكن فيها دراسةُ الطب بعد ـ فكان عليٌّ من المنتخبين لذكائه وفطنته فدخل تلك المدرسة سنة ١٢٥١ﻫ وسِنُّهُ ١٢ سنة فقط ، وكانت معاملةُ التلامذةِ هناك سيئةً ومهينة جدًّا والطعام تافهًا قبيحًا فأوقع صاحب الترجمة في مرض الجرب واشتد عليه ، فعلم والده بذلك فأراد استخراجه من المدرسة بالحيلة لأنهم لم يأذنوا له بإخراجه فلم يرضَ عليٌّ بل فضَّل البقاء في المدرسة رغبة في إتمام علمه، فقبَّله والده وودَّعه وهما باكيان.

وفي السنة التالية سنة ١٢٥٢ﻫ نقه من مرضه وعاد إلى دروسه ولكن محمد علي باشا أمر بأن تجعل مدرسة قصر العيني لتعليم صناعة الطب فنقل تلامذة العلم منها إلى مدرسة أبي زعبل ، وكانت العلوم الرياضية لديه إلى ذلك الحين كالطلاسم لا يفهم لها معنًى لتعقدها وسوء طرق تدريسها فاعتنى ناظر تلك المدرسة المرحوم إبراهيم بك رأفت بإلقاء تلك الدروس بنفسه يشرحها للتلامذة بأبسط عبارة ، قال صاحب الترجمة : (وكانت طريقتُهُ هذه باب الفتوح عليَّ) وأخذ عليٌّ من ذلك الحين يذوق لذة العلم على أنواعه ثم انتخب فيمن انتخب لمدرسة المهندسخانة فدرس فيها خمس سنوات.

وفي سنة ١٢٦٠ﻫ عزم المغفور له محمد علي باشا على إرسال أنجاله إلى فرنسا للتعلُّم فانتخب عليٌّ في جملة تلك الإرسالية فأقاموا في باريس سنتين ثم أُرسل بعضهم ـ وفي جملتهم هو ـ إلى متس وقد تقلَّد كلٌّ منهم رتبة الملازم فأقاموا في هذه أيضًا سنتين درسوا فيها فَنَّ الحرب وما يتعلق به ، ثم لَمَّا توفي المغفورُ له محمد علي باشا وتولى عباس باشا استقدم الإرسالية إلى مصر وأنعم على صاحب الترجمة ورفاقه برتبة يوزباشي وأُلحق هو بالجيش المصري وقائده إذ ذاك سليمان باشا الفرنساوي الشهير ، ثم انتدبه المغفور له عباس باشا الأول ليكون في لجنة الامتحانات التي عيَّنها لامتحان مهندسي الأرياف فقام بتلك المهمة حق القيام.

وفي سنة ١٢٦٦ﻫ أوعز إليه عباس باشا أن ينظم أُسلوبًا للمدارس مع الاقتصاد بالنفقة فنظمه وقدَّمه إليه فأعجبه وأنعم عليه بمقابل ذلك برتبة أميرالاي ولكنه طلب إليه أن يتولى نظارة تلك المدارس بنفسه فاهتم بذلك أشد الاهتمام ، ولم يكتفِ بالإدارة ولكنه كان يؤلِّف بعض الكتب اللازمة للتدريس وأتى إلى المدرسة بمطبعة حجر لطبع الكتب وكان يراقب سير المدارس جيدًا من النظافة والترتيب وطرق التعليم وألَّف في العمارة كتابًا للتعليم (لم يُطبع).

وما زالت الحال كذلك حتى تولى المغفور له سعيد باشا فوُشي إليه به ففصله من نظارة المدارس وبعث به في الحملة التي سارت لمحاربة روسيا مع الدولة العلية سنة ١٢٧٠ﻫ ، فسافر وقاسى أهوالًا كثيرة وعاد سالمًا وعند عودته كان في جُملة من أُخلي سبيلهم من العسكرية فعاد إلى مسكن حقير أوى إليه لا يملك شيئًا ولم يلتفت إليه أحد ممن كانوا له أصدقاء وقت الرخاء.

مكث سنين في هذه الحال حتى أنف المناصب والرتب وأَلِف العزلة والسكنى بعيدًا عن الناس وعزم على العود إلى بلدته ، وفيما هو في ذلك صدر الأمر بفرز ضباط الجهادية لانتقاء الصالحين منهم للخدمة فكان هو من المختارين فتقلَّد منصب معاون في نظارة الجهادية ثم تعيَّن وكيلًا لمجلس التجار ثم مفتشًا لنصف الوجه القبلي ، ثم أُقيل من هذه المناصب وتبرَّع بتعليم الضباط والصف ضباط القراءةَ والكتابة والهندسة وفي أثناء ذلك ألَّف كتابًا في الهندسة سمَّاه (تقريب الهندسة) وكتابًا آخر في الاستحكامات وآخر سمَّاه تذكرة المهندسين.

ثم رُفِتَ فضاقت ذاتُ يده حتى عزم على معاطاة التجارة فاشترى جانبًا من الكتب كانت الحكومة عرضتها للمبيع بأثمان بخسة فاشتراها وباعها فربح منها ربحًا حسنًا ، ولكنه ما زال قانطًا مما كانت تطمح إليه أنظارُهُ من المناصب بسبب تغيُّر سعيد باشا عليه بما وشي به إليه ـ كما قدمناه ـ فلما توفي سعيد باشا سنة ١٢٧٩ﻫ وخلفه الخديوي الأسبق إسماعيل باشا تجدَّدت آماله وألحقه إسماعيل باشا بمعيته ثم عيَّنه في نظارة القناطر الخيرية وكانت لا تزال في حاجة إلى المهندسين فأجرى فيها عدة إجراءات.

وفي سنة ١٢٨٢ﻫ بُعث به للنيابة عن الحكومة الخديوية في المجلس الذي تشكَّل لتقدير الأراضي التي هي حق شركة خليج السويس على مقتضى القرار المحكوم به من إمبراطور فرنسا ، فقام بتلك المأمورية حق القيام فأُحسن إليه برتبة المتمايز وأنعمت عليه الدولة الفرنساوية أثناء ذلك برُتبة (أوفيسيه ليجون دونور).

وفي سنة ١٢٨٤ﻫ عُهدت إليه وكالة ديوان المدارس ، ثم انتدبه الخديوي للسفر إلى باريس في مهمة مالية فاستفاد من سفره هذا فوائدَ جمَّة واجتلى أهم المتاحف والآثار والمدارس ، وبعد عودته بقليل أُنعم عليه برتبة ميرميران وأُحيلت إلى عهدته إدارة السكك الحديدية المصرية وإدارة ديوان المدارس وديوان الأشغال العمومية ونظارة الأوقاف مع بقائه على نظارة القناطر الخيرية ، ولا يَخفى ما يقتضي للقيام بكل هذه الأعمال من الهمة والنشاط والقدرة فكان يعمل ليله ونهاره حتى لا تفوته فائتة.

وفي أثناء ذلك سعى في نقل المدارس من العباسية إلى درب الجماميز في القاهرة، حيث لا تزال إلى اليوم ،وأسَّس الكتبخانة الخديوية وهي أيضًا هناك إلى هذه الغاية  وأنشأ كثيرًا من المدارس الأميرية المنظمة في البنادر الكبيرة بالوجهين القبلي والبحري وأنشأ مدرسة دار العلوم يتخرج فيها المعلمون ويتعلمون طُرُق التعليم والعلوم العالية ومعرضًا للآلات الطبيعية وغيرها من أدوات العلوم الرياضية لكي يتمرَّن عليها التلامذةُ فتكون معارفُهُم مبنيةً على المشاهدة والاختبار ، ووجَّه التفاته إلى الأوقاف فأصلح كثيرًا فيها ودبَّر أملاكها ورتَّب حساباتها.

وأما أعمالُهُ مما يتعلق بديوان الأشغال فكثيرة منها تنظيم شوارع القاهرة وتوسيعها كما هي الآن ، ومن الشوارع التي فُتحت على يده شارع محمد علي وميدانه وشوارع الأزبكية وميدانها وما يحيط بعابدين من الشوارع ونحوها وباب اللوق ، وكانت جهات الفجالة والإسماعيلية تلالًا وآكامًا قذرة فأنعم بها الخديوي الأسبق على الناس فمهدوها وبنوا فيها القصور والحدائق حتى صارت كما نراها الآن.

وفي عهده بُني كوبري قصر النيل الباذخ المتين وتنظَّمت الجزيرة وأُنشئتْ فيها الشوارع المحفوفة بالأشجار وجلبت المياه إلى القاهرة بواسطة الشركة وأُنشئ كثيرٌ من الجسور والترع في جهات القُطر كترعة الإبراهيمية والإسماعيلية ، وفي عهد تولِّيه الأشغال أيضًا تم فتح قنال السويس رسميًّا ودُعي الملوك لحضور الاحتفال بذلك فكانت الأعمال اللازمة للقيام بمعدات ذلك الاحتفال منوطة به فأُهدي إليه بعد الاحتفال نيشان غران كوردون من النمسا ونيشان كوماندور من فرنسا والغران كوردون من بروسيا.

وبقيت عهدة تلك الإدارة بيده إلى سنة ١٢٨٨ﻫ ثم فصل عنها لخلاف حدث بينه وبين ناظر المالية إذ ذاك وتعيَّن ناظرًا للمكاتب الأهلية ، ثم استقل ديوان الأشغال فتعيَّن وكيلًا له ثم تعيَّن في مناصب أخرى حتى سنة ١٨٧٧م عندما ترتب مجلس النظار وصارت إدارة أعمال الحكومة منوطة به فتألَّف المجلس تحت رئاسة نوبار باشا وتعيَّن صاحب الترجمة ناظرًا على المعارف والأوقاف ، فبذل جهده في توسيع نطاق المعارف، فأنشأ مدارس كثيرة في الوجه البحري حتى كانت حادثة تذمُّر الجهادية ثم سقوط الوزارة النوبارية وتألَّفت وزارة أخرى لم تدُم طويلًا لانفصال الخديوي الأسبق وتولي المرحوم الخديوي السابق وفي مدته هذه أيضًا أجرى إصلاحات كثيرة وخصوصًا في الرَّي.

وعقب تولي المغفور له الخديوي السابق الحادثة العرابية وكان فيها صاحب الترجمة من المحافظين على ولاء الجناب الخديوي وطالما حثَّ الناس على الرضوخ والإذعان ولم تنجح مساعيه ، فلما انقضت تلك الأزمة بالاحتلال الإنكليزي وتشكَّلت الوزارة تقلَّد هو نظارة الأشغال ونال رتبة روملي بيكلر بيكي سنة ١٨٨٢م وعاد إلى اهتمامه في الري وما يتعلق به من بناء الجسور والحيضان وحفر الترع وتوزيع الماء ، وفي أواخر تلك السنة سقطت تلك الوزارة وتنصَّبت الوزارة النوبارية وبقيت إلى سنة ١٨٨٨م ثم استعفت وقامت الوزارة الرياضية فعهدت فيها نظارة المعارف إلى صاحب الترجمة فأجرى في المعارف هذه المرة أيضًا إصلاحات جمَّة ثم اعتزل الأعمال وما زال حتى توفاه الله.

مؤلفاته : لصاحب الترجمة مؤلفاتٌ مفيدةٌ تقدَّم ذكر بعضها ، وأشهرُ ما بقي منها كتاب الخطط التوفيقية طُبع بمصر في عشرين جزءًا وهو تكملةٌ لخطط المقريزي ومؤلَّف على مثالها ، ومنها كتاب علم الدين وهو عبارة عن رواية أدبية عمرانية في عدة أجزاء “.

42 / النفحات النبوية

الشيخ حسن العدوي الحمزاوي هو أحد علماء المالكية بالجامع الأزهر ولد بالعدوة محافظة المنيا سنة 1221هـ وأمضى فيها طفولته وبعد أن شب عن الطوق وحفظ القرآن الكريم رحل الى القاهرة للالتحاق بالازهر الشريف فتلقى علوم الفقة والتفسير والحديث عن العلامة الشيخ محمد الأمير الصغير وبعض الأدب والمنطق عن البرهان القويسني شيخ الأزهر والسعد والمطول وجمع الجوامع عن الشيخ مصطفى البولاقي.

وقد جلس الشيخ حسن للتدريس بالأزهر فى سن مبكرة اذ لم يبلغ الحادية والعشرين من عمره حتى طلب منه أن يقول بالتدريس للطلبة وفى ذلك يقول علي باشا مبارك فى خططه : ” وجلس الشيخ للتدريس فى سنة 1242هـ فقرأ جميع الفنون المتداولة بالأزهر وانتفع به الطلبة واشتهر بحفظ السنة وسير الصالحين وأخذ عنه كثير من مدرسي الأزهر ” ، وقد عدد علي مبارك كثيرا من مؤلفاته منها : (تقرير على صحيح البخاري سماه النور الساري .. حاشية على شرح الزرقاني فى فقه الامام مالك .. شرح إرشاد المريد فى علم التوحيد .. النفحات النبوية .. مشارق الأنوار .. تبصرة القضاء فى المذاهب الأربعة .. شرح بردة المديح للإمام البوصيري).

ويحدثنا علي مبارك عن صفات الشيخ حسن العدوي فيقول : ” وله حب شديد للطلبة فتراه دائما يسعى فى مصالحهم والشفاعة لهم وتنفيس الكربات عنهم كما أنه موضع إجلال وتقدير من كبار الأمراء ولذا فإن شفاعته دائما مقبولة ومجابة “.. وقد جاء في كتاب موسوعة التراث المصري أن الشيخ ينتسب إلى فرع من فروع قبيلة بني عدي استقر منذ زمن بعيد بجوار مغاغة (وهي مجاورة لمنازل بني عدي القديمة في البهنسا).

وقد حدث أن زار السلطان عبد العزيز مصر سنة 1863م وبالغ الخديوي إسماعيل فى الحفاوة به فقد أخذ بعنان الخيل التى تجر عربة السلطان فقد كان يبغى بطبيعة الحال من وراء ذلك زيادة فى الامتيازات الخاصة به وحين تم عمل التشريفة الخاصة بالسلطان والتى يحضرها كبار رجال الدولة وعلماء الأزهر حضر فيها الشيخ العروسي والشيخ السقا والشيخ عليش والشيخ حسن العدوي وهم كبار أئمة الأزهر الشريف.

وقد دخل الشيخ حسن العدوي على السلطان دون رفع اليدين أو انحناء الرأس بل ذهب مرفوع الرأس وصعد على الدرج أمام السلطان وقال له السلام عليكم يا أمير المؤمنين ورحمة الله ، وكاد أن يغمى على الخديوى إسماعيل مما فعله الشيخ حسن وعدم الانحناء للسلطان وتوقع ما يحدث وما سيصدر من السلطان وأبدى الأسف الشديد للسلطان وعلل ذلك بأنه شيخ مجذوب وطلب الصفح والسماح له.

ولكن السلطان عبد العزيز وقف ورد عليه السلام بقوله وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ولم يغضب السلطان بل أبدى فرحته لما وجهه له الشيخ حسن العدوي من التحذيرات من الأمانة فإنه لم ينشرح صدره لأحد كما انشرح صدره من كلام الشيخ حسن العدوي فاندهش الخديوي لذلك وأصبح بعد ذلك يتقبل من الشيخ الكلام لدرجة أنه كان يذكره علانية بالحديث النبوي : ” لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خيركم فلا يستجاب له “.

ويروي القصة كاملة الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه (مصر من نافذة التاريخ) فيقول : ” وضع الخديوي إسماعيل بعض مشايخ الأزهر ضمن علية المصريين الذين يشرفون بالمثول أمام السلطان عبد العزيز خلال زيارته التاريخية إلى مصر ووقع الاختيار على أربعة من كبار علماء الأزهر ليستقبلهم السلطان في قصر القلعة ويتجادل معهم في شئون الإسلام والمسلمين وهو خليفة المسلمين ..

المشكلة هي كيفية تعليم المشايخ الأربعة قواعد المثول أمام السلطان وكان البروتوكول التركي آنذاك متشددًا للغاية بحيث يلزم الجميع بالانحناء وتطويح الأيدي حتى تلامس الأرض ثم رفعها إلى مستوى الرأس ثم التراجع نحو الباب وهم على هذه الحال المهينة وطلب الخديوي من قاضي القضاة التركي أن يتكفل بتعليم المشايخ الأربعة تلك القواعد ..

وكان إسماعيل حفيًا بالزيارة لأنها كانت جزءًا من برنامجه للحصول على لقب خديوي مع عدة امتيازات في نظام الحكم بمصر وكان من برنامج الزيارة أن يستقبل الخليفة العلماء في السراي ولما كانت للمقابلة السنية تقاليد منها أن ينحني الداخل إلي الأرض وغير ذلك من التقاليد السخيفة المنافية لروح الإسلام فقد كان حتمًا على رجال السراي أن يدربوا العلماء على طريقة المقابلة عدة أيام حتى لا يخطئوا في حضرة السلطان ..

وعندما حان الموعد دخل السادة العلماء فنسوا دينهم واشتروا دنياهم وانحنوا أمام مخلوق مثلهم تلك الإنحناءات وخرجوا موجهين وجوههم إلى الخليفة كما أمرهم رجال التشريفات إلا عالمًا واحدًا هو الشيخ حسن العدوي ذكر دينه ونسي دنياه واستحضر في قلبه أن لا عزة إلا لله ودخل مرفوع الرأس كما ينبغي أن يدخل الرجال وواجه الخليفة بتحية الإسلام : (السلام عليكم يا أمير المؤمنين) وابتدره بالنصيحة التي ينبغي أن يتلقى بها العالم الحاكم ودعاه إلى تقوى الله والخوف من عذابه والعدل والرحمة بين رعاياه ..

فلما انتهي سلم وخرج مرفوع الرأس وأسقط في يد الخديوي ورجال السرايا وظنوا أن الأمر كله قد انقلب عليهم وأن السلطان لابد غاضب فضائعة تلك الجهود التي بذلوا والآمال التي نسجوا ولكن كلمة الحق المؤمنة لا تذهب سدىً فلابد أن تصدع القلوب قوية حارة كما نبعت من مكمنها قوية حارة وهكذا كان فقال السلطان : ” ليس عندكم إلا هذا العالم ” وخلع عليه دون سواه وقال الشيخ للعلماء بعد أن خرج : ” أما أنا فقد قابلت السلطان أما أنتم فكأنكم قابلتم صنما أو وثنا “.

وكان الشيخ حسن العدوي من أبطال ثورة عرابي فقد ناضل فيها نضالا كبيرا فى حثه للمسلمين على الجهاد وعزل الخديوي توفيق ولذلك قدم للمحاكمة العسكرية بتهمة مجرم حرب بعد فشل الثورة العرابية وسيق للمحاكمة فتقدم الشيخ العدوي إلى المحاكمة بجنان ثابت ووقار مهيب فسأله الرئيس هل أفتيت بعزل الجناب الخديوي فأجاب من فوره لم تصدر مني فتوى بذلك ومع هذا فإذا تقدمتم إلي بمنشور يتضمن هذه الفتوى فسأوقعه وما في وسعكم وأنتم مسلمون أن تنكروا أن الخديوي يستحق العزل لمروقه عن الوطن والدين ..

ويذكر عرابى باشا فى مذكراته (الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة مكتبة الأسرة القاهرة) ما حدث في اجتماع المؤتمر العام بديوان الداخلية يوم 23 يوليو 1882 بعد هزيمة عرابي فى كفر الدوار بحضور الأعيان والشيوخ والضباط والسياسيين وصدرت عنه فتوى شرعية من الشيخ العارف بالله شيخ الاسلام والمسلمين الشيخ السيد محمد عليش والشيخ حسن العدوي والشيخ الخلفاوي وغيرهم من العلماء ونصت الفتوى على مروق الخديوي توفيق باشا من الدين مروق السهم من الرمية لخيانته وطنه وانحيازه لعدو بلاده .. وتم القبض على الشيخ العدوي وأحيل الى المحاكمة فور هزيمة عرابي باشا وكان يتم استدعاؤه من السجن للتحقيق معه وإعادته اليه ..

وسأله المحقق : موجود تلغراف صادر منك بتاريخ 19 اغسطس 1882 مثل هذا اليوم إلى أحمد عرابي تعلمه بعزمك على التوجه إليه مع بعض إخوانك وصحبتكم البخاري الشريف لقراءته عند الطابية الجديدة وطلبت من الله أن يؤيد أحمد عرابي .. وناوله المحقق صورة التلغراف واستكمل المحقق كيف مع علمك بعصيان عرابي على الحضرة الخديوية وخروجه عن الطاعة تتوجه لطرفه فى مركز المحاربة مستصحبا زملائك وإخوانك والبخاري الشريف وتدعو له بالنصر ؟؟ .. فأكد الشيخ العدوي على أن التلغراف صادر منه فعلا وأن قراءة البخاري لنصرة الدين وليس لنفس عرابي بل للإسلام !!

وتقول الدكتورة سعاد ماهر ما يلى : يحدثنا محامي العرابيين السيد برودلي عما حدث بالنسبة لموكله الشيخ حسن العدوي فيقول : واجه إسماعيل أيوب الشيخ حسن بالتهمة التى اقترفها في شجاعة وإقدام مؤكدا على خيانة الخديوي توفيق حيث  يصفه برودلى في كتابه (كيف دافعنا عن عرابي وصحبه) قائلا :  ” كان واهنا كبير السن ضعيفا يئن تحت حمل سنواته الثمانين يكاد يبلغ طوله خمسة أقدام حتى فى أحسن أيامه ووجهه مجهد وغائر حتى كادت عيناه لا تبينان ..

كان بوجه عام ملتفا بإزار ليس نظيفا تماما بطن بخطوط من الفرو وكان يرتدى شالا ناصعا من الكشمير وعمامة جميلة ويحمل معه مسبحة ومصحفا وفى زنزانته التى يقاسمه فيها عبد الغفار بك كان يجلس على سجادة فارسية جميلة ويبدو دائما أنه نصف مدفون فى المصاحف والمخطوطات المزخرفة .. تحت هيكله الواهن ما لبثت أن اكتشفت وطنيا وباحثا غيورا على العدالة وأخلاقيا إلى أبعد الحدود ..

كان مؤيدا قويا ومخلصا لعرابى وبالتالى تبين أنه لم يتلق من حسن موسى إلا القليل من المال الذى وهبه صدقات لحساب مسجده .. إذا كان عندى ذكريات عن إقامتى فى مصر فإننى لا أجد أعظم قدرا من أربع سور قرآنية مزخرفة زخرفة جميلة بعث بها إلي عقب إطلاق سراحه فى الحقيقة هدية لها قدرها إذ ندر أن يهدى المسلمون بأمثالها للمسيحيين “.

ويواصل برودلي سرد ذكرياته مع الشيخ العدوي قائلا : ” عقدت المحكمة جلستها يوم 9 ديسمبر مثل هذا اليوم عام 1882 وشهدت قمة إثارتها باستدعاء العدوي .. سأله إسماعيل أيوب مرة أخرى هل تلقى أموالا من عثمان باشا فوزي ؟ فأجاب : أبدا .. فجأة مر خاطر على ذهن أيوب جعله يغير استجوابه بأسلوب مسرحى مباغت وبصوت كالرعد سأله إذا كان وقع وختم على قرار يعلن أن الخديوي يستحق الخلع ؟ “..

يصف برودلى حالة الشيخ وهو يجيب : ” بدا فجأة وقد استعاد حماس شبابه القديم فمال إلى الأمام باسطا يده وناظرا فى ثبات إلى إسماعيل أيوب وقال : آه ياباشا لايمكننى بدون أن أرى الوثيقة التى يتحدثون عنها أن أقول ما إذا كنت قد وقعتها أو ختمتها ولكن هذا ما أقوله فعلا : لو أحضرت لى قرارا كُتب بالمعنى الذى تذكرونه فسأكون على استعداد لأن أوقعه وأختمه فى حضوركم الآن .. لو كنتم مسلمين فهل تنكرون أن توفيق باشا خان بلده ولجأ إلى الإنجليز ؟ .. هل يعد جديرا بأن يحكمنا ؟ ..

يؤكد برودلى لو أن قنبلة سقطت فجأة وسط الغرفة لما أحدثت ذعرا أعظم من ذلك ” ، ويكمل السيد برودلى ويقول ولم يكن لدى الشيخ حسن أن يدفع أتعابي وذلك لفقره ولكنه أرسل إلي لوحتين بخط جميل عبارة عن آيات قرآنية وكانوا بالنسبة لى أعز وأثمن هدية تلقيتها فى حياتى “.

وقد حكم عليه بالإقامة الجبرية هو وولده الشيخ أحمد مع نزع كافة امتيازاتهم حتى وافته المنية رحمه الله تعالى فى شهر رمضان سنة 1302 هـ ودفن بمسجده بجوار المشهد الحسيني تاركا خلفه ذكرى عالم من العلماء الأفذاذ الذين لا يخشون في الله لومة لائم حيث أعظم الجهاد قولة حق عند سلطان جائر ..

ومن أحفاده المشهورين كل من العالم الأزهري الشيخ مصطفى العدوي وقد ورث عنه نفس الأنفة وعزة النفس والصحفي عبد المنعم العدوي الذي عمل مراسلا صحفيا في باكستان وأصدر هناك مجلة (العرب) وأقام هناك وحسن باشا العدوي الذي برع في الهندسة المعمارية وصمم قصر رأس التين ..

وقد جاءت ترجمته في طبقات المالكية بعبارات الثناء والتقريظ وجاء فيها : ” الشيخ حسن العدوي الحمزاوي الكوثر .. الراوي العلامة خادم السنة ضياء الدجنة العلم الأوحد الفريد والبحر البسيط الوافر المديد الجهبذ الكامل العالم العامل اشتهر بحفظ السنة وسير الصالحين مع كرم زائد وأخلاق زكية أخذ عن أعلام منهم الشيخ الأمير الصغير والشيخ أحمد المعروف بمنة الله وشيخ الأزهر البرهان القويسني والشيخ مصطفى البولاقي جلس للتدريس سنة 1242 هـ وانتفع به الطلبة.

له تأليف رزق فيها القبول منها مشارق الأنوار في فوز أهل الاعتبار وإرشاد المزيد في التوحيد والنفحات النبوية والنفحات الشاذلية وشرح البردة والنور الساري على البخاري والمدد الفياض على شفاء عياض وحاشية على شرح الشيخ عبد الباقي على العزية وبلوغ المسرات على دلائل الخيرات وتبصرة القضاة في المذاهب الأربعة وكنز المطالب في فضل البيت والحجر وما في زيارة القبر الشريف من المآب وله حب شديد في الطلبة فتراه دائماً يسعى في مصالحهم وتنفيس الكربات عنهم والأمراء يكرمونه ويقبلون شفاعته مولده سنة 1221هـ وتوفي ليلة رمضان سنة 1303 هـ / 1885 م”.

43 / صفوة الاعتبار

(صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار) هو عنوان كتاب يجمع بين الكتابة السياسية وأدب الرحلات من تأليف الأديب والرحالة الشيخ محمد بيرم التونسي الذي ولد في تونس عام 1256 هـ / 1840 م وتوفي في حلوان بمصر عام 1307 هـ / 1889 م ، ويعرف بلقب (محمد بيرم الخامس) تمييزا له عمن سبقه من أفراد أسرته (أعمامه وأجداده) حيث اشتهرت عائلته بالعلم ونبغ فيها عدد من الشيوخ والفقهاء والمؤلفين.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد (بيرم الخامس) ابن مصطفى ابن محمد (الثالث) من بني بيرم ، عالم رحالة مؤرخ من علماء تونس ولد بها وولي بعض المناصب وسافر إلى أوربة ، ولما استولى الفرنسيس على تونس سنة 1298 هـ هجر بلاده وأخذ يجاهد فيهم بقلمه فمكث في الآستانة مدة وانتقل إلى مصر سنة 1302 هـ فأنشأ جريدة (الأعلام) يومية ثم أسبوعية استمرت نحو أربعة أعوام.

واحتجبت بتوليه منصب القضاء في محكمة مصر الابتدائية الأهلية سنة 1306 وتوفي بحلوان ودفن بالقاهرة ، أشهر آثاره كتاب رحلته صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار خمسة أجزاء ومن كتبه تحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص والتحقيق في مسألة الرقيق والروضة السنية في الفتاوى البيرمية “.

وقد استهل كتابه بمقدمة يقول فيها : ” أما بعد ، فإن الله جلت عظمته اقتضت حكمته الباهرة أن ربط في هاته الدار الأسباب بالمسببات خفية كانت أو ظاهرة وأخفى مراده في التكوين فكان مدار تكاليف الشرع هو اعتبار الأسباب رحمة بالمؤمنين وتفويض ما وراء ذلك إلى خالق المسبب يجري على مقتضى تقديره في الأزل وما يدرك أسرار حكمته إلا قليل من الكاملين.

وكان مما عرض للعبد الحقير أن بليت بمرض أعيى علاجه أطباء قطرنا الشهير وأشير علي بالسفر لأجل ذلك الغرض فاستخرت الله تعالى واستشرت الأصدقاء لتحصيل ذلك الحق المفترض ، فجبت بحارا وقفارا ومدنا وأمصارا على حسب ما يسره المقدور وساعفت الوسائل على الوصول إلى مشاهدته من المعمور.

ورأيت بعيني البصر والبصيرة أمورا عجيبة خطيرة أحببت نظمها في عجالة حفظا لها من الإهمال وتطفلا على منح العلماء أولي الكمال كل سر جاوز الاثنين شاع كل علم ليس في القرطاس ضاع ، وهي وإن كانت بالنسبة إلى معارف الكاملين والفحول ليست مما يلتفت إليه أو يلاحظ القبول.

لكنها على كل حال بضاعة من علم تلاحظها بالإغضاء أعين أهل الحلم ، فلعل الله بفضله يفيد بها أهل وطننا وإخواننا المسلمين ويهدينا إلى إحياء معالم ديننا المتين ، وسميتها صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار معتمدا على فضل المانح الجليل وهو حسبي ونعم الوكيل ، فنقول إن هاته الرحلة مرتبة على مقدمة ومقصد وخاتمة.

فالمقدمة فيها ثلاثة أبواب ، الباب الأول في السفر من حيث هو ويشتمل على ثلاثة فصول ، الباب الثاني في السفر لغير أرض الإسلام وفيه فصلان ، الباب الثالث في تقسيم أحوال أهل الأرض وفيه خمسة أقسام وستة وثمانون فصلا ، والمقصد فيه ثلاثة عشر بابا ، الأول في سبب سفري ، الثاني في مملكة تونس ، الثالث في مملة إيطاليا ، الرابع في مملكة فرنسا ، الخامس في قطر الجزائر.

السادس في مملة انكلترة ، السابع في جزيرة مالطة ، الثامن في قطر مصر ، التاسع في الحجاز وجزيرة العرب ، العاشر في بقية الممالك العثمانية ، الحادي عشر في مملكة اسفيسرة ، الثاني عشر في مملكة النمسا ، الثالث عشر في مملكة الرومانيا ، وكل باب يشتمل على فصول حسبما فيه من الفروع ، الخاتمة فيما ينبغي للأمة الإسلامية اتخاذه من زيادة بث المعارف وما تثمره من الخيرات “.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” محمد بيرم ، هو من علماء تونس ووجهائها ومن أكثر المسلمين تفانيًا في نصرة الإسلام وُلد في تونس ١٢٥٦ ﻫ /١٨٤٠ م ويتصل نسبه ببيرم أحد قواد الجند العثماني الذي جاء تونس بقيادة سنان باشا سنة ٩٨١ﻫ ، تفقَّه في جامع الزيتونة ونشأ حرَّ الضمير يكره الاستبداد فسرَّه إنشاء مجلس الشورى في الحكومة التونسية على عهد الصادق باشا وكان من أكبر نصرائه وتولى رئاسة المجلس الوزير خير الدين باشا.

وتعيَّن بيرم سنة ١٢٨٧ﻫ مدرسًا في الجامع المذكور وبعد سنتين توفي والده عن ثروة طائلة ، وظهرت في أثناء ذلك فتنة عمومية في الأيالة التونسية على أثر انحلال مجلس الشورى فشقَّ ذلك عليه وتمكَّنت علائقه مع خير الدين باشا من ذلك الحين لاتفاقهما في النقمة على الحكومة.

وفي سنة ١٢٩٠ﻫ عاد خير الدين باشا إلى الوزارة الكبرى في تونس فجاهر بيرم بنصرته وصرح بآرائه السياسية على صفحات الجرائد وهو أول من تجاسر على ذلك هناك وأعجب الوزير بنشاطه وتعقله فعهد إليه إدارة الأوقاف سنة ١٢٩١ ﻫ فأحسن إدارتها ونظمها ، وأصيب في السنة التالية بانحراف حمله على السفر إلى أوروبا للاستشفاء ولقي في باريس المارشال مكماهون فأكرمه وحضر المعرض العام وشاهد كثيرًا من ثمار قرائح أهل هذا التمدن فلما عاد إلى تونس أخذ في تنظيم مستشفاها على نحو ما رآه في مستشفيات أوروبا.

ووقع في أثناء ذلك بين قنصل فرنسا الكونت دوسانسي والحكومة التونسية نزاع على قطعة أرض كانت الحكومة منحته إياها لتربية الخيل على شروط أخلَّ بها فأرادت استرجاعها فأبى ، وبينما هي تنازعه وتجادله عليها ذهب الوزير وهو ـ يومئذٍ ـ مصطفى بن إسماعيل إلى تلك الأرض ودخلها عَنْوة في زُمْرة من أعوانه فاغتنم القنصل هذا التعدي لتمكين سيادة دولته في تونس فرفع أمره إليها وطلب عزل الوزير.

فخاف هذا وأسرع إلى الترضية فعينوا لجنة تحكيم كان بيرم أحد أعضائها فأخذ جانب الدفاع عن الحكومة بكل قواه ، وكان نحيف البنية مصابًا بمرض في الأعصاب الموصلة بين المعدة والقلب مع ضعف شديد في الدم يستخدم المورفين لتسكين آلامه فأثَّر ذلك في صحته، واضطر أن يشخص إلى باريس للاستشفاء ، وأما اللجنة فصدر حكمها لمصلحة القنصل.

ونهض التونسيون على أثر ذلك يطلبون الجنوح من الحكم الاستبدادي إلى الشُّوريِّ وسعوا في ذلك سعيًا حثيثًا لم يأتِ بنتيجة لأن أمير البلاد ـ يومئذٍ ـ لم يعضد مطالبهم ويقال إن ذلك كان بتحريض فرنسا لأنها تعتقد أن الحكومة الدستورية تخالف مصلحتها هناك ، وأما بيرم فقد كان في مقدمة الراغبين في الشورى وعاتبه الأمير على تعضيده الأهالي في مطالبهم فأجابه بحرية لم يعهد مثلها وبيَّن له خطأه.

وتوجَّه تلك السنة إلى باريس كالعادة واغتنم وجوده هناك فرفع إلى غمبتا تقريرًا مُسْهَبًا يشكو فيه سوء تصرف القنصل ووقوفه في سبيل كل مشروع نافع للبلاد وبلغ خبر ذلك إلى القنصل فزاد غضبًا ونقمة ، واتفق في أثناء طلب التونسيين الشورى أن الدول كانت مشغولة بخلع إسماعيل باشا خديوي مصر وكان الصدر الأعظم في الآستانة ـ يومئذٍ ـ خير الدين باشا ونظرًا لما يعلمونه من علائق بيرم بخير الدين استنتج الفرنساويون أن مطالب التونسيين لم يكن الغرض منها إلا فتح السبيل لمداخلة الباب العالي واتهموا صاحب الترجمة أنه الواسطة بذلك ، ولما بلغه الخبر استعفى من منصبه في تونس وعزم على البقاء بعيدًا عنها ولكنه عاد إليها بعد إلحاح أصدقائه.

وكان قد فهم وهو في باريس رغبة فرنسا في ضم تونس إلى أملاكها ضمًّا كليًّا وأنها أغْرَت الوزير مصطفى فمالأها طمعًا بالترقي فذهبت آمال صاحب الترجمة بإنقاذ بلاده فعزم على الخروج منها فلم تأذن الحكومة بسفره ، فاحتال بطلب الرخصة للحج فأذن له فخرج سنة ١٢٩٦ ﻫ وجاء مصر وسافر منها إلى الحرمين ثم يمم سورية فالقسطنطينية فأحسنت الدولة وِفادته ، ولكن الوزير التونسي كتب إلى الباب العالي بإرجاع الشيخ بيرم لأنه لم يقدِّم حسابًا عن إدارة الأوقاف التي كانت في عهدته فنصره خير الدين ولم يسلمه ، ولما تم لفرنسا ضم تونس إلى أملاكها سنة ١٢٩٨ﻫ عزلت الوزير مصطفى وعاملته معاملة الخائن.

واشتغل الشيخ محمد بيرم في أثناء إقامته في الآستانة بالكتابة والتحرير وراعى صحته فتحسنت كثيرًا وقلَّ استعماله للمورفين ، وكانت وجهته النظر فيما آل إليه حال البلاد الإسلامية من طمع الأجانب ووصف الأدوية لملافاة ذلك ولم يجدِ الكلام نفعًا.

ولمَّا تحقق رسوخ قدم فرنسا بتونس يئس من العودة إليها فأراد أن يكون قريبًا من أهله فانتقل إلى مصر بعد الحوادث العُرابية سنة ١٨٨٤ م وقد باع أملاكه في تونس ونقل عائلته منها ، وأنشأ في مصر جريدة سياسية اسمها (الإعلام) تصدر ثلاث مرات في الأسبوع ثم صارت أسبوعية ، وكانت خطتها محاسنة الإنجليز والاستفادة منهم فانتقد بعضهم عليه هذه الخطة لأنها تخالف ما كان عليه في تونس وأنه إنما هجرها فرارًا من الحكم الأجنبي فكيف يكلف المصريين عكس ذلك ؟

ولكن الذين يرون رأيه كانوا يعتذرون بأنه إنما حث على محاسنة الإنكليز والاستفادة منهم لأن معاكستهم وأمر البلاد في أيديهم لا يجدي نفعًا وأن مجافاة الفرنساويين أوجدت أسبابًا ساعدتهم على ضم تونس إلى بلادهم ، وقد ألجأه إلى انتهاج هذا المسلك أيضًا ما قاساه من ظلم الحكم الاستبدادي في تونس وما آنسه من العوامل المحركة في مصر بإغراء بعض الأجانب الذين يغرون صدور الناس على حكامهم مما يعود بالضرر.

واضطر بعد إقامته سنتين بمصر أن يعود إلى أوروبا فتمم سياحاته فيها وعاد إلى مصر فعيَّنته الحكومة سنة ١٨٨٩ م قاضيًا في محكمة مصر الابتدائية ، وكثيرًا ما كلفته الوزارة كتابة ملاحظاته على القضاء الشرعي لأنه كان واسع الاطلاع فيه وما زال عاملًا مجتهدًا رغم ما يعتوره من المرض حتى توفي سنة ١٣٠٧ ﻫ / ١٨٨٩ م.

وقد خلف آثارًا كتابية أكبرها كتاب صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار طُبع في مصر في خمسة أجزاء وهو عبارة عن رحلة عامة في أوروبا ومصر والشام والحجاز وغيرها ، وذكر فيها كثيرًا من الحقائق التاريخية والاجتماعية عن بلاد العرب وتونس والجزائر لا تجدها في كتاب آخر وأكثرها شاهده بنفسه أو كان داخلًا فيه ولا سيما تاريخ تونس والجزائر.

وله ما خلا ذلك رسالة تحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص ومختصر في فن العروض ، ورسالة في التحقيق في شأن الرقيق بحث فيها عن كيفية معاملة الرق عند المسيحية وأن منع الحكومات الإسلامية لتجارة الرقيق شرعي ، وكتاب تجريد الأسنان للرد على الخطيب رينان رد فيه على ما كتبه رينان في الإسلام والعلم ، ورسالة في جواز ابتياع أوراق الديون التي تصدرها الممالك الإسلامية حتى تبقى أموال المسلمين في بلادهم ولا يحجبهم عنها اشتباه الربا وهو لا ينطبق في هذه الحالة عليها ، وألَّف كتابًا مسهبًا في شأن التعليم بمصر ذهب فيه إلى وجوب انتشاره باللغة العربية لسهولة تناوله وتعميمه بين طبقات الناس.

وله كتابات أخرى لم نقف على أسمائها ويؤخذ من مجملها أن صاحب الترجمة كان من محبي الإصلاح وتقريب المسلمين إلى عوامل التمدن الحديث وإزالة ما قد يعترضهم من أشباه الموانع الدينية على نحو ما كان يفعله الشيخ محمد عبده رحمهما الله “.

44 / نظم اللآل

(نظم اللآل في الحكم والأمثال) هو عنوان كتاب يضم الأمثال والحكم الواردة في الشعر العربي جمعها الأديب والشاعر عبد الله باشا فكري الذي ولد في مكة المكرمة عام 1250 هـ / 1834 م وتوفي بالقاهرة عام 1306 هـ / 1889 م ، وله مؤلفات عديدة في الأدب وديوان شعر كبير وهو من كبار موظفي الدولة المصرية في العصر الخديوي حيث ترقى حتى وصل إلى منصب ناظر المعارف وكان من مؤيدي الثورة العرابية.  

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” عبد الله فكري باشا بن محمد بليغ بن عبد الله بن محمد وزير مصري من المتأدبين له نظم ، ولد بمكة (وكان والده قد ذهب إليها مع جيش والي مصر) ونشأ في القاهرة وتعلم في الأزهر ثم كان وكيلا لنظارة المعارف فكاتبا أول في مجلس النواب فناظرا للمعارف المصرية سنة 1299 هـ واستقال بعد أربعة أشهر.

واتهم بالاشتراك في الثورة العرابية فسجن ، وبرئ واختير سنة 1306 هـ رئيسا للوفد العلمي المصري في مؤتمر استوكلهم وتوفي في القاهرة ، له كتب منها : الفوائد الفكرية ، والمملكة الباطينة ، وشرح بديعية صفوت ، ورسائل ومقالات ، ولمحمد عبد الغني حسن كتاب (عبد الله فكري عصره حياته أدبه).

 قلت : اقتنيت إضبارة من أوراقه الخاصة تشتمل على مسودة  رحلته  إلى استوكهلم بخطه غير تامة و ديوان شعره بخطه أيضا صغير كتب عليه : (من نظم الفقير عبد الله فكري بن محمد بليغ بن عبد الله بن محمد بن عبد الله) وفيه مساجلات شعرية كانت بينه وبين بعض معاصريه كالأمير شكيب أرسلان والشيخ الليثي وأحمد فارس صاحب الجوائب.

ومسودة أنموذج كتاب لتعليم صغار الأطفال من تأليفه ، وجزأين من دفاتره بخطه كتب على أحدهما : (الجزء الثالث من الدفتر لجامعه عبد الله فكري) وفيها فوائد في الأدب والاجتماع والجغرافية وغيرها وكتابات من إنشائه تدل على أنه كان يجيد مع العربية التركية والفرنسية ، ومسودة نبذة في عقائد الإيمان وقواعد الإسلام على مذهب أبي حنيفة النعمان من تأليفه بخطه أيضا “.

وترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” عبد الله باشا فكري ، هو عبد الله باشا فكري بن محمد أفندي بليغ بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد وكان الشيخ عبد الله من العلماء المدرسين في جامع الأزهر وكان مالكيَّ المذهب أخذ العلم عن الشيخ عبد العليم الفيومي وغيره ، وما زال الشيخ عبد الله مقيمًا في مصر حتى قدمت الجنود الفرنساوية في أواخر القرن الثامن عشر وأساءوا معاملة العلماء فرحل إلى منية خصيب (المنيا) فأقام بها مدة ثم عاد إلى القاهرة وعكف على الاشتغال في العلم حتى توفي فنشأ ابنه محمد أفندي بليغ على مثال أبيه جادًّا في طلب العلم.

وكانت مصر قد ازدهت بالعائلة المحمدية العلوية وأنشئت مدارس العلوم الرياضية والمدرسة الحربية فدخلها وخاض عباب علومها حتى تمكن منها فانتظم في خدمة الجيش فترقى إلى رتبة صاغقول أغاسي ، وحضر عدة مواقع حربية أهمها حرب المورة فعقد في المورة على والدة المترجم وعاد بها إلى الحجاز فوضعت بمكة المشرفة غلامًا سماه باسم أبيه عبد الله وهو عبد الله باشا فكري صاحب الترجمة.

ومن غريب الاتفاق أن سنة ولادته وافقت مجموع جمل الآية : (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ) وذلك سنة ١٢٥٠ﻫ وقد وافق ذلك نبوغه بالعلم والفضل واشتهاره بسائر فنون الكتابة نثرًا ونظمًا وقد أعجب هو أيضًا بهذا الاتفاق ، فلما شبَّ وتعلَّم نقش هذه الآية على خاتم له كان يختم به كتبه ثم عاد محمد أفندي بليغ بولده إلى القاهرة وما زال في خدمة الحكومة حتى نال منصب باشمهندس الشرقية ثم مفتش هندسة الجيزة والبحيرة وتوفي سنة ١٢٦١ ﻫ.

أما صاحب الترجمة فكان عند وفاة والده لم يتجاوز الحادية عشرة فنشأ في حجر بعض أقارب أبيه وكان قد بدأ يتعلم القرآن فأتمه وجوَّده ثم اشتغل في طلب العلم بالجامع الأزهر وتلقى العلوم المتداولة فيه كاللغة والفقه والحديث والتفسير والعقائد والمنطق على الشيخ إبراهيم السقا والشيخ محمد عليش والشيخ حسن البلتاني وغيرهم ، وكان مع ذلك يشتغل في تعلم اللغة التركية حتى أتقنها وتعيَّن في القلم التركي في الديوان الكتخدائي (١٢٦٧ﻫ) وهو لا يزال مكبًّا على طلب العلم في الأزهر يغتنم ساعات الفراغ قبل ذهابه إلى الديوان وبعد رجوعه منه.

ثم انتقل من الديوان المذكور إلى ديوان المحافظة ثم إلى الداخلية بصفة مترجم ، ثم ألحق بالْمَعِيَّة السَّنِيَّة على عهد المغفور له سعيد باشا وبقي فيها إلى ولاية الخديوي الأسبق إسماعيل باشا سنة ١٢٧٩ ﻫ فأبقاه في مَعِيَّته فسافر معه إلى الآستانة عندما أَمَّها لإتمام الرسوم في تقليد الولاية وأداء الشكر للحضرة السلطانية ، وما زال في خدمته يرافقه في أكثر رحلاته فسافر إلى الآستانة مرارًا بمهمة الكتابة تارة مع الخديوي الأسبق وطورًا مع الحرم الخديوي وبمهمات أخرى فنال الرتبة الثانية مع لقب بك سنة ١٢٨٢ ﻫ.

وفي سنة ١٢٨٤ ﻫ قلَّده الخديوي الأسبق ملاحظة الدروس الشرقية وهي العربية والتركية والفارسية بمعية أنجاله وهم المغفور لهم محمد توفيق باشا الخديوي السابق والبرنس حسن باشا والبرنس حسين باشا عم الجناب الخديوي وغيرهم من أمراء العائلة الخديوية.

فقام يباشر أمرهم في التعليم والتعلم والتدرج في الفضل والتقدم فكان أحيانًا يباشر التعليم بنفسه وأحيانًا يقوم بمراقبة غيره من المعلمين وملاحظة إلقاء الدروس وتقويم طريقة التعليم ، فلم يزل على ذلك إلى أن ترقى الخديوي السابق إلى رتبة الوزارة والمشيرية وتوجه إلى دار الخلافة العظمى لأداء رسوم الشكر على ذلك لجلالة السلطان الأعظم فصحبه المترجم إلى دار السعادة وبقي معه إلى أن عاد.

وفي سنة ١٢٨٦ ﻫ نُقِلَ إلى ديوان المالية فأقام أيامًا بغير عمل ثم عُهِدَ إليه النظر في أمر الكتب التي كانت في ديوان المحافظة على ذمة الحكومة وإبداء رأيه فيها فلبث مدة يتردد إلى ذلك الديوان وينظر في الكتب.

ثم رفع تقريرًا مفصلًا ضَمَّنه بيانها وما رآه في حالها وذكر فيه أن بقاءها على حالتها لا يحسن ولا يحفظها ولا يمكِّن من الانتفاع بها وقال بلزوم جعلها على هيئة ينتفع بها الناس إما بإنشاء محل خاص تنقل إليه ويجعل فيه ما فيه الكفاءة لها من الخزائن وتوضع به على الوضع الموافق وإما بإحالتها على المدارس لتودع في المكتبة الجاري إنشاؤها بمساعي المرحوم علي باشا مبارك ناظرها إذ ذاك على سعة لا تضيق بهذه الكتب وأمثالها وأوضح أن الوجه الثاني أولى ،  وقد حصل ذلك على ما قرره فاستُنْقِذَتْ تلك الكتب النفيسة من زوايا الخمول والإهمال ورُتِّبَتْ ترتيبًا حسنًا في المكتبة المذكورة وهي الكتبخانة الخديوية الشهيرة.

وكان المجلس الخصوصي إذ ذاك (وقد خلفه الآن مجلس النظار) مشتغلًا في جمع اللوائح والقوانين وتنقيحها وتعديلها فعهد إلى صاحب الترجمة بالمساعدة في ذلك فاستلم القوانين واللوائح التركية وأخذ في العمل إلى سنة ١٢٨٧ ﻫ.

وفي سنة ١٢٨٨ ﻫ تعيَّن وكيلًا لديوان المكاتب الأهلية والرئيس إذ ذاك المرحوم على باشا مبارك ، وفي سنة ١٢٩٤ ﻫ نال صاحب الترجمة رتبة المتمايز وبعد سنتين تعيَّن وكيلًا لنظارة المعارف العمومية ونال رتبة ميرميران الرفيعة ثم عهد إليه منصب الكتابة الأولى بمجلس النواب مع المنصب السابق ، وفي سنة ١٢٩٩ﻫ تعين ناظرًا للمعارف العمومية وفي رجب من تلك السنة أقيل من منصبه مع سائر زملائه النظار لأحوال اقتضتها الثورة العسكرية إذ ذاك وأمرها مشهور.

ثم كانت الثورة العرابية ـ المشار إليها ـ فلما انقضت وأخذت الحكومة في محاكمة زعمائها والقائمين بها كان صاحب الترجمة من جملة المقبوض عليهم وبعد استجوابه لدى لجنة التحقيق ظهرت براءته فأُطْلِقَ سراحه ولكنهم قطعوا عنه معاشه فشق ذلك عليه ، فالتمس المثول بين يدي المغفور له الخديوي السابق ليدرأ عنه ما بقي من آثار الشبهة عليه فلم يؤذن له فعاد يلتمس ذلك من وجهة أخرى فنظم قصيدة شائقة يمدح بها الحضرة الخديوية وقد أبان فيها براءة ساحته نحا بها منحى النابغة في اعتذاره.

وهاك مقتطفات قال منها : كتابي توجَّهْ وجهة الساحة الكبرى وكبِّر إذا وافيت واجتنب الكبرا .. وَقِفْ خاضعًا واستوهب الإذن والتمس قبولًا وقبِّل سدة الباب لي عشرا .. وبَلِّغْ لدى الباب الخديوي حاجة لذي أمل يرجو له البشر والبشرا .. لدى باب سمح الراحتين مؤمل صفوح عن الزلات يلتمس العذرا .. تنوء الجبال الراسيات لحلمه إذا طاش ذو جهل لدى غيظه قهرا .. يراقب رحمن السموات قلبه فيرحم من في الأرض رفقًا بهم طُرا .. مليكي ومولاي العزيز وسيدي ومن أرتجي آلاء معروفه العمرا .. لئن كان أقوام عليَّ تقوَّلوا بأمر فقد جاءوا بما زوروا نكرا.

حلفت بما بين الحطيم وزمزم وبالباب والميزاب والكعبة الغرا .. لما كان لي في الشر باع ولا يد ولا كنت من يبغي مدى عمره الشرا .. ولكن محتوم المقادير قد جرى بما الله في أم الكتاب له أجرى .. أتذكر يا مولاي حين تقول لي وإني لأرجو أن ستنفعني الذكرى .. أراك تروم النفع للناس فطرة لديك ولا ترجو لذي نسمة ضرا .. فعفوًا أبا العباس لا زلت قادرًا على الأمر إن العفو من قادر أحرى .. وحسبي ما قد مرَّ من ضنك أشهرٍ تجرعت فيها الصبر أطعمه مرا .. يعادل منها الشهر في الطول حقبة ويعدل منها اليوم في طوله شهرا .. أيجمل في دين المروءة أنني أكابد في أيامك البؤس والعسرا ، وكلها درر تشهد بفضله.

ولما عُرِضَتْ على سموه أجلَّها وأحلَّها محلها وسمح له بالمثول بين يديه وأعاد له معاشه دلالة على رضائه عنه ، فنظم قصيدة يشكره بها نذكر منها الأبيات الآتية : ألا إن شكر الصنع حق لمنعم فشكرًا لآلاء الخديوي المعظم .. مليك له في الجود فخر ومفخر على كل منهلٍّ من السحب مرهم .. سأشكره النعماء ما عانقت يدي يراعي أو استولى على منطقي فمي.

وفي سنة ١٣٠٢ ﻫ توجه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج فلقي من علماء مكة والمدينة وأدبائهما ما يليق بمقامه من الإكرام والإعظام وكتب في ذلك كتابًا سماه الرحلة المكية ، وفي السنة التالية شخص لزيارة بيت المقدس والخليل ومعه نجله المرحوم أمين باشا فكري فلقي من العلماء والعظماء هناك ما يجدر بفضله ، ثم سارا إلى مدينة بيروت الزاهرة لتبديل الهواء وأقاما فيها شهرًا كان مقامهما فيها منتدى الفضلاء ومشرع الأدباء والعلماء ، ثم ارتحل إلى دمشق فلاقى فيها ما لاقاه في بيروت من الاحتفاء وحسن الوفادة ، ثم عرج إلى بعلبك فزار آثارها وسار منها بطريق لبنان إلى بيروت فأقام فيها شهرين وعاد إلى مصر.

وفي سنة ١٣٠٦ ﻫ انتدبته الحكومة المصرية لرئاسة الوفد العلمي المصري في المؤتمر الذي انعقد في مدينة استوكهلم عاصمة أسوج ونروج وصحبه في هذه الرحلة أيضًا نجله ـ المتقدم ذكره ـ عضوًا في هذا الوفد ، وقبل سفره من إسكندرية أحسن إليه الجناب الخديوي بالنيشان المجيدي من الدرجة الثانية.

وقد مرَّ في وفادته المذكورة على تريستا من أعمال النمسا وفينسيا (البندقية) وميلانو من أعمال إيطاليا ولوسرن من أعمال سويسره وباريس فأقام بها أكثر من عشرين يومًا تفرَّج فيها بمشاهد المدينة وضواحيها وكان وقت المعرض فشاهد ما فيه من عجائب الصنائع وغرائب الفنون ، ثم برحها إلى لندره ومنها إلى نوتردام وهي من أعمال هولاندا وليدن من أعمالها أيضًا وزار مكتبتها الشهيرة ورأى مطبعتها المعروفة بالمطبوعات الشرقية ، ثم توجه منها إلى كوبنهاجن عاصمة الدنيمارك ومنها إلى استوكهلم محل مأموريته فنال من العلماء المجتمعين لهذا المؤتمر باستوكهلم وخرستيانيا مزيد الرعاية وأهداه أُسكار الثاني ملك أسوج ونروج عند إتمام هذه المهمة نيشان (وازة) من الدرجة الأولى.

ومر في العودة من مأموريته على برلين عاصمة بلاد ألمانيا وفيانا عاصمة النمسا فلقي بها ما لقيه في العواصم الأخرى من الاحتفاء ، وقد أخذ بعد عودته إلى مصر يجمع المواد ويعد المعدات لتدوين رحلته التي وعد بها عن المهمة وعما رآه في العواصم التي مر بها ولكن منعه من استمرار السير في ذلك السكتة القلبية التي اعترته في شهر رجب سنة  ١٣٠٧ ﻫ فأبقى إتمامها إلى ما بعد تمام صحته ، ولكن عاوده بعد ظهر الخميس في ٧ ذي الحجة وهو عائد من أبعاديته بتلحوين وتزايد عليه حتى وافاه الأجل المحتوم في الساعة الثانية عربية من صباح يوم الأحد عاشر الشهر وهو يوم النحر وشيِّع محمولًا على هامات الوقار والتبجيل تودعه المحاجر والقلوب ، ونظرًا لما كان له من المقام الرفيع لدى المغفور له الخديوي السابق تعطَّف رحمه الله بتعزية أهله وأولاده برسالة برقية.

وكان رحمه الله شاعرًا مطبوعًا وكاتبًا فصيحًا وقد نبغ بين الكتبة والشعراء ومصر قليلة الوسائل التعليمية ، وكان يذهب في إنشائه مذهب القرون الوسطى من أبناء هذا اللسان مع ميل إلى التسجيع.

أما رحلته إلى المؤتمر فقد عُنِيَ نجله ـ المتقدم ذكره ـ بنشرها في كتاب سماه (إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا) في مجلد ضخم طبع بمصر سنة ١٨٩٢ م وهو جدير بالمطالعة حقيق بالاعتبار لِمَا حواه من أوصاف المدن الأوروبية وعادات أهلها وأخلاقهم وفيه شيء كثير من نظم المؤلف ونثره مما لم ينشر في سواه وأبحاث علمية ولغوية وأدبية.

ومن مؤلفاته أيضًا المقامة الفكرية في المملكة الباطنية طبعت في مصر غير مرة ، ورسالة مطوَّلة إلى المرحوم سلطان باشا يحثُّه فيها على نشر العلوم في أنحاء الصعيد ، ونبذة من محاسن آثار المغفور له محمد علي باشا الكبير ، وله غير ذلك من المقالات والخطب ، وله في رواية الحديث طرق عديدة وأسانيد سديدة فضلًا عن قصائده الرنانة وقد ذكرنا مثالًا منها “.

ووصفه ابن البيطار في كتابه حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر فقال : ” الأمير عبد الله باشا فكري بن الأمير محمد أفندي بليغ بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد المصري رحمهم الله تعالى أجمعين ، هذا الأمير حيا الرضوان منه تلك الشيم وعامله بالمن والإحسان والجود والكرم إن لم يكن فوق أبي تمام فهو نظيره في النثر والنظام.

وإن كل ناطق بلسان وعارف بحسن واستحسان مجمع على فضله الذي اقتضى لذكره التخليد فالعالم عرفه بعلمه والجاهل قال بالتقليد وهو منذ لاح هلاله في أوجه وحل نجم سعوده في برجه، يطير صيته في الأقطار ويسير ذكره في البلاد والأمصار ، وحينما شرف إلى الشام هو وولده أمين بك الهمام حصلت بيني وبينه مودة ومجالس اجتماعات لمذاكرة الأدب معدة ولقد رأيت من فضله ما لم أكن رأيته قبل ذلك وشاهدت من بديع كمالاته ما لم أكن شاهدته من قبله لسالك.

فلعمري هو المعروف بأصله وفصله والمشهود له بنبله وفضله له المقام الأحظى والمعارف التي ملأت سمعاً ولحظا ، وهو منذ حلت عنه تمائمه ونيطت عليه عمائمه مخطوب الحظوة عند الأنام مطلوب الاتصاف بكل فضل ومرام  ، تُروى محاسن لفظه وكأنها  درر .. وآراء كمثل دراري .. ومآثر قد خُلّدت فكأنها .. غرر وعزم مثل حد غرار.

درره لا تحصى وجواهره لا تستقصى وكم له من نثر فائق ونظم رائق والحق يقال أنه لغني بشهرته في الآفاق عن التعريف وكيف لا وقد سبق رحمه الله فرسان التصنيف والترصيف ، وبالجملة فإنه لا يماثله بكل فن مماثل ولا يعادله في الفضل معادل.

وحيث أنه قد أصيب هذا القطر بفقده وهو من أجلائه لوذعي فاضل من أكابر فضلائه وعالم من أجل علمائه وأمير من صفوة أمرائه وأديب حاز السبق في مضمار الفضل والأدب وحسيب نسيب زينت أردان فضله سجايا المجد والحسب ، رثاه بعض فضلاء العصر وأدباء مصر بقصائد طنانات يلوح عليها من قائليها الحسرات والزفرات فقد فقد هذا القطر بل الدنيا هذا الحبر الفخيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أصيب رحمه الله بداء السكتة بعد ظهر الخميس في اليوم السابع من ذي الحجة الحرام وفي الساعة الثانية من صباح يوم الأحد عاشر الشهر المذكور وهو يوم النحر وافاه الأجل المحتوم والقضاء المعلوم وذلك سنة ألف وثلاثمائة وسبع.

فنحرت عليه في يومه القلوب وشقت المرائر وازدادت الكروب وامتلأت مصر بالأحزان وأظلم العصر في كل مكان وشيع محمولاً على هامات الوقار والسكينة والتبجيل والاعتبار والمحاجر تودعه ودموعها تتحدر والقلوب تكاد من شدة تألمها إذ ذاك تتفطر، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عوضه الله الجنة وأسكنه دار النعيم “.

وتناول محمد كامل الفقي دراسة نثره وشعره ومؤلفاته في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة فقال عنه : ” كتابته : كانت الكتابة الديوانية في أوائل هذا العصر ضعيفة ركيكة يستعمل فيها الدخيل والعامي متخلفة عن النهضة ، وعبد الله فكري هو الذي شق لها طريق الحياة ووهب لها شيئا من القوة والسلامة وأصلح من فسادها وبدل عيها نطقا وإفصاحا ، وقد كانت من قبله تحرر بالتركية الخالصة وإذا حررت بالعربية فإنما هي عربية عامية نازلة إلى أحط الدرجات ركة وتخاذلا  ، فلما اتصل بمعية الأمير جعل يصدر عنها الرسائل بلغة فصيحة قوية رصينة اتخذت بعد نموذجا للمكاتبات الديوانية وتأثرها الكتاب من عمال الحكومة بقدر ما واتاهم الجهد وانفسح لهم في صدر البيان.

وقد ذهب في إنشائه مذهب البلغاء وهو مبكر الشباب في عصر كانت أقلامه مسفة وأدبه غثا ، وظل يسمو بأسلوبه ويعلو في إنشائه حتى شهد بفضله في البيان أعلام لهم مكانتهم في الأدب من أمثال أحمد أفندي فارس الذي يقول عنه في كتابه سر الليالي : (ومن برع في هذا العصر وحق له به الفخر في الإنشاءات الديوانية وهي عندي أوعر مسلكا من المقامات الحريرية الأديب الأريب العبقري الفاضل عبد الله بك فكري المصري فلو أدركه صاحب المثل السائر لقال كم ترك الأول للآخر).

ويقول الشيخ حسين المرصفي في كتاب الوسيلة الأدبية : (وأنفع ما أراه ينبغي لك أن تتخذه دليلًا يرشدك إلى كل وجه جميل من وجوه الفنون التي تحاول فيها أن تكتب الكتابة الصناعية المناسبة لوقتك الذي تأمل أن تعيش في رضا أهله عنك واعترافهم بظهور ما يعود منك عليهم نفعه منشآت الأمير الجليل صاحب الوقت الذي لو تقدم به الزمان لكان له بديعان ولم ينفرد بهذا اللقب علامة همذان عبد الله فكري بك).

شعره : يبدو شعره أقرب إلى السهولة وينزع في جملته إلى الوضوح ويتناول أغراضا شتى بين وصف وعتاب وغزل ورثاء وشكر وتهنئه واعتذار وتنصل ووصايا وحكم ولكنه مطبوع بالطابع الشعري لعصره على تخفف وتحلل منه في بعض الأحيان وكان يضع في مطالع قصائده وخواتيمها تواريخ بحروف الجمل ، ومن ذلك ما قاله في فتح إسباستبول وكل مصرع من مطلع القصيدة تاريخ للسنة : قد جاء نصر الله وانشرح القلب .. لأن يفتح القوم هان لنا الصعب.

أما قصائده في الحكمة فهي ألصق بوصايا المتأخرين ونصائحهم منها بالحكم المطبوعة وهي بكلام المعلمين أشبه منها بكلام الشعراء وبوصايا الآباء المحنكين أشبه منها بالخبرة المطبوعة التي تعتبر عنها قرائح أهل الفتوة ، ومن حكمه قصيدته الرائية التي يقول فيها : إذا نام غرفي دجى الليل فاسهر .. وقم للمعالي والعوالي وشمر .. وخل أحاديث الأماني، فإنها .. علالة نفس العاجز المتحير .. وسارع إلى ما رمت ما دمت قادرا .. عليه وإن لم تبصر النجح فاصبر .. ولا تأت أمرًا لا ترجى تمامه .. ولا موردا ما لم تجد حسن مصدر.

آثاره الأدبية : ومن آثاره الأدبية المقالة الفكرية في المملكة الباطنية وترجمها عن التركية وطبعت سنة ١٢٨٩ هـ ، ومنها الفوائد الفكرية ، وجزء من شرح ديوان حسان بن ثابت رضي الله عنه ، وتعليقات عن منظومة للمرحوم أحمد خيري باشا وهي منظومة تضم مواعظ وحكمًا ، وكتاب نظم اللال في الحكم والأمثال طبع سنة ١٣٠٨ هـ ، ومنها رسالة في الدينار ورسالة فيما اتفق لفظه واختلف معناه من بلاد مصر ، ومنها كتاب آثار الأفكار ومنثور الأزهار نشر جزء منه بمجلة روضة المدارس واتحاف المشتاق بأخبار العشاق لم يتم.

والفصول الفكرية للمكاتب المصرية ، وموارد القرآن وهي رسالة طبع بعضها متفرقا في روضة المدارس ، ورسالة كتبها في المقارنة بين الوارد في منصوص الشرع والمقرر في الهيئة الفلكية ، كما نظم سلسلة رجال الطرق الصوفية في منظومة طبعت وكانت من أول نظمه كما أن له رسالة مطولة إلى المرحوم سلطان باشا بحثه فيها على نشر العلوم في أرجاء الصعيد ، ونبذه في محاسن آثار محمد علي باشا ، وله في رواية الأحاديث وأسانيدها طرق عديدة ، وهذا عدا مراسلاته ومقالاته وشعره.

الآثار الفكرية : وقد جمع نجله أمين فكري في كتابه الآثار الفكرية ما أثر عنه من نظم ونثر وشرحه للقصيدة الأولى من ديوان حسان كما ضم تحصيل الحاصل لأبيه وترجمة أخرى كتبها له المرحوم الشيخ محمد عبده والمرائي التي قيلت فيه “.

45 / مختصر علم الحساب

(مختصر علم الحساب) هو عنوان كتاب في مبادئ الرياضيات من تأليف شفيق بك منصور يكن الذي ولد بالقاهرة عام 1272 هـ / 1855 م وتوفي فيها عام 1308 هـ / 1890 م ، وهو من رجال القانون لكنه شغف بالترجمة وعلوم الرياضيات فترجم وألف في هذا المجال عددا كبيرا من المؤلفات وصاغها في أسلوب بسيط يصلح لطلاب المدارس المصرية في العصر الخديوي.  

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” شفيق بك بن منصور باشا بن أحمد يكن ، عالم بالقانون والرياضيات مولده ووفاته في القاهرة تعلم بها ثم في سويسرة وباريس وتقلب في المناصب إلى أن كان مستشارا في محكمة الاستئناف الأهلية ، له كتب منها : علم الحساب ، وحساب التفاضل والتكامل ، والدروس الحسابية ، والدروس الجبرية ، ودروس الهندسة ، والقوزموغرافيا ، وترجم تاريخ الجبرتي إلى الفرنسية “.

وقد استهل كتابه بمقدمة يشرح فيها أهمية الرياضيات فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه دائما أبدا ، أما بعد فإن علم الحساب من أنفع العلوم العقلية والعملية بل هو الأساس لكل علم يحتاج إليه العام والخاص.

ولما بدت ثمرات العلوم والفنون في ديارنا المصرية بعناية ولي نعمتنا الذي انتهج سبيل الرشد بما انفرد به من إيجاد المدارس الخصوصية خديوينا الأفخم محمد توفيق الأول أدام الله وجوده وعلم كل فرد مزية المعارف وضرورة الاستحصال عليها ، لخصت هذا المختصر من أشهر التآليف العربية والأروباوية بطريقة سهلة المأخذ تمكن كل مطلع عليه من الانتفاع به بغير واسطة معلم.

وشرعت في طبعه تعميما للفائدة وسأطبع إن شاء الله كتبا أخرى مختصرة على هذا الأنموذج في علوم متنوعة أرجو أن تكون نافعة لكل من صرف زمنا  وجيزا في مطالعتها وممهدة له للوصول إلى الغايات من المطولات ، وأسأل الله الهداية لأقوم طريق إنه ولي الإجابة والتوفيق “.  

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” شفيق بك منصور ، هو من نوابغ الناشئة المصرية في القرن الماضي ولد في القاهرة سنة 1856 م ، وأبوه منصور باشا يكن فربي في مهد العز والفخار وعني والده في تعليمه فأقام مدة في مدرسة النيل ثم في مدرسة العباسية ثم أتقن العربية والفرنساوية والتركية على أساتذة مخصوصين.

وسافر سنة 1869 م إلى باريس مع صاحب الدولة البرنس حسين باشا كامل عم الجناب العالي فلم يقم فيها إلا قليلا لانتشاب الحرب بين الألمان والفرنساويين سنة 1870 م فعاد إلى مصر ثم رجع منها إلى سويسرا سنة 1871 م واستقر هناك ست سنوات يشتغل في العلوم الرياضية وكان شديد الميل إليها ، ودرس العلوم الطبيعية فنال منها حظا وافرا واشتهر بين أقرانه بحل المسائل الرياضية العويصة ثم بما كان ينشره من هذا القبيل في مجلة المقتطف ، ثم ذهب إلى باريس فأقام فيها أربع سنوات قرأ في أثنائها علم القوانين وحاز قصب السبق وامتاز على أكثر معاصريه بما اختص به من قوة العارضة وطلاقة اللسان ودقة النظر وسداد الرأي.

فعاد إلى مصر ومحبوها يتمنون لها مئات من أمثاله ويودون أن يكون قدوة لشبانها ، فلما تشكلت لجنة تحقيق جنايات حريق الإسكندرية سنة 1883 م على أثر الحوادث العرابية انتدبته الحكومة المصرية وكيلا للنائب العمومي فأظهر من الاقتدار في المسائل القانونية وطهارة الذمة وقوة الحجة ما بهر كبار المحامين ودهاة رجال الثورة في أثناء دفاعه وشروحه ومطالبته ، ولم تمض برهة حتى تشكلت المحاكم الأهلية فتعين قاضيا في محكمة الاستئناف ثم صار وكيلا للنائب العمومي ورئيسا لنيابة محكمة الاستئناف.

وفي سنة 1887 م استقال من هذا المنصب بعد أن قدم خدمات ثمينة في تنظيم المحاكم وتحسين إدارتها فتعين سنة 1888 م مستشارا في محكمة الاستئناف الأهلية ، وهو يعمل في منصبه ويطالع ويؤلف ويباحث ويحقق أصابته علة في عينيه حالت بينه وبين مطامعه فشخص في ربيع عام 1890 م إلى أوروبا لمعالجتهما على أن يعرج في أثناء عودته بالآستانة ويقترن بكريمة البرنس عبد الحليم باشا.

فأصابه وهو في أوروبا داء حار فيه شاركو وبوشار وغيرهما من نخبة أطباء تلك القارة حتى قطعوا الأمل من شفائه فأشاروا بعودته إلى مصر ، فعاد فخفت وطأة المرض بدون علاج حتى نال الشفاء لكنه ما لبث أن انتكس داؤه وعز شفاؤه حتى توفاه الله في 15 نوفمبر سنة 1890 م وهو في الرابعة والثلاثين من عمره فبكاه الناس لعلمه وذكائه ولما كانوا يرجونه من أعماله وخدمه للعلم والإدارة.

على أنه ترك آثارا لا يزال أهل القطر ينتفعون بها إلى اليوم فضلا عن انتفاعهم بما كان ينشره من نفثات أقلامه في المقتطف وغيره وما كان يبثه بين ظهراني قومه من روح النشاط والسعي في طلب العلم.

ومن مؤلفاته كتاب التفاضل والتكامل بسط فيه قواعد هذا الفن بسطا يقربه من أفهام الطلبة وله كتب في مبادئ الحساب والجبر والهندسة والقوسموغرافيا اقترحت الحكومة المصرية عليه تأليفها لتدريسها في مدارسها فكانت عمدة هذه الدروس في كل مدارس مصر.

ونقل كتاب رياض المختار وكتاب إصلاح التقويم من التركية إلى العربية وكلاهما لصاحب الدولة مختار باشا الغازي ، واشتغل في تطبيق الموسيقى العربية على العلامات الإفرنجية وألف في ذلك رسالة مسهبة لم تنشر ، وله رسالة في الفرنساوية طبق فيها الجبر على بعض المسائل الفقهية واشتغل في شرح القانون المدني وغير ذلك “.

46 / الأهرام

في وقت ما من الماضي القريب كانت قراءة جريدة الأهرام في بيت العائلة بمثابة طقس يومي أقرب للعادات والتقاليد لأنها بالفعل في ذلك الزمن لم تكن جريدة عادية وإنما موسوعة متنقلة في عالم لم يكن يعرف بعد برامج التوك شو في الفضائيات ولا وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة .. وكانت الصفحة الأولى عبارة عن مختصر للأحداث السياسية والمحلية تحمل وجهة النظر الرسمية للدولة ..

وكانت الصفحة الثانية شديدة الأهمية لأن فيها خريطة برامج التليفزيون بينما الصفحة الثالثة تحمل مقال إبراهيم نافع والذي يشرح فيه خطاب الرئيس أو يرسم معالم التوجهات السياسية في المرحلة القادمة .. وفي يوم السبت كانت الصفحة مخصصة للتحقيقات المتميزة التي يكتبها عزت السعدني بأسلوب أدبي مشوق يتناول فيها موضوعات مختلفة حيث يمزج فيها بين الخيال والحقيقة ..

وعندما نقفز إلى الصفحات الداخلية نلتقي مع مقالات الرأي حيث أدركت وقتا كان يكتب فيه كل من توفيق الحكيم ويوسف إدريس وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ .. وفي صفحة الأدب والفكر نقرأ لكل من فاروق جويدة ورجاء النقاش وأحمد عبد المعطي حجازي وعلي السمان .. وأحيانا كانت تنشر قصائد للشاعر محمد الفيتوري وبالطبع لا نغادر الجريدة قبل قراءة مقال فهمي هويدي ..

بعد ذلك نطالع صفحات الأخبار الدولية خاصة المراسلين الأشهر حمدي فؤاد من أمريكا وأنور عبد الملك من الاتحاد السوفييتي ثم صفحة الاقتصاد وكذلك مقالات مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستيراتيجية .. بعد ذلك بالطبع نقرأ أخبار الحوادث وهي التسلية الأولى لأفراد الأسرة الصغار بينما الكبار يطالعون صفحة الوفيات التي كانت وسيلة الترابط بين العائلات الكبرى ..

ولا يمكن أبدا أن نتجاوز كاريكاتير صلاح جاهين وماهر وكذلك حظك اليوم وحدث في مثل هذا اليوم وحكايات أعجبتني التي كان يكتبها يعقوب الشاروني ويرسمها عادل البطراوي في الصفحة قبل الأخيرة بالإضافة إلى التحدي الأكبر في حل الكلمات المتقاطعة .. وفي الصفحة الأخيرة كان يكتب كمال الملاخ عن الحضارة المصرية القديمة تحت كلمات أنيس منصور ويوميات أحمد بهاء الدين ..

أما درة التاج في الأهرام فكان بريد الجمعة الذي يحرره عبد الوهاب مطاوع حيث يتلقى رسائل القراء ليبحث مشكلاتهم ويرد عليها في أسلوب سهل وبسيط .. ولا بد أننا عشنا جميعا مع هذه الحكايات التي ترصد مشكلات المجتمع وتسبر أغوار النفس الإنسانية ومعاناتها .. ولعل قراء بريد الأهرام قد اكتسبوا الكثير من مهارات كتابة الرواية والقصة من وحي تلك الحكايات

ويرجع تأسيس الجريدة إلى العصر الخديوي وذلك قبل قرن ونصف على يد الصحفي سليم تقلا الذي ولد في لبنان عام 1265 هـ / 1849 م وتوفي في سوريا عام 1309 هـ / 1891 م ، وقد رحل إلى مصر وحصل على تصريح بإنشاء صحيفة الأهرام وعاونه في إدارتها أخوه بشارة تقلا ثم بعد وفاته ابنه جبرائيل تقلا ، وحظيت الجريدة عند إنشائها بشعبية كبيرة تطورت مع الزمن حتى تحولت إلى الجريدة الرسمية للدولة المصرية في العصر الحديث.

وقد جاءت ترجمة سليم تقلا في كتاب تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر حيث يقول جورجي زيدان : ” سليم بك تقلا مؤسس جريدة الأهرام ، في سفح لبنان مما يلي ساحل مدينة بيروت قرية حسنة الموقع جيدة الهواء والماء كثيرة البساتين والغياض اسمها كفر شيما نبغ فيها جماعة كبيرة من العلماء ملأت شهرتهم الأسماع منهم اللغوي المرحوم الشيخ ناصيف اليازجي وسائر آل اليازجي والعلماء الأفاضل آل شميل الكرام ومنهم المرحوم أمين شميل وشقيقه الدكتور شبلي شميل وغيرهم من الأطباء والشعراء والأدباء ، ومن هذه القرية نبغ صاحب الترجمة المرحوم سليم بك تقلا مؤسس جريدة الأهرام.

ولد رحمه الله في أواسط سنة ١٨٤٩ م ورُبِّي في حجر والديه على الصلاح والتقوى وحُسن السيرة وظهرت عليه مخائل النجابة منذ نعومة أظفاره فتلقى مبادئ العلوم في مدرسة تلك القرية ففاق أقرانه ، فلمَّا رأى والده فيه ذلك سعى في إدخاله مدرسة عبيه بلبنان ولكن المدرسة لم تكن تقبل في صفوفها من كان دون الخامسة عشرة من عمره فاستنجد الدكتور فان ديك فأنجده وتوسَّط في إدخاله فقبلته المدرسة واغتفرت صغر سنه بما توسَّمته من توقُّد ذهنه واستعداده ، فأقام في المدرسة يتلقى علومها ومعارفها حتى أعجب أساتذتها بذكائه وتعقُّله على صغر سنه مع سهولةٍ في خلقه ولينٍ في طبعه وهمةٍ في الدرس واجتهادٍ في مسابقة أقرانه.

وما زال مكبًّا على كتابه وكتابته حتى كانت سنة ١٨٦٠ م فانتشبت في ربوع الشام الثورة المعلومة فاتصل لهيبها بعبيه وما جاورها فبرح المدرسة ونزل مدينة بيروت ودخل المدرسة الوطنية التي أنشأها الطيب الذكر المرحوم المعلم بطرس البستاني ، وعكف على الدرس والمطالعة مجدًّا ساهرًا حتى أصبح مثالًا بين أقرانه التلامذة بالثبات والاجتهاد لأنه كان يعمل ساعات الفراغ أعمالًا يستعين بها على نفقات التعليم شأن من يلتمس العلى بجده واجتهاده.

فلما أتم دروسه تعين أستاذًا في المدرسة البطريركية في بيروت يُعلِّم بها ما أتقنه ويُتقن ما فاته وخصوصًا الفنون العربية فإنه كان يتلقاها على الشيخ ناصيف اليازجي وكان الشيخ رحمه الله معجبًا بذكائه وحِدة ذهنه وكان يعتمد عليه أحيانًا في شرح بعض الدروس على طلبته دلالة على ثقته به وركونه إلى صحة مباديه وسمو مداركه ، ولم يمضِ عليه في المدرسة البطريركية مدة حتى صار رأس أساتذتها ووكيل أعمالها ومدير شئونها وألَّف في أثناء ذلك كتابًا في النحو والصرف على أسلوب مبتكر طبع ونشر وكان الاعتماد عليه في تلقي هذين العلمين في المدرسة البطريركية.

كان رحمه الله مفطورًا على حب الرفعة والسعي في طلب العلى فلمَّا رأى أنه بلغ من مهنة التدريس أعلى درجاتها مال إلى التماس مهنة تروي مطامعه ، فلاحَ له أن يَقدَم إلى الديار المصرية وهي إذ ذاك في عصر المغفور له الخديوي الأسبق إسماعيل باشا الذي كان يُحبِّب إلى السوريين وغيرهم من جالية الإفرنج الإقامة في مصر؛ لما يبذله في صِلاتهم وتنشيط مشروعاتهم وخصوصًا المشروعات الأدبية فنظم قصيدة تاريخية رنانة في مدح الخديوي إسماعيل وغادر ربوع الشام قاصدًا للقطر المصري حتى جاء القاهرة.

فرفع قصيدته ـ المشار إليها ـ إلى الخديوي الأسبق وتعرَّف بجماعةٍ من أهل الفضل وذوي المناصب فقرَّبوه منهم ، فلاحَ له أن ينشئ جريدة عربية والجرائد العربية لا تزال إلى ذلك العهد جرثومة لا تكاد تنقف عن جنينها والناس لا يعرفون من الجرائد إلا اسمها مع تردد الحكومة في الإذن بنشرها ، فقضى سنة يتردد بين مصر والإسكندرية يجاهد في الحصول على امتياز الجريدة فمنحته الحكومة امتياز جريدة الأهرام سنة ١٨٧٥ م فأصدرها بالإسكندرية وليس لديه من معدات التحرير والتحبير والنشر والطبع إلا ما فُطر عليه من الثبات وحُسن التصرف والاستقامة وما اكتسبه من العلم والاختبار مع شيءٍ يسيرٍ من المعدات المادية.

فقاسى في سبيل نشر الأهرام مشقاتٍ جسيمةً مع علمك باستهجان الناس إذ ذاك للجرائد لحداثة عهدها مع قلة وسائل النشر لديه ولكنه ذلل كل تلك الصعاب بثباته وحُسن سياسته ، ومما قاله لنا مرة في سياق حديثٍ دار بيننا عن الجرائد العربية وتاريخ نشأتها قوله : (أنشأتُ الأهرام وأنا عالِم بما يَحُول دون نشرها من المصاعب فكنت أقضي النهار والليل عاملًا بدنًا وعقلًا فكنت أحررها وأديرها وألاحظ عملتها وأكتب أسماء مشتركيها وأتولى أعمالها مما يقوم به الآن عشرة من العمال).

وصدرت الأهرام أولًا مرةً في الأسبوع ولم يستطع نشرها يومية إلا بعد زمنٍ طويل وذلك أنه بعد إصدار الأهرام ببضع سنواتٍ أصدر جريدة يومية سمَّاها صدى الأهرام والأهرام تصدر أسبوعية كالعادة فلاقى في إصدار الصدى فوق ما لاقاه في إصدار الأهرام ، ومما يُحكى من هذا القبيل وفيه دليل على ثباته أنه طبع من صدى الأهرام لعدده الأول أربعة آلاف نسخة وزَّعها على نخبة أهل القطر وأعيانه كجاري العادة في الجرائد عند أول صدورها، فرجعت إليه إلا بضع عشرات منها.

على أن ذلك لم يثنِ عزمه بل ما انفك مواظبًا على إصداره حتى صدر أمر الحكومة بإلغائه وإقفال المطبعة لأنه درج أمرًا ساء الخديوي الأسبق ، فاستتر صاحب الترجمة من وجه الحكومة مدة وسُجن أخوه المرحوم بشارة باشا ثم توسط بعض أهل النفوذ فأُفرج عن المطبعة وأصحابها فأصدر رحمه الله جريدة الوقت يومية ولكنها لم تعش طويلًا فصدر الأمر بإقفالها ثم عادت فظهرت حالًا وأخيرًا استبدلها بجريدة الأهرام فصارت من ذلك الحين يومية.

وما زالت الأهرام آخذة في العمل لا تزداد إلا انتشارًا ورفعة حتى كانت الحوادث العرابية سنة ١٨٨٢ م فاضطُر رحمه الله للمهاجرة إلى سوريا كما فعل سائر نزالة هذا القطر غير المصريين ، فلما احترقت الإسكندرية أصابت النيران مطبعة الأهرام فأحرقت شيئًا كثيرًا من أعماله وكتاباته ومؤلفاته ، فلما انقشعت غياهب تلك الثورة عاد إلى الإسكندرية وأعاد إصدار الأهرام وعوض عما فات وما زالت تصدر إلى الآن وخطتها وطنية عثمانية منتصرة لفرنسا ومجاهرة بالمقاومة للاحتلال الإنكليزي.

وفي سنة ١٨٨٦ م سافر إلى دمشق واقترن بسيدة من كرام الدمشقيين اشتُهرت بالجمال واللطف ثم عاد إلى الإسكندرية يمارس أعمال الجريدة ويعاني تحريرها ، وفي سنة ١٨٩١ م سافر إلى فرنسا فزار عاصمتها وكثيرًا من مدنها وقُراها وكان يكاتب الأهرام منها ، وفي السنة التالية (١٨٩٢ م) أصيب بألمٍ في القلب فأشار عليه الأطباء بالذهاب إلى سوريا لتبديل الهواء فسار ولكن القضاء المبرم كان في انتظاره هناك فقضى وطار نعيه في الآفاق ودُفن بما لاقَ بمقامه من التجلة والإكرام ولم يخلِّف ذرية.

وكان رحمه الله همامًا حازمًا مخلصًا مسالمًا سهل الأخلاق وديعًا رقيق الجانب ، ما عاشره أحد أو عامله إلا وأثنى على رقة جانبه ودماثة أخلاقه وحبه للمسالمة ورغبته في إرضاء الناس ولو تحمَّل منهم ضيمًا أو تكبَّد خسارة وقد كان ذلك من أهم الوسائل التي ساعدت على نشر الأهرام وإقبال الناس على مُطالعتها حتى بلغت ما بلغت من سعة الانتشار ، على أننا لو دقَّقنا البحث في العوامل الأساسية التي أيدت الأهرام ونشرتْها لرأيناها ثلاثة :

حسن سياسة صاحب الترجمة وميله إلى المسالمة ، نشاط شقيقه المرحوم بشارة باشا وكان مدير الأهرام إذ ذاك ثم قام بعده بكل شئونها حتى توفاه الله سنة ١٩٠١ م فصارت الأهرام إلى نجله جبرائيل ، مساعدة بعض أرباب المناصب العالية فإنهم كانوا ينشِّطونها إلى درجةٍ لا تكاد تقل عن حمل الناس على الاشتراك فيها فضلًا عن اشتراكات الحكومة نفسها؛ فإنها كانت تُعد بالمئات.

وكان حائزًا لرضاء الدولة العلية متمتعًا بإنعاماتها وإنعامات الدول الأخرى وبعض المجامع العلمية ، وحاز من الرتب العليا الرتبةَ الأولى من الصنف الأول ونال من النياشين النيشانَ المجيدي الثاني ونيشان اللجيون دونور من رتبة شفاليه ونيشان الافتخار التونسي من رتبة كومندور ونيشان الشمس والأسد من تلك الرتبة ونيشان المجتمع العلمي الفرنساوي من رتبة أوفيسيه وغير ذلك.

وكان سليم الذمة صادق الوعد ، ومما يذكره العارفون من هذا القبيل أن والده تُوفِّي عن دَيْن عليه ولم يكن أصحاب الدَّيْن ينتظرون الوفاء من أولاده فلما أنعم الله عليهم وسهَّل لهم أبواب الرزق اتفق الإخوة وصاحب الترجمة في مقدمتهم على وفاء ما في ذمة والدهم من أموال الناس فسافر هو بنفسه إلى بلاد الشام ولاقى الدائنين ودفع إليهم أموالهم.

وكان مُحبًّا للأخذ بناصر الشبان الذين يلتمسون الأشغال ولا سيما أبناء وطنه فيبذل كل مرتخصٍ وغالٍ في سبيل مساعدتهم أدبيًّا وماديًّا ، وكان كاتبًا فاضلًا وشاعرًا مجيدًا تشهد بذلك مقالاته وقصائده في صفحات الأهرام وقد جُمعت منتخبات أشعاره ومقالاته بعد وفاته وطُبعت على حدةٍ في ديوانٍ ضخم وجُمعت أقوال الجرائد وقصائد الأصدقاء ومقالاتهم في تأبينه ورثائه في كتابٍ آخر “.

47 / ديوان علي الليثي

(شاعر الخديوي) هو اللقب الذي عرف به الشاعر علي بن حسن بن علي الليثي الذي ولد في بولاق بمصر عام 1236 هـ / 1820 م وتوفي بالقاهرة عام 1313 هـ / 1895 م ، وهو في الأصل متصوف من أتباع الطريقة السنوسية ثم تقرب إلى الأسرة الحاكمة حتى حظي بالقرب من الخديوي إسماعيل وصار من ندمائه ، وله ديوان شعر جمعه وحفظه صهره محمد سعودي الخبير ولم يطبعه بناء على وصية صاحبه بذلك لكن نقل منه الكثير في كتب الأدب.

وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” علي بن حسن الليثي ، شاعر مصري من الندماء صحب الخديوي إسماعيل في كثير من أسفاره وعاش أيام توفيق كلها ومات في أيام عباس ، كان من أطيب أهل زمانه فكاهة وظرفا وحسن عشرة وله نظم كثير لم يكن راضيا عن جلّه لفظا وموضوعا ، لقب بالليثي لمجاورته ضريح الإمام الليث بالقاهرة كان مولده ببولاق وتيم صغيرا فتحولت به أمه إلى جهة الإمام الليث.

وقرأ بالأزهر مدة قصيرة لازم بعدها الشيخ علي بن عبد الحق القوصي فتفقه وتأدب وسافر إلى محمد بن علي السنوسي بالجبل الأخضر في طرابلس الغرب فتصوف ، وأقام نحو ثلاث سنوات يرعى الإبل والغنم ويساعد في بناء الزوايا ويتلقى علوم الحديث وغيره وعاد إلى مصر سنة 1262 فاشتهر ، وكان طويل القامة جدا أسود يكاد يكون زنجيا ووفاته كمولده بالقاهرة  ، له  ديوان شعر يقال إنه لعن من يطبعه !

ورأيت له (رحلة إلى النمسا وألمانيا) صغيرة صحب فيها أحد الأمراء في مدة 33 يوما (26 يناير – 28 فبراير 1875) اشتملت على ملحوظات وطرائف منها قوله في وصف مسجد بنته الحكومة المصرية في فينة : لم يفقد شيئا من محاسن المساجد إلا إقامة شعائره التي هي ثمرة بنائه ، وفي كلامه على العربات : وعربات تجرها الكلاب تعجز عن حمل ما يحمل مثله أشد حمار ، وعن الثلج يتساقط على شباك القطار : إذا علا الثلج في وجه الزجاج ترى .. فتيت ماس على أطباق كافور.

وكلما ذكر اسما أجنبيا ضبطه بالشكل ، وممن لقيهم في فينة يوسف ضياء الدين الخالديّ وكان مدرسا للعربية بمدرسة اللغات الشرقية فيها ، قلت وتيسرت لي رؤية مجموعة من أوراق الليثي وكتبه محفوظة في داره بمركز الصف عرفت منها أنه كان إلى جانب فكاهته ورقة طبعه رجل جد وسياسة قوي الاتصال بأمثال محمود سامي البارُودي ومحمد عبده وشكيب أرسلان ويوسف الأسير وجلهم يلتمس رضاه “.

وقد ترجم له أحمد تيمور باشا في كتابه أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث فقال : ” علي الليثي ١٢٣٦ ﻫ / ١٣١٣ ﻫ ، كان الشيخ علي الليثي في ابتداء أمره مقيمًا بمسجد الإمام الليثي وكان ينزل إلى الأزهر لطلب العلم ويعود للمبيت هناك وكان كريمًا على فقره ، ثم ورد على مصر الشيخ السنوسي الكبير قاصدًا الحجَّ فاتصل به وأخَذ عنه الطريق وحجَّ معه ولما عاد إلى مصر لم يفارقْه حتى سافر معه إلى جغبوب وأقام هناك مدَّة لم يفتأْ فيها يطلب العلم ويستفيد.

ثم فارقه وعاد إلى مصر واتصل بأُمِّ عباس الأول فجعلتْه شيخًا على مجلس (دلائل الخيرات) عندها ، ثم اتصل بالأمير السابق أحمد رفعت ابن إبراهيم باشا الكبير فاعتقد فيه وأَطْلعه على خِزانة كُتُب عنده فاطَّلع على ما فيها واستفاد منها ، وكان الاعتقادُ فيه بسبب سفره إلى جهة المغرب وأخْذه عِلمَ الزايرجة والأوفاق عن علمائه المشهورين وتابعه في ذلك كثيرون لاعتقادهم فيه معرفته هذا العلم.

ولما تولَّى سعيد حُكمَ مصر أمر عبده باشا ضابطُ القاهرة بجمْع مَن يأكلون أموالَ الناس بالباطل بهذه الخزعبلات وما إليها ونفيهم إلى السودان ، فسِيق معهم الشيخ علي الليثي لما عَلِق به من الاتهام بذلك فبقي في السودان إلى أن عُفي عنه وعاد إلى مصر ، ولما تولَّى الخديو إسماعيل تلألأ نجمُ الشيخ علي الليثي وبدا سعدُه فاتصل به وقرَّبه هو والشيخ عليًّا أبا النصر وجعلهما نديمَين له كنديمَي جذيمة وصار لا يصبر عنهما في مجالس أنسه ، فكانا إذا حضر تلك المجالس أزاحا الكُلفةَ وتبسَّطا معه في القول والتندير فكانت لهما في ذلك من النوادر ما يملأ الأسفار.

وقد بلغ من شغفه بهما أن خصَّص لهما قاعةً بديوانه يجلسان بها كأنهما من المستخدمين فيه ، وحدَث أن أمر بكتابة ألواح على باب كلِّ قاعة من الديوان ليعرف مَن بها كقلم التشريفات وقلم التحريرات ونحوهما وسألهما العامل ماذا يكتبه على قاعتهما فقال له الشيخ الليثي : اكتب عليها  (إنما نطعكم لوجه الله) ، وبسبب تقرُّب المترجَم من الخديو قصدَه الناس في الشفاعات عند الكبراء ونفع الله به خلقًا كثيرين جزاه الله عن مسعاه خيرَ الجزاء.

ولما عُزِل الخديو إسماعيل وتولَّى بعده ولدُه محمد توفيق شغَف أيضًا بالمترجَم كوالده وقرَّبه وأحلَّه محلَّه من القبول ، حتى قامت الثورة العُرابية وسافر الخديو إلى الإسكندرية فانضمَّ الشيخُ علي الليثي للعرابيين اضطرارًا أو اختيارًا فلما انتهت الثورةُ العرابية وعاد الخديو للقاهرة لم يُؤاخذْه وصفَح عنه ، وقابله المترجَم بقصيدة، مطلعُها :كلُّ حال لضدِّه يتحوَّل فالزمِ الصبرَ إذ عليه المعوَّل.

تبرَّأ فيها من الفتنة وأبان عذرَه في الانضمام إلى العُرابيين ، وزاد بعد ذلك الخديو في تقريبه وإكرامه ولا سيما بعد أن بنَى قصرَه بحلوان وصار يُسافر إليه كلَّ أسبوعين في سفينة بخارية فإنه كثيرًا ما كان يسافر بالسفينة نفسها لزيارة الشيخ الليثي في ضَيعته بشرق أطفيح حيث يتناول الطعامَ عنده ويُقيم يومًا في ضيافته وهو شيء لا يفعله مع غيره.

ولهذا اعتنى المترجَم بتلك الضَّيعة فغرس فيها البساتين والكروم وبنى قصرًا صغيرًا لنزول الخديو وحَرمِه وحاشيته ، ولم يزل هذا شأنه معه حتى مات الخديو وتولَّى بعده ولدُه عباس فلم يكن للشيخ حظٌّ معه كحظِّه مع أبيه وجده ولذلك جعَل أكثرَ إقامته بتلك الضَّيعة يشتغل باستغلالها ومطالعة كُتُبه فإذا حضر إلى القاهرة نزَل بداره التي بجهة باب اللوق فيُقيم بها أيامًا ثم يعود ، ولم يزلْ كذلك حتى اعتلَّتْ صحتُه وطال مرضُه أشهرًا حتى توفاه الله إلى رحمته يوم السبت ١٠ من شعبان سنة ١٣١٣ ﻫ عن سِنٍّ عالية وقد شبع من الأيام وشبعت منه ونال من العزِّ والجاه إلى مماته ما لم ينلْه غيرُه.

وكان رحمه الله آيةً في حُسن المجالسة محبَّبًا إلى القلوب أديبًا شاعرًا حاضرَ الجواب فكهَ الحديث إذا عرفه إنسان تعلَّق به وكَرِه مفارقتَه مع أنه كان دميمَ الصورة أطلس ليس في وجهه إلا شارب خفيف وشعرات على ذقنه ، ولما حضَر لمصر السلطان برغش سلطان زنجبار ندبَه الخديو إسماعيل لمرافقته ومجالسته، فلازَمه مدة مقامه بالقاهرة وأُعجب السلطان به إعجابًا شديدًا ثم لما عاد لبلاده صار يتعهده بالرسائل والهدايا من العنبر ونحوه كلَّ سنة فيهدي هو أخِصاءه وأصحابه وكذلك ما كان ينتج ببساتينه من غرائب الفاكهة وأصناف الأعناب النادرة كان موقوفًا جميعه على الهدايا لا يبيع منه شيئًا.

وكان أدباء مصر وفضلاؤها يقصدونه في تلك الضَّيعة فيُنزلهم على الرحب والسعة ويقيمون عنده الأيام والأشهر وهو مقبلٌ عليهم بكرَم خُلقه ولطائفه ومحاضراته المستحسنة وقد يُقيم الإنسان عنده شهرًا أو أكثر وهو يُؤنسه كلَّ يوم بحديث جديد لا يُعيده ، واقتنى خزانةَ كُتُب نفيسة اجتمعت له بالإهداء والشراء والاستنساخ وكان يبذل الأثمان العالية في الكتب النادرة فجُلبت له من الآفاق وعرَفه تجارُ الكتب والورَّاقون فخصُّوه بكل نفيس منها ثم لما مات اقتسمها ورثتُه.

ومما وقفنا عليه للشيخ الليثي من الشعر قصيدة رثاء في محمد سلطان باشا ـ من أعيان الصعيد الذين تقلَّدوا مناصبَ في الدولة آخرها رياسة مجلس شورى القوانين في عهد الخديو محمد توفيق ـ وكان قد سافر إلى أوروبا لمعالجته من علَّة لم تُفِدْ فيها معالجةُ أطباء مصر ، ووافاه أجلُه في مدينة غراتس بالنمسة ونُقلت جثتُه إلى القطر المصري في أوائل شهر ذي القعدة سنة ١٣٠١ ﻫ وكان مطلع قصيدته : 

لا تأمَن الدهر واحذرْه أخا الفطِن فعنصرُ الدهر مطبوعٌ على الفتن .. يا سابحًا في عُباب اللهو من عَمَهٍ دعِ الأماني واحذرْ عادي الزمن .. دهْرٌ تنكَّر في حالَيه لا ثقة به لداريه في سرٍّ وفي علَن .. بينا نرى المرء في أُزْر الصفا جزلًا إذ ألبستْه المنايا حُلَّة الكفن .. يُمسي وأزهار روض العيش يانعة حينًا ويُصبح منعيًّا على ظعن .. ذي شيمة الدهر لم يسلمْ مسالمه هيهات يرعى ذمامًا غير مؤتمن .. نرجو وفاه ولو كان الوفيُّ لما أودى بنفس أبي سلطان ذي المِنَن.

ومنها والله أعلم بما يقول : يا لهفَ نفسي على وافٍ له همَم ببعضها لو تحلَّى الدهرُ لم يَخُنِ ،  ومنها : إني لأعجب من ساعٍ لغائلة وكان يرجو شفاء الروح والبدنِ .. لكن قضى الله في إتمام نعمته بأن يموت شهيدًا نازح الوطن .. مَن مثله قام بالأمر العظيم وقد كان الزمان عبوسَ الوجه بالفطن

ومنها في إقامة الخديو مأتمه : وبعد أن مات إتمامًا لنائلة أحيا مآتمه جريًا على السننِ .. هذي العناية قد ودَّ الحسود له لو كان أودى ولاقى مثلها وفني .. قُل للحسود انتهض واحللْ مكانتَه خلا لك الجو فاقرع هامةَ القننِ .. يا شامتًا بنعي المكرمات فعِش وخذْ أمانًا بما تهوى من الزمنِ .. هذا وإلا فنُح مثلي مساعدة وانثرْ فرائد دمْعٍ غالي الثمنِ .. ما كلُّ مَن مات تبكيه الكرامُ ولا كلُّ البكاء بكاءُ الواله الحزنِ .. هذي مساجده هذي مدارسُه هذي منازل أضياف على سننِ .. لا أكذب الله إني بتُّ من أسَف لولا يقيني بوشك القرب لم أكنِ .. وقد كفاني رثا شجو يؤرخه سلطان باشا شهيدًا مات يا حزني.

 ومما يُؤْثر عن الشيخ الليثي أنه كان له إلمامٌ تامٌّ بالرثاء التاريخي على جاري عادة عصره ، وفضلًا عن أنه كان شاعرًا أديبًا فلم نقف له على ما دوَّنه من الشعر وأغلبُ الظنِّ أنه لم يطبع منه ما كان مخطوطًا ضمن مكتبته التي كانت تزخر بنفائس المخطوطات مما جُلب إليه إهداءً وشراءً ونسخًا واستنساخًا وما بذله في اقتنائها من المال الكثير حتى اقتسمها مَن بقي بعده من ورثته ولعلها بقيتْ محبوسةً تحت أيديهم لم ينتفع بها أحدٌ ، وبالجملة فقلَّ أن يوجد مثله أو يجتمع لإنسان ما اجتمع له من الورع والتقوى خصوصًا في أواخر أيامه رحمه الله رحمة واسعة “.

وفي كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة يتحدث محمد كامل الفقي عن شعره وتناوله بالنقد والتحليل فقال : ” خلف الليثي ديوان شعر ضخم لدى صهره الأستاذ محمد سعودي الخبير ولكنه أبى أن يطبعه لعلم أهله وخاصته بأن الشاعر لعن من يقوم على طبعه ، ولعل الليثي فعل ذلك تحرجا من نشر ما عسى أن يكون قد تورط فيه كشأن أكثر الشعراء من دعابة أو غلو في مديح أو ذم أو نحو ذلك فلقد كان في الرجل تقية وورع فهو يخشى حسابه على ما نظم ، ولو كانت هذه الثروة الشعرية لشاعر غيره ممن يغربهم المظهر والشهرة لجاز أن يحرص على طبع شعره وتدوينه والمفاخرة به.

ولو تهيأ لنا الاطلاع على هذا الديوان والتفرس فيما حواه من شعر وفيما بين دفتيه من قصائد نظمها في أغراض مختلفة وألوان متنوعة لاستطعنا أن ندرس شعره دراسة بحث وتقص ، ولكن احتجاب ديوانه ألقى على شعره ستارا كثيفا من الغموض والإبهام وجعل الحكم عليه مقرونا بالعناء والجهد ، وذلك مما دفعنا دفعا إلى مراجعة الصحف القديمة والمجلات المعاصرة له وتتبع الكتب الأدبية المختلفة بما عساه أن يضم طرفا من شعره وجانبا من خبره ونستطيع بعد أن تعبت أناملنا من التصفح والتقليب وبعد العثور على جمهرة من قصائده المتنوعة أن نحكم على شعره جملة بأنه في المنزلة الوسطى من منازل الشعر.

وكان القدر الأعظم من شعره في المدائح فلقد اصطفاه إسماعيل وخلع عليه لقب (شاعر الخديو) ولازمه ونادمه كما أدناه توفيق وأحله مكانة من نفسه ، وقد دعاه ذلك إلى أن ينظم فيهما مدائحه ملتمسا لها شتى المناسبات آية على ولائه ودليلا على وفائه كما مدح المطصفين لهذين الأميرين من ذي جاه أو شفاهة أو حظوة لديهما ، وكان الليثي حريصا في هذه المدائح وخاصة ما لإسماعيل وتوفيق على أن يجودها ويكسوها حلة من الروعة وجمال الشعر ولكنه على كل حال يدور فيها جميعا مع تباين أسبابها على معان متقاربة وطريقة متشابهة.

فهو يبدأ بالغزل متأنفا في صوغه لينتقل منه إلى مدح الأمير حاشدا من معانيه وألوانه ما شاء له الأسلوب وما واتته القريحة واستتبع مدحه الأميرين الذي هو ثمرة لصلته بهما وحدبهما عليه أن يقول مهنئا أو مواسيا أو معزيا فإن وفاءه الباعث على الإطراء والمديح هو نفسه الدافع على قرض الشعر في كل ما جل أو هان من مختلف المناسبات.

ولقد جهدت فيما تتبعته من الشعر كي أعثر على المنادمة في شعره وأتبين أثر هذا الفن لأرى ما أبدع منه في نظمه فلم يواتني منه شيء ، فلعلها كانت منادمة مجلس وسمر يصورها حديثا يرويه وقصة يسوقها ونكتة يرسلها ونادرة يفاكه بها وبديهة مواتية لا تستلزم الشعر أسلوبا ولا أداة “.

48 / التوفيقات الإلهامية

(التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنكية والقبطية) هو عنوان كتاب فريد من نوعه يجمع بين الفلك والتاريخ ويقدم تقويما شاملا للسنوات والشهور والأيام وما فيها من أحداث من أول بداية التقويم الهجري ، وقد صنفه عالم الفلك والرياضيات محمد مختار باشا المصري الذي ولد في بولاق بمصر عام 1250 هـ / 1834 م وتوفي بالقاهرة عام 1315 هـ / 1897 م وهو من كبار قادة الجيش المصري في العصر الخديوي.

وقد أطلق على كتابه هذا الاسم تيمنا بنسب الخديوي عباس حلمي الثاني حيث الكلمة الأولى (التوفيقات) مشتقة من اسم والده الخديوي توفيق والكلمة الثانية (الإلهامية) مشتقة من اسم جده لوالدته أمينة هانم بنت إبراهيم إلهامي باشا بن عباس حلمي الأول باشا بن طوسون بن محمد علي باشا الكبير ووالدتها هي منيرة هانم سلطان بنت السلطان عبد المجيد الأول العثماني وأخت السلطان عبد الحميد الثاني فكان عباس حلمي الثاني جامعا للمجد من مفرقيه.

وقد حرص المؤلف على الإشارة لهذا النسب في المقدمة التي أهدى فيها الكتاب إلى الخديوي حيث يقول : ” حتى إذا كمل وضعه وشيم نفعه وسمته بميسم قبول في أوسم مأمول وأبسم أمنية فسميته (التوفيقات الإلهامية) وأنا أسأل الله أن يجعل نفع بني الإنسان  به واصلا وجزاء نعيم الفوز في الدارين بسببه حاصلا ، فهو بحمد الله سبيل سداد وعلم رشاد ومتبع إرشاد أتى بالمراد.

على أني أدع حد تعريفه وما جمع في تصنيفه وترصيفه إلى فكر المطلعين ونظر المطالعين ، كما أترك وصف ما كابدت من المشاق الزائد عن حمل الأطواق في صنع موضوع هذه الأوراق وجمع ما رق وراق إلى من يميزون الخبيث من الطيب والرذاذ من الوابل الصيب ويقدرون الأمر قدره ويخبرون ظاهره وسره.

وحسبي جزاء وشكورا وأجرا من الخير العاجل مبرورا تقديم هذا الصنيع لأعتاب الجناب الرفيع مولاي الخديوي الأعظم (عباس حلمي الثاني الأكرم) فهو صنع عبد إحسانه وعمل العاجز عن شكرانه ، ولا شك أنه يلحظه بقبوله وينيله بغية مأموله فهو أكرم من أن يرد أملا أو يخيب من نادى رحمته سائلا فأنا أهتف بالدعاء لسدته وأنادي مأمول رحمته : مولاي إن أساس وجودكم السامي هو (توفيق وإلهامي) فقبول (التوفيقات الإلهامية) أكبر مكافأة سنية لعبدكم المخلص المصري محمد مختار “. 

  ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد مختار باشا المصري ، عالم من نوابغ الجيش بمصر ولد وتلقى الفنون العسكرية بالقاهرة وقام برحلات كشفية في بلاد الصومال والجهات الشرقية من السودان ، وارتقى في مناصب الجهادية (الحربية) فكان رئيس أركان الحرب في حملة إلى (هرر) ونشر أبحاثا جغرافية مفيدة عن رحلته هذه ، ومنح رتبة (اللواء) وناب عن مصر في مؤتمر (جنوة) العلمي ثم جعل مأمورا للخاصة الخديوية إلى أن توفي ، له مؤلفات رياضية وفلكية منها التوفيقات الإلهامية والمجموعة الشافية في علم الجغرافية “.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر  فقال : ” محمد مختار باشا المصري ، ترجمة حاله : وُلد في بولاق مصر سنة ١٨٣٥ م وقرأ مبادئ العلم في مدرسة عباس الأول وفي مدارس أخرى وتلقَّى الفنون العسكرية في مدرسة البوليتكنيك ، وانتظم في خدمة الجيش المصري وهو في الثانية والعشرين من عمره وما زال يرتقي في مناصب الجهادية حتى نال رتبة لواء سنة ١٨٨٦ م.

وتولَّى عدة مناصب مهمة في أنحاء السودان قبل ظهور المهدي فلما فتحت الحكومة المصرية إقليم هرر كان صاحب الترجمة أركان حرب الحملة التي سارت لذلك الفتح ثم تعيَّن رئيس عموم أركان حرب السودان ، ولما عُقد مؤتمر جنوة العلمي انتُدب لينوب فيه عن القُطر المصري ويدل ذلك على ثقة الحكومة الخديوية في أهليته.

وبعد خدمات متوالية في نظارة الحربية عيَّنه الجناب الخديوي مأمورًا للخاصة الخديوية وما زال في هذا المنصب حتى تُوفِّي ، وقد حاز النيشان العثماني الثاني والمجيدي الثاني والمملوكي الإيطالي الثاني وميدالية الامتياز الذهبية ، وكان عاملًا نشيطًا ساهرًا على مصلحته وواجباته وأُصيب في أواخر أعوامه بمرضٍ ما زال يتردد عليه حتى قضى أنفاسه الأخيرة في ٢٠ نوفمبر سنة ١٨٩٧ م.

مؤلفاته وآثاره : لصاحب الترجمة عدة مؤلفات أكثرها رياضية فلكية وهي : التوفيقات الإلهامية وهو تقديم كبير لمقارنة السنين الهجرية بالسنين الإفرنجية والقبطية من السنة الأولى للهجرة إلى عام ١٥٠٠ بعدها مُرتبة في جداول سنوية ، وقد جعل الأشهر في كل سنة منها متناسقة على ما يقارن أول كل شهر عربي وبإزاء كل شهر أهم الحوادث التاريخية التي وقعت فيه وخصوصًا الحوادث الإسلامية والمصرية بحيث يصح أن يكون هذا الكتاب تقويمًا حسابيًّا يوميًّا ومعجمًا تاريخيًّا لألفٍ وخمسمائة سنة هجرية ، وقد جعله تقدمة لسموِّ الخديوي عباس باشا الثاني.

المجموعة الشافية في علم الجغرافية ومعها أطلس جغرافي ، جداول تحويل المسطحات المترية إلى ما يقابلها من الفدان والقيراط والسهم يبدأ من جزءٍ من مائةٍ من السهم وينتهي إلى ألف فدان ، ترجمة حال المرحوم محمود باشا الفلكي ، رسالة في سيرة الجنرال ستون الأميركاني وخدماته للحكومة المصرية ، مختصر في تبيين كيفية حساب القديم وأوقات الصلاة.

رسالة في الكلام على بلاد زيلع وهرر والجالا (بالفرنساوية) ، رسالة في بلاد الجاديبورسي (بالفرنساوية) ، رسالة في رأس هافون ووادي تهوم (بالفرنساوية) ، رسالة في الكلام على ابتداء الأشهر الهلالية في السنة الإسلامية (بالفرنساوية) ، رسالة في السودان الشرقي (بالفرنساوية) ، رسالة في تحديد أطوال المقاييس والمكاييل والأوزان المصرية ومقارنتها بالمقاييس الفرنساوية والإنكليزية (طُبعت بالعربية والفرنساوية).

نبذة تتضمن إقامة البرهان على معرفة قدماء المصريين لحقيقة شكل الأرض ، مقالة في تخطئة القائلين بإمكان استعمال ساعة عامة أو ساعات محددة لجميع أقطار الدنيا وقد تُليت هذه المقالة والتي قبلها على أعضاء المؤتمر العلمي في جنوة ، الطريقة العلمية لاستعمال المسطرة المصرية في قياس القواعد الجيوروزية ، جدول لرسم خطوط الأطوال والعروض لأية طريقة جغرافية.

وللمترجم اختراع فلكي يهم المسلمين كثيرًا وهو (دليل القبلة الإسلامية العام) وضعه بضبط وسعة لم يسبق لهما مثيل وهو آلة دقيقة عُرضت على الجناب الخديوي وحازت قَبوله ، وبالجملة إن صاحب الترجمة لم يكن يغفل يومًا عن التفكير في تأليف أو اختراع وأكثر ما وجَّه انتباهه إليه الرياضيات كما رأيت “.

49 / الفتاوى المهدية

(الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية) هو عنوان مدونة كبرى في الفقه والتشريع والقانون والأحكام القضائية وتشكل مجموع الفتاوى الخاصة بالإمام الأكبر شيخ الأزهر محمد العباسي المهدي الذي ولد بالإسكندرية عام 1243 هـ / 1827 م وتوفي بالقاهرة عام 1315 هـ / 1897 م ، وهو أول من جمع بين منصب المفتي ومشيخة الأزهر وهو ابن الشيخ محمد أمين المهدي مفتي الديار المصرية المتوفي عام 1247 هـ وجده هو الشيخ محمد المهدي الكبير المتوفي عام 1230 هـ. 

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد (العباسي) بن محمد أمين ابن محمد المهدي الكبير ، مفتي الديار المصرية وأول من تولى مشيخة الأزهر من فقهاء الحنفية ولد بالإسكندرية وتعلم بالقاهرة ، وتولى الإفتاء سنة 1264 هـ وأضيف إليه مشيخة الأزهر (1287) ولما قام عرابي باشا بثورته (1298) عزل المهدي لامتناعه عن التوقيع على عزل الخديوي توفيق (1299) وكافأه الخديوي بعد الثورة بإعادته شيخا للأزهر مع الإفتاء.

وقيل للخديوي (سنة 1304) ان جماعة من الوجوه والتجار يجتمعون للسمر في منزل المهدي ويتكلمون في الأمور السياسية ويظهرون أسفهم لوجود الانجليز بمصر وانقياد الحكومة المصرية إلى رغباتهم فعاتبه على ذلك فاستقال من منصبيه ، وقد استمر في الإفتاء أربعين سنة ثم أعيد إليه قبيل وفاته وفلج وتوفي بالقاهرة ، له الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية سبعة أجزاء وهو مجموع فتاواه “.

وقد ترجم له أحمد تيمور باشا في كتابه أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث فقال : ” محمد العباسي المَهدي ١٢٤٣ ﻫ / ١٣١٥ ﻫ ، هو ابن الشيخ محمد أمين الحنفي ابن الشيخ محمد المهدي الكبير الشافعي ، كان جدُّه المذكور من الأقباط فأسلم على يد الشيخ العلَّامة محمد الحفني وقرأ عليه وعلى أخيه الشيخ يوسف الحِفني وغيرهما حتى صار من كبار العلماء وترشَّح لرياسة الأزهر بعد الشيخ الشرقاوي ولكنها لم تتمَّ له وتولَّاها الشنواني ، وقد أطال الجبرتي في ترجمته ثم نشأ ولدُه الشيخ محمد أمين عالِمًا حنفيًّا وتولَّى الفتوى بمصر زمنًا وتوفي سنة ١٢٤٧ ﻫ.

ووُلِد الشيخ محمد العباسي المهدي بالإسكندرية سنة ١٢٤٣ ﻫ فقرأ بها بعضَ القرآن ثم حضر إلى القاهرة سنة ١٢٥٥ ﻫ فأتمَّ حفْظه واشتغل بالعلم سنة ١٢٥٦ ﻫ فقرأ على الشيخ إبراهيم السقاء الشافعي والشيخ خليل الرشيدي الحنفي والشيخ البلتاني وغيرهم ، ثم صدَر أمرُ إبراهيم باشا ابن محمد علي بتوليته إفتاءَ الديار المصرية في منتصف شهر ذي القعدة سنة ١٢٦٤ ﻫ وهو في نحو الحادية والعشرين من سنينه ولم يتأهل بعدُ لمثل هذا المنصب الكبير.

ويقال إن السبب في ذلك عارف بك الذي تولَّى القضاء بمصر وكانت له صلةٌ بالشيخ محمد أمين المهدي فلما ذهب إبراهيم باشا إلى القسطنطينية ليتسلَّم من السلطان مرسومَ ولايته على مصر قابله عارف بك ـ وكان إذ ذاك شيخًا للإسلام ـ وأوصاه خيرًا بذرية الشيخ المهدي وأن يولِّيَ منهم من يصلح لمنصب أبيه.

فلما عاد إبراهيم لمصر بعَث في طلب الشيخ محمد العباسي المهدي فصادفوه في درس الشيخ السقاء يحضر مقدمة مختصر السعد ولما قابله أثنى عليه لاشتغاله بالعلم ثم أنبأه بأنه ولَّاه منصب الفتوى بمصر وعزل عنه الشيخ أحمد التميمي الخليلي وخلَع عليه خلعة هذا المنصب ، ثم عقد له مجلسًا بالقلعة حضره حسن باشا المنسترلي والشيخ مصطفى العروسي وغيرهما فأقروا على إقامة أمين للفتوى يقوم بشئونها حتى يتأهل صاحبُها لها ويُباشرها بنفسه واختاروا له الشيخ خليلًا الرشيدي بدل الشيخ علي البقلي أمين فتوى التميمي ونزل المترجَم من القلعة بموكب كبير من العلماء والأمراء ووفد الناس على داره للتهنئة ومدحه الشعراء.

فمن ذلك قول الشيخ محمد شهاب : عزَّ يا عزة الحمى أن تُقاسي بمهاة الصريم فيما تُقاسي ، ومنها قوله : تبَّ مفتي الهوى وتبَّت يدُه ضلَّ شرعي نهجه والسياسي .. فدعيه يا عز عزَّ اصطباري إن فتواه فتنةٌ للناسِ .. ولئن قلتُ أي فتوى البرايا حكمت بالنصوص دون التباسِ .. وارتضاها الزمانُ قل لي وأرخ قلت فتوى مَهْدِيه العباسي ، وهي قصيدة طويلة ألحق بها هذه الأبيات الثلاثة مشيرًا فيها إلى (التميمي) وإلى (الرشيدي) أمين الفتوى الجديد : قلتُ لمَّا أن تمَّ بدرُ التميمي واعتراه نقصُ الخسوف الشديدِ .. رجع الدر بالفتاوى إلى ما كان فيه من المكان المشيدِ .. فلنِعْم الرشيد يا ابن أمين ولنِعْم الأمين يا ابن الرشيدي.

وروى الفاضل محمد أفندي التميمي ـ في الترجمة التي جمعها لأبيه الشيخ أحمد التميمي ـ أن سبب عزله عن الإفتاء أحقادٌ قديمة كانت في صدْر إبراهيم باشا منه بسبب معارضته له في أمور تخالف الشرع كان يريدها ويعارضه الشيخ فيها فلا يجد بدًّا من الإذعان بسبب إقبال أبيه (محمد علي) على الشيخ فلما آلتْ ولايةُ مصر إلى إبراهيم كان أكبرُ همِّه عزْلَه عن الإفتاء.

ثم أكبَّ المترجَم على الاشتغال بالعلم خصوصًا الفقه حتى نال منه حظًّا وافرًا وجلس للتدريس بالأزهر لإقراء (الدر المختار) فقرأ منه إلى كتاب الطلاق وأكمل قراءته في داره وقرأ (الأشباه والنظائر) في داره أيضًا ، وباشر أمور الفتوى بعفَّة وأمانة وتدقيق وتحقيق واشتهر بين الناس بالحزم والعزم وعدم ممالأة الحُكَّام وحسبُك وقوفه في وجه عباس الأول وتعريضه نفسه للتهلكة صيانة لِما استُودع من أمانة العلم.

وسببُ ذلك أن هذا الوالي أراد أن يمتلكَ جميع ما بيد ذرية جدِّه محمد علي مدَّعيًا أنه ورد مصر لا يمتلك شيئًا فكل ما خلَّفه لذريته إنما هو من مال الأُمة يجب ردُّه إليها ووضعه بيد أمينها المتولي شئونها ، واستفتى المترجَم فلم يوافقْه وأصرَّ على الامتناع ولم يحفل بوعيده وتهديده حتى طلبه فجأةً إلى بنها فسافر إليها وهو موقنٌ بالهلاك وكان معه عند طلبه الشيخ أبو العلا الخلفاوي فسافر معه لمؤانسته ومواساته فلما وصلا إلى قصر بنها رُوجع المترجَم في الفتوى فأصرَّ على قوله الأول.

فأمر بهما فأُنزلا إلى سفينة بخارية سافرت بهما ليلًا في النيل لنفي المترجَم إلى أبي قير ، واعتراه لشدة وجلِه زحير كاد يودي به وهو مع ذلك مُصرٌّ على قوله والشيخ أبو العلا يهوِّن عليه الأمر ويؤانسه بالكلام إلى أن صدر الأمرُ بإرجاع السفينة وأُنزلا منها وأُمرا بالسفر إلى القاهرة وسلَّم الله ، فكانت هذه الحادثة سببًا لعلوِّ قدْر المترجَم في النفوس وإعظام الولاة فمَن دونهم لشأنه وتسبب منها أيضًا إقباله على الشيخ أبي العلا المذكور وسعيه له في المناصب التي تولَّاها وعظُم بها أمرُه بعد ذلك.

وفي سنة ١٢٨٧ ﻫ أراد الخديو إسماعيل عزْلَ الشيخ مصطفى العروسي شيخ الأزهر ولكنه خشي الفتنة لأن العزل لم يقع من قبل لأحد من مشايخ الأزهر فأخذ في جس نبض العلماء وسبر غورهم في ذلك فهوَّن عليه الشيخ حسن العدوي الأمرَ وأوضح له أنه وكيل الخليفة والوكيل له ما للأصيل فسُرَّ الخديو وبادر إلى عزل الشيخ العروسي في أواخر السنة المذكورة ، وكان العدوي يطمع فيها وما قال ما قال إلا توطئةً لنفسه فأخلف الله ظنَّه، وصدَر أمرُ الخديو في منتصف شوال بتوليته الشيخَ محمد العباسي المهدي والجمع له بين منصب الإفتاء ومنصب شيخ الأزهر.

ودعاه الخديو لمقابلته وخلَع عليه وأنزله من عنده بالموكب المعتاد فباشر شئونَ منصبه بحزم وعزم وتُؤدة وتعقُّل ، وكان أول ما صدر منه سعيه لإعادة ما كان لأهل الأزهر من المرتبات الشهرية والسنوية ثم استصدر أمرًا من الخديو بوضْع قانون للتدريس فأجابه إلى ذلك ووضع قانون الامتحان وكانوا قبل ذلك لا يمتحنون بل كان من تأهَّل للتدريس تصدَّر له ـ في أول درس له يحضره ـ شيوخُه وغيرهم من كبار العلماء ويناقشونه فإن وجدوه أهلًا أقرُّوه وإلا أقاموه.

ولم يزل المترجم سائرًا في طريقه المحمود ملحوظًا بعين التبجيل من الحكَّام وبين الخاص والعام حتى ثارت الثورة العُرابية المشهورة ورأى فيه العرابيون أنه ليس بالرجل الذي يوافقهم ويساعدهم في مطالبهم ، فكان من جملة ما طلبه عرابي باشا من الخديو لما زحَف الجيش على قصر عابدين عزْلُ المترجَم من الأزهر فعُزِل عنه في المحرم سنة ١٢٩٩ ﻫ وتولَّى بدله الشيخُ محمد الإنبابي وانفرد هو بالإفتاء.

ثم اشتدَّت الثورةُ وجاهر العرابيون بطلْب عزْل الخديو وكتبوا قرارًا بذلك وقَّع عليه العلماء والوُجهاء وامتنع المترجَم من التوقيع وقال لحامل القرار : (أنا لا أُوقِّع بيدي فإذا كان في الأمر غصبٌ فإن خاتمي معي خذوه ووقِّعوا أنتم بأيديكم كما تشاءون) فانحرف عنه العرابيون وبثُّوا عليه العيون حتى احتجب في داره التي على الخليج بالقرب من مدرسة الفخري المشهورة بجامع البنات وتحامى الناسُ زيارتَه وصار لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة في أقرب مسجد إليه.

ولما انتهت الثورةُ العُرابية وعاد الخديو للقاهرة في ١٢ ذي القعدة من تلك السنة ذهب الشيخ مع العلماء للسلام عليه وتهنئته فخصَّه الخديو من دونهم بمزيد من الترحيب والرعاية ، وكان بينهم الشيخُ الإنبابي شيخ الأزهر فلحظ ذلك وخَشيَ أن يعزلَه الخديو ليعيد العباسي فاستقال بعد أيام وأصدر الخديو أمرَه يوم الأحد ١٨ ذي القعدة بإعادة المترجَم إلى الأزهر علاوة على منصب الإفتاء بيده.

وفيما يلي نص ذلك الأمر الموجه من الخديو إلى رئيس النُّظَّار : إنه بناءً على استعفاء حضرة الأستاذ الشيخ محمد الإنبابي من وظيفة مشيخة الجامع الأزهر ووثوقنا بفضائل وعالمية حضرة الأستاذ الشيخ محمد العباسي المهدي قد اقتضتْ إرادتُنا توجيهَ هذه الوظيفة لعهدته كما كانت قبلًا علاوةً على وظيفة إفتاء السادة الحنفية المتحلِّي بها من السابق وصدَر أمرنا للمومَى إليه بذلك في تاريخه ولزم إصدارُ هذا لدولتكم إشعارًا بما ذُكِر ، في ٢ أكتوبر سنة ١٨٨٢ م الموافق ١٨ ذي القعدة سنة ١٢٩٩ ﻫ.

وكان بعض علماء الأزهر سعوا لتنصيب الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري وكتبوا كتابةً بذلك وأخذوا يوقِّعون عليها ويطوفون بها على العلماء ففاجأهم الأمرُ بإعادة المترجَم وذهب سعيُهم وتعبهم أدراجَ الرياح ، ثم استمر المترجَم جامعًا للمنصبين قائمًا بشئونهما أتمَّ قيام.

حتى كانت سنة ١٣٠٤ ﻫ وفيها بلغ الخديو أن جماعة من الأعيان والتجار مثل محمد باشا السيوفي وأخيه أحمد باشا يجتمعون للسَّمر بدار المترجَم في أغلب الليالي فيتكلَّمون في الأمور السياسية ويُظهرون أسفَهم من وجود الإنجليز بمصر وموافقة الحكومة لهم فيما يحاولون وغير ذلك من هذه الشئون ، فحنِق الخديو وأرسل من يُحضرون إليه محمد باشا السيوفي فلم يجدوه بل وجدوا أخاه أحمد باشا ومضى هذا معهم إلى القصر فوبَّخه الخديو توبيخًا شديدًا وقال له : يُخيَّل لي أنكم تريدون إعادة الثورة العُرابية ، فتبرَّأ من ذلك وحلف أن اجتماعهم لم يكن إلا بقصد السَّمر والائتناس.

ثم قابل الخديو المترجَم في إحدى المقابلات الاعتيادية فلم يهشَّ له كعادته بل قال له وقت الانصراف : يا حضرة الأستاذ الأجدر بالإنسان أن يشتغلَ بأمور نفسه ولا يتدخل فيما لا يعنيه ويجمع الجمعيات بداره ، فما كان جواب المترجَم إلا أن قال له : إنني ضعفت عن حمل أثقال الأزهر وأرجو أن تعفوني منه ، ولم يكن الخديو يتوقَّع منه هذا الرد فغضب وقال مستفهمًا : ومن الإفتاء أيضًا ؟ ، فقال له : نعم ومن الإفتاء أيضًا ، ثم انصرف.

ولم يكن المترجَم ممن يغرب عنهم أن مثل هذا السبب لا يدعو إلى الاستقالة خصوصًا أن الخديو صرفه بالحسنى مع من اتُّهم معه ولكن كان هناك سببٌ أقوى أغضب رئيسَ النظار نوبار باشا الأرمني وذلك لحادثة رُفعت عنها دعوى أمام المحاكم الأهلية واقتضى الأمرُ طلْبَ كشف وجه إحدى المُخدرات للتحقُّق منها فامتنعت عن الإسفار محتجةً بعدم جوازه في الشريعة ، واستُفتي المترجَم فأفتى بعدم الجواز فشكاه رئيسُ النظار إلى الخديو ووصفه له بأنه أصبح عقبةً أمام القضاة معارضًا لأحكام القضاء ثم طلَب عزلَه فيما يقال أو يُقيله الخديو من الوزارة.

فلما قال الخديو للمترجَم ما قال تيقَّن أن المراد عزلُه فاستقال ، وأمر الخديو يوم الثلاثاء ٣ ربيع الثاني من السنة المذكورة بإعادة الشيخ محمد الإنبابي للأزهر وإقامة الشيخ محمد البنَّاء للإفتاء ، وبقي المترجَم بداره التي على الخليج واشتغل بإصلاح قسم منها تشعَّث فأعاده إلى رونقه الأول وصبغ حيطانه بالأصباغ وهو القسم المطل على الخليج وصار يُمضي وقتَه بالنظر في شئونه الخاصة والاشتغال بالعلم إلى أن أُعيد إلى الإفتاء.

وأصيب في أواخر أيامه بفالج وهو يتوضأ لصلاة الجمعة أبطل حركتَه ثم تعافى قليلًا وصار يخرج في عجَلته للتنزُّه وعليه عباءة من الصوف ، وأُشير عليه بالإقامة بحلوان لجفافها فانتقل إليها وأقام بها برهة لم يستفدْ فيها شيئًا فعاد لداره بالقاهرة ، ووافتْه منيَّتُه في الساعة الخامسة من ليلة الأربعاء ١٣ رجب سنة ١٣١٥ ﻫ عن اثنتين وسبعين سنة بعد أن لازمه المرضُ نحو أربع سنوات فأُذِّن له على المآذن وحزن الناسُ لموته حزنًا شديدًا وتكاثرت الجموعُ على داره لتشييع جنازته فقيل إن عدد المشيعين بلغ نحو أربعين ألفًا والمصلِّين عليه خمسة آلاف.

ودُفِن بقرافة المجاورين في زاوية الأستاذ الحفني جنب أبيه وجدِّه ، ورثاه كثيرٌ من الشعراء جُمعت مراثيهم في رسالة ألَّفها الشيخُ عثمان الموصلي نزيل القاهرة وسمَّاها (المراثي الموصلية في العلماء المصرية) لأنه أضاف إليها ما رُثي به الشيخ عبد الرحمن الرافعي مفتي الإسكندرية والشيخ سليم القلعاوي شيخ مسجد القلعة والشيخ محمد المغربي وكلُّهم توفوا في هذه السنة أيضًا.

وكان المترجَم رحمه الله رَبْعة أقربَ إلى الطول مليح الوجه منور الشيبة معتدل القامة ذا هيبة ووقار ، مات عن ثروة طائلة وولدين هما الشيخ عبد الخالق المهدي والشيخ أمين ماتا بعده واحدًا تلو آخر ، ولم يُؤلِّف رحمه الله سوى مجموع فتاواه الذي سمَّاه (الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية) طُبع بمصر سنة ١٣٠١ ﻫ في ثمانية أجزاء كبار.

وعاش في عزَّةٍ وتبجيل مدَّة حياته ، وتولَّى الإفتاءَ أربعين سنة من سنة ١٢٦٤ ﻫ إلى سنة ١٣٠٤ ﻫ لم يُعزل فيها فلم تُحفَظ عليه بادرةُ خطأ أو مخالفة للشرع وسببُ ذلك أنه تولَّاه وهو صغير والعيون شاخصة إليه فكان لا يُفتي فتوى إلا بعد المراجعة والتدقيق والتعب الكثير ، فحصلت له بذلك ملَكةٌ فيه حتى صار معدومَ النظير لا يُجاريه مُجارٍ في هذا المضمار وأُضيف إلى ما كان عليه من التقوى والتشدُّد في أمر الدين حتى كانت مواقفُه أمام الولاة لا تزيده إلا رِفعةً في عيونهم لعلمهم أنه لا يريد إلا نُصرة الحق فأحبُّوه وأغدقوا عليه بالإنعام.

ومن مواقفه غير ما ذكرناه أن الخديو إسماعيل أراد مرة أن يستوليَ على الأوقاف الأهلية ويعوض عنها أهلها ما يقوم بمعاشهم فاستفتاه في ذلك فتوقَّف وأفتاه بعضُهم بالجواز فتكدَّر منه وجمَع بينه وبين مخالفيه فناظرهم وفاز عليهم بعدما ألَّفوا رسائلَ في الحادثة وأكثروا من الجلَبة.

ولم يقتصر الوُلاة على مشاورته في الأمور الدينية المختصة بمنصبه بل كانوا يستشيرونه في غيرها من معضلات الأمور لِما عرفوه فيه من سعة المدارك وجودة الرأي حتى إن إسماعيل لما عُزِل عن مصر قال لولده توفيق فيما أوصاه به : احتفظ يا بني بالشيخ المهدي فإنه رجل لا نظير له.

وبالجملة فمحاسن المترجَم كثيرة ولم يكن فيه ما يشينه سوى ما كان يرميه به بعضُ شانئيه من الإمساك والتقتير ويضعون عليه النوادر الخارجة عن حدِّ المعقول ، والمعروف عنه للقاصي والداني أن داره كانت مفتوحةً للصادر والوارد لا تخلو مائدتُه يومًا عنهم وحسبُنا أنه كان يُخرج زكاةَ أمواله كلَّ سنة ويُفرِّقها على المستحقين رحمه الله رحمة واسعة وأكثر في الأُمة من أمثاله.

وكان حائزًا لكسوة التشريف من الدرجة الأولى ومُنح الوسام العثماني الأول في ٢١ صفر سنة ١٣١٠ ﻫ هو وشيخ الأزهر الشيخ محمد الإنبابي وقاضي القضاة جمال الدين أفندي وسببُ ذلك أن السيد توفيق البكري نقيب الأشراف سافر في هذه السنة إلى دار السلطنة وتوصَّل بمساعدة الشيخ أبي الهدى الصيادي إلى مقابلة السلطان عبد الحميد فأنعم عليه بهذا الوسام وبرُتبة قضاء عسكر الأناضول ، فلما بلغ ذلك مسامعَ الخديو أحبَّ ألا يكون نقيبُ الأشراف ممتازًا عن كبار الشيوخ وأرسل إلى السلطان ملتمسًا الإنعامَ على المفتي وشيخ الأزهر برتبة قضاء عسكر الأناضول وعلى القاضي برتبة قضاء عسكر الرومالي لأنه كان حائزًا لرتبة الأناضول لكن طلبه لم يصادف قبولًا.

وأُحيل إلى المترجم قديمًا أمرُ انتقاء القضاة الشرعيين والمفتين الذين يقامون في ولايات القُطر ومراكزه فكان يختار ذوي الكفايات ويتحرَّى فيهم النجابةَ والذكاء والديانة ويُحامي عنهم لدى الحكَّام ويشدُّ أزرَهم فنال بذلك مقامًا لدى أهل العلم المرشحين لهذه المناصب ووجَّهوا وجوهَهم شطرَ داره ، وهو مع ذلك لا يميل مع الهوى في تنصيبهم ولو كان ممَّن يمدُّ اليدَ لجمَع من هذا الوجه شيئًا كثيرًا ثم رأتِ الحكومةُ أن يكون أمرُ تنصيبِهم منوطًا بلجنة تؤلَّف بنظارة الحقانية برياسة وكيلها إذ ذاك بطرس غالي باشا وعرضوا على المترجَم أن يكون من أعضاء تلك اللجنة فأبى.

وكان له في المحاماة عن أهل الأزهر ومساعدتهم القِدْحُ المُعلَّى وتُروى عنه مواقف في ذلك منها أن الشيخ مصطفى العروسي مدَّة تولِّيه على الأزهر استصدر من الخديو إسماعيل أمرًا بنفْي الشيخ حسن العدوي إلى إسنا وكاد يُنفَّذ فيه لولا أنه استغاث بالمترجَم فقام بناصره وذهب للخديو مستشفعًا ولجَّ وألحَّ حتى عُفي عن الشيخ “.

50 / وسائل الابتهاج في الطب الباطني والعلاج

رئيس مدرسة الطب في العصر الخديوي هو الطبيب سالم باشا سالم الحكيم الذي ولد بالقاهرة عام 1248 هـ / 1832 م وتوفي فيها عام 1310 هـ / 1893 م وهو ابن الشيخ سالم الشرقاوي واعظ الجيش المصري في جملة إبراهيم باشا على الشام ، وله من المؤلفات في المجال الطبي كتاب وسائل الابتهاج في الطب الباطني والعلاج طبع الجزء الأول والثاني بمطبعة بولاق والثالث والرابع بمطبعة وادي النيل المصرية عام 1880 م وكتاب الينابيع الشفائية والمياه المعدنية طبع عام  1882 م.

قضى سالم بمدرسة الطب أربع سنوات ثم ابتُعث إلى ميونيخ ـ عاصمة بافاريا ـ فدرس بها أربع سنوات ، وبعد عودته إلى مصر عُين جراحًا في إحدى فرق المدفعية بالجيش المصري براتب خمسة جنيهات في الشهر ومُنح رتبة يوزباشي (نقيب) ، وفي سنة 1856 م عين مساعدًا لأستاذ الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) بمدرسة قصر العيني الطبية ثم مساعدًا لأستاذ علم الرمد ثم مساعدًا لأستاذ علم الباثولوجيا (علم الأمراض) ورقي حينذاك إلى رتبة صاغ قول أغاسي (رائد).

وفي عام 1880 م رأس سالم سالم رئيسًا للجنة المكلفة بإعادة تنظيم المصلحة الصحية،ثم رئيسًا لمجلس الصحة العمومية وعضوًا في مجلس المعارف العمومية ، وفي 5 يوليو 1882 م كان يرأس لجنة الامتحان العام في مدرسة قصر العيني ولكنه اضطر إلى الهروب إلى الإسكندرية من وجه رجال الثورة العرابية وظل مع الخديوي توفيق حتى خمدت الثورة.

وظل يرتقي حتى مُنح رتبة ميرميران الرفيعة وصار رئيسًا للمدرسة الطبية كما منحه الخديو توفيق رتبة رومللي بكلربك واتخذه طبيبًا خاصًا له فظل في هذه الوظيفة حتى توفي توفيق باشا في يناير 1892 م ، فاختار خليفته عباس حلمي الثاني الدكتور كومانوس طبيبًا خاصًا له فاقتصر سالم باشا على ممارسة الطب بمنزله وفي منازل مرضاه.

وفي عام 1883 م انتشر وباء الكوليرا (الهيضة الوبائية) في مصر واختلف أعضاء المجلس الصحي في سببها فذهب هو وبعض أعضاء المجلس إلى أنها وافدة من الهند وذهب آخرون إلى أنها محلية نشأت داخل القطر المصري ، وقد حاول الإنجليز أن يثبتوا أن الحجاز هو مهد الكوليرا وضغطوا على الخديوي توفيق باشا ليُكره طبيبه سالم باشا سالم بإقرار ذلك غير أن سالم باشا لم يفعل ، وأظهر توفيق باشا مغاضبته إرضاء لهم وانتهى الأمر بأن ألغي المجلس في فبراير 1884 م.

ذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” سالم باشا سالم توفي سنة ١٨٩٣  / ١٣١١ ﻫ وُلِد في القاهرة ودخل مدرسة قصر العيني سنة ١٨٤٤ أقام فيها ٤ سنوات ثم أرسلته الحكومة إلى مدرسة مونيخ تلقى العلوم الطبية فيها ونال شهادتها مع تفوق على الأقران وأتم اختباراته الطبية في فينا وعاد إلى مصر.

وما زال يرتقي من جراح في فرقة المدفعية إلى رئيس مدرسة الطب ورئيس مجلس الصحة وطبيب الخديوي الخاص ونال شهرة واسعة ، وهاك أهم مؤلفاته وأكثر مصادره ألمانية : وسائل الابتهاج إلى الطب الباطني والعلاج طُبِع سنة ١٢٩٨ﻫ في ٤ مجلدات ، دليل المحتاج في الطب والعلاج ، الينابيع الشفائية والمياه المعدنية طُبِع سنة ١٣٠٠ ﻫ غير مقالاته في المجلات الطبية “.

وقد ترجم له علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة وهو يتكلم عن بلدة القنايات بالشرقية فقال : ” وقد نشأ من هذه القرية الحكيم الماهر الحاذق حضرة سالم باشا سالم وقد سألته عن ترجمته فكتب لى ما نصه : إن أصل والدى رحمه الله من عائلة من الشرقية ببلدة تسمى بالقنيات قريبا من الزقازيق بنحو ساعة وحضر إلى المحروسة سنة ست وثلاثين تقريبا لطلب العلم بالأزهر ، وتلقى عن جملة مشايخ منهم الشيخ حسن القويسنى والشيخ إبراهيم البيجورى والشيخ حسن العطار ومن ماثلهم من العلماء الفخام وتشرف بالخدمات الميرية بوظيفة واعظ بالألايات المصرية المتوجهة نحو الشام سنة ثمان وأربعين ففى غيبته هذه ولدت وسميت باسمه.

وبعد عوده إلى الديار المصرية اجتهد فى تعليمى وتربيتى بالمكاتب الأهلية وسنى نحو ست سنين فتعلمت القرآن على الشيخ محمد بسمة أولا ثم جودت القرآن على الشيخ فتوح البجيرمى أحد المدرسين بالأزهر ثم دخلت المدارس ، وكان دخولى بها على رغبة منى وعلى غير رغبة من والدي لأنه كان جل قصده تعلمي بالأزهر مع أنه كان موظفا فى المدراس وسبب رغبتى فيها أنه كان عندنا ضيف مريض فأحضر له والدى المرحوم الدكتور إبراهيم بيك النبراوى الشهير فأجرى له عملية الحصاة فبرئ منها فرغبت من حينئذ فى تعلم تلك الصناعة فلحقت بالمدارس.

فمن سنة ثمان وخمسين إلى سنة ستين فى مدرسة الألسن بالأزبكية تحت رياسة المرحوم رفاعة بيك وفى آخر تلك السنة ألحقت بمدرسة الطب البشري وكان مدير المدارس إذ ذاك المرحوم أدهم باشا وناظر مدرس الطب البشرى المعلم بيرون الفرنساوي ، ولم أزل بها مواظبا على دراستي إلى نحو سنة خمس وستين وحصلت فى تلك المدة العلوم التى تعطى هناك من الفرقة الخامسة إلى الأولى وكان والدى إذ ذاك مصححا لكتب الطب بتلك المدرسة.

ومن أساتذتى فى فن العربية العلامة الشيخ أحمد عبد الرحيم أبو السعود الطهطاوى وغيره وكنت مع ذلك أحضر درسا بالأزهر بعد المغرب فى فقه الشافعى على الشيخ علي المخللاتي ، وحين ما تولى المرحوم إبراهيم باشا فى أواخر سنة أربع وستين انتخبت بواسطة المرحوم أدهم باشا وكلوت بيك رئيس الطب بالديار المصرية إذ ذاك للتوجه إلى فرنسا لأجل اكتساب العلوم الطبية بها كي أكون فيما بعد طبقا للأمر إذ ذاك خوجة من خوجات دار الفنون التي كان عازفا على إنشائها وبنائها بحوش الشرقاوي وتدريس جميع الفنون العالية فيها إلا أن هذا الأمر لم يتم لانتقاله إلى دار البقاء.

وفى أوائل سنة خمس وستين لما تولى المرحوم عباس باشا وأمر بإلغاء جميع المدارس وانتخاب مدرسة واحدة سماها بالأورطة المفروزة وجعلها ابتداء بالخانقاة وهى عسكرية جعلت تلميذا عسكريا لتحصيل الفنون العسكرية بها ، فتراءى لى أن جميع ما حصلته من الفنون الطبية بغاية الاجتهاد وسهر الليالى كاد يكون هباء منثورا فصرت من أجل ذلك متلهف الفؤاد باكي الطرف ليلا ونهارا حيث لم يبق علىّ من التعليم إلا ثلاثة أشهر وأتعين بوظيفة الحكيم برتبة الملازم الثانى فتماديت على ذلك نحو ثلاثة أيام.

وبينما أنا بهذه المثابة إذ صدر منه أمر بتعيين تلامذة إرسالية من باقى تلامذة مدرسة الطب إلى ألمانيا وصدور الأمر كان للطبيب الماهر برنير بك ، فحين حضر للانتخاب بتلك المدرسة ولم يجد من يليق بتلك المأمورية وكان مطبوعا فى صحيفة مخيلته اسمى وصورتى لكثرة ما شاهدنى فى الامتحانات العمومية فسأل عنى ناظر تلك المدرسة ورئيسها وكان إذ ذاك معلمى المرحوم محمد بيك الشافعى ، فأطنب فى مدحى هو ومن كان حاضرا فى مجلس الانتخاب وهو المرحوم إبراهيم بيك رأفت وكيل ديوان المدارس.

فما كان من ذاك الطبيب المأمور بالانتخاب إلا أن صمم على الحصول على أمر مخصوص بخروجي من المفروزة وتوجهي إلى ألمانيا وإن بلغت صعوبة خروجى من الأورطة المفروزة ما بلغت لأن المرحوم عباس باشا لم يسمح بإخراج أحد منها ، فأسعفتنى الألطاف الإلهية بصدور أمر بحضورى إلى مصر ومعى بعض تلامذة من المدارس المختلفة ومن مدرسة الطب أيضا للانتخاب منهم ، وقد كان فحضرنا إلى ديوان المدارس بالأزبكية وناظره إذ ذاك المرحوم كامل باشا وحضر برنير بيك فكنت أول من صمم على إرساله بدون امتحان وامتحن غيرى فكان الجميع تسعة أشخاص.

فتوجهنا فى السنة المذكورة إلى بلاد ألمانيا مجتازين من طريق الإسكندرية إلى تريسته بحرا ومنها إلى ليباخ برا بعربات البوسطة حيث لم يكن إذا ذاك سكة حديد ومنها إلى منيخ قاعدة بلاد البؤاريا على سكة الحديد فما كان أعجب لمنظرنا من تلك السياحة حيث لم يطرق أذهاننا شئ يقال له سكة حديد ، فعندما وصلنا إلى تلك البلدة الشهيرة صرنا فى نظارة أحد المشرعين المعتبرين بتلك البلدة واسمه (البارون دوبريل) فأحسن تربيتنا واشتغل بها مع كمال النصيحة والاعتناء بحيث حصلت أنا ومن معى تحت نظارته ابتداء على اللغة النمساوية.

ولم يأل جهدا فى تحصيل العلوم الطبية مع باقى اللغات الضرورية كاللغة الفرنساوية والإنكليزية وما لزم من اللغة اليونانية واللاتينية ، مع تمريننا على اكتساب عوائد الأوروباوية بإدخالنا الجمعيات الحافلة وزيارة العائلات الشهيرة والسياحات المتعددة فى جهات جبال ذاك القطر وغيرها واطلاعنا على آثار تلك البلدة النفيسة التى أستحقت أن تسمى بأتينه المستجدة لما فيها من المنشآت العظيمة العتيقة والمستجدة.

وبعد أن أتممت دراستى فى هذه البلدة حصلت بامتحان عام على رءوس الأشهاد على رتبة الدكتورية وكان إذ ذاك حاضرا ما ينيف على عشرين معلما لابسين هيئة الملابس الطبية الرسمية القديمة أعنى التاج والفرجيات الواسعة الأكمام جدا وإرخاء الشعور المستطيلة وبعضهم متقلد بالنياشين وأنا متقلد بالسيف الصغير حكم عادتهم القديمة مع كل متقلد برتبة الدكتورية.

وكان ممن حضر هذا الامتحان بعض المعلمين المشهورين فى كل البلاد لا بخصوص مملكة الببؤويرا كالمعلم ليبج الكيماوى وسييلد المشرح وروت موندا الجراح وفيفر الطبيب ، وكان هذا هو المحامى لى فى حومة هذا المحفل العظيم وقد أجاد فى مقالة عظيمة راجعها فى خطبة كتابنا (وسائل الابتهاج فى الطب الباطنى والعلاج) ترجمة كتاب الشهير نيمير.

وبعد ذلك توجهت فى سنة ٧٠ إلى وبينة طبقا لأمر المرحوم عباس باشا لأجل الحصول على المعلومات الطبية العملية ، وقد اقتدينا بمشاهير عديدة منهم المعلم شوه معلم الجراحة وتلسر واسكودا معلما الطب والمعلم روكتنسكى معلم التشريح المرضى والمعلم بيجر وروزاس معلما فن الرمد والمعلم سجموند معلم الداء الزهري والشهير هبرا معلم أمراض الجلد.

وفى هذه السنة توفى المرحوم عباس باشا وقد تمادينا على تعليمنا العملي بأمر مخصوص من المرحوم سعيد باشا ، وفى آخر هذه السنة توجهنا إلى برلين تخت بلاد البروسيا بقصد الاطلاع على أعمال مشاهير الأطباء فى هذه البلدة على وجه السياحة والاستكشاف فحظينا بمقابلة المشاهير من الأطباء فى تلك البلاد واطلعنا على أعمالهم وعظم تقدمهم ، ثم رجعنا إلى وبينة فكأننا اطلعنا فى هاتين البلدتين على جميع عملية الطب حيث أنهما أكثر تقدما من جميع أوروبا ومعادلتين للوندرة وباريس.

وفى أواخر سنة ٧١ صدر الأمر برجوع الرسالة جميعها إلى مصر وكان المتمم لدراسته والمتحصل على درجة الدكتورية معنا الدكتور حسن الألفى مفتش الصحة بالصعيد الآن والدكتور مصطفى النجدى والمرحوم الدكتور مراد ، وبعد أن عدنا إلى أوطاننا واستخدمنا بوظائف حكماء بالأورط السعيدية وحكيم باشى المرحوم مصطفى بيك السبكى معنا فصار تأسيس إستبالية مخصوصة بالعساكر السعيدية بالقناطر الخيرية ، وكنا نشتغل بملاحظة صحة العساكر ومعالجتهم بهذا المستشفى وكان من قسمى الطوبجية بالألايات وقسم الجراحة بالمستشفى إلا أنا نعد أنفسنا إذ ذاك من العرب الرحالة النزالة ولم نزل بهذه المثابة سنة ٧١ وسنة ٧٢ ، وفى هذه المدة ترقيت إلي رتبة اليوزباشى الغرديات بمرتب ألف ومائتى غرش.

ثم فى سنة ٧٣ لما فتحت ثانيا مدرسة الطب البشرى بعد اندراسها وحصل تشكيلها وتعيين خوجاتها انتخبت بواسطة كلوت بيك بوظيفة خوجة ثاني فحضرت من الألايات السعيدية إلى مصر وتوظفت بالمدرسة وباشرت معالجة المرضى بالإسبتالية الكبرى بقصر العينى وكذا الأهالى ، فكنت أولا معلما ثانيا فى الفسيولوجية ثم الرمد مع ترجمة دروس الجراحة من الفرنساوية إلى العربية للمعلم ربير ، ثم فى سنة ٧٤ صرت معلما ثانيا فى الأمراض الباطينية بالمدرسة وحكيما ثانيا لقسم الأمراض الباطينية فى الإكلينك مع الشهير برجير بيك وكان إذ ذاك رئيس المدرسة والإسبتالية وهو الآن حكيم الحضرة الخديوية.

ثم فى سنة ٧٥ ترقيت إلى رتبة صاغقول أغاسي ، وفى سنة ٧٧ انتخبني المرحوم سعيد باشا حكيما له فى السفرية للأقطار الحجازية بقصد الزيارة وكانت هذه أول مأمورية كبيرة لي فصحبناه وتوجهنا معه فى هذه السنة من السويس إلى الوجه بحرا ومنه إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام برا وتوسلنا بالجاه العظيم ودخلنا معه الحجرة النبوية وأقمنا بالمدينة نحو خمسة أيام وعدنا منها إلى مصر بطريق ينبع.

وفى تلك السنة انتقلت من المدرسة إلى الجهادية بوظيفة حكيمباشى الألايات عموما ، وفى سنة ٧٨ ترقيت وأنا فى هذه الوظيفة إلى رتبة القائم مقام وعدنا بها إلى المدرسة الطبية بالقصر ، وفى سنة ٧٩ صرت معلما أول للأمراض الباطنية وحكيمباشى قسم الأمراض الباطنية ، وفى سنة ٨١ تشرفت بالرتبة الثانية وبحكيمباشى الدائرة البهية وحكيما خصوصيا لذات الدولة والعصمة والدة الحضرة الخديوية.

وفى سنة ٨٢ توجهت إلى الآستانة العلية نائبا بوظيفة حكيم مندوب من الحكومة المصرية إلى مجلس الكونفرانس بالآستانة العليه لأجل المذاكرة فيما يخص مسألة سريان الكوليرة وثبوت سريانها بالإنسان وضرب الوسايط الكرنتينية ، وكان فى هذا المجلس المؤلف نحو من ثلاثين نفسا أطباء من جميع الدول وتعلمت إذ ذاك اللسان التركى بعد تأدية مأموريتي وحصلت على نشان من الدرجة الثالثة المجيدية.

ثم فى سنة ٨٤ توجهت إلى جزيرة كريد للكشف عن صحة العساكر المصرية وإنشاء إسبتالية لمن كان مريضا بها ، وفى سنة ٨٥ رجعنا قبل انتهاء الحرب لأجل السفر مع الفميلية العالية الخديوية إلى الآستانة العلية بوظيفة حكيم ، وفيها بعد العود رجعنا إلى وظائفنا الأصلية.

وفى سنة ٨٦ توجهت مع الحضرة الخديوية التوفيقية حين كان ولىّ عهد الخديوى السابق بمأمورية وظيفة حكيم مخصوص لركابه إلى الآستانة العلية ثم إلى النمسا بطريق وارنا ونهر الطونا وأقمنا بها عدة أسابيع وعدنا ثانيا إلى المحروسة وحصلت فى هذه السياحة على تشريفى بنيشان من الدرجة الثالثة أيضا من ملك النمسا تشريفا لى لأجل مصاحبتى لمعية الحضرة الخديوية التوفيقية.

وفى سنة ٨٧ توجهت إلى بلاد سويسرا بوظيفة حكيم معالج لدولتلو أفندم حسين باشا ثانى أنجال الخديوى إسماعيل باشا وناظر المالية ، وفى سنة ٨٨ تشرفت برتبة المتمايز مع بقاء وظائفى على ما هى عليه ، وفى أثناء مباشرتى لعملية التعليم ترجمت كتاب الشهير نيمير وسميته كما تقدم بوسائل الابتهاج فى الطب الباطنى والعلاج.

وفى سنة ٩٠ توجهت إلى الآستانة العلية بمعية الخديوى إسماعيل باشا بوظيفة حكيم فى ركابه ، وفى سنة ٩١ توجهت أيضا إلى الآستانة صحبة ركاب دولتلو عصمتلو أفندم والدة باشا بوظيفة حكيمها المخصوص ، وكانت جميع هذه المأموريات هى وخلافها فى زمن الصيف وباقى أيام السنة لم أزل مباشرا لوظيفتى الأصلية فى شأن التعليم العلمى والعملى بالمدرسة الطبية “.