العصر الخديوي الجزء السابع

61 / مذكرات أحمد عرابي

نشأتي الأولى : ولدت في ٧ صفر سنة ١٢٥٧ﻫ من أبوين شريفين من ذرية العارف بالله السيد صالح البلاسي البطائحي ومقامه الشريف بقرية فاقوس بمديرية الشرقية ، وهو أول من قدم إلى بلاد مصر من بلاد البطائح بالعراق في أواسط القرن السابع للهجرة وهو من ذرية الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى الكاظم من سلالة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة الزهراء البتول بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، واسم والدي محمد عرابي ابن السيد محمد وفي ابن السيد محمد غنيم ابن السيد إبراهيم ابن السيد عبد الله إلى آخر السلسلة الشريفة ، واسم والدتي فاطمة بنت السيد سليمان ابن السيد زيد  تجتمع مع والدي في جدي الثالث عشر المسمى إبراهيم مقلد رحمه الله تعالى.

ومولدي كان بقرية هرية رزنة بمديرية الشرقية على ميلين من شرقي بندر الزقازيق ، وهي بلدة قديمة جدًّا من ضواحي مدينة بوباسطة كرسي مملكة العائلة ٢٢ من زمن شيشاق بن نمرود التي يقال لها الآن تل بسطة وعشيرتي فيها نحو ربع تعدادها ، وكان والدي رحمه الله تعالى شيخًا عليها إلى أن تُوفِّي في شهر شعبان سنة ١٢٦٤ﻫ في زمن الهواء الأصفر عن ثلاث نسوة وأربعة أولاد وست بنات وكنت ثاني أولاده الذكور وسِنِّي ٨ سنوات ، وترك لنا ٧٤ فدانًا ولو شاء لاستكثر من الأطيان الزراعية ولكنه كان رحمه الله تعالى يراعي صالح أبناء عمومته حيث إن أطيان القرية كغيرها كانت مكلفة بأسماء المشائخ يوزعونها بمعرفتهم على أهل بلادهم بحسب الاحتياج إلى عهد المغفور له عباس باشا الأول وهو أول من كلف الأطيان بأسماء الأفراد وألزمهم بدفع خراجها، وما زاد عنهم يترك للميري ويسمونه المتروك.

وكان والدي عليه سحائب الرحمة والرضوان عالمًا فاضلًا تقيًّا نقيًّا ، أقام بالجامع الأزهر ٢٠ سنة تلقى فيها الفقه والحديث والتفسير ، وبرع في كثير من العلوم النقلية والعقلية على كثير من المشائخ كشيخ الإسلام القويسني رحمه الله تعالى وغيره من العلماء الأطهار ، ولما آلت إليه وظيفة الشياخة على عشيرته جدد عمارة المسجد المنسوب إلى عشيرته بالقرية المذكورة ، وفيه أربعة أعمدة من الحجر الصوان القديم ومنبر من الخشب عجيب الصنعة ، وأنشأ بجوار المسجد مكتبًا لتعليم القرآن الشريف ، وجعل له فقيهًا صالحًا عالمًا يسمى الشيخ نجم من سلالة السيد العزازي وألزم الأهالي بتعليم أولادهم ، وكان رحمه الله يشدد عليهم في ذلك حتى صار نحو نصف تعداد الناحية المذكورة يحسنون القراءة والكتابة ، وكل منهم يعرف واجباته الدينية.

ومنهم نحو مائة وخمسين فقيهًا عالمًا، ومنهم المرحوم الشيخ محمد حسين الهراوي من علماء الجامع الأزهر ، والشيخ العارف بالله إبراهيم المصيلحي ، نفع الله به المسلمين ، فلما بلغ سني ٥ سنوات أرسلني والدي إلى المكتب المذكور ، فأقمت فيه ثلاثة أعوام ختمت فيها القرآن الشريف وعمره إذ ذاك ثماني سنين وبضعة شهور فلما تُوفِّي والدي كفلني أخي الأكبر المرحوم السيد محمد عرابي الذي تُوفِّي في ٢٥ شعبان سنة ١٣١٨ رحمه الله تعالى ، وأخذت عنه مبادئ علم الحساب وتحسين الخط مع ملاحظة بعض أشغال الزراعة ، ثم بدا لي المجاورة في الأزهر حين بلغت اثني عشر عامًا ، فكنت أجوِّد القرآن على أقاربي وأهل بلدي نهارًا ، وأتوجه إلى بيت عمتي ليلًا ، وتلقيت شيئًا قليلًا من الفقه والنحو ، وبعد سنتين رجعت إلى بلدي.

سعيد باشا : وكان المرحوم سعيد باشا عليه سحائب الرحمة والرضوان قد تولى الحكومة الخديوية في ١٥ شوال سنة ١٢٧٠ وأمر بدخول أولاد مشائخ البلاد وأقاربهم في العسكرية ، فدخلت من ضمنهم وانتظمت في سلك الأورطة السعيدية المصرية بقناطر فم البحر في شهر ربيع أول عام ١٢٧١ وجُعِلت فيها وكيل بلوك أمين من أول يوم صار انتظامي في سلك العسكرية بعد امتحاني بحضور إبراهيم بك أمير الآلاي وحسن أفندي الألفي حكيم الآلاي ، ثم ترقيت إلى رتبة بلوك أمين في شهر رجب من السنة المذكورة بعد إعادة الامتحان مع الطالبين لذلك من غير واسطة أحد غير الجد والاجتهاد.

وبعد عام نظرت فرأيت بعض الباشجاوشية المصريين ترقى إلى رتبة الملازم الثاني ، وعلمت أن البلوك أمين لا يرتقي إلا إلى رتبة الصول قول أغاسي وفيها يفنى عمره ، فجزعت من ذلك وذهبت إلى أمير الآلاي وطلبت منه ترتيبي في رتبة جاويش في أورطة كانت أُفرزت لإرسالها إلى مدينة المنصورة ، فسألني الأميرالاي المذكور عن سبب ذلك حيث إن راتب الجاويش أقل ١٠ غروش من راتب البلوك أمين وإن كانت الرتبتان متساويتين ، فأفصحت له عما خالج فكري وأني إذا صرت جاويشًا سهل عليَّ الحصول على رتبة الباشجاويش ثم الانتقال إلى رتبة ضابط ، فعجب لذلك الخاطر وأمر في الحال بجعلي جاويشًا ، فمكثت في هذه الرتبة سنتين.

وفي تلك المدة حبب إليَّ الاعتزال عن الناس والاشتغال بدراسة قوانين العسكرية مع التدبير في معانيها حتى أتقنت قانون الداخلية وقوانين تعليم النفر والبلوك والأورطة وبعض فصول من تعليم الآلاي ، وفي أوائل عام ١٢٧٤ أمر سعادة راتب باشا بجمع الصف ضباط فاجتمعنا حوله في فسحة قصر النيل وبلغنا إرادة المرحوم سعيد باشا وقال : إن أفندينا بلغه أنكم تقولون فيما بينكم كيف يصير ترقي الصف ضباط الجدد وتأخير من هو أقدم منهم في الرتب وأنه أمر أن لا يترقى أحد بعد الآن إلا بعد الامتحان علمًا وعملً، فمن فاق أقرانه في الامتحان ترقى إلى الرتبة التي يستحقها ولو لم يلبث في رتبته الأولى غير شهر واحد فمن أراد منكم الامتحان فليتقدم إلى الأمام.

فعند ذلك تقدمت أمام سعادته ، وأحجم الآخرون خوفًا وهلعًا ظنًّا منهم أنه يريد معاقبة من يتظاهر بذلك ، ولما كرَّر عليهم الطلب خرج آخر وآخر حتى بلغ عدد الراغبين في الامتحان نحو ٣٠ شخصًا ، فصار امتحانهم بحضوره تحت رئاسة المرحوم إسماعيل باشا الفريق ، فكنت أول فائز في الامتحان ، ثم صار جميع الضباط والصف ضباط بمعرفة سعادة راتب باشا الذي كان وقتئذٍ أميرالاي وصار طلبي أمام الجميع ، ووضع في صدري نيشان الباشجاويش وأعلن ترقيتي إلى هذه الرتبة ، وبعد عام أي في أول عام ١٢٧٥ صار امتحان الباشجاويشة بحضور سعادة راتب باشا أيضًا والمرحوم إسماعيل سليم باشا الفريق فكنت الفائز الأول وترقيت إلى رتبة الملازم ثاني التي كنت أدأب في الحصول عليها منذ البدء.

ثم بعد سبعة أشهر صار امتحان الضباط في القصر العالي فكنت أول فائز فيه ، وكُتب اسمي في أول جدول الامتحان ، ولما عُرض الجدول على ساكن الجنان سعيد باشا أمر بإعادة امتحاني وانتدب لذلك المرحوم سليمان باشا الفرنساوي رئيس رجال العسكرية ، فطُلِبت ثانيًا إلى الامتحان وكان يومًا مشهودًا ، وبعد الامتحان التمس سليمان باشا المشار إليه خروج الخديوي المرحوم إلى ميدان الإمام الشافعي رضي الله عنه وهناك يصير امتحاني في الميدان بأورطة من العساكر بحضرته الخديوية.

فسأله الخديوي عما يقصده بذلك فقال : إنه مستحق لرتبة الميرالاي لأن الذين ترقَّوا إلى هذه الرتبة من المدارس الحربية لم يقروا في أجوبتهم مثله ، فقال الخديوي رحمه الله تعالى : لا يمكن ذلك ، فقال له : يحسن إليه على الأقل برتبة بكباشي ، فأبى عليه ذلك وقال : يلزم أنه يتدرج في كل رتبة ليعرف واجباتها ، وأحسن إليَّ برتبة ملازم أول وأمر باعتبار جدول هذا الامتحان وأن يكون الترقي على مقتضاه بدون تجديد امتحان لمدة مجهولة ، وقبل مضي شهرين أحسن عليَّ برتبة يوزباشي والتحقت بمعيَّته ، وفي أوائل سنة ١٢٧٦ ترقيت إلى رتبة صاغقول أغاسي في بني سويف.

وبعد العودة إلى مصر صار ختان المرحوم الطيب الذكر طوسن باشا النجل الوحيد للمرحوم سعيد باشا ، فأولم المرحوم الخديوي وليمة شائقة دعا إليها جميع أعضاء العائلة الخديوية في قبة عظيمة حضرها جميع الضباط والذوات وغيرهم من الأجانب ، وبعد الطعام انتصب الخديوي رحمه الله تعالى قائمًا وقال خطبة ارتجالية ذكر فيها : (أن من أمعن النظر في تاريخ بلادنا هذه وتوالي حوادثها المحزنة لا يسعه غير الأسف والتعجب كيف توالت الأمم الأجنبية على أهلها وهم يظلمون سكانها كالكلدانيين والفرس قبل الإسلام والترك والأكراد والشركس وغيرهم بعد الإسلام وكلهم يُفسدون ولا يُصلحون وإني عزمت على تثقيف أبناء البلاد وتهذيبهم وترقيتهم حتى تكون حكومة البلاد بأيديهم بصفة كوني مصريًّا منهم وبالله الاستعانة).

فوقع هذا الخطاب على من حضر من غير المصريين وقوع الصواعق ، وتهللت وجوه المصريين وشكروا ودعوا وانقضت الحفلة ، ثم في أواخر سنة ١٢٧٦ ترقيت إلى رتبة بكباشي ، وفي أوائل عام ١٢٧٧ أحسن إليَّ برتبة القائمقام الرفيعة كما أحسن بها إلى السيد محمد باشا النادي وعلى المرحوم راشد باشا راقب الذي استُشهِد بحرب الحبشة في عام ١٢٩٣ وعلى المرحوم عثمان باشا رفقي الذي صار ناظرًا للجهادية قبل الثورة الوطنية ، فكنا أربعة قائمقامات اثنين مصريين واثنين شركسيين ، وكلٌّ منا استلم قيادة آلاي بيادة ، وفي السنة المذكورة سافرت بمعية المرحوم سعيد باشا إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام برتبة القائمقام كما ذكرتم ذلك في كتابكم تاريخ مصر الحديث.

وفي عام ١٢٧٨ رأى سعيد باشا أن الحكومة سقطت في دين يبلغ مقداره ٦ ملايين جنيه مصري ، وذلك يساوي إيراد الحكومة في ذاك الوقت سنة كاملة تقريبًا ، وكان ذلك المبلغ ثمن أسلحة ومهمات حربية وملبوسات وذخائر عسكرية موصى عليها في معامل أوروبا وردت بعد وفاته رحمه الله تعالى ، فأمر برفت جميع الآلايات وأبقى أورطة واحدة كان فيها يوزباشي سعادة مصطفى فهمي باشا رئيس النظار الآن وعلي فهمي باشا الذي نُفِيَ معنا إلى سيلان ، وأمر باستيداع الضباط بالمحافظات والمديريات على حسب رغبتهم ومن له بلد يتوجه إلى بلده ويصرف لهم نصف مرتباتهم في مدة استيداعهم ، وأمر أن تضاف مرتباتهم على الأطيان مؤقتًا ريثما يتم تسديد الدين فخص الفدان الواحد ٥٠ فضة أي غرش واحد وربع ، وقد حصل ذلك فعلًا ، ثم صار بيع الخيول ومأكولات العساكر ومفروشاتها وكانت من البوسطى وغيرها ، وكذا الفضيات الموجودة في خزائن الأمتعة والمسافرخنات وكذا الفوريقات الموجودة في جميع القطر المصري والأطيان المتروكة في كل المديريات ، كل ذلك رجاء تسديد الدين.

وفي أوائل عام ١٢٧٩ سافر المرحوم سعيد باشا إلى أوروبا لمعالجة نفسه من داء السرطان ، وكان بمعيته المرحوم محمد علي باشا الحكيم المصري الذي استشهد في حرب الحبشة عام ١٢٩٣ فصدر أمره الكريم إلى قائمقام خديوي فخامة إسماعيل باشا الخديو الأسبق بطلب جميع الضباط المصريين من بلادهم وإقامتهم في قصر النيل ومداومتهم على التدريس في القوانين العسكرية يقول فيه: (إن الضباط الوطنيين المترقين من تحت السلاح قد اشتغلوا بملازمة نسائهم وتركوا دروسهم ولو تركناهم على هذا الحال الذي لا يئول عليهم منه إلا بالوبال لفقدوا العافية والنظر وصاروا عبرة لمن يعتبر وبما أننا نحن الذين ربيناهم ورقيناهم وأظهرناهم فلا يصح لنا تركهم في هذا الحال الذي ذكرناه فقد اقتضت إرادتنا جمعهم من بلادهم وعدم تمكنهم من نسائهم حتى ولا بالنظر إليهن بالعين والتشديد عليهم بمداومة التدريس ليلًا ونهارًا في قصر النيل) ، وبناء على هذه الإرادة صار اجتماعنا في قصر النيل ، وفي ربيع الأول انتُدِبت لفرز الصف ضباط في الوجه القبلي وتعيَّن معي حكيمًا للفرز المرحوم سالم باشا سالم الحكيم وكان برتبة قائمقام أيضًا.

وفي ٢٧ رجب من تلك السنة تُوفِّي المرحوم سعيد باشا ودُفن في الإسكندرية بالمدفن المجاور لمسجد النبي دانيال عليه السلام بعد عودته من أوروبا ، وجلس على الأريكة الخديوية ابن أخيه إسماعيل باشا الخديو الأسبق وصار ترتيب الآلايات ، فكان ترتيبي قائمقام ٦ جي آلاي بيادة ، وأما سعادة نادي باشا فتعيَّن على آلاي جميع ضباطه من المصريين المترقين من زمن سعيد باشا وأُرسل إلى السودان.

وحاصل الأمر أني دخلت العسكرية نفرًا بسيطًا في أوائل سنة ١٢٧١ وبلغت رتبة القائمقام في أواخر عام ١٢٧٧ بجدِّي واجتهادي وسهر الليل والنهار على حد قول القائل : ومن طلب العلى سهر الليالي ، ونجح كثير من تلامذتي نجاحًا تامًّا حتى كانوا في مقدمة جميع الضابطان في الامتحانات العمومية ، وكان السبب في هذا الاجتهاد الغريب الذي فاقوا به المتخرجين من المدارس الحربية وكان أغلبهم أميين ، رغبة المرحوم سعيد باشا في تقدم أبناء الوطن ومساواتهم لغيرهم كما ذكر ، ومحبته لهم وانعطافه إليهم ، ومعاملته للجميع بالعدل والمساواة مع تفقُّد أحوالهم ومراعاة سيرهم وحسن سلوكهم كأنهم أولاده ، وكفى بالأمر الصادر منه وهو في بلاد أوروبا في حقهم المذكور آنفًا برهانًا صادقًا على حسن معاملته للوطنيين كأنه كان وصية منه عليهم لمن يخلفه وهذا هو الذي أوغل علينا صدور إخواننًا من الترك والشركس وغيرهم.

ولقد قال لي مرة رحمه الله تعالى وأنا برتبة قائمقام : (إن جميع الناس عادوني حتى أهلي رجالًا ونساء بسبب مساواتكم بغيركم فحققوا أملي فيكم) ، فأجبته : ولكن الله سبحانه وتعالى يرضى عنك والأمة المصرية ترضى عنك بمراعاتك للحق والإنصاف ، هذا وبسبب عدله وقناعته أَثْرَت البلاد في زمنه وأخصبت الأرض وانتعشت الأمة حتى صار الرجل المزارع بعمل يده يحصل له فوق ٢٠ جنيهًا في السنة ، وهذا ما حفظ مصر من الإفلاس في مدة خلفه الذي بلغ دين الحكومة في زمنه مائة ألف ألف وألف ألف جنيه كما هو مدون في بطون الدفاتر.

نشأتي الثانية : ولما تولى الخديوية المرحوم إسماعيل باشا وأمر بإنشاء ٦ آلايات بيادة كنت قائمقام في الآلاي السادس ، وكان المرحوم خسرو باشا أميرالاي على الآلاي الثاني ثم ترقى إلى رتبة لوا باشا وكان رحمه الله متعصبًا لأبناء جنسه تعصبًا أعمى ، وترتب قومندانًا على الآلاي ٥ و٦ ولما وجدني وطنيًّا قحًّا عظم عليه وجودي في الآلاي وسعى في رفتي من الآلالي لأجل إخلاء محل لترقية أحد أبناء المماليك مصطفى أفندي سليم ابن سليم بك المشهور بالحجازي ، ولأجل هذه الغاية صار يترقب الفرص للإيقاع بي إلى أن صدر أمر الجهادية بامتحان الضباط لأجل استكمال النقصان.

وبعد أن صار الامتحان وتحررت العرايض للمستحقين وختم عليها من أرباب الامتحان ، وكنت من أعضاء مجلس الامتحان تحت رئاسة الباشا المذكور ، أرسل لي عريضة أحد الملازمين اسمه سيد أحمد أفندي وطلب أخذ اسمي من عريضته والختم على عريضة ضابط آخر من أورطة مصطفى أفندي سليم البكباشي لكونه دائمًا يباشر خدمة منزل البكباشي المذكور ، فشق عليَّ هذا الأمر وتوجهت إلى منزل اللواء باشا وأخبرته أن يعفيني من الختم على عريضة من لا يستحق ، فقال : لا بد من الختم لأجل خاطر البكباشي المذكور ، فقلت : إن هذا ظلم لا أفعله وإذا كنت تراعي خاطر البكباشي في الظلم فأولى لك أن تراعي خاطر رئيسه في العدل ، وذكرته بعاقبة هذا الأمر إذا تشكى المظلوم إلى ديوان الجهادية وطلب امتحانه مع الآخر كما حصل مثل ذلك في زمن المرحوم سعيد باشا وصار عزل جميع أعضاء مجلس الامتحان مع رئيسهم بسبب ظلم نفر مستحق رتبة أونباشي وهي أدنى رتب الصف ضباط.

ثم ذكَّرته بعاقبة الظلم غدًا بين يدي العزيز الجبار ، فحنق لذلك حنقًا شديدًا وذهب إلى ناظر الجهادية المرحوم إسماعيل باشا سليم وأخبره أني لا أطيع له أمرًا ولا أعبأ بأوامر ديوان الجهادية ، وناظر الجهادية عرض للخديو الأسبق بذلك ثم صدر الأمر برفتي من الجهادية بالقول أني قوي الرأس شرس الأخلاق (وما بي والله من شراسة ولكن جبلني الله سبحانه على حب العدل والإنصاف وكره الظلم والاعتساف) ، فترتب على ذلك رفتي من الخدمة وحرماني من المائتي فدان التي صدر أمر الخديوي بالإحسان بها على كلٍّ من القائمقامات الجهادية عقيب مناورة عسكرية حضرها الخديوي وكنت من ضمن من حضرها ، وكان أصدر إرادة سنية للمديريات بوجه بحري بتسليم تلك الأطيان إلى المنعَم بها عليهم فصدرت إرادة سنية ثانية بتوقيف التسليم فيما يخصني وقد حصل.

ولكن الله ليس بغافل عما يعمل الظالمون ، فانتقم بعدله ممن ظلم من غير إمهال ، وذلك أنه صدر أمر الخديوي في الأسبوع الذي رُفِتُّ فيه بإلغاء الآلاي ٥ و٦ أي اللواء الثالث وأُرسل خسرو باشا إلى السودان ، وأصيب حسين باشا الطوبجي بالفالج ومحمد بك أمين القبرصلي بالفالج أيضًا حتى ماتا ، وأمين بك رئيس قلم تركي بديوان الجهادية انتحر بعد تكبيله في الحديد وإرساله إلى السودان ، وهكذا كلُّ من اشترك في هذه المظلمة أصيب بقارعة عظيمة ، وأما مصطفى سليم المذكور فقد رُفت أيضًا وأقام في بيته مرفوتًا نحو عشر سنين حتى أذلَّه الله ، وأما إسماعيل سليم باشا ناظر الجهادية فإنه مات في حرب كريد ولكن ليس شهيدًا بل مات بسبب أكله من فريك القمح فانعقدت أمعاؤه وقضى نحبه وجيء بجثته إلى مصر ودُفِن فيها سامحه الله تعالى.

وفي شهر ربيع أول عام ١٢٨٣ عرضت للخديو بواقعة الحال والتمست إنصافه فصدر أمره في ١٦ رمضان عام ١٢٨٣ نمرة ١٦ وهاك صورته : ديوان جهادية ناظري سعادتلو باشا حضرتلري .. ٦ جي بيادة سابق قائمقامي أحمد عرابي بكك إشبو عرضحال منظورم أولدى خطاسني عفو إيتمش أولد يغمدن حله مناسب خدمه ظهورنده استخدام إيتدير لمسى حقنده إيجابتي إجراء إيلمكز إيجون أشبو أمرم إصدار قلتدئ.

وحيث إن ناظر الجهادية المذكور كان مساعدًا لخسرو باشا كرهت الخدمة في العسكرية وطلبت إحالتي على ديوان المالية ، وفي التاريخ المذكور صار تعييني محافظًا على بحر مويس وجزء من البحر الأعظم بمديرية الشرقية زمن فيضان النيل بمعرفة المرحوم الشهيد المخنوق في خرائب دنقلة إسماعيل باشا صديق ، وبعد انقضاء زمن النيل من غير أن يحدث أدنى ضرر في مديرية الشرقية كما حصل من الغرق بقطع نادر وقطع بطُرة وغيرها ترتبت مأمورًا لتشهيل بناء قناطر فم الإسماعيلية بقصر النيل وتشهيل قطع الأحجار في معامل طرة والدقيقة بالعباسية والجبل الأحمر بالبساتين وشحنها بالمراكب إلى القناطر المذكورة وإلى سد فم الرياح في شبرا وإلى القناطر الخيرية وإلى جميع مديريات الوجه البحري وتشهيل مراكب النقل وتفريغها بقناطر الإسماعيلية وسد الرياح في شبرا ، وكان عملًا شاقًّا جدًّا من غير مراعاة الحكومة لأسباب التسهيل، فكنت أتنقل في كل يوم إلى المحلات المذكورة على ظهر فرسي أو حماري.

حتى جاء سنة ١٢٨٥ فانتُدِبت لتشهيل بناء كبري قشيشة العظيم بمديرية بني سويف وكبري الرقة بمديرية الجيزة وكبري أبو راضي على سكة حديد الفيوم ، وبعد تمام تلك الأشغال كوفئ غيري بخمسة آلاف جنيه مصري لكوني وفرت عن طلب المقاولين من الأجانب ٢٥٠٠٠ جنيه مصري ، ثم أُحِيل إلى عهدتي تمديد سكة الحديد من محطة المنيا إلى محطة مللوي ، وبعد نهوها تصادف جعل المرحوم قاسم باشا فتحي ناظر الجهادية وكان يعرف قدر أعمالي واقتداري فطلبني وكلفني الانتظام في سلك العسكرية ثانية ، فأجبته إلى ذلك وترتبت قائمقام في ٣ جي آلاي بيادة في أوائل سنة ١٢٨٧ ، وفي سنة ١٢٨٨ انتقلت إلى رئاسة ٢ جي آلاي بيادة ولكن برتبة القائمقام ، وفي أواخر سنة ١٢٩٠ توجهت بالآلاي المذكور برًّا إلى رشيد للإقامة فيها.

وفي ٢٤ شعبان سنة ١٢٩٢ انتدبت إلى ترتيب عساكر محافظين للقلاع الحجازية من أهالي تلك الجهات ، وإرسال العساكر النظامية المصرية إلى مصر ، فتوجهت إليها وحيدًا فريدًا على مصاريف نفسي من أول يوم من شهر رمضان حتى وصلت إلى قلعة نخ ل، ورتبت لها العساكر اللازمة للمحافظة عليها ، وجعلت فيها مكتبًا لتعليم أبنائهم القراءة والكتابة ، ثم ذهبت إلى قلاع العقبة والمويلح والوجه ، وأجريتُ فيها كما أجريت في قلعة نخل ، وأرسلت العساكر النظامية إلى مصر ، ثم عُدتُ قافلًا بحرًا إلى بندر القصير ثم برًّا إلى قنا وبحرًا إلى أسيوط وبرًّا إلى مصر.

ولما عرضت انتهاء مهمتي على ناظر الجهادية فخامة صاحب الدولة حسين باشا كامل قال لي : إني لاعتمادي عليك ووثوقي بك قد عينتك مأمورًا للحملة الحبشية فاستعد لذلك بعد عشرة أيام ، فانتخبت مَنْ أعتمد عليهم من الضباط والكتبة وسافرنا جميعًا إلى مصوع وبعد انتهاء تلك الحرب المشئومة عدت إلى مصر ، فأمرني دولة المشار إليه أن أعود إلى السويس لتشهيل المحضرين من مصوع وزيلع وإرسال الذخائر اللازمة لتلك الجهات بدل المرحوم علي غالب باشا حيث إنه تعيَّن مديرًا لمديرية الدقهلية فذهبت إليها ، وبعد انتهاء تلك المأمورية أيضًا عدت إلى الآلاي الذي بعهدتي برشيد.

وفي أوائل سنة ١٢٩٦ صدر لنا الأمر بحضور الآلايات الموجودة برشيد إلى مدينة القاهرة وتسليم الأسلحة والمهمات وإرسال العساكر إلى بلادهم فحضرنا وكنا ثلاثة آلايات وسلمنا المهمات في يوم وصولنا ، وفي اليوم الثاني صباحًا ذهبت إلى منزل سعادة محمد نادي باشا وكان أميرالاي أحد الآلايات المحضرة من رشيد حينذاك فما نشعر إلا وأحد الضباط اسمه أحمد أفندي نجم حضر وأخبرنا أن تلامذة الحربية وبعض الضباط أحاطوا بالمالية فجاءت العساكر من ١ جي آلاي وضربت عليهم بالسلاح ، فاندهشنا لهذا الخبر المريع وأرسلنا غيره من الضباط ليستكشف الأمر ويأتينا بالحقيقة ، فذهب وعاد وأخبرنا بما صار.

وبعد يومين صار طلبي وطلب نادي باشا بطرف سر تشريفاتي خديو سعادة عبد القادر باشا حلمي ، فذهبنا إليه في بيته فأخبرنا : أن الخديوي بلغه أنكما وعلي بك الروبي قد أغريتم التلامذة والضباط على حصر المالية وأنه سيجري تحقيق ذلك فإن ثبت هذا عليكم صارت مجازاتكم بأشد الجزاء ، وصار يهددنا تارة ويوعدنا بالسلامة تارة أخرى فأجبناه بقولنا : يا سبحان الله ! إننا حضرنا أمس من رشيد وكنا مشغولين بتسليم الأسلحة والمهمات بمخازن العسكرية وصرف العساكر إلى بلادهم فكيف يُتصور أننا نغري تلامذة الحربية والضباط ونحن لسنا موجودين بالقاهرة ولا كان أحد من ضباط عساكرنا موجودًا في هذه الحركة أصلًا على أن هذا العمل الخارج عن حد التعقل يلزم تدبيره وترتيبه من قبل إجراءاته بمدة ! 

فضحك لأنه يعلم أن تلك الحركة كانت بإيعاز الخديو نفسه وعمل جاهين باشا جنج لأجل التخلص من نظارة ويلسن المختلطة ، وأيضًا صار طلب المرحوم علي بك الروبي بطرف مأمور الضبطية محمود سامي باشا البارودي ، وبلَّغه تلك التهديدات بعينها والافتراءات الظاهرة فتنصَّل منها ، وبعد ذلك صار تشكيل مجلس عسكري فوق العادة تحت رئاسة رئيس أركان الحرب أسطون باشا الأمريكي وعضوية سعادة أفلاطون باشا والمرحوم مرعشلي باشا وجميعهم يعرفون الحقيقة كما يعرفون آباءهم ، ولكن المسألة خرجت عن مركزها المعين ، ثم بعد ذلك صار طلب الضباط والمتهمين من رتبة بكباشي فما فوقها بسراي عابدين ، وقام الخديوي يطيب خواطرنا ويوعدنا بخير ولكن : أمورٌ يضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها اللَّبيب.

هكذا قلت لسعادة محمد باشا النادي والمرحوم علي باشا الروبي المتهمين معي في مسألة الإحاطة بديوان المالية ، وفي ذلك الاجتماع صار جعلنا نحن الثلاثة من ضمن الياوران الذين بمعيته ـ عجبًا وألف عجب ـ لكن بعد أسبوع انخلع علي الروبي من العسكرية وتعيَّن رئيسًا لمجلس المنصورة ، وأُبعد نادي باشا بآلايه الجديد إلى الإسكندرية ، ثم صار طلبي إلى ديوان المالية فذهبت إلى ناظرها المرحوم راغب باشا فأخبروني أن أهالي جرجا وأسيوط ومديريات الوجه القبلي قد انتخبوني أمينًا من طرفهم في تسليم ٧٠٠ ألف إردب قمح وشعير وفول إلى بنك قطاوي وبيجة وأجيون بإسكندرية لسداد ما عليهم من الديون ، والله أعلم أن الأمر غير ذلك وأنا أعلم أيضًا.

ومع ذلك توجهت إلى الإسكندرية وأديت تلك المأمورية التي حقيقتها سلفة نصف مليون تنتوا أخذتها الحكومة لتسديد بعض الأقساط من أرباح الدَّين المصري ، وفي ٧ رجب سنة ١٢٩٦ صار خلع المرحوم إسماعيل باشا وتولية المرحوم توفيق باشا ، وشاهدت الاحتفال بتوديع الخديوي المخلوع بحق حين إنزاله في السفينة من أسكلة سكة الحديد منفيًّا إلى بلاد إيطاليا ، كما أنزل منها عمه حليم باشا منفيًّا إلى القسطنطينية فانظر إلى آثار قدرة الله تعالى ، واعلم أنه يكال لك بالكيل الذي تكيل به ، وعلى هذا انتهت مدة ولاية إسماعيل باشا كما علمت ولم أنل منه رتبة ولا نيشانًا ولا اختصني بجارية من جواريه ولا أصبت منه خيرًا قط ولا أقسمت على الدفاع عنه كما ذكرتم ولا خدمت بمعيته أصلًا ولا انتهرني أبدًا، ولا صِحْت حول سرايه ، ولا قال عني ما ذكرت أن صوتي أكثر قعقعة أو قرقعة من الطبل وأقل نفعًا منه.

وقد تحملت مدة ولايته بكل صبر وثبات جأشٍ على تحمل الظلم والاستبداد بل الاستعباد ، ومكثت برتبة القائمقام ١٩ سنة وأنا أنظر إلى اليوزباشية والملازمين الذين كانوا تحت إدارتي وقد صار بعضهم أميرالاي وبعضهم أمير لواء وبعضهم أمير الأمراء أعني باشوات وفرقاء وانهمرت عليهم سحب الإنعامات والإحسانات فاقتطعوا الإقطاعات الواسعة وأخذوا القصور العالية وأغدقت عليهم الخيرات ، وهم يعلمون قوتي واستعدادي ، ولقد اجتهد صاحب الدولة حسين كامل باشا عم الحضرة الفخيمة الخديوية إذ ذاك في ترقيتي إلى رتبة أميرالاي ولكن لم يُقبل منه وأخيرًا قال لي : إني بذلت ما في وسعي في طلب ترقيتك ولكن قيل لي إنك من رجال سعيد باشا ، فعجبت لذلك وقلت له : إني من رجال الوطن وبلدي اسمها هرية رزنة بمديرية الشرقية ولست مملوكًا لأحد ، فطيَّب خاطري ولاطفني وقال لي : لا تُفتِر همتك وسأواصل السعي في إنصافك ، فشكرت له وخرجت وأنا أشعر بأني لا أنال خيرًا في مدة أبيه ، وكنت أتوسم كل خير في المرحوم توفيق باشا ، ولكن من اعتمد على غير الله سبحانه وتعالى أخلاه الله منه لأنه سبحانه غيور على عباده المؤمنين.

خاتمة أمري : ولما تولى المرحوم توفيق باشا مسند الخديوية وحضر إلى الإسكندرية أحسن عليَّ برتبة أميرالاي على الآلاي الرابع ، فتوجهت إلى رأس التين وقدمت تشكراتي وامتناني إلى حضرته الكريمة ودعوت له بخير ، ثم جُعلت من ضمن ياوران الخديوي ، ولما صار المرحوم عثمان رفقي باشا الشركسي ناظر الجهادية في وزارة مصطفى رياض باشا واستبدوا بالإدارة لا يُسأل كل من النظار عما يفعل في إدارته واستخفوا بأمر الخديوي كلَّ الاستخفاف وخصوصًا عثمان رفقي لجهله وعُجبه ، خيَّلت له نفسه أن يمنع ترقية المصريين من العساكر العامل في الآلايات والاكتفاء بما يستخرج من المدارس الحربية ، وصدرت أوامره بذلك ، ثم أردفها بإحالة عبد العال حلمي بك أميرالاي السودان على ديوان الجهادية ليكون معاونًا وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة ليس إلا ، ورتب بدله خورشيد نعمان بك من جنسه على الآلاي المذكور وكان سنُّه فوق الستين وهو ضعيف لا يقدر على الحركة العسكرية ، وبرفت أحمد بك عبد الغفار قائمقام السواري وترتيب شاكر بك طمازة من جنسه بدله وهو طاعن في السن ، ثم خُتمت تلك الأوامر وصار قيدها بدفاتر الجهادية.

وكنت لا أعلم بشيء من ذلك أصلًا ، وإنما دُعيت إلى وليمة وسماع تلاوة القرآن الشريف بمنزل المرحوم نجم الدين باشا لمناسبة عودته من أداء فريضة الحج الشريف وكان ذلك ليلة ١٤ صفر سنة ١٢٩٨ ولما وصلت إلى منزل الداعي وجدته غاصًّا بالذوات العسكرية وغيرهم ، فجلست بجوار المرحوم نجيب بك وهو رجل كردي الأصل وبجانبه المرحوم إسماعيل كامل باشا الفريق وهو شركسي الأصل ولكنه يتظاهر بحب العدل والإنصاف ، فأخبر نجيب بك بما صار وأنه نصح ناظر الجهادية بالإعراض عن هذا الإجحاف فلم يصغِ لقوله ولذا فهو ساخط ومضطرب ، ثم أوعز إليه أن يخبرني بما سمع منه فأخبرني نجيب بك بحقيقة الحال همسًا في أذني فقلت لإسماعيل باشا كامل : أحقٌّ هذا ؟ ، فقال : «نعم وأعطيت الأوامر إلى الكتبة للإجراء على مقتضاها ، فقلت له : إن تلك لقمة كبيرة لا يقوى ناظر الجهادية عثمان رفقي على هضمها.

وبعد تناول طعام المأدبة حضر لي أحد الضباط وأخبرني بأن كثيرًا من الضباط ينتظرونني بمنزلي وفيهم عبد العال بك حلمي وعلي بك فهمي ، فأسرعت إليهم وهم في هياج عظيم وقد بلغهم صدور أوامر ناظر الجهادية قبل إرسالها إليهم ، فلما رأوني أخبروني بما سمعته من المرحوم إسماعيل باشا كامل فقلت لهم : قد سمعت من غيركم فماذا تريدون ؟ ، فقالوا : إنه ليس ذلك فقط بل إنه قد كثر اجتماع الشراكسة بمنزل خسرو باشا الفريق صغيرًا وكبيرًا وهم يتذاكرون في تاريخ دولة المماليك في كل ليلة بحضور عثمان رفقي باشا ويلعنون حزبك ويقولون قد حان الوقت لرد بضاعتنا وأنهم لا يغلبون من قلة وظنوا أنهم قادرون على استخلاص مصر وامتلاكها كما فعل أولئك المماليك.

وقد تحققوا ذلك ممن يوثق بخبره ، فقلت لهم : وماذا تريدون إذن ؟ ، فقالوا : إنما جئناك لأخذ رأيك فيما دهمنا من الخطب العظيم ، فقلت لهم : أرى أن تطيبوا نفوسكم وتهدِّئوا روعكم وتعتمدوا على رؤسائكم وتفوضوا لهم النظر في مصالحكم وهم ينتخبون لهم رئيسًا منهم يثقون به كل الوثوق ويطيعون أمره ويحفظونه بمعاضدتكم ، فقالوا كلهم : قد فوضنا إليك هذا الأمر وليس فينا من هو أحق به وأقدر عليه منك ، فقلت له م: لا انظروا غيري وأنا أسمع له وأطع وأنصح له جهدي ، فقالوا : لا نبغي غيرك ولا نثق إلا بك ، فقلت : ارجعوا لأنفسكم فإن هذا أمر عصيب لا يسع الحكومة إلا قتل من يقوم به أو يدعو إليه ، فقالوا : نحن نفديك ونفدي الوطن بأرواحنا ، فقلت لهم : أقسموا لي على ذلك ، فأقسموا.

وفي الحال كتبت عريضة إلى دولة رئيس النظار رياض باشا مقتضاها الشكوى من تعصب عثمان رفقي لجنسه والإجحاف بحقوق الوطنيين ، والتمست فيها تشكيل مجلس نواب من نبهاء الأمة المصرية تنفيذًا للأمر الخديوي الصادر إبَّان توليته ، ثانيًا إبلاغ الجيش إلى ثمانية عشر ألفًا تطبيقًا لمنطوق الفرمان السلطاني ، ثالثًا تعديل القوانين العسكرية بحيث تكون كافلة للمساواة بين جميع أصناف الموظفين بصرف النظر عن الأجناس والأديان والمذاهب ، رابعًا تعيين ناظر الجهادية من أبناء البلاد على حسب القوانين العسكرية التي بأيدينا ، ثم تلوت العريضة هذه على مسامع الجميع فوافقوا كلهم عليها فأمضيتها بإمضائي وختمتها بختمي ، وختم عليها أيضًا علي فهمي بك أميرالاي الحرس الخديوي وعبد العال بك أميرالاي السودان.

ولما تم ذلك صار ترتيب ما يلزم لحفظ الذات الخديوية وحفظ أعضاء العائلة الخديوية وحفظ الوزراء والأمراء الوطنيين إذا حدث أي حادث من الضباط الشراكسة الطامعين في التغلب على البلاد مع ترتيب اللازم لحفظ البيوت المالية وبيوت التجار من الأجانب والوطنيين من مطامع الرعاع وحفظنا أيضًا من بطش الحكومة إذا أرادت الإيقاع بنا ، وارفضَّ الاجتماع على ذلك ، وما دعانا إلى طلب إنشاء مجلس نواب للأمة ينظر في صوالحها ومصالحها إلا ما حل بالمرحوم إسماعيل صديق باشا الحائز لرتبة المشيرية التي من لوازمها حفظ صاحبها ولو باستعمال السلاح في عهد الخديوي الأسبق إسماعيل باشا بسبب كلمة حق قالها ، وما حلَّ بحضرة السيد حسن موسى العقاد بسبب كلمة عدل أراد بها مساواة الأهالي الذين دفعوا للحكومة سبعة عشر مليون ١٧٠٠٠٠٠٠ من الجنيهات المصرية باسم المقابلة و٥٠٠٠٠٠٠ أخرى باسم السهام بالأجانب أصحاب الديون وما حصل لكثير من القتل والخنق في السجون بغير حق ولا تحقيق ، بل بمجرد ظلم وإجحاف واستعلاء على الناس بالقهر والجبروت بما تأباه النفوس الشريفة.

وفي ضحوة الغد ذهبتُ إلى ديوان الداخلية وقدمتُ العريضة المذكورة إلى دولة رئيس النظار ، فقال لنا : سأنظر في هذا الأمر وأتكلم مع ناظر الجهادية ، وبعد يومين ذهبت إلى بيت الرئيس المذكور ومعي الأميران المذكوران فلما تمثلنا بين يديه وسألناه عما تم في هذا الأمر فقال : إن هذا الطلب مهلك وهو أشد خطرًا من العرض الذي قدمه أحمد أفندي قني الذي أُرسِل بسببه إلى السودان ، (وتحرير الخبر أن أحمد أفندي قني هذا كان كاتبًا بديوان المالية وكان طلب المساواة مع خدمة الديوان المذكور لظلمٍ حاق به فكان جزاؤه إرساله إلى مقبرة الأبرياء من المصريين بالسودان) ، فأجبته بأننا لم نطلب إلا حقًّا وعدلًا وليس في طلب الحق من خطر على أننا نعتبرك أبًا للمصريين فما هذا التعريض وما هذا التهديد ! ، فقال : إنه ليس في البلاد من هو أهل لمجلس النواب ، فقلت له : عجبًا ! إنك مصري وباقي النظار مصريون والخديو أيضًا مصري أتظن أن مصر ولدتكم ثم أعقمت ؟! لا بل فيها العلماء والفضلاء والنبهاء والبلغاء وعلى فرض أنه ليس فيها من يليق كما ظننت أفلا يمكن إنشاء مجلس يستمد معارفكم ويكون كمدرسة ابتدائية وبعد خمسة أعوام يتخرج منها رجال يخدمون الوطن بصائب فكرهم ويعضدون الحكومة في مشروعاتها الوطنية ! ، فانبهر لذلك وقال لنا : سننظر بدقة في طلباتكم هذه ، فانصرفنا على ذلك.

ولما كان يوم غرة ربيع الأول سنة ١٢٩٨ انعقد مجلس تحت رياسة الخديوي بعابدين حضره جميع الباشوات المستخدمين والمتقاعدين وكلهم من الترك والشراكسة إلا قليلًا من الأوربيين ، وقرروا فيه لزوم توقيف الثلاثة أمراء الآلايات الذين أمضوا على العريضة المتقدمة الذكر ثم إجراء محاكمتهم في مجلس مخصوص مختلط من رجال الجهادية ، فقال رئيس النظار رياض باشا : إني أرى أنه إذا صار توقيف الميرالايات المذكورين يلزم أيضًا توقيف ناظر الجهادية لأن في عدم توقيفه مثلهم خطرًا عظيمًا وذلك لما رأيته فيهم من الجراءة ، فلم يوافق المرحوم الخديوي على ذلك وتعهد ناظر الجهادية المذكور بأنه ضامن لأخذنا بسهولة ، وفي الحال دُعي المرحوم أحمد خيري باشا الشركسي وكان مهر دار الحضرة الخديوية وصاحب الرأي النافذ فحضر وتلا بالمجلس المذكور أمرًا فحواه أن هؤلاء الثلاثة أمراء أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي مفسدون في الأرض وأنه يقتضى توقيفهم من الخدمة ومحاكمتهم على إفسادهم ومجازاتهم بأشد أنواع الجزاء في مجلس عسكري فوق العادة تحت رياسة ناظر الجهادية ويكون من أعضائه أسطون باشا رئيس أركان الحرب (وهو أمريكي) وناظر المدارس الحربية أرفي باشا (وهو فرنساوي).

 فوقَّع الخديوي عليه ، وسلمه إلى ناظر الجهادية عثمان رفقي باشا ، وارفضَّ المجلس بعد ذلك ، وفي المساء أرسل ناظر الجهادية لكلٍّ منا تذكرة يدعونا فيها للحضور إلى ديوان الجهادية بقصر النيل في غد يوم ٢ شوال سنة ١٢٩٨ لنشهد الاحتفال بزفاف شقيقة الحضرة الخديوية المرحومة جميلة هانم ، وكان وقت زفافها لم يحِن بعد فتيقَّنَّا أنه يريد خدعتنا والبطش بنا ، فالتجأنا إلى جانب الحق سبحانه وتعالى وأخذنا حذرنا ثم أعددنا ما يلزم لنجاتنا إذا اقتضت الحال ذلك ، وحين حلول الوقت المعين ذهبنا إلى ديوان الجهادية فوجدناه غاصًّا بجمع الشراكسة من رتبة الفريق إلى رتبة الملازم الثاني وجميع شبانهم بأيديهم الطبنجات ذوات ٦ طلقات مملؤة بالخراتيش وكلهم في فرح ومرح ولا فرح هناك ولا زفاف.

فلما حضرنا دُعينا للحضور أمام مجلس الهلاك فأجبنا طائعين وتُلي الأمر الخديوي الآنف ذكره ثم أُمرنا بتسليم سيوفنا فأطعنا على هذا التسليم وما يعقبه من السجن وهو مخالف للفظ الحكم بالتوقيف ، ثم تعيَّن بحضرتنا من يستلم إمرة الآلايات وساقونا إلى السجن في قاعة بقصر النيل فممرنا بين صفين من الشراكسة المسلحين ، وبعد إقفال باب السجن جاء خسرو باشا وكان رجلًا صلفًا جاهلًا فوقف خارج السجن وقال : إيه زنبيل لي همفلر ، يعني فلاحين شغالين بالمقاطف ، ولما أقفل علينا باب الغرفة قال علي فهمي بك أحدنا : والله لا نجاة لنا من الموت وأولادنا صغار ، وجزع جزعًا شديدًا فأردتُ تثبيته وقلت له متمثلًا بقول الإمام الشافعي رضي الله عنه : ولرُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج .. ضاقت فلما استُحكمت حلقاتها فُرِجت وكان يظنها لا تُفرج.

فلا وأبيك ما كان إلا هنيهة حتى جاءت أورطتان من آلاي الحرس الخديوي بقيادة الشهم الهمام محمد أفندي عبيد البكباشي وأحدقوا بديوان الجهادية ، ثم أسرع بعض الضباط والصف ضباط وفتحوا الأبواب وأخرجونا من السجن وقد فر ناظر الجهادية الغشوم هاربًا وكذا رجال المجلس وغيرهم من المجتمعين ، ولما فرج الله علينا أسرعت إلى العساكر وحذَّرتهم وأنذرتهم وقلت لهم : لا تمدوا أيديكم بسوء إلى أحد من الجراكسة فإنهم موالينا وإخواننا استأثروا بأنفسهم علينا ونريد الإنصاف والمساواة معهم ليس إلا ، ثم نظرت فوجدت بجانبي المرحوم إسماعيل باشا أنِفَتْ نفسه أن يفرَّ مع الفارِّين فأخذته بيدي وضممته إلى صدري أمام العساكر وقلت : هذا جركسي كما تعلمون ولكنه أخي حرام عليَّ دمه وماله وعرضه وكذلك غيره من الجراكسة.

فانصرفوا بانتظام على بركة الله ، ثم سرنا جميعًا إلى قشلاق عابدين وكانت الأورطة الأولى من الحرس الخديوي حكمدارية البكباشي المرحوم أحمد أفندي فرج واقفة أمام سراي الخديوي لحفظها منها ، عسى أن يطرأ من الأمور كما أمرت بذلك من قبل أميرالاي الحرس علي فهمي بك ، ولما تم وجود عساكر الآلاي المذكور أمر أمير الآلاي العساكر بحمل أسلحتهم بحركة (سلام دور) وعزفت الموسيقة بالسلام الخديوي ونادوا جميعًا : (يعش الخديوي) ثلاثًا ، وذلك كان إشارة وإعلانًا للقوم بأننا على إخلاصنا للحضرة الخديوية ، وكان جميع الذوات الذين كانوا بديوان الجهادية التجئوا إلى حمى الحضرة الخديوية ، ثم إنهم تشاوروا فيما بينهم فقال أسطون باشا الأمريكي : هذا عصيان ظاهر والواجب حصر القشلاق المذكور بالطوبجية وآلايات البيادة ويُطلب من هذا الآلاي تسليم الثلاثة أمراء فإن أبوا تُضرب عليهم المدافع وتُمطر عليهم البنادق نارًا حامية حتى يضطروا إلى التسليم ، فاستحسن الجميع ذلك الرأي الأمريكي ، ولكن ابتدره المرحوم إسماعيل كامل باشا المذكور آنفًا وقال : أنا أعتقد اتفاق جميع أصناف العساكر على رأي واحد فلا يجدي هذا الرأي نفعًا.

وفي أثناء مفاوضتهم حضر آلاي السودان من طرة وانضم إلى آلاي الحرس ثم عزفت الموسيقة بالسلام الخديوي وهتفوا جميعً ا: (أفندمز جوق يشا) وأنا العاجز الضعيف كتبت إلى وكيل فرنسا السياسي في مصر الكونت دورنج من غير أن يكون لي به ولا بغيره من قناصل الدول الأوربية سابق معرفة ولا مقابلة ألتمس منه مخابرة باقي قناصل الدول بما حصل بيننا وبين حكومتنا من الخلاف ، وأطلب منهم التوسط في إصلاح ذات البين ، ثم بتنا على ذلك ، وفي صباح الغد حضر لنا المرحوم أحمد خيري باشا مهردار الخديوي ومعه محمود سامي باشا ناظر الأوقاف من قبل الخديوي وقال لنا : ماذا تريدون ؟ ، فقلنا : العدل والمساواة ، قالا : ثم ماذا ؟ ، قلنا : استبدال ناظر الجهادية برجل وطني وتشكيل مجلس نواب للأمة ينظر في مصالحها وصوالحها وتعديل قوانين العسكرية وإبلاغ الجيش إلى ثمانية عشر ألفًا ونحن على طاعتنا للحضرة الخديوية.

فذهبا إلى الخديوي ثم رجعا وقالا : قد عُزِل عثمان رفقي فمن الذي تريدونه ناظرًا للجهادية ؟ ، قلنا : الذي يختاره الخديوي من الوطنيين ، فذهبا وعادا ثانية وقالا : إن الخديوي يقول اختاروا أنتم من ترضونه حتى لا يحصل منه مثل ما حصل من عثمان رفقي ، فقلنا : قد اخترنا هذا محمود سامي باشا وهو من أولاد المماليك الأول ولكنه صدق معنا ولم يقصد الغدر بنا ، ثم صدرت الأوامر الخديوية بإعادة كل منا إلى آلايه وعزل عثمان رفقي وصار تولية محمود سامي على نظارة الجهادية مع نظارة الأوقاف وأخذ في سن القوانين العادلة وتعديل القوانين الأصلية وتنقيحها.

ثم لما شاعت الأراجيف الكاذبة في أوروبا بخروج العساكر المصرية عن الطاعة ، حضر من الحكومة العثمانية وفد برياسة المشير علي نظامي باشا وبمعيته أحمد راتب باشا والي الحجاز الآن لتحقيق أمر العصيان ، فرده الخديوي قائلًا : إن عساكري على طاعتي وأن ليس ثَمَّ عصيان ، وبعد ذلك اجتهدت الحكومة في غدرنا وأخذنا على غِرَّة أو بحيلة من ضروب الحيل ، ولما لم يوافقها ناظر الجهادية محمود سامي باشا على نواياها صار عزله بتذكرة من رياض باشا رئيس النظار ، وتشدد عليه بأن لا يجتمع بنا ولا يقيم بالعاصمة ، وتعيَّن بدله داود باشا يَكَن وهو عديل الخديوي ولكنه رجل جاهل أحمق مشئو، فأسرع بإصدار أوامر لا يستطاع قبولها فرُدَّت إليه ونفرت القلوب منه ، فكتبت له في ٩ سبتمبر سنة ١٨٨١ بأننا سنحضر بجميع العساكر الموجودين في القاهرة إلى ساحة عابدين لعرض طلباتنا على فخامة الحضرة الخديوية في الساعة الرابعة بعد الظهر من يوم الجمعة الموافق ٩ سبتمبر سنة ١٨٨١ وكلَّفته عرض ذلك على الحضرة الخديوية ، ثم كتبت إلى جميع قناصل الدول بذلك وأعلنتهم بحفظ جميع رعاياهم فلا خوف عليهم ولا على أموالهم.

وفي الوقت المعين اجتمعت الآلايات البيادة والسواري والطوبجية في رحبة عابدين ، وكان ما هو مسطر في بطون التواريخ وهو إسقاط الوزارة وترتيب مجلس النواب وإبلاغ الجيش إلى القدر المحدد بالفرمان السلطاني ، وقد حبانا المرحوم الخديوي بإجابة تلك الطلبات العادلة ، وقد تعرَّض لنا المستر كوكسن قنصل إنكلترا بالإسكندرية حين ذاك وهددنا فلم نعبأ بتهديده لاعتمادي على صدق عزيمتي وطهارة ذمتي ، ثم صار استدعاء المرحوم شريف باشا من الإسكندرية ، وتعيينه رئيسًا للوزارة على حسب اختيارنا له وتعيَّن محمود سامي باشا ناظرًا للجهادية ثانية ، وقد توقف شريف باشا في قبوله ٧ أيام ثم رضي بعد ذلك ، وصار توظيفي وكيلًا للجهادية.

وفي تلك النظارة صارت الامتحانات ، وترقَّى كثير من الباشوات وأمراء الآلايات والقائمقامية وغيرهم من جميع الرتب ، واستُكملت الآلايات ، وأُنشئت القوانين العادلة ، وتعدلت الرواتب والماهيات بنسبة كل رتبة إلى ما دونها ، وصُرفت الحقوق الموقوفة من زمن مديد ، وأنشئ مجلس النواب وجُعل رئيسه أبو سلطان باشا ، وعم العدل واستقامت الأمور ، وحين ذاك عُرضت عليَّ رتبة لواء (باشا) فرفضتها لئلا يقال إني إنما اشتغل لمصلحتي فقط ، وبقيت في رتبة الميرالاي مدة وكالتي للجهادية ، وأما رفقاي عبد العال حلمي وعلي فهمي فقد تشرَّفا برتبة الباشوية الرفيعة ، ثم إن مجلس النواب قرر في لائحته الأساسية أن يكون لهم الحق في نظر ميزانية الحكومة ومعرفة كيفية إيرادها ومصروفها بشرط عدم الخروج عن دائرة التعهدات الدولية وقانون التصفية ، فلم يُجبهم المرحوم شريف باشا لذلك لأنه سامحه الله أخذ رأي السير مالت وكيل إنكلترا السياسي في مصر وقنصل فرنسا أيضًا ، فأشاروا عليه بعدم قبول لائحة المجلس فأصر مجلس النواب على الطلب في تنفيذ لائحتهم فلم يوافقهم وقدم استعفاءه واستعفت هيئة نظارته.

ثم تشكلت هيئة جديدة تولى رئاستها محمود سامي باشا وجعل من رجالها حسن باشا الشريعي رحمه الله تعالى والمرحوم سليمان باشا أباظه والمرحوم عبد الله باشا فكري والمرحوم محمود باشا فهمي وسعادة مصطفى باشا فهمي رئيس الوزارة المصرية الآن ، وجعلوني أيضًا ناظرًا للجهادية لأجل اطمئنان خاطر العسكرية الذين لا يأمنون غيري في ذاك الوقت ، فقبلت ذلك ، ثم أحسن عليَّ برتبة لواء باشا من لندن المرحوم الخديوي توفيق باشا ، وكنت لا أريد ولكن قالوا : إنه لا يليق أن يكون ناظر الجهادية برتبة أميرالاي وفي نظارته اللواءات والفرقاء ، فقبلتها للضرورة وشكرت للحضرة الخديوية وقد انتظمت الأمور وهدأت الأحوال ، وصارت العساكر في أمن من الغدر.

ولكن أوروبا لا يروق في نظرها انتظام حكومات الشرق ، فأقلقوا حكومة الدولة العليَّة ، فأرسلت وفدًا مندوبًا من طرفها تحت رئاسة المشير المرخص درويش باشا لتحقيق ما يقال من العصيان ، فجاء درويش باشا وبحث في الأمر وكتب للحضرة السلطانية بأن العساكر على الطاعة وكذلك كتب المرحوم الخديوي بالحقيقة ، فأرسلت الحضرة السلطانية إلى الحضرة الخديوية أربعمائة نيشان من أنواع مختلفة للإحسان بها على المستحقين من ضباط العساكر ، وأحسن عليَّ بنيشان الدرجة الأولى المجيدي ، وحضر بوابور مخصوص يحمله سعادة سليم بك ياور الحضرة السلطانية ، فأبيت استلام النيشان المذكور إلا من يد مولاي الخديوي ، ثم كتبت تلغرافًا إلى المابين الهمايوني برفع تشكراتي الخيرية للحضرة المقدسة السلطانية ، وتشرفت تلغرافيًّا بقبول تشكراتي لدى جلالة السلطان الأعظم وحصول المحظوظية لدى جلالته كذا قيل بالتلغراف.

وفي شهر مايو سنة ١٨٨٢ جاءت الأساطيل الحربية الإنكليزية والفرنساوية إلى ثغر الإسكندرية ، وتقدمت للحكومة المصرية لائحة مشتركة من دولتي فرنسا وإنكلترا مجحفة باستقلال الحكومة المصرية وحقوق الدولة العليَّة ، وتقدمت نسخة منها للخديوي ، فرفضها مجلس النظار وقبلها الخديوي ، فاستعفت النظارة من وظائفها ، وهاجت الأفكار العمومية وطاشت العقول الزكية ، واجتمع مجلس النواب وجميع قناصل الدول حولي كعرف الضبع يطلبون مني حفظ الأمن والراحة العمومية ، فقلت لهم : لا قدرة لي على ذلك لأني قد استعفيت ، فذهب وفد من مجلس النواب وطلب من الخديوي إعادتي إلى نظارة الجهادية حفظًا للنظام والراحة ، فصدر الأمر الخديوي بإعادتي إلى النظارة المذكورة ، ثم دُعيت إلى الحضرة الخديوية فوجدت عنده جميع قناصل الدول ما عدا وكيل إنكلترا السياسي وبحضرته درويش باشا المندوب السلطاني ، فأُخذ عليَّ تعهد بحفظ رعايا الدول الأجنبية وصار إعلان جميع مصالح الحكومة بذلك.

وفي ١١ يونيو سنة ١٨٨٢ حدثت حادثة إسكندرية المشئومة بتدبير ذوي الغايات لأجل تشويه أعمالي في نظر أوروبا وخدش تعهدي بالحفظ والأمن العمومي ، فأسرعت بإرسال العسكر إلى الإسكندرية حتى مُلِئت شوارعها بالعساكر ، وانتهت الفتنة التي ابتدأ بها أحد المالطية من التبعة الإنكليزية مع أحد حمارة الإسكندرية بإيعاز وتعليم ، ثم صار الشروع في تحقيقها في مجلس مختلط تحت رئاسة ذي الفقار باشا محافظ الثغر ، ومن الغريب العجيب أنه لم يبحث أصلًا في الدماء التي سُفكت بل كان البحث قاصرًا على مقدار البضائع التي انتهبها الرعاع ليس إلَّا.

وبعد ذلك تشكلت الوزارة بمعرفة الخديوي تحت رئاسة المرحوم الطيب الذكر راغب باشا وكنت من رجالها أيضًا ، ثم انتقل الخديوي ودرويش باشا إلى الإسكندرية ، وفي يوم ١١ يوليو سنة ١٨٨٢ وردت إفادة إلى قومندان عساكر الإسكندرية من طرف أميرال الأسطول الانجليزي يقول فيها : إنه جاري تهديد العمارة الإنكليزية بترميم القلاع والاستحكامات وإنه يطلب تخريب القلاع وهدمها بأيدي العساكر المصرية وإلا ضرب الإسكندرية وخرَّب المدينة ودمَّرها ، فعُقد لذلك مجلس تحت رئاسة الخديوي حضره درويش باشا المندوب العثماني وقدري بك من رجال الوفد المذكور وجميع النظار وكبار الذوات المتقاعدين ، وبعد المذاكرة أجمعوا على رفض هذا الطلب والاستعداد للحرب ولكن لا يبدأ بها إلا بعد إطلاق ثلاث قنابل من الأسطول الإنكليزي حتى لا نكون نحن البادئين بالحرب فأعطيت الأوامر بذلك.

وعند إشراق يوم ١٢ يوليو بدأت مراكب الإنكليز بالضرب على مدينة الإسكندرية وجميع سواحلها ، وانتشب القتال بين مصر والحكومة الإنكليزية ، وأما الأسطول الفرنساوي فاعتزل جانبًا كالمتفرج ، وضربت الطوابي حتى تهدمت استحكاماتها ، وفي أثناء الحرب خرج سكان المدينة مهاجرين منها خوفًا وهلعًا ، وفي اليوم الثامن انهزمت العساكر فرجعت إلى كفر الدوار واتخذت خطًّا دفاعيًّا وتراجع المنهزمون إليَّ ، وفي ١٤ يوليو أرسلت القطار الخديوي لاستحضار الخديوي ومعيته ومن معه من النظار ، ولما وصلت القطارات إلى سراي الرمل لركوب الحضرة الخديوية ورجوعه إلى عاصمة بلاده أبى أن يعود ، وأسرع في الذهاب إلى رأس التين بعائلته ومن بمعيته وانحاز إلى العدو المحارب لبلاده.

واستدام الحرب إلى أن قدر الله تعالى شأنه بالخذلان العظيم في التل الكبير كما هو معلوم للجميع ، وتم الأمر بنفينا إلى مدينة سيلان ، وخرجنا من مصر في يوم ١٦ صفر الخير سنة ١٣٠٠ على قطار مخصوص إلى السويس ، وفي سبعة عشر منه بارحنا الثغر المذكور على مركب إنكليزي اسمه مرتوطة ، وفي أول شهر ربيع الأول خرجنا من السفينة إلى ثغر كولومب ومكثنا بها تسع عشرة سنة ، إلى أن تشرفت جزيرة سيلان بزيارة كريم الشيم عظم الرأفة والحنو الدوق (كرنوال ويورك) ولي عهد الحكومة الإنكليزية وتشرفت بزيارة سموه في مدينة كندي ، وتفضل عليَّ بالسؤال عن حالي وما أقاسيه من تباريح الغربة وذل النفي ، فقلت لسموه الإمبراطوري : إني أعتبر تشريف سموه إلى هذه الجزيرة وتشريفي بإقبال سموه عليَّ سببًا عظيمًا لإنالتي نعمة الحرية والعود إلى وطني العزيز من لدن مولاي الخديوي عباس باشا الثاني ، فقال لي : وهل تعرفه ؟ ، فقلت : نعم وقبلت يد سموه مذ كان في سن ١٠ أعوام ، فوعدني خيرًا فشكرت ودعوت ثم أحسن عليَّ بسيجارة ملوكية قبلتها أدبًا لحفظها تذكارًا للطف سموه ولم أحرقها بنار.

وفي ٦ صفر الخير سنة ١٣١٩ صدرت الإرادة الخديوية بالرخصة لي بالعود إلى مصر والإقامة فيها ، وإني أرجو من مكارم سمو مولاي الخديوي عباس باشا تمام رضاه وقد أعرضت لسموه العالي تشكراتي ودعواتي الخيرية الصادرة من صميم الفؤاد وإخلاص النية وقد تفضل حفظه الله سبحانه وتعالى بحملي وعائلتي إلى مصر على مصاريف حكومته الخديوية فأرجو من الله أن يوفقني لما يحبه ويرضاه ، هذا وإني أبرأ إلى الله من حولي وقوتي في كل ما ذكرته أو فعلته وأنَّى يكون للمخلوق العاجز الضعيف مثلي من قوة يدافع بها إرادة أوروبا وقوة إنكلترا العظمى فضلًا عن بطش حكومة مصر الاستبدادية القادرة وموافقة جلالة السلطان الأعظم على الإعلان بعصياني في جورنال الجوائب وانحياز حاكم البلاد إلى المحارب لبلاده ، وإنما كان ما كان بقضاء الله وقدره ولا رادَّ لقضائه وقدره وليس لي فيه إلا مجرد الكسب الاختياري الذي أُثاب أو أُعاقب عليه.

ولم يخطر ببالي أصلًا الاقتداء بالفاتحين والمتغلبين كما ذكرتم ، ولا بتأليف دولة عربية كما أرجف المرجفون لأني أرى ذلك ضياعًا للإسلام عن بكرة أبيه وخروجًا عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وآله ، والبرهان على ذلك ارتفاع صوتي بالمحافظة على حياة المرحوم الخديوي السابق كمحافظتي على نفسي بكرةً وعشيًّا ، مع احترام أعضاء عائلته الكريمة ، يشهد لي بذلك ما هو واضح بدفتر الأخبار اليومية المحفوظ بالديوان الخديوي وإرادته الخديوية الصادرة إلى مجلس التحقيق بعد الخذلان العظيم بالتل الكبير ، وسجننا مع جميع رجال العسكرية وأعيان البلاد وحكامها وعلمائها وقضاتها وتجارها مما هو معلوم لدى الجميع وغنيٌّ عن البيان.

والله الذي لا إله إلا هو فالق الحب وبارئ النسمة إني ما خدمت بذلك دولة إنكلترا ولا فرنسا ولا كنت آلة لدولة ما ، ولا للخديوي الأسبق المرحوم إسماعيل باشا ولا للمرحوم حليم باشا ولا أُوصي إليَّ بمساعدة الدولة العليَّة من عرش عظمتها ، وإنما كنت أجتهد في حفظ استقلال بلادي مع نيل الحرية والعدل والمساواة لأهل بلادي المساكين وأنا خادم لهم ، وناديت سرًّا وإعلانًا بتأييدها وتأييدات الذات الخديوية ، ولكن المقادير الإلهية غالية فانعكست المرئيات وتوالت الصعوبات لنفاذ ما هو كائن في علمه أولًا سبحانه وتعالى ، وإني والله لا أكره شركسيًّا ولا روسيًّا لذاته وإنما أكره الأعمال المغايرة للعدالة والإنسانية والآداب الشريفة وأحب العدل والمساواة بين جميع بني الإنسان ، والحمد لله أولًا وآخرًا والشكر لله وللحضرة الفخيمة الخديوية التي منحتني نعمة العود إلى وطني العزيز لأحظى برؤية ذاته الكريمة ورؤية أبناء وطني الكرام قبل أن أفارق هذه الحياة الدنيا والحساب على الله. ، خادم وطنه العزيز مخلصكم أحمد عرابي الحسيني المصري.

62 / طبائع الاستبداد

(طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) هو عنوان كتاب في المجال السياسي من تأليف السيد عبد الرحمن الكواكبي الذي ولد في حلب عام 1265 هـ / 1848 م وتوفي بالقاهرة عام 1320 هـ / 1902 م ، وقد صدر الكتاب بمصر في العصر الخديوي وأحدث دويا هائلا بسبب توجس السلطات العثمانية من الأفكار التي بثها ولقيت تجاوبا كبيرا من النخبة المثقفة في ذلك الوقت والتي تنتقد النظم السياسية من جذورها وليس معارضة لبعض تصرفاتها.

ومن أهم كلمات الكواكبي في كتابه تشخيصه للعلاقة بين عوام الناس والحاكم المستبد حيث يقول : ” العوام هم قوّة المستبد وقوته بهم عليهم يصول ويطول يأسرهم فيتهللون لشوكته ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم ويهينهم فيثنون على رفعته ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريم وإذا قتل منهم ولم يمثل يعتبرونه رحيما ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التوبيخ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بغاة “.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” عبد الرحمن بن أحمد بن مسعود الكواكبي ويلقب بالسيد الفراتي ، رحالة، من الكتاب الأدباء ومن رجال الإصلاح الإسلامي ولد وتعلم في حلب وأنشأ فيها جريدة (الشهباء) فأقفلتها الحكومة وجريدة (الاعتدال) فعطلت وأسندت إليه مناصب عديدة ثم حنق عليه أعداء الإصلاح فسعوا به فسجن وخسر جميع ماله فرحل إلى مصر.

وساح سياحتين عظيمتين إلى بلاد العرب وشرقي إفريقية وبعض بلاد الهند واستقر في القاهرة إلى أن توفي ، له من الكتب أمّ القرى وطبائع الاستبداد وكان لهما عند صدورهما دويّ وكان كبيرا في عقله وهمته وعلمه من كبار رجال النهضة الحديثة ، ولسامي الدهان كتاب (عبد الرحمن الكواكبي) في سيرته “.

وترجم له أدهم الجندي في كتابه أعلام الفن والأدب فقال :  ” عبد الرحمن الكواكبي ، مولده ونشأته: ولد في حلب سنة 1265 ﻫ / 1849 م وأبوه الشيخ أحمد بهائي محمد مسعود بن الحاج عبد الرحمن وجده الأكبر محمد الشيخ أبو يحيى الكواكبي دفين الجامع المعروف باسمه في محلة الجلوم الصغرى ، تلقى مبادئ العلم في بعض المدارس الأهلية ودرس العلوم الشرعية في المدرسة الكواكبية وأتقن العربية والتركية وبعض الفارسية ووقف على العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم الحديثة وكان ميالاً من حداثته إلى الأدب فاشتغل في تحرير جريدة (فرات) التي كانت تصدر في حلب باسم الحكومة وقد حررها خمس سنوات.

في الصحافة : وفي 10 أيار سنة 1877 م أنشأ بالاشتراك مع هاشم عطار جريدة سماها (الشهباء) ثم أصدر لنفسه في 25 تموز سنة 1879 م جريدة سماها الاعتدال باللغتين العربية والتركية ، محنته في خدمة الدولة : وتقلب في وظائف علمية وإدارية وحقوقية منها رئاسة بلدية حلب ثم قاضياً شرعيًّا لقضاء راشيا ، وكان حب الإصلاح وحرية القول والفكر باديين في كل عمل من أعماله فلم يرق ذلك لبعض أرباب المناصب العليا فوشوا به فتعمدت الحكومة حبسه ثم جردوه من أملاكه فلم يثن ذلك همته وهكذا يضيع الحكام الرجال العظام.

نزوحه : وفي أوائل شهر مايس سنة 1898 م نزح إلى مصر ثم خرج منها سائحاً فطاف زنجبار والحبشة وأكثر شطوط شرقي آسيا وغربيها ثم رجع إلى مصر ، ومما يذكر له ويؤسف لضياع ثماره أنه رحل رحلة لم يسبقه أحد إليها ويندر أن يستطيعها أحد غيره وذلك أنه أوغل في أواسط جزيرة العرب فأقام على متون الجمال نيفاً وثلاثين يوماً فقطع صحراء الدهناء في اليمن ولا ندري ما استطلعه من الآثار التاريخية أو الفوائد الاجتماعية ، وتحول من هذه الرحلة إلى الهند فشرقي إفريقيا وعاد وكان أجله ينتظره فيها.

صفاته : كان الكواكبي واسع الصدر طويل الأناة فصيح اللسان معتدلاً في كل شيء عطوفاً على الضعفاء ، وكان له في حلب مكتب للمحاماة يصرف فيه معظم نهاره لرؤية مصالح الناس ويبعث إلى المحكمة من يأمنهم من أصحابه ليدافعوا عن المظلومين والمستضعفين ، كان واسع الاطلاع في تاريخ المشرق وتاريخ الممالك العثمانية وله ولع في علم العمران.

مؤلفاتـه : ألف كتبـاً لـم ينشـر منهـا إلا كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) لم يكتب مثله فليسوف في الشرق ولا في الغرب وهو فريد في بابه ، وكتاب (أم القرى) الذي راجعه الشيخ محمد عبده ، ومع تمسكه بالإسلامية والمطالبة بحقوقها والاستهلاك في سبيل نصرتها فقد كان بعيداً عن التعصب لأنه كان يرى رابطة الوطن فوق كل رابطة.

وفاته: لقد أنهكت قواه الجسمية الرحلة الشاقة التي قام بها في مجاهل إفريقيا فلما عاد إلى مصر انتقل إلى عالم الخلود فجأة في يوم الجمعة 6 ربيع الأول سنة 1320 ﻫ وحزيران سنة 1903 م ونعي إلى الخديوي فأمر أن يجهز على نفقته وأن يعجل بدفنه ، وقد دفن في قرافة باب الوزير بمصر ونقش على قبره بيتان من نظم شاعر النيل المرحوم محمد حافظ إبراهيم وهما : هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى .. هنا خير مظلوم هنا خير كاتب .. قفوا واقرؤوا أم الكتاب وسلموا .. عليه فهذا القبر قبر الكواكبي.

وقد أعقب من الأولاد كاظم والدكتور أسعد والدكتور رشيد والصيدلي أحمد وفاضل وأربع كرائم وقد توفوا ولم يبق منهم حيًّا إلا الدكتور رشيد ، ولابد من الإشارة إلى أنه أشيع بأن في ليلة وفاته دعي إلى وليمة العشاء عند الخديوي فذهب ولما عاد إلى بيته أحس بألم في خاصرته الشمالية فقضى نحبه فجأة ، ومن المحتمل أن الخديوي تلقى من السلطان عبد الحميد أمراً بقتله بعد إصدار كتابه العظيم الذي هز أركان الدولة بمواضيعه الشهيرة عن الاستبداد في عصره “.

وكنب عنه جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” العظمة والشهرة صديقتان يغلب أن تتصاحبا فلا تكون إحداهما بدون الأخرى ولكنهما كثيرًا ما تفترقان فتكون العظمة بلا شهرة والشهرة بلا عظمة فترى بين أهل الشهرة الواسعة من إذا لقيتهم وسبرت غورهم رأيتهم كالطبل يدوي صوته إلى بعيد وجوفه فارغ وأنهم إنما نالوا تلك الشهرة بما طُبعوا عليه من الميل إلى نشر محامدهم في الصحف ليقرأها الناس ويتحدثوا بها وقد ينفقون المال ويتحدَّون أوعر أسباب السعي في هذا السبيل.

وترى بينهم من لا محمدة له فينتحل محامد غيره أو تكون له حبة منها فيجعلها قبة فإذا نُشر ذلك عنه في صحيفة أو نشرة أو كتاب حمله وطاف به في الأهل والأصدقاء يترنم بقراءته عليهم ويتلذذ بما يلقى من آيات الإعجاب وخصوصًا في هذه البلاد بلاد المجاملة التي يزداد فيها المغرور غرورًا إذ لا يسمع من الناس إلا إطراءً وإعجابًا ولو كانت حاله تدعو إلى التقريع والتعنيف ويعدون ذلك من آداب الحديث.

فما كل شهير عظيم ولا عظيم شهير ، فكم بين ظهرانينا من رجال توفرت فيهم شروط العظمة ولو رافقتها الأسباب لأتوا بالأمور العظام وقد تظهر مواهبهم من خلال أعمالهم وإن ضاقت دائرة العمل ولكنهم لرغبتهم عن الشهرة لا يعرف أسماءهم إلا القليلون فإذا أصابهم سوءٌ أذاع مريدوهم أخبارهم وتحدثوا بأفضالهم.

ومن هذا القبيل المرحوم السيد عبد الرحمن الكواكبي الحلبي فقد جاء مصر سنة ١٣١٨ﻫ وأقام في قلب العاصمة ، ومع سعة علمه وغزارة مادته لم يسمع بذكره أحد ولا عرفه إلا الأصدقاء والأخصَّاء وهناك أناس يقصرون عن إدراك بعض منزلته علمًا وفضلًا ولكنهم لا تطأ أقدامهم مصر حتى تتناقل الصحف أخبارهم بما ينشرونه فيها من نفثات أقلامهم أو ثمار قرائحهم وقد لا تكون تلك الثمار شهية وإنما يعمدون إلى نشرها رغبة في الشهرة.

فالكواكبي رحمه الله لم يكن من أولئك ولكن همَّه كان منصرفًا إلى خدمة الوطن ونشر المبادئ الصحيحة فيه بالتأليف والتلقين بعد أن قضى معظم العمر في خدمة الحكومة العثمانية في حلب وقاسى أمورًا صعابًا من وشايات ذوي الأغراض فلم يلقَ تربة تصلح لغرس مبادئه ، فجاء مصر ونشر بعض كتبه، فعاجله الأجل فمضى ومضت معه أمانيه وهي شبيهة بأماني المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني وقد استهلك في سبيلها كما استهلك ذاك من قبله.

ترجمته : آل الكواكبي أسرة قديمة في حلب هاجر إليها أجدادهم منذ أربعة قرون ولهم شهرة واسعة ومقام رفيع في حلب والآستانة يرجعون بأنسابهم إلى السيد إبراهيم الصفوي أحد أمراء أردبيل العظماء ، ولهم آثار مشهورة منها المدرسة الكواكبية في حلب ونبغ منهم جماعة كبيرة من العلماء ورجال الإدارة ومنهم فقيد الأمس السيد عبد الرحمن وقد وُلد في حلب سنة ١٢٦٥ ﻫ وأبوه الشيخ أحمد الكواكبي أحد مدرسي الجامع الأموي الكبير.

تلقى السيد عبد الرحمن مبادئ العلم في بعض المدارس الأهلية ودرس العلوم الشرعية في المدرسة الكواكبية وأتقن العربية والتركية وبعض الفارسية ووقف على العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم الحديثة ، وكان ميَّالًا من حداثته إلى صناعة القلم فاشتغل في تحرير جريدة (فرات) التي كانت تصدر في حلب باسم الحكومة وهو في السابعة والعشرين من عمره حررها خمس سنوات وأنشأ في أثناء ذلك جريدة سماها (الشهباء).

واشتغل بخدمة الحكومة فتقلب في عدة مناصب علمية وإدارية وحقوقية ، وأهل النقد يذكرون فضله في كل واحدة منها كبيرها وصغيرها لأن اقتدار الرجل يظهر في الصغائر كما يظهر في الكبائر ، وكان حب الإصلاح وحرية القول والفكر باديتين في كل عمل من أعماله فلم يرُق ذلك لبعض أرباب المناصب العليا فوشوا به فتعمدت الحكومة حبسه ثم جردوه من أملاكه فلم يقلل ذلك شيئًا من علو همته ، فغادر الوطن وطلب بلاد الله فجاء مصر ثم خرج منها سائحًا فطاف زنجبار والحبشة وأكثر شطوط شرق آسيا وغربيها ثم رجع إلى مصر.

ومما يُذكر له ونأسف لضياع ثماره أنه رحل رحلة لم يسبقه أحد إليها ويندر أن يستطيعها أحدٌ غيره، وذلك أنه أوغل في أواسط جزيرة العرب فأقام على متون الجمال نيفًا وثلاثين يومًا فقطع صحراء الدهناء في اليمن ولا ندري ما استطلعه من الآثار التاريخية أو الفوائد الاجتماعية فعسى أن يكون ذلك محفوظًا في جملة متخلفاته وتحول من هذه الرحلة إلى الهند، فشرقي أفريقيا أيضًا وعاد إلى مصر وكان أجله ينتظره فيها.

كان الكواكبي واسع الصدر طويل الأناة معتدلًا في كل شيء وكان عطوفًا على الضعفاء حتى سماه الحلبيون أبا الضعفاء ، وجاء في الرائد المصري أنه كان له في بلده مكتب للمحاماة يصرف فيه معظم نهاره لرؤية مصالح الناس ويبعث إلى المحاكم من يأمنهم من أصحابه ليدافعوا عن المظلومين والمستضعفين.

وكان واسع الاطلاع في تاريخ المشرق على العموم وتاريخ الممالك العثمانية على الخصوص وله ولع في علم العمران ، وألَّف كتبًا لم ينشر منها إلا كتاب (طبائع الاستبداد) وهو فريد في بابه قرَّظناه في الهلال وكتاب (أم القرى) ، ومع تمسكه بالإسلامية والمطالبة بحقوقها والاستهلاك في سبيل نصرتها فقد كان بعيدًا عن التعصب يستأنس بمجلسه المسلم والمسيحي واليهودي على السواء لأنه كان يرى رابطة الوطن فوق كل رابطة ، ومن يقرأ ترجمة الكواكبي والأفغاني وغيرهما من رجال هذه النهضة ويدرس أعمالهم والأحوال المحيطة بهم يعترف بفضلهم في نصرة الحقيقة وتأييد الحق والحرية “.

وقد استهل الكواكبي كتابه بمقدمة يشرح فيها الباعث على خوضه في المجال السياسي لما قدم إلى مصر فقال : ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله خالق الكون على نظام محكم متين والصلاة والسلام على أنبيائه العظام هداة الأمم إلى الحق المبين لاسيما منهم على النبي العربي الذي أرسله رحمة للعالمين ليرقى بهم معاشا ومعادا على سلم الحكمة إلى عليين.

أقول وأنا مسلم عربي مضطر للاكتتام شأن الضعيف الصادع بالأمر المعلن رأيه تحت سماء الشرق الراجي اكتفاء المطالعين بالقول عمن قال : وتعرف الحق في ذاته لا بالرجال ، إنني في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وألف هجرية هجرت دياري سرحا في الشرق فزرت مصر واتخذتها لي مركزا أرجع إليه مغتنما عهد الحرية فيها على عهد عزيزها حضرة سمي عم النبي (العباس الثاني) الناشر لواء الأمن على أكناف ملكه ، فوجدت أفكار سراة القوم في مصر كما هي في سائر الشرق خائضة عباب البحث في المسألة الكبرى أعني المسألة الاجتماعية في الشرق عموما وفي المسلمين خصوصا إنما هم كسائر الباحثين كل يذهب مذهبا في سبب الانحطاط وفي ما هو الدواء.

وحيث إني قد تمحص عندي أن أصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية وقد استقرّ فكري على ذلك ـ كما أن لكل نبأ مستقرا ـ بعد بحث ثلاثين عاما ، بحثا أظنه كاد يشمل كل ما يخطر على البال من سبب يتوهم فيه الباحث عند النظرة الأولى أنه ظفر بأصل الداء أو بأهم أصوله ولكن لا يلبث أن يكشف له التدقيق أنه لم يظفر بشيء أو أن ذلك فرع لأصل أو هو نتيجة لا وسيلة.

فالقائل مثلا : إن أصل الداء التهاون في الدين ، لا يلبث أن يقف حائرا عندما يسأل نفسه لماذا تهاون الناس في الدين ؟ ، والقائل : إن الداء اختلاف الآراء ، يقف مبهوتا عند تعليل سبب الاختلاف فإن قال سببه الجهل يشكل عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشد ، وهكذا يجد نفسه في حلقة مفرغة لا مبدأ لها فيرجع إلى القول : هذا ما يريده الله بخلقه غير مكترث بمنازعة عقله ودينه له بأن الله حكيم عادل رحيم.

وإني إراحة لفكر المطالعين أعدد لهم المباحث التي طالما أتعبت نفسي في تحليلها وخاطرت حتى بحياتي في درسها وتدقيقها ، وبذلك يعلمون أني ما وافقت على الرأي القائل بأن أصل الداء هو الاستبداد السياسي إلا بعد عناء طويل يرجح أني قد أصبت الغرض وأرجو الله أن يجعل حسن نيتي شفيع سيئاتي وها هي المباحث :

في زيارتي هذه لمصر نشرت في أشهر جرائدها بعض مقالات سياسية تحت عنوانات : الاستبداد ، ما هو الاستبداد وما تأثيره على الدين ، على العلم ، على التربية ، على الأخلاق ، على المجد ، على المال ، إلى غير ذلك.

ثم في زيارتي مصر ثانية أجبت تكليف بعض الشبيبة فوسعت تلك المباحث خصوصا في الاجتماعيات كالتربية والأخلاق وأضفت إليها طرائق التخلص من الاستبداد ، ونشرت ذلك في كتاب سميته (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) وجعلته هدية مني للناشئة العربية المباركة الأبية المعقودة آمال الأمة بيمن نواصيهم ولا غرو فلا شباب إلا بالشباب.

ثم في زيارتي هذه وهي الثالثة وجدت الكتاب قد نفد في برهة قليلة فأحببت أن أعيد النظر فيه وأزيده زيدا مما درسته فضبطته أو ما اقتبسته وطبقته ، وقد صرفت في هذا السبيل عمرا عزيزا وعناء غير قليل ، وأنا لا أقصد في مباحثي ظالما بعينه ولا حكومة أو أمة مخصصة إنما أردت بيان طبائع الاستبداد وما يفعل وتشخيص مصارع الاستعباد وما يقضيه ويمضيه على ذويه.

ولي هناك قصد آخر وهو التنبيه لمورد الداء الدفين عسى أن يعرف الذين قضوا نحبهم أنهم هم المتسببون لما حل بهم فلا يعتبون على الأغيار ولا على الأقدار إنما يعتبون على الجهل وفقد الهمم والتواكل ، وعسى الذين فيهم بقية رمق من الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات.

وقد تخيرت في الإنشاء أسلوب الاقتضاب وهو الأسلوب السهل المفيد الذي يختاره كتاب سائر اللغات ابتعادا عن قيود التعقيد وسلاسل التأصيل والتفريع ، هذا وإني أخالف أولئك المؤلفين فلا أتمنى العفو عن الزلل إنما أقول : هذا جهدي وللناقد الفاضل أن يأتي قومه بخير منه فما أنا إلا فاتح بابٍ صغيرٍ من أسوار الاستبداد عسى الزمان يوسعه  والله وليّ المهتدين ، ١٣٢٠هـ / ١٩٠٢ م “.

63 / تحرير المرأة

(تحرير المرأة) هو عنوا أشهر مؤلفات الكاتب والمفكر المصري قاسم محمد أمين بك الذي ولد بالإسكندرية عام 1863 م وتوفي بالقاهرة عام 1908 م وهو كاتب وأديب ومصلح اجتماعي وأحد مؤسِّسي الحركة الوطنية ومن رواد حركة تحرير المرأة وأحد مؤسسي الجامعة المصرية ، وقد أصدر كتابه هذا في عام 1899 م فأثار ضجة كبيرة فأتبعه بكتاب آخر هو (المرأة الجديدة) يوضح فيها رأيه وأعقبه بكتاب (حقوق المرأة في الإسلام).

والده هو أمين بك من كبار أمراء الأكراد قدم من الآستانة إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل وصار من أعيان البلاد ، وقد تلقى دروسه الأولى في مدرسة رأس التين الابتدائية بالإسكندرية ثم انتقل مع أسرته إلى القاهرة حيث سكن في حي الحلمية الأرستقراطي والتحق بمدرسة التجهيزية الخديوية وتَعَلَّم فيها الفرنسية وانتقل بعدها للدراسة بمدرسة الحقوق والإدارة وحصل منها على الليسانس وهو في العشرين من عمره.

عمل بالمحاماة إلَّا أنه ما لبث أن تركها حيث سافر في بعثة دراسية إلى فرنسا أبدى فيها تفوقًا في الدراسة خلال أربع سنوات ، وقرأ في تلك الفترة لكبار المفكرين الغربيين أمثال ماركس ونيتشه وداروين وزادت صلته هناك بالإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، وعندما عاد إلى مصر عام ١٨٨٥ م عمل في النيابة المختلطة ثم انتقل بعدها إلى قسم قضايا الحكومة ثم ترقى حتى وصل إلى منصب مستشار وهو في سن الحادية والثلاثين.

كان له نشاط فكري وثقافي واجتماعي واسع حيث صدرت له مجموعة من المقالات غير موقعة بجريدة المؤيد كما أصدر كتاب (المصريون) بالفرنسية وكان يرد فيه على هجوم الدوق الفرنسي داركور على مصر والمصريين ، وله إسهام كبير في أنشطة الجمعية الخيرية الإسلامية التي كانت تنشئ مدارس للفقراء وتغيث المنكوبين والمعوزين وتقدم المساعدة إليهم ، وتزوج في عام 1894 م تزوج من زينب هانم ابنة الأميرال أمين توفيق من كبار الأعيان.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : قاشم أمين ، ترجمة حاله : كان أبوه أمين بك ابن أمير من أمراء الأكراد أخذ رهينة في الآستانة على أثر خلاف وقع بين الدولة العليَّة والأكراد ثم جاء إلى مصر على عهد إسماعيل باشا وانتظم في الجيش المصري ورقِّي فيه إلى رتبة أميرالاي وتزوج بكريمة أحمد بك خطاب أخي إبراهيم باشا خطاب فولدت له أولادًا أكبرهم قاسم صاحب الترجمة.

وليس في ترجمة قاسم أمين ما نراه في تراجم رجال الحرب أو السياسة من الحوادث العديدة فقد رُبِّي كما يربو أمثاله من أولاد الوجهاء وتثقف في مدارس الحكومة المصرية وكان ممتازًا في صغره بالذكاء وحدة الذهن ، ولما أكمل دروسه كان في جملة الذين اختارتهم الحكومة للإرسال إلى أوروبا يتعلمون بنفقتها على جاري العادة في ذلك الحين فدرس الحقوق في فرنسا وعاد إلى مصر سنة ١٨٨٥ فتعيَّن وكيلًا للنائب العمومي في محكمة مصر المختلطة وما زال يرتقي حتى صار مستشارًا في الاستئناف وكان في كل أعماله مثال الأمانة والنشاط واستقلال الفكر حتى توفاه الله بالسكتة في ٢١ أفريل الماضي وهو في الثالثة والأربعين من عمره.

صفاته وأعماله : كان رحمه الله ربع القامة أسمر اللون كثير التفكير قليل الكلام وكان حرَّ الفكر صادق اللجة ، وقد زاده التبحر في القوانين والنظر في أقوال الفلاسفة الاجتماعيين استقلالًا في الفكر وصراحة في القول لأن القضاء يعوِّد صاحبه التمسك بالحق وإجلال قدر الحقيقة وممارسة القضاة الأحكام وتعوُّدهم إذعان الناس لأقوالهم بلا مراجعة يزيدهم جرأة لإبداء آرائهم في كل مسألة تعرض عليهم ولذلك رأيت المحاباة والرياء نادرين فيهم.

وكان كبير النفس شديد الحرص على كرامتها ولذلك رأيناه محبًّا لأمته راغبًا في رفع منزلتها لأن حب الأمة من حب الذات ، ولا يحب أمته إلا الذي يحب كرامة نفسه ومن يتغالى في خدمة أمته فإنما يفعل ذلك حبًّا بنفسه.

واطلع قاسم على أحوال الأمم الراقية في أثناء إقامته بأوروبا، فتمنى أن تكون أمته مثلها فنظر في أسباب الرقي فرآها كثيرة لا يمكن تناولها دفعة واحدة ولا يتيسر تناول شيء منها قبل إصلاح العائلة لأن الأمة تكون كما تكون العائلة والعائلة تكون كما تريد المرأة ، فوجَّه عنايته إلى إصلاح المرأة المسلمة وليس هو أول من رأى ذلك أو فكر فيه كما قلنا ولكنه كان حازمًا مقدامًا لا يكتفي بالقول والتذمر أو الاستسلام على عادة أكثر المفكرين بيننا ومنهم طائفة لا يقِلُّون تعقلًا وسدادًا عن المفكرين في العالم المتمدن ولكنهم يقولون ولا يفعلون وهي آفة المشارقة.

أما قاسم أمين فكان فعالًا إذا اقتنع بصواب فكر أخرجه إلى حيز العمل فلما عرف الطريق المؤدي إلى إصلاح أمته بادر إلى مباشرته وهو يعلم ما يعتور مشروعه من العقبات وما سيلقاه من مقاومة تيار الرأي العام لأن إصلاح المرأة يقتضي منحها الحرية ويتناول تقبيح الحجاب والنهي عن الطلاق وتعدد الزوجات مما يعدُّه العامة من قبيل العقائد الدينية وهو ليس من الدين في شيء، فاضطر أن يبين ذلك في أثناء بحثه.

وبعد إعمال الفكرة ألف كتابه تحرير المرأة ، واسمه ينمُّ على منزلة المرأة المسلمة في اعتباره فهو يعدُّها مستعبدة وقد أخذ على نفسه أن يحررها وعلم أن الناس سيكبرون قوله وينكرون عليه مشروعه حتى المرأة لأنها ألِفَت الذل وتعودت أن تعتبر نفسها من أدوات المنزل فلم يكن يتوقع أن يرى ثمرة سعيه في حياته فرضي أن يضع الأساس لسواه، فصدَّر كتابه المشار إليه بقوله :

وغاية ما أريد هو أن أستلفت الذهن إلى موضوع قلَّ المفكرون فيه لا أن أضع كتابًا يوفي الكلام في شأن المرأة ومكانتها من الوجود الإنساني وقد يوضع مثل هذا الكتاب بعد سنين متى نبتت هذه البذرة الصغيرة ونما نباتها في أذهان أولادنا وظهرت ثمراتها وعملوا على اقتطافها والانتفاع بها.

ثم بين حاجة المرأة المصرية أو المسلمة إلى الإصلاح موجهًا كلامه إلى الخاصة والعقلاء فأورد فصلًا في (إن حال المرأة في الهيئة الاجتماعية يتبع حال الآداب في الأمة) لا يقرؤه قارئ إلا توسم من خلال سطوره الحماسة ونصرة الحقيقة وصدق اللهجة فقد افتتح كلامه بقوله :

إني أدعو كل محب للحقيقة أن يبحث معي في حالة النساء المصريات وأنا على يقين أنه يصل وحده إلى النتيجة التي وصلت إليها وهي ضرورة الإصلاح فيها ، هذه الحقيقة التي أنشرها اليوم شغلت فكري مدة طويلة كنت في خلالها أقلِّبها وأمتحنها وأحللها حتى إذا تجردت عن كل ما كان يختلط بها من الخطأ استولت على مكان عظيم من موضوع الفكر مني وزاحمت غيرها وتغلبت عليه وصارت تشغلني بورودها وتنبهني إلى مزاياها وتذكرني بالحاجة إليها فرأيت أن لا مناص من إبرازها من مكان الفكر إلى فضاء الدعوة والذكر.

ثم أخذ يبحث في علاقة المرأة بالأمة ويورد الأدلة والبراهين التاريخية والاجتماعية ويستنهض الهمم ويستحث القرائح على العمل بعبارات ملؤها الحماسة والإخلاص وقال : ولا يركن إلى حب السكينة إلا أقوام على شاكلتنا فقد أهملنا خدمة عقولنا حتى أصبحت كالأرض البائرة التي لا يصلح فيها نبات وحتى مال الكسل بنا إلى معاداة كل فكر صالح مما يعدُّه أهل الوقت حديثًا غير مألوف سواءٌ كان من السنن الصالحة الأولى أو قضت به المصالح في الأزمنة.

وكثيرًا ما يكتفي الكسول وضعيف القوى في الجدل بأن يقذف بكلمة باطلة على حق ظاهر يريد أن يدفعه فيقول تلك بدعة في الإسلام وما يرمي بهذه الكلمة إلا حبًّا بالتخلص من مشقة الفهم أو الخروج من عناء العمل في البحث أو الإجراء كأن الله خلق المسلمين من طينة خاصة بهم وأقالهم من أحكام النواميس الطبيعية التي يخضع لسلطانها النوع الإنساني وسائر المخلوقات الحية ، سيقول قوم إن ما أنشره اليوم بدعة فأقول : نعم إني أتيت ببدعة ولكنها ليست في الإسلام بل في العوائد وطرق المعاملة التي يُحمد طلب الكمال فيها.

وأفاض في بسط الموضوع وتأييده فأفرد فصلًا لتربية المرأة وهو يعتقد أنها مساوية للرجل لا تختلف عنه إلا بما يستدعيه اختلافها في الصنف وأن تعليمها العلوم الطبيعية والعقلية والأدبية يساعدها على القيام بواجباتها المنزلية وترقية نفوس أبنائها وقسم الكلام في التربية إلى التربية بالنسبة إلى الوظيفة الاجتماعية وبالنسبة إلى الوظيفة العائلية ثم تكلم في الحجاب ، وكان قد ألَّف كتابًا بالفرنساوية قبل (تحرير المرأة) ردَّ به على كتاب الدوك داركور الذي طعن فيه على المصريين وقبَّح أخلاقهم وعاداتهم واختصر قاسم في دفاعه عن الحجاب هناك فأفاض هنا في حقيقة الحجاب من الوجهة الدينية ومن الوجهة الاجتماعية واستأنف الكلام في (المرأة والأمة) وبين ارتباطهما في فصل طويل.

وختم كلامه بفصل في (العائلة) وتوسع في الكلام على الزواج وشروطه وبين أن الشريعة الإسلامية تأمر بحسن المعاملة وتنهى عن تعدد الزوجات وتقبح الطلاق مسندًا أقواله إلى القرآن والحديث والقواعد الاجتماعية والأحكام العقلية وفي كل فقرة دليل على صراحة فكره وصدق لهجته وتفانيه في خدمة أمته.

ومع ذلك فلم يكد يظهر كتابه وتتناقله الأيدي حتى تصدى لتخطئة أقوام جاهروا بالسخط على صاحبه بين منتقد وهازئ إما تمسكًا بالقديم أو مجاراة لإحساس العامة لارتباط ذلك بمصالحهم وطرق معائشهم وفيهم من فعل ذلك عن اعتقاد خالص ولكنَّ بعضهم تجاوز حد الانتقاد إلى الاستهزاء والقول الهراء فاتهمه بعضهم بالمروق من الدين وآخرون بالخروج عن الآداب وزعم غيرهم أنه يرمي إلى قلب الهيئة الاجتماعية المصرية وممالأة الإنكليز على ضياع البلاد.

أما هو فأغضى عن ذلك كله ورجع إلى الموضوع فزاده بسطًا بكتاب آخر سماه (المرأة الجديدة) تكلم فيه عن المرأة في حكم التاريخ من أقدم أزمنته إلى الآن في الأمم القديمة والحديثة تأييدًا لرأيه في وجوب تحريرها ورفع شأنها وفي الواجب على المرأة لنفسها وفصول في الواجب على المرأة لعائلتها والتربية والحجاب.

ولم يكتفِ بطلب تحرير المرأة لكنه وضع لحريتها حدودًا وبيَّن ما يجب عليها وما يحق لها ووضع للطلاق نظامًا جعله نموذجًا تنسج الحكومة على منواله إذا شاءت تحرير المرأة وأعطاها حقها الشرعي والمدني فقيَّد إرادة الرجل في الطلاق بحكم القاضي أو المأذون بعد أن يرشد الزوج إلى ما جاء في الكتاب والسنة من كره الطلاق عند الله وينصحه ويبين له تبعة عمله ، وإذا أبى الإصغاء وسَّط حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها للإصلاح بينهما فإذا لم يُفلح في ذلك كله أذن بالطلاق ولا يخفى ما في ذلك من تدارك الأضرار التي تصيب العائلات بتسرُّع البعض في تنفيذ طلب الطلاق وقد يكون طلبه عن غضب مؤقت فإذا ثاب إليه رشده ندم على ما فرط منه “.

وكتب عنه الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه تراجم مصرية وغربية حيث قال : ” كلما ذكر اسم قاسم أمين ذكر معه تحرير المرأة في مصر فأول صيحة ارتفعت لهذا التحرير هي صيحة قاسم في كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة وعلى أثر هذه الصيحة قام جدل عظيم في الموضوع ما تزال حواشيه باقية إلى يومنا هذا ، مع ذلك ومع أن قاسمًا لم يمت إلا من عشرين سنة فلو أنه بعث اليوم ورأى من آثار دعوته هذا التعليم الإجباري للبنين والبنات وهذه النهضة النسوية العظيمة في مختلف جوانب الحياة وهذه الحرية النسبية التي تتمتع بها المرأة وهذا الإصلاح في التشريع للأحوال الشخصية ما تم منه وما يوشك أن يتم.

إذًا لأخذته الدهشة، ثم لانقلبت دهشته اغتباطًا أيَّ اغتباط بهذه الآثار ثم لعقب سروره أسف على ما اضطر إليه في كتبه من محافظة ألزمه إياها روح عصره الجامد ثم لترك ميدان المرأة وتحريرها يسير في طريقه الطبيعي ولفكر في ميدان آخر من ميادين الإصلاح الاجتماعي الخطير الذي تحتاج مصر اليوم إليه أشد الحاجة ، ولعل الأدب القومي وخلقه وتوطيده والارتفاع به إلى سماوات الإنتاج الذاتي الخصيب يكون بعض الميادين التي يصرف إليها بطل الجامعة المصرية منذ تأسيسها وأحد واضعي أسس هذا الأدب القومي في كتبه الثلاثة كل ما يكون لديه بعد بعثه من نشاط وجهد.

ذلك بأن روح قاسم كانت روح أديب ، كانت الروح العصبية الحساسة الثائرة التي لا تعرف الطمأنينة ولا تستريح إلى السكون وكانت الروح المشوقة التي لا تعرف الانزواء في كن للبحث والتنقيب حيث تنسى نفسها وتستبدل بكنها ما في حياة الكون وحركته من نشاط وجمال بل كانت عيونه الواسعة تريد أن ترى جدة الوجود الدائمة تتكرر مناظرها فتطبع على صفحات نفسه وحيًا وإلهامًا أكثر مما تؤدي إليهما المباحث الجافة منطقًا وجدلًا.

وكانت هذه المناظر تذكي شعوره الحساس بجمال الحياة وتدعوه إلى الحرص على متاعه بها وعلى دعوته غيره لهذا المتاع وذلك لا يؤتاه إلا رجل فن جميل لا يقف عند التلذذ لنفسه بنعم الحياة بل يعبر لغيره عن معاني هذه النعم وكما يعبر الموسيقي بالنغم والمصور بالنقش والمَثَّال بالنحت والشاعر بالوزن ، كذلك الكاتب الأديب يجد في وصف ما في الحياة من مختلف ألوان الجمال ما يعبر عن شعوره به وما يدعو غيره إليه ، وحياة قاسم كانت كلها متجهة إلى هذه الدعوة وكانت متجهة إليها بقوة آخذة بنفسه متغلبة عليه حالة منه محل الإيمان بها إيمانًا صادقًا “.

وقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، كل مسألة من المسائل التي أجملتها في هذه الأسطر القليلة يصحُّ أن تكون موضوعًا لكتاب على حدة وقد تعمَّدت الاختصار فيها حتى ترتبط تلك المسائل ببعضها كأنها حلقات سلسلة واحدة ، وغاية ما أريد هو أن أستلفت الذهن إلى موضوع قلَّ عدد المفكرين فيه لا أن أضع كتابًا يوفِّي الكلام في شأن المرأة ومكانتها من الوجود الإنساني وقد يُوضَعُ مثل هذا الكتاب بعد سنين متى نبتت هذه البذرة الصغيرة ونمى نباتها في أذهان أولادنا وظهرت ثمراتها وعملوا على اقتطافها والانتفاع بها.

ويرى المطَّلع على ما أكتبه أني لست ممن يطمع في تحقيق آماله في وقت قريب لأن تحويل النفوس إلى وجهة الكمال في شئونها مما لا يسهل تحقيقه وإنما يظهر أثر العاملين فيه ببطء شديد في أثناء حركته الخفيَّة ، وكل تغيير يحدث في أمَّة من الأمم وتبدو ثمرته في أحوالها فهو ليس بالأمر البسيط وإنما هو مركَّب من ضروب من التغيير كثيرة تحصل بالتدريج في نفس كلِّ واحد شيئًا فشيئًا ثمَّ تسري من الأفراد إلى مجموع الأمَّة فيظهر التغيير في حال ذلك المجموع نشأة أخرى للأمَّة.

وما نحن فيه اليوم ليس في الطاقة البشرية تغييره في الحال وليس من العار علينا أننا وُجِدنا في مثل هذه الحالة لأن كل عصر لا يُسأَل إلَّا عن عمله وإنما العار أن نظنَّ في أنفسنا الكمال وننكر نقائصنا وندَّعي أن عوائدنا هي أحسن العوائد في كل زمان ومكان وأن نعاند الحق وهو واحد لا يحتاج في تقريره إلى تصديق منا به ، وكل ما نقوله أو نفعله لإنكاره لا يؤثِّر فيه بشيء، وإنما يؤثِّر فينا أثر الباطل في أهله ويقوم حجابًا بيننا وبين إصلاح نفسنا إذ لا يمكن لأمَّة أن تقوم بإصلاح ما إلَّا إذا شعرت شعورًا حقيقيًّا بالحاجة إليه ثمَّ بالوسائل الموصِّلة له.

لا أظنُّ أنه يوجد واحد من المصريين المتعلِّمين يشكُّ في أن أمته في احتياج شديد إلى إصلاح شأنها فهؤلاء المتعلِّمون الذين أخاطبهم اليوم أقول إن عليهم تبعة ما نألم له في عصرنا هذا ، ولا يليق بمعارفهم ولا بعزائمهم أن يسجِّلوا على أنفسهم وعلى أمتهم العجز واليأس والقنوط فإن ذلك صورة من صور الكسل أو مظهر من مظاهر الجبن أو حال من أحوال مَن لا ثقة له بنفسه ولا بأهله ولا بملَّته ولا بشرعه ولا بآله ، وأراهم بهذا يستسلمون إلى تيارات الحوادث تتصرَّف فيهم كما تتصرَّف في الجماد والنبات وتقذف بهم إلى حيث يحبُّون أو لا يحبُّون.

قد طرقت بابًا من أبواب الإصلاح في أمتنا والتمست وجهًا من وجوهه في قسم من أفراد الأمَّة له الأثر العظيم في مجموعها وأتيت في ذلك بما أظنُّه صوابًا فإن أخطأت فلي من حسن النية ما أرجو معه غفران سيئة أخطائي وإن أصبت ـ كما أظن ـ وجب على أولئك المتعلِّمين أن يعملوا على نشر ما أودعته في هذه الوريقات وتأييده بالقبول والعمل “.

 64 / بلوغ المرام

كبير الجراحين بمصر في العصر الخديوي هو محمد باشا دري الحكيم الذي ولد بالقاهرة عام 1257 هـ / 1841 م وتوفي فيها عام 1318 هـ / 1900 م ويرجع في أصوله إلى قرية محلة أبو علي القنطرة بالغربية ، وله عدة مؤلفات في المجال الطبي منها أكبر مرجع لعلم الجراحة وقتها وهو كتاب بلوغ المرام في جراحة الأقسام وكتاب الإسعافات الصحية في الأمراض الوبائية (طبع 1883 م) وكتاب عموميات عن خلع الفخذ (طبع 1889 م).

وقد أغرم بالرسم والطباعة فأحضر معه من فرنسا الأدوات اللازمة بعد انتهاء بعثته وأنشأ المطبعة الدرية لطباعة مؤلفاته ومؤلفات غيره وكان مقرها حارة السقايين بعابدين ، وألف أيضا في التراجم والسير كلا من كتاب التحفة الدرية في مآثر العائلة المحمدية العلوية وترجم فيها لأفراد أسرة محمد علي وأرفق بها صورا مرسومة لهم ، كما ألف كتاب تاريخ حياة المغفور له على مبارك باشا ورسم له من الذاكرة صورته المتداولة حتى اليوم.

وقد كتب عنه عبد الله النديم في العدد 27 من مجلة الأستاذ فقال : ” بلوغ المرام في جراحة الأقسام ، تأليف العالم النطاسي الطبيب الحكيم أكبر جراح مصري وأعظم أستاذ للجراحة في المدرسة الطبية الفاضل الكامل دري بك قسمه ثلاثة أجزاء الجزء الأول منه ٤٦٦ صحيفة والثاني ٧٩٧ صحيفة والثالث ٦٣٥ صحيفة.

وقد بسط الكلام فيه على تشريح الأعضاء والعمليات الجراحية في كل عضو وجمع فيه طرق أشهر الجراحين وعمليات أفضل الأطباء فجاء كتاباً حافلاً ما سبقه مثله بسطاً وإحاطة وبياناً وقد تم طبعه في المطبعة الدرية فنحث أفاضل الأطباء ومن لهم تعلق بالجراحة وعشاق العلوم على اقتناء هذا الكتاب النفيس الجليل القدر.

وقد طبع معه كتاب النخبة الدرية في مآثر العائلة المحمدية العلوية مشتملاً على ملخص تاريخ كل من المرحومين محمد علي باشا وابراهيم باشا وعباس باشا وتوفيق باشا والبرنسين حسن باشا وطوسون باشا والمحفوظين اسماعيل باشا والخديوي عباس باشا الثاني والبرنسين حسين باشا ومحمد علي باشا وقد حلي الكتاب بصور المذكورين تخليداً لذكرهم ورسم ذواتهم وهو كتاب نفيس لا يستغنى عنه كل حب لهذه العائلة الكريمة ومتطلع للأخبار ولطائف التاريخ “.

وقد ترجم له جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ”  الدكتور درِّي باشا ، ترجمة حياته : ولد في القاهرة سنة ١٢٥٧ ﻫ وقد قام والده المرحوم السيد عبد الرحمن أحمد من محلة أبي علي القنطرة (بالغربية) إلى مصر بعد أن دخل العسكرية في زمن المغفور له محمد علي باشا الكبير.

وأقام بها سنوات التحق فيها بالدكتور الطائر الصِّيت كلوت بك لامتيازه إذ ذاك بمعرفة الكتابة والقراءة ثم عوفي من تلك الخدمة واختار الإقامة في مصر واشتغل فيها بالتجارة في الحبوب وغيرها ، ورزق بأولاد منهم صاحب الترجمة ربَّاهم كلهم تربية حسنة بتثقيفهم في المدارس واختاروا الطب علمًا وعملًا فكان لهم فيه ولأولادهم من بعدهم العمل النافع للبلاد والعباد.

ولما بلغ صاحب الترجمة السابعة من عمره (١٢٦٤ ﻫ) أدخل مدرسة المبتديان المعروفة الآن بمدرسة الناصرية،ولم يُقِمْ فيها سوى بضعة أشهر ثم ألغاها المرحوم عباس باشا الأول في تلك السنة التي عرفت بسنة (البرار والبراماز) أي سنة ما ينفع وما لا ينفع ، فانتقل مع من انتخبوا من التلامذة إلى المدرسة التجهيزية وكانت في الأزبكية ومكانها الآن فندق شبرد ، وبعد بضعة أشهر انتقل تلامذة هذه المدرسة إلى مدرسة أبي زعبل فأقام فيها صاحب الترجمة إلى أن أكمل دروسها أو كاد.

ثم انتخب تلميذًا في مدرسة المهندسخانة وكانت في بولاق مصر وناظرها المرحوم علي باشا مبارك ، على أنه كان يميل بطبعه إلى الطب فكان يترقب الفرص لنيل مقصده ولكنه لم يوفَّق إلى ذلك إلا سنة ١٢٦٩ ﻫ بعد صبر وعناء فألحق بتلامذة الفرقة الخامسة منها (سنة أولى) ، وفي الامتحان العمومي السنوي نقل إلى الفرقة الرابعة وفي مثله من السنة التالية نقل إلى الفرقة الثالثة وهو يجدُّ في الطلب لا يعلم ما خبَّأه القدر له ولسائر التلامذة.

فلم تشعر المدرسة إلا وقد جاءها المرحوم علي بك علوي يدعو تلامذتها جميعًا إلى الديوان الخديوي بالقلعة بأمر المغفور له سعيد باشا فخرجوا إليها واصطفوا أمام الديوان ينتظرون ما لا يعلمون ، حتى خرج إليهم المرحوم سعيد باشا بنفسه في أبهة ملكه ومعه المرحوم الدكتور محمد بك شافعي الحكيم ناظر المدرسة الطبية وغيره.

وفرز التلامذة بنفسه فجعلهم ثلاثة أقسام بحسب أعمارهم فحديثو السن جدًّا أمر بطردهم من المدرسة والمتوسطون أن يلحقوا بالشوشخانة السعيدية (أورطة عسكرية) والمتقدمون ألحقهم بالمدرسة العسكرية الحربية في بلدة طره ، وكان صاحب الترجمة من المتوسطين في السن فألحق بالعسكرية فصرفت لهم الملابس العسكرية والجربنديات وأقفلت مدرسة الطب وخلت المدارس المصرية من علوم الطب والأطباء.

ولكن صاحب الترجمة لم يجئ في خاطره مع ذلك أن يترك ما تعلمه من العلوم بل بقي يتذكره ويتعهده بالتفكير فيه طمعًا في أن يعود الحاكم إلى صوابه فيعيد المدرسة الطبية فيعود هو إليها ويكمل علومها وغلب اليأس على رفاقه وهو يعزيهم وينشطهم حتى صدرت الأوامر بالعفو عنهم وجعلهم تمرجية (ممرضين) في الجيش.

وبقي صاحب الترجمة تمرجيًّا ينتقل من أورطة إلى أورطة ومن آلاي إلى آلاي حتى نال رتبة الجاويش ثم جاءت الهيضة سنة ١٢٧٢ ﻫ فاشتغل في معالجة المرضى وتلطيف حالهم زمنًا طويلًا مع العناية بالمرض والرفق بالمريض ، وابتدأ من ذلك العهد في تأسيس آرائه في هذا المرض وتدوين مشاهداته فيه ونشر أكثر من ذلك في رسالته المعروفة بالإسعافات الصحية في الأمراض الوبائية الطارئة على مصر في سنة ١٣٠٠ ﻫ وهي مشهورة طبعت على نفقته في المطبعة الأميرية.

وفي سنة ١٢٧٣ ﻫ عاد إلى مصر مؤسسُ مدارسها الطبية الشهير كلوت بك والتمس من ولي أمرها المرحوم سعيد باشا إعادة المدرسة الطبية إلى ما كانت عليه فأجابه إلى ذلك وصدر أمره العالي بجمع تلامذتها من الآلاليات وإرجاعهم إلى المدرسة فعادوا إليها وامتحنوا ، فعاد صاحب الترجمة إلى الفرقة الثالثة وما زال في المدرسة حتى أتم الطب وخرج منها طبيبًا ماهرًا وعالمًا مدرسًا في فنونها وتعيَّن فيها بوظيفة مساعد ومعيد لعلم الجراحة بمرتب قدره ثلاثة جنيهات في كل شهر.

وفي عام ١٢٧٨ ﻫ توجه عباس باشا إلى أوروبا وصحبه في رحلته إليها المرحوم محمد علي باشا الحكيم فشاهد تقدُّم فن الجراحة في باريس فحرَّك ذلك غيرة سعيد باشا لإرسال فريق من النابغين في المدرسة الطبية المصرية إلى باريس ليتقنوا هذا الفن ويعودوا إلى مصر في زمن قريب التماسًا لقلة النفقات ولإمكان الانتفاع بهم قريبًا من جهة أخرى فبعث بهذه الإرسالية في عام ١٢٧٩ ﻫ وفيها صاحب الترجمة وكان أصغرهم سنًّا ورتبة.

وبعد أقل من عام توفي المرحوم سعيد باشا وخلفه المرحوم إسماعيل باشا فعرض عليه شافعي بك الحكيم ناظر مدرسة الطب استرجاع تلك الإرسالية لأن مصر في حاجة إلى الأطباء فصدر أمر إسماعيل بإرجاعهم فعادوا جميعًا ما عدا صاحب الترجمة لصغر سنه ، وبعد رجوع رفاقه اشتغل هو بإتمام معارفه العلمية والعملية على أشهر الجراحين في ذلك الوقت الدكتور نيلاتون والدكتور نيليو ولازم عيادة الأول الجراحية مدة سنتين كاملتين فأظهر من العناية والمهارة بحيث لم يتمالك هذا الأستاذ عن الإعجاب به وتبشيره بمستقبل مجيد وحث رفاقه على الاقتداء به.

وظل صاحب الترجمة مقبلًا على العلم والعمل في باريس إلى أن نال شهادة الدكتورية فأراد رئيس الإرسالية هناك أن يعيده إلى مصر فالتمس بقاءه مدة أخرى لإتمام العمل في بقية المستشفيات فألح عليه الرئيس في الرجوع إلى مصر ، وبلغ ذلك الدكتور نيلاتون فكتب إلى هذا يقول : (يجب الالتفات لدرِّي المصري والعناية بشأنه لأنه قلَّ أن يوجد له نظير في الإقبال على العمل والاستفادة مما يشاهده منه وإنني في غاية الامتنان وأثني عليه أحسن الثناء) فاقتنع رئيس الإرسالية بذلك وبعث إلى صاحب الترجمة أن يخبره بكل ما يحتاج إليه.

وفي هذه الأثناء وصل الخديوي إسماعيل باشا إلى فرنسا فلقيه الدكتور نيلاتون وأطنب له كثيرًا بصاحب الترجمة وأثنى على أعماله واجتهاده وساعده على ذلك جمهور من الحكماء الذين كانوا في حمامات فيشي ، فحرك ذلك عاطفة الرعاية في الخديوي إسماعيل وأمر بأن يعطى لصاحب الترجمة عدة كتب وبعض الآلات الجراحية ومائة بينتو فأخذ الكل وضم المال المنعَم به عليه إلى ما كان معه واشترى به القطع التشريحية التي أحضرها معه من البلاد الأوروبية إلى الديار المصرية وبقيت أثرًا له إلى الآن.

وفي عام ١٢٨٦ ﻫ وصل إلى مصر وأُنعم عليه برتبة الصاغقول أغاسي وعيِّن حكيمباشي قسم العطارين في الإسكندرية ثم عيِّن حكيمًا ثانيًا لقسم الجراحة في مستشفى الإسكندرية وبقي بها إلى أواخر عام ١٢٨٨ ﻫ ، ثم نقل إلى مصر وعيِّن معلمًا ثانيًا لعلم التشريح وجراح باشي إسبتالية النساء بالقصر العيني وظل بها إلى عام ١٢٩١ ﻫ ثم عيِّن معلمًا أول لفن التشريح وجراح باشي إسبتالية النساء وأنعم عليه برتبة البكباشي وبقي كذلك إلى عام ١٢٩٤ ﻫ فأنعم عليه برتبة أميرالاي.

وما زال في مستشفى القصر العيني بوظيفة جراح باشي وأستاذ أول الجراحة والكلينيك الجراحي إلى عام ١٢٩٩ ﻫ وفيها أنعم عليه برتبة المتمايز وفي عام ١٣١٥ أنعم عليه برتبة أمير ميران الرفيعة الشأن ، وفي أثناء هذه المدة قُلِّد عدة نيشانات علمية منها نيشان الحرب بين الدولة العلية والروسيا فإنه كان قد أرسل مع الجيش المصري وعيِّن حكيمباشي إسبتالية صوفيا وكان له من العمل في هذا السفر والاهتمام بالمرضى ما لم يشاركه فيه سواه.

وما زال أستاذًا أول للجراحة في القصر العيني حتى جعلوا التعليم فيها باللغة الإنكليزية فأحيل على المعاش فتفرغ لأعماله الخصوصية ، ثم دُهم بفقد صهره وابن أخيه المرحوم حامد بك صدقي فأثرت وفاته تأثيرًا شديدًا على صحته فتوالت عليه العلل حتى توفاه الله في ليلة ٣٠ يوليو سنة ١٩٠٠ م / ١٣١٨ ﻫ.

أخلاقه وأعماله : كان (رحمه الله) محبًّا لقومه ساهرًا على مصلحتهم مستهلكًا في خدمتهم حتى لقد يحيي ليله مفكرًا في أحوالهم ومصيرهم ، وقد حدا به ذلك إلى صرف عنايته وماله وراحته في رفع منار بلاده في السبيل الذي يستطيعه فأنفق معظم ثروته في اختيار الكتب وجمع رسوم مشاهير المصريين وغيرهم وحفرها كلها على النحاس في باريس ولا غرض له من ذلك إلا إحياء ذكر الفضلاء ناهيك بما أنفقه من العناية في رسم صور الأمراض التي لها أجسام وأشكال.

ولم يقف عند هذا الحد ولكنه كلف نفسه عملًا ليس هو من لوازم مصلحته فأحضر مطبعة كاملة الأدوات سماها المطبعة الدرِّية طبع فيها بعض مؤلفاته ومؤلفات غيره ، ولا ريب عندنا أنه لم يكن يستثمر من وراء ذلك غير التعب والخسارة ولكنه كان يفعله مدفوعًا بغيرته على العلم والعلماء ورغبته في خدمة وطنه ومواطنيه.

واشتهر الدكتور درِّي باشا بفن الجراحة ، وفي منزله مجموعة تشريحية جاء بها من أوروبا وجمع شيئًا آخر هنا وقد شاهدناها منذ بضع وعشرين سنة وكنا قد جئنا لإتمام درس الطب في مدرسة قصر العيني وكان هو من جملة أساتذتها وبيدنا كتاب توصية باسمه من صديق له في بيروت فصحبنا إلى منزله أحد أصدقائنا من تلامذة القصر يومئذ (الدكتور نعمة الله أفندي طحان من أطباء الجيش المصري الآن).

فاستقبلنا الدكتور دري أحسن استقبال وأحب من باب المباسطة أن يمتحن معرفتنا في فن التشريح فجاءنا بجمجمة صناعية ظهرت فيها الأعصاب أحسن ظهور وسألنا عن العصب الخامس وفروعه وهو من أصعب مسائل التشريح، فأجبناه بما حضرنا وهو يسمع ويبتسم ثم دعانا إلى حجرة التشريح وأطلعنا على ما عنده من التماثيل التشريحية وغيرها فعلمنا من ذلك اليوم أنه ذو ولع شديد في مهنته وقد تحققنا ذلك فيما بعد مما سمعناه عنه وشاهدناه من آثار فضله.

وكان مدققًا كثير الانتباه للفرص التي تعرض له في معاطاة مهنته فإذا جاءه مريض ذكر في دفتر خاص بالمرضى اسم ذلك المريض ومرضه والعلاج الذي عالجه به وتاريخ سير العلة بالتفصيل والإيضاح ، فلما أحيل على المعاش في آخر حياته جمع ذلك كله في مجموعة أهداها إلى قصر العيني وهي لا تزال محفوظة هناك وقد كتب عليها (مجموعة محمد دري باشا الحكيم).

واشتهر بين الأطباء بدقة التشخيص وصدق الإنذار حتى كاد يقترب ذلك من الإلهام فإذا شاهد مريضًا وأنذره أو بشره كان كما قال ، وكان متعلق الذهن بمرضاه فإذا عمل عملية مهمة وعاد إلى بيته لا يهدأ باله على مريضه حتى يتفقده مرارًا إما برسول خاص وإما أن يذهب هو بنفسه ولا فرق عنده في ذلك بين الغني والفقير وربما كان أكثر عناية بالفقير مما بالغني ، ويذكرون من فضله بنوع خاص مواساته الناس في أزمنة الأوبئة الوافدة ومعالجتهم بما سهل ورخص ، ومن آرائه الخصوصية في الجراحة أن العمليات الجراحية تكون عاقبتها سليمة إذا عملت في شهري بئونة وأبيب ويليهما كيهك وطوبة.

 أما مؤلفاته التي ظهرت في عالم المطبوعات فهي : رسالة في الهيضة الوبائية وفيها وصف الهيضة وطرق معالجتها بالأدوية البسيطة ، كتاب بلوغ المرام في جراحة الأقسام هو كتاب في الجراحة مطول مزين بالرسوم والأشكال ظهر منه ثلاث مجلدات ضخمة طبعت كلها في مطبعته والرابع كان عند وفاته لا يزال تحت الطبع ، كتاب التحفة الدرية في مآثر العائلة المحمدية العلوية جاء فيه على خلاصة تراجم أعضاء العائلة الخديوية مع رسومهم ورسوم أنجالهم.

كتاب تذكار الطبيب طبع مرتين أخيرتهما سنة ١٣١٣ﻫ يشمل كل التذاكر الطبية التي كان يصفها مشاهير الأطباء في مستشفى قصر العيني وهو كتاب ضخم صفحاته ٤٣٦ صفحة ويسهل حمله في الجيب ، ترجمة حياة المغفور له علي باشا مبارك استخرجه من الخطط التوفيقية وطبعه في مطبعته سنة ١١٣١ ﻫ ، وهناك كتب أخرى لم يطبعها وقد ظهرت في مطبعته كتب أخرى لمؤلفين آخرين “.

65 / الدرر التوفيقية

رئيس المرصد الفلكي بمصر في العصر الخديوي هو عالم الفلك إسماعيل باشا بن مصطفى بن سليمان المعروف بالفلكي الذي ولد بالقاهرة عام 1240 هـ / 1825 م وتوفي فيها عام 1318 هـ / 1900 م ، وهو مصري من جذور تركية وتخصص في علم الفلك وإصلاح آلات الرصد ، وقد ألف العديد من الكتب التي تعتبر مراجع في علم الفلك وبعضها كان يدرس في المدارس المصرية والأزهر مثل كتابه الدرر التوفيقية في تقريب علم الفلك والجيوديسية وهو كتاب شامل في الفلك والرياضيات والتقويم والرصد.

التحق بمدرسة المهندسخانة وتلقى العلوم فيها على أستاذه محمود باشا الفلكي وغيره ، وبعد تخرجه التحق بوظيفة معاون بالرصدخانة القديمة (دار الرصد) ببولاق سنة 1845 م واختير منها وهو برتبة الملازم الثاني للسفر إلى فرنسا في 8 أكتوبر 1850 م لدراسة علوم الرياضيات والفلك بمدينة باريس ، وبعد أن أتم دراسته هذه كلفته الحكومة بدراسة الميكانيك العلمي لأجل آلات الرصد فدرس مرصد باريس ومكث بفرنسا أربع عشرة سنة يتلقى خلالها العلوم الرياضية والفلك فتعلم مكونات الآلات الفلكية وكيفية إصلاحها.

وكان الخديوي إسماعيل قد أنشأ في عام 1865 م مرصد العباسية أو الرصدخانة شمال شرق القاهرة وعهد برئاسته إلى إسماعيل باشا الفلكي وقد ألحقت بنظارة الحربية عدة شهور ثم نقل الأشراف عليها إلى نظارة المعارف حتى أوائل عام 1899 م  ، ثم عين إسماعيل الفلكي ناظرا لمدرستى المهندسخانة والمساحة وكان في كل عام يعمد إلى نشر تقويم فلكى باللغتين العربية والفرنسية وكن هذا التقويم بمثابة التقويم الرسمي الذي تعتمده البلاد وتعتمد عليه الحكومة المصرية في ضبط حساباتها وميزانياتها .

واشترك مع محمود باشا الفلكي في وضع مدفع الظهر بالقلعة ليعلن الثانية عشر لأهل القاهرة وقد بطل العمل به بعد دخول الراديو ولكن ما زال المدفع يستعمل في شهر رمضان المبارك ليعلن مواقيت الإفطار والإمساك ، ومن أهم أعماله إدخال مقاييس النهايات العظمى والصغرى لدرجات الحرارة عام 1877 ومقاييس البخر والمطر عام 1886 ، كما استخدم الترمومترات الجافة والمبللة والبارومترات في قياس عناصر الجو في مصر بدقة منذ عام 1868 م .

وقد كلف بدارسة مشروع سكة حديد من سواكن  إلى بربر بالسودان فوضع تصميمًا لها ولكنه لم ينفذ ، وقام بإصلاح مقياس النيل عند أسوان سنة 1870 م ، وكان نائبًا عن الحكومة المصرية سنة 1873 م في مؤتمر الإحصاء الدولي بموسكو فأعجب العلماء بكفاءته وسعة اطلاعه ، وفي سنة 1883 م كان رئيساً للجنة التي شُكلت للنظر في طرق تعليم العلوم الرياضية ، وكان يلقى محاضرات باللغة العربية في علوم الفلك بدار العلوم بسراي درب الجماميز.

وكان عضوا فى عدة جمعيات علمية بأوروبا وفى جمعية المعارف المصرية والجمعية الجغرافية المصرية واختير عضوًا في لجنة الآثار العربية حتى وافته المنية ، ومن كتبه الأخرى : بهجة الطالب في علم الكواكب ، الآيات الباهرة في النجوم الزاهرة ، ترجمة حياة محمود الفلكي ، وتخليدا لذكراه ووفاء لما قدمه هذا العالم الجليل أطلق اسمه على أحد شوارع العاصمة في مصر وتحديدا بحي مصر الجديدة.

ذكره فنديك كتاب اكتفاء القنوع بما هو مطبوع فقال : ” إسماعيل باشا مصطفى الفلكي ناظر المرصد الفلكي في العباسية له الدرر التوفيقية في تقريب علم الفلك والجيوديسية طبع في ٢ ج في مصر ١٣٠٢ هـ وهو مطول في علم الهيئة وشرح العدد والآلات المستعملة للارصاد وجداول تحويل الزمن النجمي الى الدرج القوسي وفيه اشكال أي صور عديدة “

وذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” إِسْمَاعيل الفَلَكي ، إسماعيل (باشا) بن مصطفى بن سليمان الفلكي المصري من علماء مصر الرياضيين تركي الأصل ولد وتعلم في القاهرة وأتم دراسته في باريس ونبغ في علم الفلك فعهد إليه الخديوي إسماعيل بإنشاء مرصد العباسية في القاهرة وتنظيم مدرسة الهندسة ففعل ، له كتب كثيرة، منها بهجة الطالب في علم الكواكب والآيات الباهرة في النجوم الزاهرة والدرر التوفيقية (في علم الفلك) وله تقاويم فلكية كان ينشرها كل عام بالعربية والفرنسية ، توفي في القاهرة “.

وذكره جورجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية فقال : ” إسماعيل باشا الفلكي توفي سنة ١٩٠١  / ١٣١٩ ﻫ ، تفقه في باريس وكلفته الحكومة درس الميكانيك العلمي لأجل آلات الرصد لما قد يلزم من الإصلاح ، ودرس الرصد في مرصد باريس وتولى المرصد الفلكي في مصر ، وأهم مؤلفاته الآيات الباهرة في النجوم الزاهرة (في الفلك ، طبع ذيلًا لمجلة روضة المدارس) ، الدرر التوفيقية (طبعت نظارة المعارف الجزء الأول منه) ، تقاويم فلكية كان ينشرها كل عام بالعربية والفرنساوية عليها معول الحكومة المصرية في ضبط حساباتها “.

وذكره جاك تاجر في كتابه حركة الترجمة بمصر خلال القرن التاسع عشر فقال : ” إسماعيل مصطفى باشا الفلكي ، كان مولعًا بالرياضيات وقد أرسلته الحكومة إلى باريس لإتقان تعلمها وهو يعد من مشهوري علماء هذا العصر ، وترجم كتاب (التحفة المرضية في المقاييس والموازين المترية) وشاركه في ترجمتها صادق بك شنن وله تقاويم فلكية كان ينشرها كل عام باللغتين العربية والفرنسية “.

66 / حلية الطراز

عائشة التيمورية هو اللقب الذي عرفت به عائشة عصمت بنت إسماعيل باشا بن محمد كاشف تيمور التي ولدت بالقاهرة عام 1840 م وتوفيت بها عام 1320 هـ / 1902 م ، وهي شاعرة مصرية ولدت في أحد قصور درب سعادة وهو أحد أحياء الدرب الأحمر حين كانت تلك المنطقة مقرًا للطبقة الأرستقراطية ولعائلاتها العريقة.

وهي ابنة إسماعيل باشا تيمور رئيس القلم الإفرنجي للديوان الخديوي في عهد الخديوي إسماعيل (يعدل منصب وزير الخارجية حاليًا) ثم أصبح رئيسًا عامًا للديوان الخديوي ووالدتها هي ماهتاب هانم (شركسية تنتمي للطبقة الأرستقراطية) ، وهي أخت العالم الأديب أحمد تيمور ولكن من أم أخرى (هي مهريار هانم شركسية الأصل) وعمّة الكاتب المسرحي محمد تيمور والكاتب القصصي محمود تيمور.

نشأت في بيت علم وسياسة فأبوها رجل له مكانته السياسية ورجل مثقف له شغف بمطالعة كتب الأدب ، وكانت عائشة تميل إلى المطالعة إلا أن أمها كانت تعارض هذا وأصرت على أن تتعلم عائشة ما تتعلمه الفتيات إلا أن عائشة استمرت في المطالعة فتفهم أبوها طبعها فأحضر لها والدها أستاذين أحدهما لتعليم اللغة الفارسية والآخر للعلوم العربية.

وتحكي عائشة عن هذا وتقول :  ” فلما تهيأ العقل للترقي وبلغ الفهم درجة التلقي تقدمت إلي ربة الحنان والعفاف وذخيرة المعرفة والإتحاف والدتي تغمدها الله بالرحمة والغفران بأدوات النسج والتطريز وصارت تجد في تعليمي وتجتهد في تفهيمي وتفطيني وأنا لا أستطيع التلقي ولا أقبل في حرف النساء الترقي ، وكنت أفر منها فرار الصيد من الشباك والتهافت على حضور محافل الكتب بدون ارتباك.

فأجد لصرير القلم في القرطاس أشهى نغمة وأتخيل أن اللحاق بهذه الطائفة أوفى نعمة وكنت ألتمس – من شوقي – قطع القراطيس وصغار الأقلام وأعتكف منفردة عن الأنام وأقلد الكتاب في التحرير لأبتهج بسماع هذا الصرير ، فتأتي والدتي وتعنفني بالتكدير والتهديد فلم أزدد إلا نفورا وعن هذا التطريز قصورا ، فبادر والدي تغمد الله بالغفران ثراه وقال لها :

دعي هذه الطفلة للقرطاس والقلم واحذري أن تكثري من الكسر في قلب هذه الصغيرة وأن تثلمي بالعنف طهرها ، وما دامت ابنتنا ميالة بطبعها إلى المحابر والأوراق فلا تقفي في سبيل ميلها ورغبتها وتعالي نتقاسم بنتينا فخذي عفت وأعطيني عصمت ، وإذا كان لي من عصمت كاتبة وشاعرة فسيكون ذلك مجلبة الرحمة لي بعد مماتي ، وأخذ بيدي وخرج بي إلى محفل الكتاب ورتب لي أستاذين أحدهما لتعليم الفارسية والثاني لتلقين العلوم العربية “.

وقد تزوجت عائشة وهى في الرابعة عشرة من عمرها سنة 1854 م من محمد بك توفيق الإسلامبولي وهيأت لها حياتها الرغدة أن تستزيد من الأدب واللغة فاستدعت سيدتين لهما إلمام بعلوم الصرف والنحو والعروض ودرست عليهما حتى برعت وأتقنت نظم الشعر باللغة العربية كما أتقنت اللغتين التركية والفارسية وقد أخذتهما عن والديها ، وتولت عائشة تعليم أخيها أحمد تيمور حيث والدها قد توفى بعد ميلاده بعامين فتعهدته بالتربية والتعليم حتى صار بعد ذلك واحدا من رواد النهضة الأدبية في العالم العربي.

وقد فقدت عائشة ابنتها توحيدة التي توفيت في سن الثانية عشر وظلت سبع سنين ترثيها حتى ضعف بصرها وأصيبت بالرمد فانقطعت عن الشعر والأدب وكانت حبيبة إليها فرثتها بعدة قصائد منها (بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي) وكان هذا الحادث الأليم عميق الأثر في نفس عائشة حيث ظلت سبع سنوات بعد وفاة ابنتها في حزن دائم وبكاء لا ينقطع وأحرقت في ظل الفاجعة أشعارها كلها إلا القليل ، وفي سنة 1898 م أصيبت بمرض في المخ واستمر المرض أربع سنوات حتى توفيت في الثاني من مايو سنة 1902 م.

لها ديوان باللغة العربية باسم (حلية الطراز) وآخر بالفارسية طبع بمصر وبالأستانة وبإيران ، ولديها رسالة في الأدب بعنوان (نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال) طبعت بمصر وتونس ، ولها رواية بعنوان (اللقا بعد الشتات) وتركت رواية أخرى غير مكتملة بخط يدها ، كما نشرت في جريدة الآداب والمؤيد عددا من المقالات عارضت فيها آراء قاسم أمين ودعوته إلى السفور ، ومن آثارها الأدبية الأخرى (مرآة التأمل في الأمور).

ذكرها الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ”  عائشة التيمورية عائشة عصمة بنت اسماعيل باشا بن محمد كاشف تيمور ، شاعرة اديبة من نوابغ مصر كانت تنظم الشعر بالعربية والتركية والفارسية مولدها ووفاتها في القاهرة ،  تزوجت بمحمد توفيق بك الاسلامبولي فانتقلت معه إلى الاستانة سنة 1271 هـ وتوفى والدها سنة 1289 هـ وبعده زوجها سنة 1292 هـ ، وعادت إلى مصر فعكفت على الادب ونشرت مقالات في الصحف وعلت شهرتها ، لها حلية الطراز (وهو ديوان شعرها العربي) ونتائج الاحوال (في الادب) وكشوفة (ديوان شعرها التركي) وهي شقيقة أحمد تيمور باشا “.

وكتبت عنها مي زيادة في كتابها (عائشة تيمور) فقالت : ” دعتني جمعية مصر الفتاة دعوة كريمة إلى إلقاء محاضرة على أعضائها في الجامعة المصرية فوعدت وخطر لي أن خير موضوع أتخذه هو شخصية نسائية غنية ندرسها معًا فتعرض لنا في سياق البحث موضوعات جَمَّة في الأخلاق والأدب والاجتماع نمحصها قدر المستطاع بينما نحن نرسم من المرأة صورة شيقة فنسجل للحركة النسائية في هذه البلاد مفخرة أخرى تثير فينا الرغبات ونستمد من وحيها المثل والمعونة والفائدة جميعًا.

وما خطر لي ذلك إلا وصحبه اسم شجي يحيا دوامًا بزفراته الحارة المنغومة زفرات تناقلتها الأصداء يوم لم يكن للمرأة صوت يسمع فرسمت من الذاتية خطًّا جميلًا حين كانت صورة المرأة سديمًا محجوبًا وراء جدران المنازل وتكتم الاستئثار ، ورغم ذلك أنشأت أنقب في تاريخ المرأة المصرية وكانت كلما دفقت نمت التيمورية في ذهني وتفردت صورتها أمامي إذ لم يقم على مقربة منها صورة تسابقها أو تشبهها ولو شبهًا بعيدًا !

شاعرة بثلاث لغات ، عبقريتها اللغوية : قالت التيمورية شعرها بالعربية لغة وطنها المصري وبالتركية لغة آبائها وهي لغة لا يزال التخاطب بها في بعض الأسر ذات الأصل التركي وقالته بالفارسية التي هي لفئة من أدباء العرب والترك لغة (مدرسية) شأنها عندهم شأن اليونانية واللاتينية عند الغربيين والسبب في ذلك علاقة الفرس بهذين الشعبين الشرقيين من حيث السياسة والتاريخ.

ليس بوسعي درس شعرها غير العربي لجهلي اللغتين اللتين كتب بهما على أني أذكر هنا شبه شهادة سمعتها عرضًا من شقيقها أحمد تيمور باشا وهي قول المغفور له السلطان حسين لسعادته أنه (يفكر فيه كلما رأى ابنته قدرية تقرأ في ديوان السيدة عائشة) وهناك شهادة مسجلة في آخر الديوان المذكور (كشوفة) وهي رسالة من (إيران دولت عليه سي مصر قاهرة قونسولي سعادتلو دوقتور ميرزا محمد مهدي بك أفندي حضرتلي).

ولكن هل تعني الشهادة والإنكار دومًا كل ما يرصف فيهما ؟ ، نقرأ أحيانًا وصف بعض نتاج الأقلام عندنا فنحسب أننا مقبلون على مثل ما أبرز أوربيدس ودانتي وشكسبير فنحملق بالعيون والقلوب فإذا بنا نطالع شيئًا حسنًا قد يجوز (تشجيع صاحبه) أو شيئًا غير حسن يتحتم أن يحرم كاتبه من الفاكهة والحلوى طيلة أسبوع على الأقل ، لنكونن إذن من أنصار اللا شهادة ما بقينا في هذه الفوضى الإطنابية غير أننا لا يسعنا إلا الإعجاب بقلم يعالج الشعر والآداب في لغات ثلاث.

لا يذهلنا الآن أن يتكلم الشخص الواحد بثلاث لغات أو أربع وأن يتكلم باعة الدكاكين وغلمان البواخر والمقاهي والفنادق بما يربو عليها لعلمنا أنهم لا يستعملون إلا الكلمات المألوفة التي تفي بالأغراض السطحية ، لا يذهلنا ذلك لتتابع الاحتكاك والاختلاط بين الأمم بيد أنه ندر حتى بين مشاهير الشعوب من الأفذاذ من عرف أكثر من لغتين معرفة عبقرية “.

وأكثر شعرها في الرثاء حتى أطلق عليها لقب (خنساء العصر) ، ومن ذلك قولها في رثاء والدتها : يا قبر فاهنأ بالتي أحرزتها هي درة بالدرج لاحت تسطع .. يا رب فاجعل جنة المأوى لها دارًا بطيب نعيمها تتمتع .. واسكب على حصبائها سحب الرضى فضلًا وإن تك قد سَقَتها الأدمع .. يهنأ لأرباب النعيم نعيمهم طوبى لمن من نهرهم يتضلع.

وقالت في رثاء أختها : أحبيبتي كيف الرضا بتشتت قد ضر بالإخوان والأولاد .. يا من أتى للقبر يقرأ طرسه مهلًا، فليس كتابه بمداد .. وأعد له نظرًا فإن حروفه كُتبت بذوب العين والأكباد .. وجدت وأعدمها الزمان حياتها ما أقرب الإعدام للإيجاد.

وقالت في رثاء ابنتها توحيدة : ستر السنا وتحجبت شمس الضحى وتغيبت بعد الشروق بدور .. ومضى الذي أهوى وجرَّعني الأسى وغدت بقلبي جذوة وسعير .. طافت بشهر الصوم أكواب الردى سحرًا وأكواب الدموع تدور .. فتناولت منها ابنتي فتغيرت وجنات خد شأنها التغيير .. فذوت أزاهير الحياة بروضها وانقد منها مائس ونضير .. يا روع روحي حلها نزع الضنا عما قليل ورقها ستطير.

وتقول على لسان ابنتها وقد تخيلت أنها تخاطبها بعد مماتها : والقبر صار لغصن قدي روضة ريحانها عند المزار زهور .. أماه قد عزَّ اللقاء وفي غد سترين نعشي كالعروس يسير .. وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي هو منزلي وله الجموع تصير .. قولي لرب اللحد رفقًا بابنتي جاءت عروسًا ساقها التقدير .. وتجلدي بإزاء لحدي برهة فتراك روح راعها المقدور .. أماه لا تَنْسَيْ بحق بنوتي قبري لئلا يحزن المقبور.

وتتخيل أنها ترد على ابنتها فتقول في حزن : بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي قد زال صفو شأنه التكدير .. لا توصِ ثكلى قد أذاب وتينها حزن عليك وحسرة وزفير .. قسمًا بغض نواظر وتلهفي مذ غاب إنسان وفارق نور .. وبقبلتي ثغرًا تقضَّى نحبه فحرمت طيب شذاه وهو عطير .. والله لا أسلو التلاوة والدعا ما غردت فوق الغصون طيور .. كلا ولا أنسى زفير توجعي والقد منك لدى الثرى مدثور .. أبكيك حتى نلتقي في جنة برياض خلد زينتها الحور.

67 / الخلاصة الطبية

طبيب الخاصة الخديوية في عهد الخديوي إسماعيل هو الطبيب النابغة حسن باشا محمود شلتوت الذي ولد بقرية الطالبية بالجيزة عام 1263 هـ / 1847 م وتوفي بالقاهرة عام 1323 هـ / 1906 م ، وهو من كبار المؤلفين في علوم الطب وتولى تفتيش عموم الصحة في مصر ورئاسة مدرسة الطب ونشر مقالات علمية وطبية بمجلة المقتطف ومن أهم كتبه الخلاصة الطبية في الأمراض الباطنية.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” حَسَن مَحمُود باشا ، حسن بن علي محمود طبيب من نوابغ مصر أصله من أسرة قديمة تسمى (بيت شلتوت) مولده بقربة الطالبية من ضواحي القاهرة ووفاته في القاهرة ، تعلم بمصر وألمانية وفرنسة وتقلب في المناصب فكان مفتش صحة مصر ثم مديرا للصحة فناظرا للمدرسة الطبية وطبيبا لقسم الأمراض الباطنية بمستشفى قصر العيني.

له ٢٦ كتابا منها : الفوائد الطبية في الأمراض الجلدية ، والبواسير ومعالجتها ، والاستكشاف العصري في الدمل المصري ، والرمد الصديدي (مترجم) ، والخلاصة الطبية في الأمراض الباطنية ، وتحفة السامع والقاري في داء الطاعون البقري الساري ، ورسائل في حمى الدنج والهيضة والكوليرا والنزلة الوافدة ، ووضع بالفرنسية كتابا في داء الفقاع “.

وذكره جورجي زيدان في كتابه تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر فقال : ” حسن باشا محمود ، هو من أهل الدور الثاني للنهضة الطبية الأخيرة باعتبار تفاوتهم في أسلوب التأليف واختلافهم في المصادر التي تلقوا العلم عنها ، نبغ من بين العامة وارتقى بجده واجتهاده حتى صار في أرقى طبقات الخاصة علمًا ووجاهة ونبوغ العامة إلى طبقة الخاصة يكثر على الخصوص في أثناء الانتقال من عصر إلى آخر أو من دولة إلى أخرى إذ تصبح السعادة فوضى يتنازع الناس في اغتنامها فينالون منها على مقادير قواهم وحظوظهم.

ولد حسن باشا محمود في قرية صغيرة على طريق الأهرام يقال لها الطالبية وتلقى مبادئ العلم في المدرسة الحربية حتى إذا آن زمن الإرسالية العلمية لعام سنة ١٨٦٢ م ـ بعد وفاة المسيو جومار ـ أرسلوها إلى ألمانيا ، وكان صاحب الترجمة في جملة أعضائها للتفقه في الطب فأقاموا حينًا في ميونخ يتعلمون بالألمانية ثم أتموا دروسهم في فرنسا لأسباب أوجبت ذلك الانتقال فعاد صاحب الترجمة إلى مصر سنة ١٨٧٠ م وبيده الدبلومة الطبية فعينته الحكومة المصرية أستاذًا للتشريح في مدرسة القصر العيني.

ثم تولى تدريس علوم أخرى وراتبه يزداد والأنعام تتوالى عليه وكان راغبًا في الشهرة فانتظم عضوًا في جمعيتين قبل رجوعه من باريس فلما صار أستاذًا في مدرسة قصر العيني انتدبته الأكاديمية البرازيلية لعضويتها وعين عضوًا في عدة مؤتمرات طبية ، وتقلَّب في مناصب كثيرة بدوائر الأمراء وفي الْمَعِيَّة السَّنِيَّة وفي مصلحة الصحة والمدرسة الطبية وما زال يرتقي في ذلك حتى تولى إدارة مجلس الصحة ثم رئاسة مدرسة الطب وكان كثير التفكير في العمل والسعي في التقدم ومن مساعيه أنه أنشأ مجمعًا طبيًّا بمصر لم يطل عمره كثيرًا.

وكان مع ذلك كثير الاشتغال في الكتابة والتأليف وله مقالات طبية وعلمية تناقلتها الجرائد والمجلات وتباحثت بها الأندية والجمعيات ، أما مؤلفاته فأكثرها منقول أو ملخص عن الألمانية ولكنه كان كثيرًا ما يبث آراءه واختباراته فيها أولها كتاب ألفه في الفرنساوية قبل رجوعه من باريس موضوعه (داء الفقاع) أتى فيه على تاريخ هذا الداء من أول عهد الطب إلى الآن وذكر رأيه في كثير من أبوابه وكان له وقع حسن عند أطباء الإفرنج.

وأكثر ما ألفه من الكتب بعد ذلك منشور بمصر في العربية ككتاب الفرائد الطبية في الأمراض الجلدية ذكر فيه كثيرًا من الأمراض الجلدية الشائعة في القطر المصري وكتاب الخلاصة الطبية في الأمراض الباطنية وكتاب البواسير ومعالجتها وتحفة السامع والقاري في داء الطاعون البقري الساري.

وألَّف رسائل في حمى الدنج وحمامات حلوان والكوليرا والنزلة الوافدة ومقالات كثيرة نشر أهمها في المقتطف منها مقالة ضافية في النباتات المصرية ومقالات في الزراعة بوادي النيل والحشيش والدمل المصري والتراخوما والسل غير ما نشر من قلمه في المجلات الطبية بمصر وغيرها ، وبالجملة فقد كان (رحمه الله) عاملًا نشيطًا مجتهدًا مع رقة طباعه وسهولة أخلاقه ورغبته في خدمة وطنه بما يبلغ إليه إمكانه “.

وكتبت عنه مجلة المقتطف في عددها الصادر في مارس 1906 م (الجزء الثالث من المجلد الحادي والثلاثين) وجاء فيه : ” وقد تقلب في مناصب كثيرة فعين مندوبا للصحة في جدة ثم طبيبا لدائرة البرنس طوسن باشا ثم في دائرة توفيق باشا الخديوي السابق حينما كان وليا للعهد ، وعينه الخديوي الأسبق إسماعيل باشا طبيبا للخاصة الخديوية قبلما تنازل عن الخديوية.

ثم عين مفتشا للصحة في القاهرة فسن لها لوائح لم تزل مرعية إلى الآن ، ويقال أنه أول من وضع تذكرة الولادة في الديار المصرية ونقل بيمارستان المجانين (المجاذيب) من بولاق إلى العباسية وأراد أيضا أن ينقل إليها مستشفى قصر العيني لكن الفرص لم تساعده.

وقسمت إدارة الصحة إلى قسمين قسم داخلي عرف بمجلس الصحة العمومية وقسم خارجي عرف بمجلس الصحة البحرية والكورنتينات وعين صاحب الترجمة مديرا لهذا المجلس في الإسكندرية وذلك في سنة 1881 فنظمه وحرر اللوائح اللازمة له فصدق عليها أعضاء المجلس المندوبون عن الدول الأوروبية وكافأه الخديوي على تلك الأعمال بالنشان المجيدي الثالث ، وظهر الطاعون في تلك السنة في بلاد بين النهرين والكوليرا في بلاد الحجاز لكن مجلس الصحة البحرية والكورنتينات شدد المراقبة فوق القطر من هذين الوبائين فكافأ الخديوي صاحب الترجمة برتبة الميرميران ولقب باشا.

ثم جعل مديرا لعموم الصحة وأقام في هذا المنصب نصف سنة وجعل بعد ذلك ناظرا للمدرسة الطبية وطبيبا للأمراض الباطنية في مستشفاها فأنشأ بستانا للنباتات الطبية وبنى مسكنا للمرضات الانكليزيات وجمع معرضا للنباتات المصرية والعقاقير الطبية وأقام في رئاسة المدرسة من أواسط سنة 1889 إلى أواخر سنة 1891 وعين وهو فيها عضوا في مجلس المعارف الأعلى وعضوا في جمعية المعارف العمومية ، وسعى في إنشاء جمعية طبية مصرية مؤلفة من الأطباء الوطنيين والأوروبيين فتألفت ودامت مدة ثم لم نعد نسمع عنها شيئا.

عرفنا صاحب الترجمة منذ عشرين سنة فرأينا منه رجلا دمث الأخلاق لين العريكة بعيدا عن الدعوى محبا لصناعته راغبا في نفع الناس بها تسهل عليه معاشرة الذين جاروا التمدن الأوروبي كأنه ولد وتربى في عائلة أوروبية ، يفعل ذلك من غير تكلف فيجتمع حوله أولاد البيت من صبيان وبنات كأنه من ذوي قرباهم الذين يأنسون بمعاشرتهم لما يرونه في وجهه من البشاشة والأنس وفي حديثه من الفكاهة واللطف ، ولم نكن نعلم أنه ولد وتربى في قرية من قرى الفلاحين أما الآن وقد علمنا ذلك فزدنا إكراما له وزادت ثقتنا بالنجاح إلا إذا كان صاحب الترجمة من النوادر الذين لا يبنى عليهم حكم “.

68 / المواهب الفتحية

(المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية) هو عنوان كتاب في علوم اللغة العربية من تأليف الأديب والشاعر الشيخ حمزة فتح الله المصري المدرس بمدرسة دار العلوم والذي ولد بالإسكندرية عام 1266 هـ / 1849 م وتوفي في إدكو بالبحيرة عام 1337 هـ / 1918 م ، وهو من أصول مغاربية فوالده من تونس ولكنه هاجر إلى مصر واستقر بها وعمل إماماً فيها وتوفي قبل أن يولد ابنه حمزة ، ويعد كتاب المواهب من أوائل الكتب التي شكلت بداية نهضة أدبية في بمصر في العصر الحديث مع الحفاظ على الحس الأصيل للغة العربية كما درسها الأوائل.

وعاش حمزة تحت رعاية أخته وزوجها الذي كفله منذ صغره وحرص على تعليمه فأرسله بداية إلى أحد الكتاتيب لحفظ القرآن الكريم حيث أتم حفظه بإتقان في سن العاشرة وتلقى العلم في أحد المساجد التي كانت تنتهج طرق الأزهر في التعليم والتدريس ، وبعد فترة من الدراسة في حلقات العلم انتقل إلى القاهرة والتحق بالجامع الأزهر ودرس فيه بتوسع كبير علوم الفقه والتفسير والأدب واللغة وكان مهتماً باللغة العربية أشد الاهتمام حريصا على الحفظ والقراءة في علومها.

رجع حمزة فتح بعد أخذه الإجازة من الجامع الأزهر إلى الإسكندرية حيث درس هنالك بعض الوقت ثم انتقل للعمل في المجال الصحفي فعمل مساهماً في تحرير جريدة الكوكب الشرقي وهي جريدة أسبوعية أنشأها سليم حموي سنة 1873 م ، ثم تلقى دعوة من تونس ليترأس تحرير جريدتها الرسمية وهي جريدة الرائد التونسي وعمل مع الحكومة التونسية بشكل نشيط عندما تولى إدارة المطبعة الأميرية التونسية.

قضى فتح الله فترة ثماني سنوات في تونس عاد بعدها إلى الإسكندرية عام 1881 م وعمل مع معوض فريد في تحرير جريدة البرهان الأسبوعية التي كانت تصدر من الإسكندرية كل خميس وكانت من الصحف الموالية للخديوي توفيق ، ومن ثم أنشأ جريدة مستقلة أطلق عليها اسم الاعتدال عام 1882 م وكانت كذلك موالية في آرائها للخديوي وحكمه معارضة تغيير النظام السياسي بالقوة.

ثم عمل الشيخ حمزة مفتشاً للغة العربية وتولى رئاسة قلم الإنشاء والترجمة واستعان به علي باشا مبارك في تطوير المناهج في مدرسة دار العلوم حيث ألقى فتح الله في هذه المدرسة محاضراته الشهيرة في علمي اللغة والأدب والتي جمعت في كتاب اسمه المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية وكانت هذه المحاضرات تدور حول قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم :   (العالم أمين الله في الأرض)..

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” حمزة فتح الله المصري ابن السيد حسين بن محمد شريف التونسي ، أديب من علماء مصر ولد في الإسكندرية وانتقل إلى القاهرة فتعلم في الأزهر وسافر إلى تونس فتولى إنشاء جريدة (الرائد التونسي) الرسمية وأقام ثماني سنوات ، وعاد إلى الإسكندرية فحرّر جريدة (البرهان) ثم جريدة (الاعتدال) وعين مفتشا أول للغة العربية في وزارة المعارف وانتدبته حكومة مصر لحضور مؤتمر المستشرقين في فينة (عاصمة النمسة) ثم في استوكهلم (عاصمة السويد) فحضرهما.

وقضى في وزارة المعارف نحو ثلاثين عاما ثم أحيل إلى المعاش سنة 1330 هـ فعكف على البحث إلى أن توفي وقد كف بصره ، له : باكورة الكلام على حقوق النساء في الإسلام والمواهب الفتحية (مجلدان) وهداية الفهم إلى بعض أنواع الوسم (رسالة في وسم الإبل والخيل وغيرها عند العرب) ، ولعقود الدرية في العقائد التوحيدية والترجمة والتعريب (رسالة) والتحفة السنية في التواريخ العربية وله شعر “.

وقد ذكره محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة وتناول أعماله النثرية والشعرية بالنقد والتحليل فقال : ” الشيخ حمزة فتح الله ، نشأته وحياته : ينحدر من سلالة مغربية ولكنه ولد بثغر الإسكندرية سنة ١٢٦٦هـ / ١٨٤٩ م وشب بها فحفظ القرآن في أحد مكاتبها ودرس العلوم الشرعية واللغوية بجامع الشيخ إبراهيم باشا ثم ألحق بالأزهر فأتم به دراسته وتوفر على الآداب واللغة فتمكن منهما وأصاب حظا كبيرًا ودبج الرسائل الأدبية ونظم الشعر.

ثم عاد إلى الإسكندرية ورحل إلى تونس فلبث فيها بضع سنين تولى في أثنائها تحرير جريدة الرائد التونسي فأكسبه مرانه ودربه على معالجة الكتابة الصحفية والسياسية ، ثم عاد إلى مصر فألفى نار الثورة العرابية مشبوبة فاتصل بالخديوي وكان من أعوانه ومناصريه فأوحى إليه أن يحرر جريدة البرهان لمنشئها معوض فريد وقد كانت أسبوعية تصدر في الإسكندرية وتعلن أنها صحيفة الخديو وتفاخر بأنها حلت من أعتابه العليا محل القبول.

كانت الصحف المصرية تحبذ الشوى وتدعو لها والكتاب يعضدون هذا المسلك ويجهدون في سبيله ، ولكن الشيخ حمزة رحمه الله دعا دعوة رجعية تنافي ما أجمع عليه الصحف في ذلك الحين ولم يقتصر في مناصرته الخديو على تحريره جريدة البرهان بل أصدر جريدة الاعتدال عام الثورة العرابية ذيادا عن العرش وكثيرًا ما كان يخطب معاضدا هذه السياسة.

وفي سنة ١٨٨٦ م ندبته الحكومة المصرية لتمثيلها في المؤتمر العلمي الشرقي الذي عقد في فينا كما ندبته مرة أخرى لتمثيلها في مؤتمر العلوم الشرقية الذي اجتمع في استكهلم سنة ١٨٨٩ ، ثم رأى أن يزاول التعليم فعين في سنة ١٨٨٨ م بمدرسة الألسن ثم مدرسا بمدرسة دار العلوم العليا وتخرج عليه طائفة من المضلعين في اللغة والأدب.

وفي سنة ١٩١٠ م عين مفتشا أول للغة العربية وظل كذلك إلى أن خرج بحكم الستين في سنة ١٩١٢ م فعكف على البحث والاطلاع والتقليب في كتب اللغة والأدب حتى وافته المنية في إبريل سنة ١٩١٨ م بعد أن كان كف بصره.

أثره في اللغة والأدب : كان رحمه الله حجة في اللغة متمكنًا من أصولها وفروعها ملما بأسرارها ودقائقها غيورًا عليها شديد الحفاظ لها يلتزمها في حديثه مع جميع الناس حتى مع خادمه ، ولم ينزل عن غريبها في جميع ما كتبه من شعر أو نثر أو حديث أو مراسلة أو تقرير حتى كان بعض الأدباء يضع بعض النوادر في أسلوب غريب وينسبها إليه لتلصق به.

وكان شديد الحفظ قوي الذاكرة ملما بطائفة عظيمة من شعر الفحول وقصصهم وأحاديث السلف وما يتعلق بهم فما تذكر له حادثة إلا يفيض في تقريرها وبيانها والتعليق عليها والانتقال منها إلى أخرى مشابهة لها ، هذا إلى عذوبة حديثه وصحة عبارته وحلاوة محاضرته وجمال دعايته وما يتدفق منه من بيان وعلم غزيرين.

وكانت له على المدرسين هيمنة واسعة وإشراف دقيق في أثناء تفتيشه بوزارة المعارف فقد كان يحاسبهم حسابا عسيرا على هفواتهم ويرشدهم إلى زلاتهم وينبههم إلى مواطن الخطأ والصواب حتى اضطرهم إلى مراجعة معاجم اللغة والبحث في مجفواتها ، وما طال هجره من الألفاظ فأخرج كنوزها ورد إليها بهجتها ونفى عنها ما يداخلها من الأغلاط وخلصها من أدران العامية والدخيل ونقاها من عجمة الأساليب وفساد التراكيب.

ويحدث الأستاذ عبد العزيز البشري رحمه الله عن أثره في اللغة فيقول : وفي أعقاب نهضة المرصفي يقبل العالمان الأديبان الشيخ حمزة فتح الله والشيخ إبراهيم البازجي فيكشفان عن مجفو العربية ويستظهران من أواضعها وصيغها ما يدل على الكثير من الأسباب الدائرة ويتعقبان الأخطاء الشائعة ويدلان على الصحيح الناصح من كلام العرب فيأخذ الكتاب والشعراء أنفسهم بالتحري في التماس الصحيح حذر النقد والتشهير وكذلك تصفو اللغة وتشرق ديباجتها.

كان من أثر هذه العناية وما أخذ به المدرسين من شدة المراقبة وعسر الحساب أن طبع كثير منهم بطابعه فتشددوا تشدده ونسجوا على منواله ووقفوا عند السماع وعكفوا عليه بل تغالى بعض المفتونين منهم وتعدوا طورهم فجعلوا يقولون لا توجد هذه الكلمة في اللغة ولو وجدت في شعر فحول الأدباء من أهل القرون الأولى.

والحق أن هذه طريقة خدمت اللغة وكان لها أثر طيب في سلامتها ولكن الإمعان في التشدد وهجر ما سهل من الألفاظ إلى الغريب المتوعر ربما أورث الكتابة تعقيدا وغموضا ، وكثيرًا ما كانت تعرض عليه وزارة المعارف ما تطبعه من كتب العربية فيقوم بتصحيحها ويخرجها سليمة من الأخطاء اللغوية والعربية.

مؤلفاته : ترك الشيخ حمزة فتح الله، آثارًا دالة على غزارة علمه ودقة بحثه وتمكنه من أسرار العربية وإلمامه بدقائقها وقد اتسمت هذه المؤلفات بالبحث المنظم والنسج المحكم والاستيعاب الدال على سعة العلم.

ومن هذه المؤلفات (المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية) التي أحيا بها ما اندثر من آثار السابقين وجرى فيها على طريقة الجاحظ والمبرد والقالي والمرتضى في أماليهم ، وهي فنون من اللغة والأدب والعلم دالة على سعة اطلاعه وطول باعه في علوم مختلفة من أدب ونحو وصرف وبلاغة وتاريخ وغير ذلك فهي أخذ من كل فن بطرف وجمع لما يوسع المدارك ويثقف الأذهان.

وهو إذ يعرض خطبة من خطب العرب أو قصيدة من قصائدهم أو رسالة من رسائلهم يترجم للخطيب أو الشاعر أو الأديب ويذكر شيئا من خبرهم ثم يشرح أثره الشعري أو النثري شرحا لغويا دقيقا ويستطرد إلى إعراب الشعر ويعرج بذكر طرف من النحو أو الصرف أو البيان مقابلا بين هذا المعنى وما ذهب إليه غيره.

وهكذا لا يزال يتهم في الأدب والعلم وينجد ويطوف بك بين رياضه ويهدي إليك من ثماره وأنت مفتون بما أهدى إليك معجب بطريقته في البحث ومنحاه في الدراسة وحسن تنظيمه وترتيبه ، والمواهب جزءان حافلان بالنكت الأدبية والبحوث المختلفة التي تقوم الألسنة وتمد الأقلام وتنفع الأديب بما لا غنية له عنه ، والكتاب مطبوع متداول.

ومن مؤلفاته رسالة في المفردات الأعجمية التي وردت في القرآن الكريم وهي بحث طريف أعان عليه سعة عمله ، وله رسالة أخرى في الرسم سماها هدية الفهم إلى بعض أنواع الرسم تحدث فيها عن وسم الخيل وغيرها وأسماء ذلك عند العرب مما عثر عليه في كتاب المخصص لابن سيده وغيره من كتب اللغة ، وفي أول الرسالة فهرس بأسماء السمات مرتب على حروف الهجاء والرسالة محلاة بصور بعض الإبل الموسومة طبعت في بولاق سنة ١٣١٣هـ وله رسالة في التوحيد نهج فيها نهجا عقليا في البحث والاستدلال ، وله رسالة سماها باكورة السلام في حقوق النساء في الإسلام وهي مطبوعة أيضا.

كتابته : كانت له في الكتابة طريقتان طريقة وعرة متكلفة وأخرى سهلة مرسلة فهو يلتزم السجع أحيانا ويفتن في استعمال الغريب ويعمد إلى الزخرف والصنعة فتجيء كتابته ثقيلة متوعرة غامضة تنفر النفس من طول ما بذل فيها من التعمل والتكلف ، ولكنه يعمد أحيانا إلى السلامة والسهولة ويتجنب السجع فلا يرد في كلامه إلا عفوا غير مطلوب ويتضح معناه ويشرق تعبيره.

وهو في كلتا الحالتين فصيح العبارة محكم النسج شديد السطوة ويغلب أن يكون النوع الأول في رسائله ومعاطاته الوصف ومجاراته أساليب القدماء وأشد ذلك في توقيعاته ، ويغلب أن تكون السهولة والوضوح في كتابته الصحفية وما يتناول به لشئون الاجتماعية.

شعره : أما شعره فهو غريب مشدود لا يجري مجرى الطبع والارتياح بل يناوله على استكراه وتكلف ويعني فيه بالزخرف والصنعة ولا تشم منه روح الشعر المطبوع ، ولم نعثر على شيء من شعره إلا قليلا “.

69 / أعمال مجلس إدارة الأزهر

في الثامن من جمادى الثانية سنة 1312 هـ صدر الأمر العالي من الخديوي عباس حلمي الثاني بتعيين الشيخ حسونة النواوي الحنفي وكيلا لمشيخة الأزهر مع صلاحيات إدارية كاملة بسبب مرض شيخ الأزهر وقتها الشيخ محمد الإنبابي وكثرة الشكاوي الواردة بسبب ذلك ، وبعدها بشهر واحد في السابع من رجب سنة 1312 هـ صدر أمر عال بتشكيل مجلس إدارة الأزهر المنوط به عمل إجراءات الإصلاح والتطوير في المؤسسة العريقة وأبلغ ذلك إلى رئاسة مجلس النظار.

وضم المجلس اثنان من شيوخ الأزهر من موظفي الحكومة وهما الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان وثلاثة من أكابر العلماء أحدهم شافعي وهو الشيخ حسن المرصفي والثاني مالكي وهو الشيخ سليم البشري والثالث حنبلي وهو الشيخ يوسف النابلسي شيخ مذهب الحنابلة ، واتخذ المجلس أول قراراته بطلب للشيخ الإنبابي أن يقدم استقالته حيث تعين الشيخ النواوي في منصب شيخ الأزهر وبدأت مرحلة كبرى من الإصلاح المالي والإداري بالإضافة واعتماد نظام جديد للامتحانات.

ومن أعمال المجلس ضم الجامع الأحمدي بطنطا والمسجد الدسوقي ومسجد دمياط للأزهر ثم بعد فترة تم ضم الإسكندرية أيضا وإنشاء دار الكتب فيه وتحديد المناهج الجديدة المضافة وكذلك تطوير إدارة الأروقة التي يسكنها المجاورون من طلبة العلم ، وظلت أعمال المجلس قائمة لمدة عشر سنوات حيث قام الشيخ عبد الكريم سلمان بتدوين كافة هذه الإجراءات في كتاب بعنوان (أعمال مجلس إدارة الأزهر من ابتداء تأسيسه سنة 1312 إلى غاية سنة 1322) وطبع في العام التالي.

ويعد هذا الكتاب من السجلات الهامة التي دونت منعطفا هاما في تاريخ الأزهر وعلاقته بالدولة ، والمؤلف هو قاض شرعي وأديب وكاتب أزهري مصري من أعلام حركة الإصلاح في عصره ومن تلاميذ السيد جمال الدين الأفغاني ، وهو ألباني الأصل من جهة أبيه وعربي النسب من جهة والدته حيث ولد في قرية جنبواي بالبحيرة عام 1265 هـ / 1849 م وتوفي في بلدة الرحمانية بالبحيرة عام 1336 هـ / 1918 م ونقل جثمانه إلى القاهرة ليدفن بجوار صديقه ورفيقه الإمام محمد عبده.   

وقد ذكره محمد كامل الفقي في كتابه الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة وتناول مسيرة حياته وعلاقته بالإمام محمد عبده ودوره في إصلاح وتطوير الأزهر فقال : ” الشيخ عبد الكريم سلمان المتوفى سنة ١٣٣٦هـ / ١٩١٨ م ، نشأته وحياته : ولد رحمه الله في القاهرة يوم الخميس غرة شعبان سنة ١٢٦٥ هـ من أبوين ألباني الأصل ، فقد وفد إلى مصر من ألبانيا جده لأبيه المرحوم سلمان أفندي أغا في عهد محمد علي باشا ووظف بجنده.

وكان ابنه حسين أفندي قد اتصل بأسرة من جنسه بقرية جنبواي من أعمال مركز إيتاي البارود بمديرية البحيرة فأصهر إليها ولبث بهذه القرية على هوى منه وزهد في وظيفته بما اشتراه من عقار في هذه الجهة ، وقد رزق عدة بنين كان المرحوم الشيخ عبد الكريم ثانيهم سنا وقد أصيب الشيخ عبد الكريم بالجدري وهو طفل فكاد يذهب ببصره لولا أن القدر هيأ له أخاه في الطفولة فبينما كان يعلبان على سطح الدار إذا بأخيه يقذف به فيهبط من حالق وتشج جبهته وحاجبه ويتدفق منها دم غزير انكشفت به غشاوة عن إحدى عينيه فأبصر بها.

وقد حال ضعف بصره دون إلحاقه بالمدارس فالتحق بكتاب القرية وتعلم مبادئ القراءة والكتابة وأتم القرآن به ثم أشرب حب الأزهر وتملكه هواه فتسلل خفية إليه وقد التقى في طريقه إلى الأزهر برجل من قريته فسأله الرجل عن مقصده فعي جوابه وإذ ذاك عاد به الرجل إلى القرية وأسلمه لوالده ، ولم يشأ والده أن يصرفه عن حبه الأزهر فأوفده إليه في سنة ١٢٨٨ هـ فانكب على العلم وطالعه برغبته وشوق وكان معروفا بالذكاء والتفوق على الأقران وجمعته صداقة الصبا بجمهرة من نابغي الأزهر كالطلاب سعد زغلول ومحمد عبده وإبراهيم الهلباوي وغيرهم.

وفي أواخر داسته بالأزهر وفد إلى مصر السيد جمال الدين الأفغاني فوصل بينهما الشيخ محمد عبده وأكد ودهما فتلقى الشيخ عبد الكريم عن الأفغاني ما كان ينشده بمصر من العلوم ودرب فيمن دربهم على الكتابة ومعالجة الشئون ، ومنذ ذلك الحين شرع يكتب في الصحف ويتناول النواحي الوطنية والخلقية والاجتماعية وذاع اسمه بين الكتاب النابهين وكان قلمه يدر عليه اليسر والرغد ونال شهادة العالمية من الدرجة الأولى في سنة ١٣١٥ هجرية.

أعماله : اتجهت رغبة المرحوم رياض باشا وكان ناظر النظار إلى إصلاح جريدة الوقائع المصرية فقلب بصره باحثا عن نحارير الكتاب وجهابذتهم فاختاره فيمن اختارهم لتحريرها كسعد زغلول وسيد وفا وغيرهما تحت رئاسة الشيخ محمد عبده سنة ١٨٨٠ م ، وكان رياض باشا قد اهتدى إليه بمقال كتبه قبل ذلك تناول فيه بالنقد بعض أعمال الحكومة فدعاه على أثر ذلك، وخيره بين الكف عن الكتابة والتزام قريته فآثر الثانية ، ثم دعاه منها لهذا العمل فكان أحد الذين سموا بلغة الوقائع ونهضوا بتحريرها وخلصوها مما كانت ترسف في أغلاله من السجع المرذول والصناعة المستكرهة.

ولما حوكم الشيخ محمد عبده عقب الثورة العرابية وقضى بنفيه إلى الشام حل الشيخ عبد الكريم محله في رئاسة الوقائع وظل بها إلى أواخر سنة ١٨٩٧ وهي السنة التي ألغي فيها القسم الأدبي من الوقائع فعادت إلى ما كانت عليه صحيفة أوامر وقوانين.

ثم عين في أول يناير سنة ١٨٩٨ م عضوا بالمحكمة الشرعية العليا وقد حصل على شهادة العالمية في فقه الأحناف لأنه نشأ شافعي المذهب ولا يتقلد قضاء مصر إلا الحنفية ، وقد أبدى ذكاء غريبا في دراسة فقهه الجديد فإنه تضلع فيه واستمكن في وجيز من الزمن.

وفي أول أبريل سنة ١٨١٠ م عين مفتشا عاما بالمحاكم الشرعية وطاف بمحاكم البلاد جميعها وكتب تقريرا مبدعا بين فيه ما شاهده من علل ونقص وأشار بكثير من ضروب الإصلاح والعلاج الإداري والفقهي ثم لقي عنتا آثر به الاستقالة في نوفمبر سنة ١٩١٢ م.

صلته بالشيخ محمد عبده : وقد نشأ ملازما للشيخ محمد عبده متآخيا معه لا يغادر أحدهما الآخر منذ صباه ، ولقد ضرب الشيخ محمد عبده في أثناء دروسه مثلا يصور به تلازمهما فقال : كأن يسأل السائل هل رأيت الشيخ محمد عبده ؟ فتقول : ولا الشيخ عبد الكريم سلمان ، وكان بينهما تقارب في الرأي وتناسب في الفكر وتشابه في الشعور وكأنهما أراد أن تدوم صلتهما في الآخرة كما دامت في الأولى فابتنيا قبرا واحد ضم رفاتيهما فما أبلغ ذلك وفاء.

لازم الشيخ عبد الكريم صديقه الإمام أكثر من عشر سنين بذلا فيها جهودا موفقة في خدمة الأزهر وإصلاح شئونه ، وكثيرا ما عاون الشيخ عبد الكريم زميله الإمام في مشروعاته المثمرة وعاضده في إنجاحها على رغم ما يدبر له من كيد أعدائه وأعداء الإصلاح حتى أنجز في ظلالهما ورعايتهما للأزهر إصلاح واسع الأفق ، فصله الشيخ عبد الكريم في كتابه الذي سماه (أعمال مجلس إدارة الأزهر) وقد طبعه المرحوم السيد رشيد رضا مجردا من اسم صاحبه لما حواه من حقائق تتصل بالخديو إذ ذاك ، ولما قدم الإمام استقالته من مجلس إدارة الأزهر قدم هو الآخر استقالته في الأسبوع نفسه ومما قاله الإمام في تقديره : وأكننته كنى فأدنيته مني وجعلته في مكان النحو من ابن جني.

وما زال كذلك حركة دائبة في الإصلاح وآية فذة في العلم والأدب حتى قبض رحمه الله في يوم الجمعة السابع عشر من مايو سنة ١٩١٨ على أثر نوبة قلبية لم تملهه ، وقد نقل جثمانه من الرحمانية إلى القاهرة في حفل رهيب سعى إليه سعد زغلول وعلماء الأمة وعظماؤها وأدباؤها وكبراؤها.

أخلاقه : هذا وقد كان رحمه الله أبلغ الأمثال في الإباء والاعتزاز بالكرامة رحيما يرثي للمنكوبين ويغدق خفيه على المعوزين ويسعى لقضاء مصالح الناس فلا ترد له كلمة ولا تنتكس له شفاعة ويؤثر غيره على نفسه ولو كان به خصاصة ويقدم سواه فيما هو أهل له ، رجا صديقه الإمام وسعدا يوما ما في تعيين بعض الأصدقاء وقد توسط به من منصب كبير قال له الإمام : إنني وسعدا ندخر هذا المنصب لك وأنت أجدر الناس به ، فقال : لا لن أقبله إنما هو لصاحبي فقد أعطيته كلمة ، وبلغ من الرثاء للمحتاجين البائسين أنه كان يجمع من كثير من الأغنياء صدقة يوزعها عليهم ترفيها عنهم.

كتابته : اشتغل رحمه الله بالكتابة والتحرير في الصحف وهو يطلب العلم في الأزهر وبكر صيته بالكتابة الأدبية القيمة التي نشرها في الوقائع المصرية والمقطم والجريدة والآداب والمؤيد وغيرها من الصحف ، ومما يذكر له بالفضل ما بذله من صادق الجهود في تلخيص الكتابة من ربقة السجع والمحسنات والزخرف وكان أشد الناس بغضا للتهويل والمبالغة ميالا إلى القصد والاعتدال في الكتابة واضح الغرض سهل العبارة فصيح التعبير مسلسل الفكرة قوي الحجة سليم المنطق.

وإننا لنجد في كتابته طرفا من السجع ولكنه قليل ضئيل بالنسبة لما كتبه مما استرسل فيه وأتى به طلقا مشرق الديباجة أبلج الغرض مسايرًا لسجيته وطبيعته التي لا تميل إلى السجع إلا أن وافاها عفوا دون طلب “.

70 / موليير مصر وما يقاسيه

موليير مصر هو اللقب الذي عرف به يعقوب روفائيل صنوع الذي ولد بالقاهرة عام 1839 م وتوفي في باريس عام 1912 م وهو كاتب وصحفي ومؤلف مصري ويُعد رائد المسرح المصري ومؤسس الصحافة الساخرة في مصر ، وترجع جذوره لأسرة مصرية يهودية كانت تقيم في حي باب الشعرية حيث كان الابن الوحيد لأبويه بعد وفاة أربعة أطفال قبله ويُذكر أن لقب الأسرة نفسه ذو دلالة إذ إن لفظة صنوع تعني بالعبرية تعني رجلاً تقيًّا خاشعًا.

كان والده مستشارًا للأمير أحمد يكن حفيد محمد علي باشا ويُروى أن يعقوب نظم قصيدة في مدحه فأُعجب بها الأمير ولم يصدّق أن فتى في الثالثة عشرة من عمره هو قائلها فابتعثه إلى إيطاليا سنة 1853 م على نفقته الخاصة لدراسة الفنون والآداب ، ثم عاد يعقوب سنة 1855 م ليعمل مدرسًا لأبناء الخديوي إسماعيل يدرّس لهم اللغات والعلوم الأوروبية فضلًا عن التصوير والموسيقى.

يروى أنه مات لوالديه أربعة أطفال بعد فترة قصيرة من ولادتهم لذا فعندما حملت به أمه ذهبت إلى شيخ مسجد الشعراني ليدعو لها أن يحفظ جنينها فبشرها بأن الله سيحفظه وأنه سيكون ولدا وأنها إن أرادت أن يعيش أن تهبه لخدمة الإسلام والمسلمين ، وأن ذلك دفع والديه لتعليمه القرآن بالإضافة إلى التوراة والأنجيل كما كان يجيد ثلاثة عشرة لغة.

عين في عام 1868 م مدرسا في مدرسة الفنون والصناعات في القاهرة وعضوا في لجنة امتحان المدارس الأميرية ، وكان بارعا في عدة لغات أهمها العربية والعبرانية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية مع إلمام بالإسبانية واليونانية والروسية والبرتغالية وغيرها ، وساعده تعلمه لتلك اللغات على تعريف العالم الأجنبي بآداب اللغة العربية والدراسات الإسلامية فترجم قصائد من العربية إلى اللغات الإيطالية والفرنسية والإنجليزية.

هذا بالإضافة إلى نشر دراسات عميقة من الآداب الإسلامية وبعض المقالات في الجرائد الإنجليزية وفي بعض المجلات الفرنسية الكبرى ، وبينما كان يطرى الحضارة الأوروبية في جرائد الشرق كان يكشف في الصحف الأوروبية عن جمال الشعر العربي وعمقه ، ولقد أعجب الغربيون بفصاحة لسانه وقوة حجته وبراعته في نظم الشعر بلغاتهم مما أدى إلى زيادة روابط المودة والصداقة مع أكبر علماء زمانه في مصر وسوريا والغرب الأقصى والهند.

فضلا عما أحرزه من إعجاب لدى عظماء الفرنسيين لابتكاره طريقة النثر المسجوع في اللغة الفرنسية كما هو شائع في اللغة العربية وألف من هذا النوع مقالات شتى وخطبا عدة وله مؤلفات كثيرة غير ذلك ، ولم يكتف أبو نظارة بذلك بل ألف ثلاث تمثيليات باللغة الإيطالية عن العادات المصرية لقيت نجاحا كبيرا على المسارح الإيطالية بالشرق ، وحتى صحافة إنجلترا عدوته وعدوة بلاده اللدود التي أبدت إعجابها على بعض الصور الكاريكاتورية التي رسمها صنوع معلقا عليها.

وفي عام 1869 م فكر يعقوب في تأسيس مسرح مصري تعرض على خشبته مسرحيات عربية متأثرا بما رآه في إيطاليا وسمح له التنقل بين جميع فئات المجتمع من حرفيها وعمالها وجاليتها الأجنبية والطبقة الارستقراطية التعرف على كافة أفراد الشعب المصري آنذاك واستفاد من ذلك في رسم شخصياته المسرحية الكوميدية.

ألف يعقوب صنوع مسرحيات قصيرة ممزوجة بأشعار وقام بتلحينها وعرضها في قصر الخديوي إسماعيل وأمام حاشيته من الباشوات فأعجبوا بها ثم قرر يعقوب أن ينشئ فرقة مسرحية من تلاميذه وكان هو يلعب دور المدير والمؤلف والملحن والملقن وعرض مسرحيته على منصة مقهى موسيقي كبير بحديقة الأزبكية بالقاهرة وكانت توجد في ذلك الوقت فرق تمثيل إيطالية وفرنسية تعرض أعمالها للجاليات الأوروبية في القاهرة ونجحت مسرحيته نجاحا كبيرا.

أنشأ بعدها يعقوب فرقته الخاصة لتقديم مسرحياته وفي فرقته ظهرت النساء لأول مرة على خشبة المسرح ، ويرجع لقب موليير مصر إلى الخديوي إسماعيل الذي أطلق عليه ذلك الاسم وطلب منه ان يعرض مسرحياته على مسرحه الخاص في قصر النيل حيث عرض يعقوب ثلاث مسرحيات هي آنسة على الموضة وغندورة مصر والضرتان).

وكانت مسرحيات كوميدية أعجب بهم الخديوي وسمح له بإنشاء مسرح قومى لعرض مسرحياته على عامة الشعب ، وقد عرض على هذا المسرح أكثر من مائتي عرض لاثنين وثلاثين مسرحية ألفها إلى أن قدم مسرحية (الوطن والحرية) فغضب عليه الخديوي لأنه سخر فيها من فساد القصر ثم أغلق مسرحه ونفاه إلى فرنسا فاستقر في باريس إلى آخر حياته.

أنشأ عددا من الصحف منها (أبو نضارة) التي اضطر إلى إعادة إصدارها باسم (أبو نظارة زرقاء) ثم صحيفة الوطن المصري وأبو صفارة التي أيضا اضطر إلى تغيير اسمها إلى أبو زمارة وصحيفة الثرثارة المصرية ، والتقى في أوروبا أديب إسحاق وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وإبراهيم المويلحي وخليل غانم ثم مصطفى كامل وغيرهم.

ثم واصل دعايته للقضية الوطنية بعد الاحتلال البريطاني لمصر فأصدر العديد من الصحف بالعربية والفرنسية وأخذ يتنقل في أوروبا للدفاع عن مصر واشترك في الحملات التي شنت على الخديوي إسماعيل والاحتلال البريطاني وراسل أحمد عرابي في منفاه في جزيرة سيلان ، وكانت الصفة الغالبة على جميع أعمال صنوع المسرحية سواء الممثلة أو التي نشرها في الصحف باسم (لمعيات) هي تمسك صنوع باختيار الشخصيات الشعبية من بين شخصيات المجتمع.

وفي مقدمة طبعة هنداوي لكتبه جاءت ترجمته وفيها : ” يعقوب صنوع كاتبٌ مصريٌّ وناقدٌ أدبيٌّ بارِز يُعدُّ أحدَ رُوادِ ومؤسِّسي المسرحِ المصريِّ الحديثِ والصحافةِ الساخِرة وذلكَ في النِّصفِ الثاني مِنَ القرنِ التاسعَ عشرَ الميلادي عُرِفَ ﺑأبو نظارة وأَطلَقَ عليه الخديوي إسماعيلُ لقَبَ (موليير مصر).

وُلِدَ يعقوب بن رافائيل صنوع في القاهرةِ عامَ ١٨٣٩ م تَلقَّى تعليمَهُ الأَوَّليَّ بالقاهِرة واستَطاعَ إجادةَ العديدِ مِنَ اللغاتِ منها العربيةُ والعِبريةُ والتُّركيةُ والفرنسيةُ والإيطالية ، أُرسِلَ في بَعْثةٍ دراسيةٍ إلى إيطاليا على نَفَقةِ الحُكومةِ المِصرية وهناكَ درَسَ الفنونَ والآدابَ والاقتصادَ السياسيَّ والقانونَ الدوليَّ خلالَ ثلاثِ سنواتٍ مِن عامِ ١٨٥٣ م حتَّى عامِ ١٨٥٥ م ، وقد أُتِيحَ لهُ أن يَطَّلعَ على العديدِ مِنَ الثَّقافات خاصَّةً في فنِّ المسرَح حيثُ اطَّلعَ على أعمالِ أهمِّ الكُتَّابِ المسرحيِّين لا سِيَّما موليير وجولدوني وشريدان.

في عامِ ١٨٧٠ م أنشَأَ فرقةً مسرحيةً لتقديمِ مَسرحياتِهِ في القاهِرة وكانتْ مسرحياتُه تُقامُ على مسرحِ قاعة الأزبكية وقدْ لاقَتْ نَجاحًا جماهيريًّا كبيرًا حتى إنَّ الخديوي إسماعيلَ طلَبَ منهُ عرضَ مَسرحياتِهِ في القصر ، وقدْ ظلَّ يَعرضُ مسرحياتِه لمدةِ عامَينِ إلى أنْ قدَّمَ مسرحيةً بعُنوانِ (الوطن والحرية) سخِرَ فيها مِن فَسادِ القصرِ والنظامِ الحاكِم فغضِبَ عليهِ الخديوي وأمَرَ بإغلاقِ مَسرحِه ونفْيِه إلى فرنسا.

إلى جانبِ أعمالِه المَسرحية أصدَرَ يعقوب صنوع العديدَ مِنَ الصحفِ السياسيةِ الساخِرة أهمُّها (أبو نظارة زرقاء) عامَ ١٨٦٦ م التي انتقَدَ فيها حُكمَ الخديوي إسماعيل ، وعندَما نُفِي إلى فرنسا تابَعَ إصدارَ جريدتِه هُناك وكانَ أحيانًا يُصدِرُها باسمِ الحاوي أو الوطني المصري ، أصدَرَ كذلكَ أبو زمارة والعالَم الإسلامي والثرثارة المصرية كما أنشَأَ جمعيتَينِ عِلميتَينِ أدبيتَينِ أطلَقَ على أُولاهُما اسمَ (مَحْفل التقدُّم) وعلى الأُخْرى اسمَ (مَحْفل مُحِبِّي العِلم).

كتَبَ العديدَ مِنَ الرِّواياتِ الهَزليةِ والغَراميَّة بالإضافةِ إلى مَسرحياتِه ذاتِ النقدِ الاجتماعي التي كُتِبتْ بأُسلوبٍ فُكاهيٍّ كوميدي ومِنها : أبو ريدة وكَعْب الخير ، والأَمِيرة الإسكندرانيَّة ، والصَّداقة ، والعَلِيل ، وبُوْرصة مِصر ، والدُّرَّتَيْن ، وموليير مِصْر وما يُقاسِيه ، ومَدْرسة النِّساء ، والبَخِيل ، وغيْرَها الكثير ، تُوفِّيَ في باريسَ عامَ ١٩١٢ م “.

  وجاء في التعريف بكتاب (موليير مصر وما يقاسيه) : ” في هذه المَسْرحيةِ يَعرضُ يعقوب صَنُّوع المتاعبَ التي كانَ يتعرَّضُ لها في إدارةِ مَسْرحِه في مِصْر بأسلوبٍ هَزليٍّ تَمْثيلي مُستلهِمًا مناخَ الحريةِ في باريس ، كتبَ يعقوب صَنُّوع هذهِ المسرحيةَ القصيرةَ متأثِّرًا بمَسْرحيةِ (ارتجاليَّة فرساي) لرائدِ المسرحِ الفرنسيِّ موليير ومُوضِّحًا عبرَ أحداثِها ما عاشَهُ في مَسارحِ مِصْر وساخِرًا من نُقَّادِه وخُصومِه الذينَ كانوا يرَوْنَ في فَنِّه إِخْلالًا بقَواعدِ المُجْتمعِ المُحافِظِ في تلكَ الفترة.

والمسرحيةُ تُعَدُّ مُقارَبةً لكتابةِ سِيرةٍ ذاتيةٍ فنيةٍ بأسلوبٍ مسرحيٍّ مُتميِّز حيثُ إنَّ صَنُّوع جعلَ منها نوعًا مِنَ التأريخِ للضائقةِ الماليةِ التي كانتْ تُواجِهُه في تمويلِ مسرحِه ، كما عرَضَ فيها ما كان يَتعرَّضُ له الممثِّلونَ من مُشْكلاتٍ وما كان يَعترِضُهُم من عَقَبات وما كان يحدثُ خلْفَ الكواليسِ وفي البُروفات راسِمًا لوحةً خالدةً للمَشْهدِ المَسرحيِّ العربيِّ في زمنٍ كانَ يُصارِعُ فيه من أجلِ البَقاء ومن أجلِ إثباتِ أنَّه فَنٌّ راقٍ لا يَقِلُّ أهميةً عن باقِي الفُنون “.