العصر العثماني الجزء الرابع

31 / منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة

مجدد الإسلام على رأس المائة الحادية عشر الهجرية هو الإمام العلامة الشيخ أبو عبد الله محمد بن جمال الدين عبد الله بن علي الخراشي المالكي الذي ولد بالبحيرة عام  1010 هـ / 1601م وتوفي بالقاهرة عام 1101 هـ /1690م ، وهو أول إمام رسمي للجامع الأزهر الشريف وسمي بالخرشي (وعُرف كذلك بالخراشي) وينتمي إلى عشيرة تعرف باسم أولاد صباح الخير من عرب بني تميم الذين أسسوا قرية محلة أبو خراشة في البحيرة.

تلقى الشيخ تعليمه على يد نخبة من العلماء والأعلام مثل والده الشيخ جمال الدين عبد الله بن علي الخرشي الذي غرس فيه حبًّا للعلم وتطلعًا للمعرفة كما تلقى العلم على يد الشيخ العلامة إبراهيم اللقاني وكلاهما ـ الشيخ اللقاني ووالده الخرشي ـ تلقى معارفه وروى عن الشيخ سالم السنهوري عن النجم الغيطي عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن الحافظ ابن حجر العسقلاني بسنده عن البخاري.

كما تلقى الخرشي أيضًا العلم على أيدي الشيخ الأجهوري والشيخ يوسف الغليشي والشيخ عبد المعطي البصير والشيخ ياسين الشامي وغيرهم من العلماء والمشايخ ، و تكاد الروايات تجمع على أن الشيخ الخرشي هو أول من تولى منصب شيخ الأزهر رسميا فقد ولي مشيخة الأزهر سنة 1090 هـ / 1679 م وكان عمره وقتذاك حوالي ثمانين عامًا واستمر في المشيخة حتى توفاه الله.

وانتهت إليه الرياسة في مصر حتى إنه لم يبق بها في آخر عمره إلا طلبته وطلبة طلبته وكان متواضعًا عفيفًا واسع الخلق كثير الأدب والحياء كريم النفس جميل المعاشرة حلو الكلام كثير الشفاعات عند الأمراء وغيرهم مهيب المنظر دائم الطهارة كثير الصمت كثير الصيام والقيام زاهدًا ورعًا متقشفًا في مأكله وملبسه ومفرشه وأمور حياته وكان لا يصلي الفجر صيفًا ولا شتاء إلا بالجامع الأزهر ويقضي بعض مصالحه من السوق بيده وكذلك مصلحة بيته في منزله.

وظل يتعلم ويعلم ويروي طيلة حياته ويُروى عنه وبات يضيف ويشرح ويعلق على كل ما يقع بين يديه وتقع عيناه فأفاد بلسانه وقلمه جمهرة كبيرة من العلماء الذين كانوا يعتزون به وبالانتماء إليه والنهل من علمه الغزير ومعرفته الواسعة ، ومن تلاميذه عدد كبير من العلماء ومنهم من تولى مشيخة الأزهر من بعده مثل الشيخ البرماوي والشيخ النشرتي والشيخ القليني والشيخ شنن والشيخ الفيومي والشيخ الشبراوي.

وقال عنه الجبرتي : ” هو الإمام العلامة والحبر الفهامة شيخ الإسلام والمسلمين ووارث علوم سيد المرسلين ” .. وقال عنه الشيخ علي الصعيدي العدوي المالكي في حاشيته التي جعلها على شرحه الصغير لمتن خليل : ” هو العلامة الإمام والقدوة الهمام شيخ المالكية شرقًا وغربًا قدوة السالكين عجمًا وعربًا مربي المريدين كهف السالكين سيدي أبو عبد الله بن علي الخرشي “

ذكره الحسيني في كتابه سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر فقال : ” محمد الخراشي ابن عبد الله الخراشي المالكي الامام الفقيه ذو العلوم الوهبية والأخلاق المرضية المتفق على فضله وولايته وحسن سيرته أخذ عن البرهان اللقاني ولازم بعده النور عليا الأجهوري وتصدر للاقراء بالجامع الأزهر وحضر درسه غالب المالكية واشتهر بالنفع وقبلت كلمته وعمت شفاعته واعتقده عامة الناس وخاصتهم وألف مؤلفات عديدة منها شرحان على مختصر خليل تلقاهما أهل عصره من العلماء بالقبول وكتب منها نسخ عديدة وبالجملة فقد كان علامة معتقداً وكانت ولادته في سنة عشرة بعد الألف وتوفي في ذي الحجة سنة احدى ومائة وألف رحمه الله تعالى “.

وذكره محمد مخلوف في كتابه شجرة النور الزكية في طبقات المالكية فقال : ” أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي الفقيه العلامة البركة القدوة الفهّامة شيخ المالكية وإمام السالكين وخاتمة العلماء العاملين إليه انتهت الرئاسة بمصر ، أخذ عن والده والبرهان اللقاني والنور الأجهوري وغيرهم وعنه جماعة منهم الشيخ علي النوري وأحمد الشرفي الصفاقسي وعلي بن خليفة المساكني وعلي اللقاني وشمس الدين اللقاني وأخوه داود وأحمد الشبرخيتي وأحمد الفيومي وعبد السلام بن صالح حفيد الشيخ عبد السلام الأسمر ومحمد النفراوي وأخوه أحمد وأبو عبد الله السلموني ومحمد بن عبد الباقي الزرقاني وبالإجازة أبو سالم العياشي ، له شرح كبير على المختصر وصغير رزق فيه القبول وغير ذلك توفي في ذي الحجة سنة 1001هـ / 1689م “.

وله عدة مؤلفات في العلوم الإسلامية منها إجازة أجاز بها المؤلف الإمام تلميذه الشيخ على الشبراملسي وكتاب حاشية على شرح الشيخ علي إيساغوجي في المنطق وكتاب الأنوار القدسية في الفرائد الخرشية وكتاب الفرائد السنية في حل ألفاظ السنوسية وكتاب الشرح الصغير لمختصر خليل وكتاب الشرح الكبير لمختصر خليل ورسالة في البسملة وشرح مختصر خليل للخرشي ، وأشهر مؤلفاته هو كتاب منتهى الرغبة في حل ألفاظ النخبة المعروف بحاشية الخرشي في علوم الحديث والتي سار فيها على نهج شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني.

وقد استهل حاشيته بقوله : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي علَّمَنا مِن تأويل الأحاديثِ وفضَّلَنا بأنواع العلوم على كثير ممَّن خَلق تفضيلًا والشُّكرُ له على نِعَمِه جملةً وتفصيلًا وأشهد أنْ لا إله إلَّا اللهُ وحْدَه لا شريكَ له المَلِكُ العلَّام وأشهد أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه المختصُّ بالعلوم الجَمَّة وفصاحةِ الكلام وأُصلي وأسلِّم على سيِّدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه الغُرِّ الكرام صلاةً وسلامًا دائميْنِ متلازمين إلى يوم قيامِ الخَلقِ بيْن يدَيِ الملِك العلَّام ذي الجلال والإكرام.

وبعدُ ، فإنَّ الفقيرَ محمدَ بن جمال الدِّين عبد الله بن علي الخَرَشيِّ البُحَيْرِيَّ الشهيرَ نَسَبُه ونسبُ عصابتِه بأولاد صباح الخير ، جمَع في أوراق مستكثِرة فوائدَ وأبحاثًا تتعلق بنُخْبَة الفِكَر في مصطلح أهل الأَثَر تأليف مولانا العالم العلَّامة ابنِ حَجَرٍ العَسْقلانيِّ جعلتُها لنفسي تذكرةً ، فأردتُ عَزْوَها لقائليها ثم إنِّي رأيتُ ألا تَكمُلَ الفائدةُ إلَّا إذا ضُمَّ إليها ما تَفرَّق ممَّا تحتاج إليه كلُّ مسألة من شرح وتقْييد فشَرَعْتُ في ذلك بعد الاستخارة ، وسميتُه ُمنْتَهى الرَّغبة في حَلِّ ألفاظ النُّخبة.

ولخَّصْتُه مِنَ الحواشي الموضوعة عليه للشيخ قاسم الحَنَفيِّ تلميذِ المؤلِّف وللبِقَاعيِّ وللشيخ عليٍّ الأُجْهُوري وللعلامة شيخِنا إبراهيم اللَّقَّاني ورمزتُ للأوَّل ما صُورتُه (ق) وللثاني (ب) وللثالث (ج) وللرابع (هـ) ، وأرجو من الله تعالى أنْ يُتمِّمَ هذا التعليق ويُغنينا به عن الشروح والحَواشي المتداوَلَة بين أيدي أهل هذا العصر بحيث يجدُها الطالب في المحَلِّ الواحد فأقول وهو حسبي ونِعَم الوكيلُ راجيًا مِنَ الله الكريم المَعُونةَ على ذلك والنفعَ به وقَبولَه بمنِّه وكرمه “.

وفي مقدمة تحقيق الكتاب نقل المحقق جانبا من سيرته الذاتية نقلا عن كتاب الأزهر في ألف عام حيث جاء فيه : ” ويقول د. محمد عبد المنعم خفاجي رحمه الله : وكَانَ مُتواضعًا عفيفًا واسعَ الخُلق كثيرَ الأدبِ والحياءِ كريمَ النَّفسِ حُلوَ الكلامِ كثيرَ الشَّفاعاتِ عند الأُمراءِ مَهيبَ المَنظرِ دائمَ الطَّهارةِ كثيرَ الصَّمتِ كثيرَ الصِّيامِ والقيامِ زاهدًا ورعًا مُتقشِّفًا في مَأكلِهِ ومَلبسِهِ ومَفرشِهِ وكَانَ لا يُصلِّي الصُّبحَ صيفًا وشتاءً إلَّا بالجامعِ الأزهرِ.

وكانَ يَقضي مصالحَهُ من السُّوقِ بيدِهِ ومصالحَ بيتِهِ في منزلِهِ يَتعمَّمُ بشَملةٍ صوفٍ بيضاءَ وكَانتْ ثيابُهُ قصيرةً على السُّنةِ المُحمديَّةِ ، وَاشتُهِرَ في بلادِ الأرضِ من بلادِ الغربِ والتكرورِ والشَّامِ والحجازِ والرُّومِ واليمنِ ، وكَانَ يُعِيرُ من كُتبِهِ من خِزَانةِ الوقفِ بيدِهِ لكلِّ طَالبٍ مع السُّهولةِ إيثارًا لوجهِ اللّهِ تعالَى ولا يَملُّ في درسِهِ من سؤالِ سائلٍ ، وكانَ أكثرُ قراءتِهِ بالأقبغاويةِ وَكانَ لَه في منزلِهِ خَلوةٌ للعبادةِ.

جاءَ في مُقدِّمةِ شرحِهِ على خليل : كَانَ إمامًا في العلومِ والمعارفِ مُتواضعًا عفيفًا لا يكادُ جليسُهُ يَملُّ من مُجالستِهِ انْتَهتْ إليهِ الرِّياسةُ في العِلمِ وَوَقفَ الناسُ عندَ فَتاويهِ وَكانَ مُتقشِّفًا في مَأكلِهِ ومَلبسِهِ ومَفرشِهِ وكانَ لا يُصلِّي الصُّبحَ صيفًا وشتاءً إلَّا بالجامعِ الأزهرِ ، وَكانَ خلقُهُ واسعًا إذا تَجادلَ عندَه الطَّلبةُ يشتغلُ هو بالذِّكرِ حتَّى يفرغَ الجدالُ وكانَ يَقْضي بعضَ مصالحِهِ بيدِه من السُّوقِ ويَحملُها ويَتعاطَى مصالحَ بيتِهِ في منزلِهِ أيضًا وكانَ كثيرَ الأَدبِ والحياءِ كريمَ النَّفسِ جميلَ المُعاشرةِ حُلوَ الكَلامِ.

وكَانَ كثيرَ الشَّفاعاتِ عندَ الأُمراءِ وغَيرِهم وَكانوا يَهابُونهُ ويُجلُّونَه ويَقبلُونَ شَفاعتَه ، وكانَ مَهيبَ المَنظرِ عَليهِ سَمْتُ العُلماءِ العَاملينَ والأَولياءِ الصَّالحينَ وكانَ دائمَ الطَّهارةِ كثيرَ الصَّمتِ زاهدًا وَرِعًا كثيرَ الصِّيامِ طويلَ القيامِ وَكانَ لَه تَهجُّدٌ عظيمٌ في اللَّيلِ وَكانَ نهارُهُ كلُّه في طاعةٍ إمَّا في عِلْمٍ أو قراءةِ قرآنٍ أو وِرْدٍ.

يَقُولُ بعضُ مَنْ عايَشه : ما ضَبَطْنا عَليه قطُّ ساعةً هو فيها غافلٌ عن مَصالحِ دُنياهُ أو آخرتِهِ وَكانَ يتعمَّمُ بشَملةٍ بَيضاءَ صوفٍ ولَهُ سُبحةٌ ألفُ حَبَّةٍ وَكانَت ثيابُهُ قصيرةً على السُّنة المُحمَّديةِ ، وكانَ كثيرَ الذِّكرِ للهِ تعالَى لا يَكادُ يغفُلُ عن قولِ «لَا إلَه إلَّا اللهُ» في حالِ درسِهِ وفي حالِ عملِه ، وكَانَ لا يُسْمعُ منه قطُّ مُذاكرةُ أحدٍ بسوءٍ وكانَ النُّورُ يَخفِقُ عَلى وجهِهِ يدركُهُ.

وَكانَ إذا ركبَ حمارَه ومرَّ في السُّوقِ يَقْتتلُ النَّاسُ عَليه ، وكانَ قَد اشْتُهِرَ في أقطارِ الأرضِ كالغربِ والشَّامِ والحجازِ والرُّومِ واليمنِ وصَاروا يَضربُونَ به المثلَ ، وأَذْعنَ له عُلماءُ مصرَ الخاصُّ منهم والعامُّ ، وكانَ دائمَ الطَّهارةِ لا يُحْدثُ إلَّا ويتوضَّأُ هكذَا قالَ أصحابُهُ ، وكانَ لا يَذكرُ أحدًا بغِيَبةٍ ولَا يَحسُدُ أَحدًا من أقرانِه على ما آتاه اللهُ من عِلمٍ أَو جاهٍ أو إقبالٍ من الناسِ بَلْ يَقُولُ : لَولَا أنَّه يستحقُّ ما أعطاهُ اللهُ تعالَى وما كانَ قطُّ يُزاحمُ علَى شيءٍ من الدُّنيا ولا يَتردَّدُ إلى أحدٍ مِن الوُلاةِ إلَّا لِضَرورةٍ شرعيَّةٍ من شفاعةٍ لمَظْلومٍ ونحو ذَلكَ.

وكانَ إذا حضرَ إلَيهِ جماعةٌ ممَّن يَحسُدُونهُ يُجلُّهم ويُكرمُهم في غَيْبتهم وحُضُورِهم ولا يُؤَاخذُ أحدًا منهم عَلى ما وقعَ منه في حقِّهِ بَل هو كثيرُ الاحتمال للأذى بطيبةِ نفسٍ وكانَ يُعِيرُ مِن كُتبِهِ ومِن خِزانتِهِ الكُتبَ الغريبةَ العزيزةَ من جَميعِ الفُنونِ فَضاعَ له بذَلكَ جملةٌ من الكُتبِ ، وكانَ يَأتيهِ الطَّالبُ ببَراءةٍ فيها اسمُ كتابٍ يطلبُه فيُخرجُهُ مِن الخِزانةِ فيُعطِي لَه منه من غيرِ مَعرفةِ اسمِهِ واسمِ أبيهِ أو بلدِهِ فيُقيِّد بَعدَما يتوجَّه من عندِه : (أَخذَ منِّي الكتابَ الفلانيَّ الرجلُ الطَّويلُ أو القصيرُ أو لحيتُهُ كبيرةٌ أو صغيرةٌ أو أبيضُ أو أسودُ أو نحو ذَلكَ) ، وكانَ منهُ في ذلكَ العجبُ العُجابُ إيثارًا لوَجهِ اللهِ تَعالَى.

لازَم القُرَّاءَ سيَّما بعد شيخِهِ البُرهانِ اللقانيِّ فكانَ يَقرأُ إلى الضُّحى قراءةَ تحقيقٍ وتدقيقٍ ثمَّ يقومُ يُصلِّي الضُّحى ويتوجَّهُ إلى بيتِهِ وربَّما مَشى بعدُ لِشَفاعةٍ في أَمرِ النَّاسِ أو يُصلحُ بينَ النَّاسِ ثمَّ يرجعُ إلى المَسجدِ يُصلِّي الظُّهرَ بمجلسِهِ بالابتغاويَّة ، ثمَّ يأتي إلى الدَّرسِ بجوارِ المِنبرِ بالمَقصورَةِ فيَقرأُ دَرْسَهُ من مُختصرِ خَليلٍ ثمَّ يتوجَّهُ إلى مجلسِهِ المذكورِ أو إلَى بيتِهِ ، وكانَ يَقْسمُ مَتْنَ خليلٍ نِصفينِ : نِصفٍ يَقرؤُه في مجلسِهِ بالابتغاويَّة ونصفٍ يَقرؤُه بعدَ الظُّهرِ عندَ المِنْبرِ .

وَكانَ يُمازحُ الطَّلبةَ في درسِهِ ويَقولُ لهُمْ : (أنتُمْ جُهَلاءُ ولا يَعْقلُها إلَّا العَالِمون) ، ويَقُولُ لَهُمْ : (إنَّما أَقولُ لَكُمْ ذَلكَ لأجلِ أَنْ تَبذلُوا هِمَمَكُمْ لطَلبِ العِلْمِ ومُطالعتِهِ) ، وَكانَ في درسِهِ إذا قرأَ شَرْحَه الصَّغيرَ بحَضرةِ الطَّلبةِ يَقولُ لَهم : (هَذَا شَرحٌ نفيسٌ ما أَحْسنَه !) ، يَقُولُ بعضُ مَن عَايَشه : لَازمتُهُ ما يَنوفُ عن عِشرينَ سنةً في درسِهِ بالمَقْصورةِ خارجَ الدَّرسِ فَما أظنُّ أنَّ كاتبَ الشِّمالِ كتبَ عَليه شيئًا وإنْ وقَع أنَّه عرضَ لأحدٍ على وجهِ التَّنفيرِ ، فَذلكَ من بابِ النُّصحِ للأُمَّةِ لا لحظِّ نفسِهِ فَرَحِمَهُ اللهُ رحمةً واسعةً.

أوَّل شيخٍ للأزهرِ : كانَ مَن يتولَّى شُئونَ الأزهرِ في أوَّلِ عهدِهِ يُسمَّى مُشْرفًا، ثمَّ جاءَ عهدُ المَماليكِ فَكانَ مَن يتولَّى أَمْرَه يسمَّى نَاظرًا ، مِنهُم الأميرُ الطواشيُّ بهادر وَلِيَ نَظرَه في سنة ٨٧٤ هـ‍ ومِنهُم الأميرُ سودون القاضي وَلِيَ نظرَه سنةَ ٨١٨ هـ‍ ، أمَّا تلك الرِّياسةُ الدِّينيَّةُ العلميَّةُ فَعرفَها الأزهرُ في العهدِ التُّركيِّ بلقبِ (شَيخِ الأَزهر)ِ.

لمَّا دَخلَ الأتراكُ العُثمانيُّون مصرَ سَارُوا على نَهجِ مَن سَبقَهم مِن سَلاطينِ مصرَ وأُمرائِها فَحافَظُوا على الأَوضاعِ المَرعيَّةِ في الأزهرِ وَاهْتَموا برعايةِ شؤونِهِ والسَّهرِ على مصالحِ أهلِه واقتدَى الوُلاةُ العُثمانيُّون بسَلاطينِ آلِ عثمانَ فَعرفُوا لهذا المَعهدِ العلميِّ الدِّينيِّ الإسلاميِّ حقَّه من الرِّعايةِ والتَّقديرِ وجَدَّدوا به كلَّ دارسٍ وزَادوا في عمارتِهِ ووَسَّعوا من رُقعتِهِ وأَوْقفَ الأُمراءُ والوُلاةُ وكبارُ رجالِ الدَّولةِ والأعيانُ الكثيرَ مِنَ الأموالِ والأملاكِ والعَقاراتِ على علمائِهِ وطلبتِهِ فَاتَّسعتْ إدارتُهُ وتَشعَّبت مصالحُ أهلِهِ.

وأَصبحَت الحَاجةُ ماسَّةً إلى وُجودِ شخصٍ يتفرَّغُ للإشرافِ على شُؤونِ هذا المَعهدِ الدِّينيَّةِ والإداريَّةِ معًا ويكونُ رئيسًا لشُيوخِ المَذاهبِ والأَرْوقةِ وَسائرِ عُلماءِ الأزهرِ وطُلَّابهِ ومَسؤولًا مباشرةً أمامَ الوُلاةِ والسَّلاطينِ وحَلقةَ اتِّصالٍ بينَ الحُكومةِ وأقسامِ الأزهرِ ، فَاسْتَحسنت الدَّولةُ العليَّةُ قُبيلَ نهايةِ القرنِ الحادي عشرَ الهجريِّ أن يُعيِّنَ للأزهرِ شيخَ عمومٍ يُديرُ شُؤونَه ويُراقبُ أُمورَه مِن تَعاليمَ وغَيرِها ويُلقَّبُ بشَيخِ الجامعِ الأزهرِ.    

ومُنذُ العهدِ التُّركيِّ العثمانيِّ والجامعُ الأزهرُ يحتفظُ بهذه الوَظيفَةِ الَّتي تطوَّرت مَظاهرُها واتَّسعَت اختصاصَاتُها على حسَب تَطوُّراتِ الزمنِ ومُقتَضياتِ الظُّروفِ والأَحوالِ حتَّى آلَتْ إلى ما هي عَلَيه الآن ، ولقَد تَوالَى على هذِهِ الرِّياسةِ منذ إِنْشائِهَا حتَّى الآن خَمسُونَ شيخًا وأَوَّلُهم الشَّيخُ الخرشيُّ رحمه الله “.

32 / هز القحوف    

(هز القحوف بشرح قصيدة أبي شادوف) هو عنوان كتاب من الأدب الشعبي في العصر العثماني كتبه الشيخ يوسف بن محمد بن عبدالجواد بن خضر الشربيني الأزهري المتوفي بعد عام 1109 هـ / 1698 م ، وهو عالم أزهري من بلدة شربين بالدقهلية تتلمذ على يد الشيخ شهاب الدين القليوبي المتوفي عام 1069 هـ والشيخ أحمد بن علي السندوبي المتوفي عام 1097 هـ وهو الذي أشار عليه بفكرة الكتاب والذي كان سببا في شهرة مؤلفه لأنه جاء فريدا في بابه سابقا لعصره وجعله من رواد الأدب الشعبي في مصر.

ووصف المؤلف في كتابه هذا أحوال الفلاح المصري وعلاقته بالسلطة وذلك بأسلوب هزلي يجمع بين اللغة الفصحى واللهجات العامية على طريقة ابن سودون الجركسي في كتابة نزهة النفوس ومضحك العبوس ، ومحور الكتاب هو شرح قصيدة نظمها المؤلف ونسبها إلى شخصية وهمية وهو فلاح يدعى (أبو شادوف بن أبو جاروف بن شقادوف) ويسكن في قرية خيالية تسمى كفر شمرطاطي وأحيانا تدعى تل فندروك ، واستعمل كلمة قحوف وهي جمع قحف والتي تعني في اللغة عظام الجمجمة وقصد بها التورية عن (هز الرؤوس).  

ويقول المؤلف في مقدمته : ” وبعد ، فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى يوسف بن محمد بن عبد الجواد بن خضر الشربيني كان الله له ورحم الله سلفه ، أن مما مر علي من نظم شعر الأرياف الموصوف بكثافة اللفظ بلا خلاف المشابه في رصه لطين الجوالس وجرى ذكره في بعض المجالس قصيد أبي شادوف المحاكي لبعر الخروف أو طين الجروف ، فوجدته قصيدا يا له من قصيد كأنه عمل من حديد أو رص من قحوف الجريد.

فالتمس مني من لا تسعني مخالفته ولا يمكنني إلا طاعته أن أضع عليه شرحا كريش الفراش أو غبار العفاش وزوابع السباخ يحل ألفاظه السخيمة ويبين معانيه الذميمة ويكشف القناع عن وجه لغاته الفشروية ومصادره الفشكلية ومعانيه الركيكة ومبانيه الدكيكة ومقاصده العبيطة وألفاظه الحويطة وأن أثبجه بحكايات غريبة ومسائل هبالية عجيبة وأن أتحفه بشرح لغات الأرياف التي هي في معنى ضراط النمل بلا خلاف “.

ويذكر في موضع آخر أنه يحاكي كتابات ابن سودن الساخرة فيقول : ” واعلم أن كل شرح لا بد له من اسم يناسبه وعلم عليه يقاربه وقد سميت هذا الشرح هز القحوف بشرح قصيدة أبي شادوف ، وأطلب من القريحة الفاسدة والفكرة الكاسدة الإعانة على كلام أغرفه من بنات الأفكار وأسطره في الأوراق فشار في فشار وأن يكون من بحر الخرافات والأمور الهباليات والخلاعة والمجون وشيء يحاكي كلام ابن سودون ، فقد يلتذ السامع بكلام فيه الضحك والخلاعة ولا يميل إلى قول فيه البلاغة والبراعة لأن النفوس الآن متشوقة إلى شيء يسليها من الهموم ويزيل عنها وارد الغموم “.

وقد ذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي حيث يقول : ” هز القحوف ، نمضى إلى زمن العثمانيين بمصر فنجد عالما واعظا يسمى يوسف الشربينى يصف حال سكان الريف المصري وما نزل بهم لعهد العثمانيين من البؤس والفقر والضنك والجهل فى قصيدة يسميها (قصيدة أبى شادوف) وشرح لها يسميه (هز القحوف).

وقد ملأ الشرح بنوادر فكاهية عما كان يعانيه أهل الريف حينئذ من الأمية والجهل وبطش الكاشف أو حاكم الإقليم وظلمه وما كان يصليهم من السخرة وما كانوا يرزحون فيه من المسغبة فإن طعموا لم يطعموا إلا العدس وطعاما يتّخذ من الفول يسمى البيسار والمشّ العتيق ومعاذ الله أن يطعموا شيئا وراء ذلك من لحم وغير لحم.

ويقول عن أبى شادوف الثرىّ الريفى صاحب القصيدة إنه لم يكن يملك سوى حمار أعرج وعنزتين وحصة فى ثور الساقية ونصف بقرة وعشر دجاجات وديك وأربع كيلات من نخال الشعير ، ويفيض الكتاب بنوادر لاذعة تحمل فى أطوائها كثيرا من الطعنات لحكم العثمانيين الغاشم وسوآته “.

وقد قام محقق الكتاب همفري ديفيز بشرح الهدف منه في مقدمته فقال : ” يعتبر كتاب هزّ القحوف للشربيني أحد أبرز كتب الأدب العربي التي تم إصدارها قبل مطلع القرن العشرين والتي تصف الريف المصري كمحور لموضوعاتها ، ويجمع هذا الكتاب بين الهجاء اللاذع للمجتمع الريفي المصري في القرن السابع عشر مع محاكاة وتعليق ساخر للشعر الذي برع فيه علماء عصره.

يصف الشربيني في المجلّد الأول ثلاثة أنواع ريفية وهي الفلاح المزارع ورجل القرية المتدين والريفي الدرويش ويُصوّر الريفيين في العديد من حكاياته كأشخاص يغلب عليهم الجهل والأمية وعدم النظافة والفهم الديني المغلوط والإجرام في  كل منها ، اتخذ المجلّد الثاني قصيدة من 47 بيتًا كنموذج ويعتقد أن مؤلفها أحد الفلاحين والذي يدعى أبو شدوف الذي يرسم مقاديره وقبل ذلك كله عدم قدرته على الحصول على الأطعمة اللذيذة بسبب فاقته ، ومستفيداً من أدواته الإبداعية الأدبية النخبوية تفاعل الشربيني مع القصيدة بالسخرية والاستهزاء مضيفاً تهكمه وهجاءه من ذلك الريفي الجاهل مع العديد من الاستطرادات في الحب، والغذاء والتخمة.

ينتمي كتاب هزّ القحوف إلى ذلك النوع البارع  والفاجر والخبيث والذي لم يتم تاولها بالتدقيق والتمحيص في فترة الحكم العثماني لمصر ، ويستند هذا العمل بأهميته لتناوله لأدب ما قبل الحداثة بالعامية المصرية وتأليب الجماهير الريفية ضد  جماهير المدن المتحضرة ووضعهم في مسابقة ثقافية دينية مع التشديد على كتابة الشعر كمعيار للقبول الاجتماعي “.

وتناوله الأستاذ أحمد أمين بالنقد والعرض والتحليل في كتابه فيض الخاطر وذلك تحت عنوان (دُمْيَة في دِمْنَة) حيث يقول : ” الشيخ يوسف الشربيني أديب مغمور لم أرَ من ترجم له احتقارًا لشأنه وازدراءً بتآليفه لأنها تآليف شعبية وليست تآليف أرستقراطية ، وقديمًا غَبن الأدباء الأدب الشعبي ولأنه كذلك ماجن إلى أقصى حدود المجانة لا يتحرج من استعمال كلمات الفحش عارية صريحة في غير كناية ولا إيماء ولا يخضع لمواضعات الناس في الوقار والاحتشام وإذا تزاحم في فكره كلمتان إحداهما مؤدبة والأخرى داعرة اختار الثانية وهجر الأولى عن قصد وتعمد ، فالقارئ المهذب يشمئز من قراءتها ويكره عري كلماتها وفحش تعبيراتها ولكنها مع ذلك تحوي صورًا جميلة وترسم أشكالًا بديعة قد تعجز الكتب الأرستقراطية عن رسمها وتصويرها.

ين أيدينا من كتبه كتاب اسمه (هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف) وقد ذكر في أثناء الكتاب أنه ألف كتبًا أخرى ولكني لم أرها ، ويدل هذا الكتاب على أن المؤلف من بلدة شربين وأنه طلب العلم بالأزهر وحضر على أستاذه الشيخ القليوبي الذي كان عالمًا جليلًا كثير التأليف ومات سنة ١٠٦٩ﻫ وأنه ألف هذا الكتاب بإشارة من الشيخ السندوبي وكان من أكابر علماء الأزهر وأدبائه ومؤلفيه ومات سنة ١٠٩٧ﻫ.

فصاحبنا إذًا عاش في القرن الحادي عشر الهجري وقد حدثنا أنه حج سنة ١٠٧٤ﻫ ولم يتحرج من أن يذكر عن نفسه أنه كان متهتكًا يحب الغلمان ويتتبعهم ولست أدري أكان ذلك حقيقة يذكرها أم مزاحًا يمزحه ، أما الصورة الحسناء التي يستطيع القارئ أن يخرج بها من هذه الدمن فهي وصف الفلاحين وبؤسهم في القرن الحادي عشر.

قصيدة أبي شادوف هذه قصيدة عامية لست أدري من نظمها ولعله هو ناظمها ، وموضوعها فقر الفلاح وتعاسته فجاء الشربيني هذا وشرحها في جزء كبير يقع في نحو ٢٣٠ صفحة كبيرة شرحًا هزليًّا استطراديًّا فلا تأتي كلمة حتى يتلاعب بها ويهزئ نحوها وصرفها واشتقاقها وفي أثناء ذلك يذكر معلومات تاريخية طريفة تصور في جملتها الصورة التي أشرنا إليها.

يصف الفلاح وبؤسه وطول معاشرته للبهائم وحمله للطين والسماد وملازمته للمحراث والجرافة ودورانه حول الزرع والجرن وجهله إلا بما يتصل بزراعته كالساقية والليف والحزام والنبوت ، وقد نشأ عن هذا كله غلظ في ذوقه فأفراحه وأعراسه ليست إلا صراخًا وصياحًا وورده عند الأسحار ليس إلا التفكير في الغنم والأبقار (وحط العلف وهات الكلف) ، وأسماؤهم دالة على ذوقهم فجنيجل وجليجل وزعيط ومعيط وأسماء نسائهم شباره وشراره وعليوه وحليوه وخطيطه وعويطه ، وأولادهم مكشوفو الرأس غارقون في الأدناس وفقهاؤهم جهل مركب وخلط في الدين وقلة عقل وأدبهم وأشعارهم وقصصهم من نوع سخيف ونظم خسيس، وتشابيه باردة وخرافات باطلة.

وقد أطال في كل باب من هذه الأبواب وذكر الشواهد والقصص والأمثال بإسهاب ، والكتاب خصب جدًّا من الناحية الاجتماعية في هذا العصر فهو يصور لنا الفلاحين السذج وكيف يستغفلون إذا دخلوا القاهرة وكيف ينظرون إلى مشاهدها ومرافقها نظرة بلهاء وكيف يفسرونها تفسيرًا مضحكًا ويقارن بين حياة المدن وحياة الري، وعلم المدن وجهل الريف وذوق المدن وذوق الريف في المأكل والمشرب والملبس وما إلى ذلك.

ويصور لنا تصويرًا رائعًا بؤس الفلاح عند تحصيل الأموال الأميرية فهذه مشكلة المشاكل ومصيبة المصائب فيقول:  إنه دائمًا معرض للهلاك من ضرب وحبس وفقدان لذة الأكل والشراب وهو دائم التفكير في المال الذي عليه آناء الليل وأطراف النهار ، والمؤلف يحمد الله على أنه ليس له أرض ولا يشتغل بالفلاحة ويتمثل بقول البهلول : إذا ركب الملوك على الجياد وقد شدوا البنود على القِصاد .. ركبت قصيْبَتي ولبست مِسْحي وسرت كسَيْرِهم في كل وادي .. فلا الأجناد تطلبني بمال ولا الديوان يغلط في عدادي.

ويقص علينا أن النصراني (وهو الصراف) إذا حضر القرية أو الكفر لأخذ المال كثر الخوف والحبس والضرب لمن لم يقدر على الدفع فمن الفلاحين من يقترض الدراهم بالربا أو يبيع زرعه أوان طلوعه بما ينقص عن بيعه في ذلك الزمن أو يبيع بهيمته التي يحلبها لعياله أو يرهن مصاغ زوجته أو يبيعه كرهًا وإن لم يجد شيئًا أعطى ابنه رهينة حتى يدفع ، وقد يحبس ويعذب حتى يدفع وقد يهرب ليلًا فلا يعود إلى بلده قط ويترك أهله ووطنه وعياله من همِّ المال وضيق المعيشة.

وروى لنا في ذلك أمثالًا مشهورة عندهم نحو : مال السلطان يخرج من بين الظفر واللحم ، ويوم السداد عيد …  إلخ ، ويصف لنا (السُّخرة والعونة) وصفًا دقيقًا فالملتزم يأخذ القرية أو الكفر يزرعه على حسابه ويسمي هذا (زرع الوسية) فإذا احتاج الأمر لتطهير الترع أو حفر القنوات أو نقل الطين أو ضم الزرع نادى الغفير : يا فلاحين العونة يا بطالين ، فيخرجون في صبيحة اليوم جميعهم ويعملون ما يؤمرون به من غير أجر ، وثم نظام آخر وهو أن يفرض على كل بيت عدد معين للعمل في العونة فيقولون : يخرج من بيت فلان شخص وبيت فلان شخصان وهكذا ، وفي كلتا الحالتين من تأخر أو تكاسل أخذه (المشد) وعاقبه وضربه وغرمه دراهم معلومة ، ومن الناس من يختبئ في الفرن إذا نودي على العونة أو نحو ذلك.

وإذا نزل النصراني والمشد والملتزم بلدة فأكلهم وشربهم على الفلاحين يقسمونه عليهم ويسمى (وجبة) كل على حسب أرضه وقراريطه وأفدنته ، وربما رهنت المرأة شيئًا من (مصاغها) أو ملبوسها على دراهم واشترت بها الدجاج لطعامهم وربما حرمت أولادها الدجاج والسمن والدقيق وقدمته إلى هؤلاء  ، (والنصراني إذا نزل قرية لقبض مالها يحضر إليه الفلاحون ويكرمونه ويرسلون له الوجبة ويتذللون بين يديه ويطيعون أمره ونهيه بل يكون غالبهم في خدمته وبعض الملتزمين يولي النصراني أمر القرية فيحكم فيها بالضرب والحبس وغير ذلك فلا يأتيه الفلاح إلا وهو يرتعد من شدة الخوف).

وأما (الكاشف) فهو رئيس الإقليم وإذا أقبل على بلدة يقرع له الطبل فيخاف منه أهل البدع وأرباب المفاسد ويأتي إليه مشايخها ويقفون بين يديه في أشد ما يكون من الرعب والخوف ويستخبرهم عن أحوالهم ثم بعد ذلك يسرعون له في الأكل والشرب والتقاديم على ما جرت به العادة ، وإذا وقع في قرية فتنة أو خرج أهلها عن طاعة أستاذهم أو (قائم مقام) القرية هجم الكاشف عليهم بعساكره وأخرب القرية وقتل منهم من قتل وقد يحصل منه ومن أتباعه نهب القرية وتكليفهم في المأكل والمشرب فوق طاقتهم ، وفي ذلك يقول أبو شادوف من قصيدته : ومِنْ نَزلة الكشاف شابت عوارضي وصار لقلبي لوعةٌ ورجيف.

ويصور لنا أن أهل إقليمه ينقسمون قسمين : منهم من يتعصب لقبيلة سعد ومنهم من يتعصب لقبيلة حَرَام فإذا ثار الشر تنادى قوم يا لسعد وآخرون يا لحرام فتهجم سعد وحرام على البلد ويقع بينهم الحرب والعناد وتخرب بسببهم البلاد وتقطع الطريق على العدو والصديق ، وفي ذلك يقول المؤلف في أرجوزته التي لخص فيها كتابه : فذا يصيح يا لسعد أسعدوا وآخر يا لحرام أنجدوا .. فذانك اللفظان دون لبس عندهم أمر بقتل النفس .. فيخربون الأرض بالغارات ويرصدون القتل في الطرقات .. وإن أتتهم للقتال عسكر فروا إلى جبالهم واستتروا.

وفي الكتاب صورة لنظر الفلاحين والمصريين للمماليك والأمراء الأتراك وأتباعهم فهي نظرة تعظيم وتبجيل وإعظام يبلغ حد التقديس فهم يتطلعون إلى معيشتهم وقصارى أملهم أن يقلدوهم في شيء من تصرفاتهم ، فهذا فلاح ذهب يؤدي المال إلى الملتزم التركي فرأى كيف يعيش وكيف يعامل زوجته فلما عاد إلى بلده أراد أن يسلك مع زوجته أم معيكة سلوك الأمير مع زوجته الأميرة فانتهت بكارثة.

وهؤلاء ثلاثة من الفلاحين يريدون أن يزوروا مصر فقالوا : إن مدينة مصر كلها جنادي وعسكر يقطعون الرءوس ونحن فلاحون إن لم نعمل عملهم ونرطن معهم بالتركي وإلا قطعوا رءوسنا ، وتعاقدوا فيما تعاقدوا عليه أن يتعلموا بعض الألفاظ التركية ثم يدخلون الحمام فإذا طالبهم صاحبه بالأجر صاحوا في وجهه بالكلمات التركية فأخلى سبيلهم ، وإذا رجعوا إلى بلدهم رطنوا بالتركي فخافهم مشايخ الكَفْر وأجلوهم وأعظموهم ، إلى كثير من أمثال ذلك من الصور البديعة.

والكتاب بعد ذلك معجم غير مرتب في بيان مصطلحات الفلاحين في ملبسهم وأنواع مأكولاتهم ومرافقتهم ومواويلهم وكل ما يتصل بهم ، إن أخذ عليه شيء فهو هذا الفحش المنتشر فيه والبذاءة في كل نواحيه وأنه عرض لأمر الفلاح وبؤسه عرض الزاري الناقم لا عرض العاطف الراحم ، وكان أولى ـ وقد رأى هذا البؤس الذي هو فيه والظلم الواقع عليه ـ أن يصرخ في وجه من ظلمه وأن يستغيث لإنقاذه مما هو فيه وألا يزيد تعاسته بالزراية به وألا يعيبه على ما وصل إليه اضطرارًا بل يعيب من أنزله هذه المنزلة الوضيعة اختيارًا فإن لم يستطع أن يصل ذلك لقسوة الزمان وظلم الحكام فلا أقل من أن يلون صوره بالعطف الجميل على حاله والرثاء الباكي لبؤسه وشقائه.

وأخشى أن تكون الخطوط التي رسمها الشربيني ليبين الفواصل بين حياة المدن في نعيمها ورخائها وحياة الريف في بؤسه وشقائه ، لا تزال حافظة لنسبتها إلى اليوم وقد مضى منذ تصويرها ثلاثة قرون بل أخشى أن تكون الفروق قد زادت والفواصل قد تباعدت فالمدنية الحديثة غزت المدن كثيرًا ولم تغز الريف إلا قليلًا ، هذه الكهرباء تفتن أفانينها في المدن والريف لما ينعم بماء نظيف وهذه القصور الشامخة في المدن والحدائق الغناء والشوارع النظيفة والنساء السافرات والكاسيات العاريات ودور التعليم المختلفة الألوان ودور الملاهي المتعددة الأشكال إلى ما لا يحصى من ضروب الترف والنعيم.

والفلاح في مأكله ومشربه ومسكنه ونظام حياته ونوع أحاديثه ومجال علمه وعلاقته بأرضه وأدوات زرعه لم تختلف كثيرًا عما كانت أيام الشربيني بل أيام عمرو بن العاص بل أيام رمسيس بل أيام منا أومنيس ، والأجيال المتعاقبة وميزانيات الدول المتعاقبة والحكومات المتعاقبة أعجبتها المدن فزادت في الإنفاق عليها ولم يعجبها الريف فضيقت عليه ، وعيب الشربيني أنه رأى بؤس الفلاح تقع تبعته عليه ولم يدرك أن بؤسه نتيجة عوامل اجتماعية كثيرة ليس هو مسئولًا عن أكثرها ، لقد رأى المصب ولم يرَ المنبع ورأى النار تشتعل في البيت ولم ير من أشعلها ورأى النتيجة ولم ير مقدماتها.

فأما ناحيته الفنية فالشربيني إذا جد فهو أديب واسع الاطلاع في الأدب حافظ للشعر الكثير مستحضر له في مناسباته المختلفة قارئ للكثير من الكتب الأدبية والتاريخية المجهولة كانت في زمانه عارف بكتب المحاضرات والمسامرات مقتبس منها محكم لوضعها في مواضعها دارس لحالة الناس في عصره دراسة تفصيلية ، ولا يستحيي أن يضرب مثلًا بنفسه وبما حدث له كما لا يستحيي أن يروي عن أمه لغزًا في البرغوث ولا عن الحشاشين أحاديثهم في مجالسهم على الطريقة التي سلكها الجاحظ في كتبه ، وإذا هزل ففنه في الهزل غريب حقًّا، قيم حقًّا لولا فحشه وعريه ، له خيال واسع في المجون وقد هزأ النحو والصرف والاشتقاق بأسلوب جديد.

ولأسق لك مثلًا في هذا عند تصريفه لكلمة (أبو) فهو يقول إنه مشتق من آب إذا رجع ، قال ابن زريق : ما آب من سفر إلا وأزعجه رأي إلى سفر بالرغم يجمعه ، وكذلك الأب لأنه كل ساعة يرجع إلى ولده ويفتقده وينظر إليه .. وقيل : إن أبو) فعل ماض ناقص وأصله (أبوس) ويدل على ذلك قول الشاعر : قالوا حبيبُك وارى ثغره صَلَفًا ماذا تحاول إن أبداه قلت : أبو ، أي أبوس وإنما حذفت السين لقصد حصول اللبس على السامع إذ هو اللائق بهذا عند الأدباء والأقرب إلى السلامة من الواشين والرقباء ، وقيل لأن السين في الجمل بستين والستون في البوس إسراف عند البعض … إلخ.

ويقول في (مَتْرَد) : وهو إناء من فخار أحمر وهو غالب أواني الريف وأصله مركب من فعلين مات ورد لأنه لما عمل أولًا وكسر عملوا بدله فقالوا : مات ثم رد ثم حذفوا الألف وجعلوها علمًا ، وقيل إنه في الأصل عمل بمدينة تسمى ما تريد التي ينسب إليها الشيخ الماتريدي نفعنا الله به ، وهكذا.

فهو في هزله ولعبه بالنحو والاشتقاق واستطراده الغريب وخياله الماجن البعيد من أوائل الكتاب الهزليين في الأدب المصري الحديث ، ثم تُفْقَدُ بعض الحلقات ويظهر بعدُ أبو نضارة في صحيفته والشيخ حسن الآلاتي في كتابه ترويح النفوس ومضحك العبوس ثم عبد الله النديم في صحيفة الأستاذ ثم حمارة منيتي ثم الكشكول ثم آخر ساعة ، فهي مدرسة كلها واحدة فكاهية متتابعة خليقة بالدرس اللطيف والبحث الطريف “.

وقد تناولت مجلة الرسالة في عددها رقم 440 تحقيقا تاريخيا حول تاريخ وفاة الشربيني حيث كتب الباحث محمود عساف أبو الشباب : ” قال الأستاذ أحمد أمين بك في مقال نشرته مجلة (الثقافة) بعددها 130 : أن الشيخ يوسف الشربيني مؤلف كتاب (هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف) من أعيان القرن الحادي عشر الهجري وقد تعرض لكتابه (هز القحوف) بالتحليل في هذا المقال ، ولا يعنيني الرد عليه في صورته التحليلية وإنما الذي يعنيني أن أذكر أن (الشربيني) من أعيان القرن الثاني عشر لا من أعيان القرن الحادي عشر وأنه كان من العلماء الأعلام ، فلقد وقفت بخزانة كتب مولانا العلامة المؤرخ الشيخ محمد محمد حامد المراغي الجرجاوي على ما كتبه بخطه على نسخة (هز القحوف).

في الفهرست لدار الكتب الأميرية ص 213 ج 6 ما لفظه (هز القحوف) بشرح قصيدة أبي شادوف تأليف العلامة الشيخ يوسف بن محمد بن عبد الجواد بن خضر الشربيني من علماء آخر القرن الحادي عشر كان موجوداً سنة 1109 ، وقد علق على هذا العلامة المؤرخ المراغي الجرجاوي بقوله: رأيت مؤلفاً اسمه (السيف الصقيل في عنقي من يرد المطلقة الثلاث من غير تحليل) صرح فيه بالرد على هذا الضال، وأنه شرع في تأليفه يوم الثلاثاء سابع عشر المحرم من شهور سنة 1109 هـ ولفظه :

وبعد ، فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى يوسف بن محمد بن عبد الجواد بن خضر الشربيني كان الله له ورحم أباه وسلفه ، لما كان يوم الثلاثاء المبارك سابع عشر المحرم من شهور سنة 1109 هـ وأنا قاطن بثغر دمياط ومحل الخير والرباط … الخ ، ففي أوائل القرن الثاني عشر كان المؤلف على قيد الحياة فهو من علماء القرن الثاني عشر وهو من العلماء الأعلام لا كما يقول الأستاذ أحمد أمين بك أنه كان من المهرجين ، هذه إلمامة موجزة أزجيتها لخدمة التاريخ والله ولي التوفيق “.

33 / إتحاف فضلاء البشر

(إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر) هو عنوان كتاب في علم القراءات من تصنيف الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الدمياطيّ المعروف بلقب البناء المتوفي بالمدينة المنورة أثناء رحلته إلى الحج عام 1117 هـ / 1705 م ، وهو من كبار أئمة الطريقة النقشبندية بمصر في العصر العثماني حيث اتخذ لنفسه رباطا صوفيا بقرية عزبة البرج المجاورة لبلدته دمياط وصار مركزا هاما من مراكز الدعوة والإرشاد.

وله من المؤلفات الأخرى كتاب رياض النيرين في عمل الكسوفين (في علم الفلك) وكتاب ذخائر المهمات فيما يجب الإيمان به من المسموعات (في العقيدة) وكتاب مختصر السيرة الحلبية (في السيرة النبوية) وكتاب نظم البناء في بيان طرق القراءات العشر التي في تقريب النشر (في القراءات والتجويد) وحاشية على شرح المحلى على الورقات لإمام الحرمين (في الفقه) وكتاب  نخبة الرسائل وبلغة الوسائل في شرح الحروف والأسماء (في اللغة) وكتاب السر المفيز في اسمه تعالى عزيز (في التصوف).

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” الأستاذ العلامة أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الدمياطي الشافعي الشهير بالبناء خاتمة من قام باعباء الطريقة النقشبندية بالديار المصرية ورئيس من قصد لرواية الأحاديث النبوية ، ولد بدمياط ونشأ بها وحفظ القرآن واشتغل بالعلوم على علماء عصره ثم ارتحل إلى القاهرة فلازم الشيخ سلطان المزاحي والنور الشبراملسي فأخذ عنهما القراءات وتفقه بهما وسمع عليهما الحديث وعلى النور الاجهوري والشمس الشوبري والشهاب القليوبي والشمس البابلي والبرهان الميموني وجماعة آخرين.

واشتغل بالفنون من الدقة والتحقيق غاية قل أن يدركها أحد من أمثاله ثم ارتحل إلى الحجاز فأخذ الحديث عن البرهان الكوراني ورجع إلى دمياط وصنف كتابا في القراءات سماه اتحاف البشر بالقراءات الأربعة عشر ابان فيه عن سعة اطلاعه وزيادة اقتداره حتى أن الشيخ أبو النصر المنزلي يشهد بانه ادق من ابن قاسم العبادي واختصر السيرة الحلبية في مجلد وألف كتابا في اشراط الساعة سماه الذخائر المهمات فيما يجب الايمان به من المسموعات.

وارتحل أيضا إلى الحجاز وحج وذهب إلى اليمن فاجتمع بسيدي أحمد بن عجيل ببيت الفقيه فأخذ عنه حديث المصافحة من طريق المعمرين وتلقن منه الذكر على طريق النقشبندية وحل عليه أكسير نظره ولم يزل ملازما لخدمته إلى أن بلغ مبلغ الكمال من الرجال فاجازه وأمره بالرجوع إلى بلده والتصدي للتسليك وتلقين الذكر فرجع وأقام مرابطا بقرية قريبة من البحر المالح تسمى بعزبة البرج واشتغل بالله وتصدى للارشاد والتسليك وقصد للزيارة والتبرك والاخذ والرواية وعم النفع به لا سيما في الطريقة النقشبندية وكثرت تلامذته وظهرت بركته عليهم إلى أن صاروا ائمة يقتدى بهم ويتبرك برؤيتهم.

ولم يزل في اقبال على الله تعالى وازدياد من الخير إلى أن ارتحل إلى الديار الحجازية فحج ورجع إلى المدينة المنورة فادركته المنية بعد شيل الحج بثلاثة أيام في المحرم سنة سبع عشرة ومائة وألف ودفن بالبقيع مساء رحمه الله “.

وقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة يقول فيها : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي جمع ببديع حكمته أشتات العلوم بأوجز كتاب وفتح بمقاليد هدايته مقفلات الفهوم لأفصح خطاب أنزله بأبلغ معنى وأحسن نظام وأوجز لفظ وأفصح كلام حلوا على ممر التكرار جديدا على تقادم الأعصار باسقا في إعجازه الذروة العليا جامعا لمصالح الآخرة والدنيا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي بمشيئته تتصرف الأمور وبإرادته تنقلب الدهور وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي جعل كتابه خير كتاب وصحابته أفضل أصحاب تلقوه من فيه الكريم غضا وواظبوا على قراءته تلاوة وعرضا حتى أدوه إلينا خالصا مخلصا – صلى الله عليه وسلم – وعلى جميع الآل والأصحاب وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب.

وبعد ، فلما كان عام اثنين وثمانين بعد الألف ومنّ الله تعالى بالرحلة إلى طيبة المنورة زادها الله تعالى نورا وشرفا ومهابة والمجاورة بها صحبني فيها جماعة من فضلائها في قراءة القراء السبع وبعضهم في العشر بما تضمنته طيبة النشر لحافظ العصر أبي الخير محمد شمس الدين بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

فخطر لي بعد ذلك أن ألخص ما صح وتواتر من القراءات العشر حسبما تضمنته الكتب المعتمدة المعول عليها في هذا الشأن ككتاب النشر في القراءات العشر وطيبته وتقريبه للشيخ المذكور الذي ترجموه بأنه لم تسمح الأعصار بمثله ووصف كتابه النشر بأنه لم يسبق بمثله وكشرح طيبته للإمام أبي القاسم العقيلي الشهير بالنويري وككتاب اللطائف للشهاب المحقق أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني شارح البخاري.

ثم وقع الإعراض عن ذلك فحثنى عليه شديدا بعض إخواني فاستخرت الله تعالى وشرعت فيه مستعينا به تبارك وتعالى فجاء بحمد الله تعالى على وجه سهل يمكن ويتيسر معه وصول دقائق هذا الفن لكل طالب مع الاختصار الغير المخل ليسهل تحصيله مع زيادة فوائد وتحريرات تحصلت حال قراءتي على شيخنا المفرد بالفنون وإنسان العيون محقق العصر أبي الضياء نور الدين علي الشبراملسي رحمه الله تعالى وهو مرادي بشيخنا عند الإطلاق فإن أردت غيره قيدت.

ثم جنح الخاطر لتتميم الفائدة بذكر قراءة الأربعة وهم : ابن محيصن واليزيدي والحسن والأعمش وإن اتفقوا على شذوذها لما يأتي إن شاء الله تعالى من جواز تدوينها والتكلم على ما فيها ، وسميت مجموع ما ذكر من التلخيص وما ضم إليه بإتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر أو يقال منتهى الأماني والمسرات في علوم القراءات ، وأرجو من الله تعالى متوسلا إليه برسوله سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وصحبه عموم النفع به وأن يسهله على كل طالب إنه جواد كريم رءوف رحيم “.

34 / دستور أصول علم الميقات

(دستور أصول علم الميقات ونتيجة النظر في تحرير الأوقات) هو عنوان مخطوطة في علم الفلك ومطالع الأهلة وتحديد المواقيت من تصنيف رضوان أفندي الفلكي كبير علماء الفلك بمصر في العصر العثماني والمتوفي عام 1122 هـ / 1711 م ، وقد عرف بغزارة مؤلفاته في هذا المجال وإنشاء مرصد متطور بمعاونة رفيقه حسن أفندي الروزنامجي حيث أسس مدرسة في علم الفلك والمواقيت تتلمذ فيها يوسف بن عبد الله المحلي ورمضان السفطي الخانكي وكتبوا في ذلك مؤلفات عدة في الرياضيات والهندسة وعلوم المساحة والتي كان لها آثار تطبيقية في مجالات الزراعة والري وحساب التوقيت عن طريق المزاول ورؤية الهلال في مطالع الشهور (معنى الكلارجي بالتركية أمين المخزن نسبة إلى عمله ومعنى الروزنامجي كاتب اليومية / الروزنامة) ، وقد ترجم لهم الجبرتي في عجائب الآثار فقال :

رضوان افندي الفلكي : الأجل الفاضل العمدة العلامة رضوان افندي الفلكي صاحب الزيج الرضواني الذي حرره على طريق الدر اليتيم لابن المجدي على أصول الرصد الجديد السمرقندي وصاحب كتاب اسنى المواهب وغير ذلك تآليف وحسابيات وتحقيقات لا يمكن ضبطها لكثرتها وكتب بخطه ما ينوف عن حمل بعير مسودات وجداول حسابيات وغير ذلك وكان بسكن بولاق منجمعا عن خلطة الناس مقبلا على شأنه وكان في أيامه حسن افندي الروزنامجي وله رغبة ومحبة في الفن فالتمس منه بعض آلات وكرات فاحضر الصناع وسبك عدة كرات من النحاس الأصفر ونقش عليها الكواكب المرصوده وصورها ودوائر العروض والميول وكتب عليهما طلاها بالذهب وصرف عليها أموالا كثيرة وذلك في سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ومائة وألف.

واشتغل عليه الجمالي يوسف مملوك حسن افندي المذكور وكلارجيه وتفرغ لذلك حتى أنجب وتمهر وصار من المحققين في الفن واشتهر فضله في حياة شيخه وبعده وألف كتابا عظيما في المنحرفات جمع فيه ما تفرق من تحقيقات المتقدمين واظهر ما في مكنون دقائق الأوضاع والرسومات والأشكال من القوة إلى الفعل وهو كتاب حافل نافع نادر الوجود وله غير ذلك كثير ومن تآليف رضوان افندي المترجم النتيجة الكبرى والصغرى وهما مشهورتان متداولتان. بأيدي الطلبة بآفاق الأرض وطراز الدرر في رؤية الأهلة والعمل بالقمر وغير ذلك ، توفي يوم السبت ثالث عشري جمادي الأولى سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف.

حسن أفندي الروزنامجي :  النبيه الفطن الذكي حسن افندي الروزنامجي الدمرداشي وكان باش قلفه الروزنامجه فلما حضر إسمعيل باشا واليا على مصر في سنة ست ومائة وألف وكانت سنة تداخل فتكلم الباشا مع إبراهيم بك أبي شنب في كسر الخزينة وعرض عليه المرسوم السلطاني بتعويض كسر الخزينة من اشغال العشرين ألف عثماني التي كانت عليهم وكان له ميل للعلوم والمعارف وخصوصا الرياضيات والفلكليات ويوسف الكلارجي الفلكي الماهر هو تابع المذكور ومملوكه.

وقرأ على رضوان أفندي صاحب الازياج والمعارف وكان كثير العناية برضوان افندي المذكور ورسم باسمه عدة آلات وكرات من نحاس مطلية بالذهب واحضر المتفنين من أرباب الصنائع صنعوا له ما أراد بمباشرة وارشاد رضوان افندي وصرف على ذلك أموالا عظيمة وباقي اثر ذلك إلى اليوم بمصر وغيرها ونقش عليها اسمه واسم رضوان افندي وذلك سنة ١١١٣ وقبل ذلك وبعدها ولم يزل في سيادته حتى توفي.

جمال الدين المحلي : الأستاذ النجيب الماهر المتفنن جمال الدين يوسف بن عبد الله الكلارجي الفلكي تابع حسن افندي كاتب الروزنامة سابقا. قرأ القرآن وجود الخط وتوجهت همته للعلوم الرياضية كالهيئة والهندسة والحساب والرسم فتقيد بالعلامة الماهر رضوان افندي وأخذ عنه واجتهد وتمهر.

وصار له باع طويل في الحسابيات والرسميات وساعده على إدراك مأمولة ثروة مخدومه فاستنبط واخترع ما لم يسبق به وألف كتابا حافلا في الظلال ورسم المنحرفات والبسائط والمزاول والاسطحة جمع فيه ما تفرق في غيره من اوضاع المتقدمين بالاشكال الرسمية والبراهين الهندسية والتزم المثال بعد المقال وألف كتابا أيضا في منازل القمر ومحلها وخواصها وسماها كنز الدرر في احوال منازل القمر وغير ذلك. واجتمع عنده كتب وآلات نفيسة لم تجتمع عند غيره ومنها نسخة الزيج السمرقندي بخط العجم وغير ذلك. توفي سنة ١١٥٣.

الشيخ رمضان الخانكي : الإمام العمدة المتقن الشيخ رمضان بن صالح بن عمر بن حجازي السفطي الخانكي الفلكي الحيسوبي أخذ عن رضوان افندي وعن العلامة الشيخ محمد البرشمسي وشارك الجمال يوسف الكلارجي والشيخ الوالد وحسن افندي قطة مسكين وغيرهم واجتهد وحسب وحرر وكتب بخطة كثيرا جدا وحسب المحكمات وقواعد المقومات على أصول الرصد السمرقندي الجديد وسهل طرقها بادق ما يكون وإذا نسخ شيئا من تحريراته رقم منها عدة نسخ في دفعة واحدة فيكتب من كل نسخة صفحة بحيث يكمل الأربع نسخ أو الخمسة على ذلك النسق فيتم الجميع في دفعة واحدة. وكان شديد الحرص على تصحيح الارقام وحل المحلولات الخمسة ودقائقها إلى الخوامس والسوادس وكتب منها عدة نسخ بخطه وهو شيء يعسر نقله فضلا عن حسابه وتحريره.

ومن تصانيفه نزهة النفس بتقويم الشمس بالمركز والوسط فقط والعلامة باقرب طريق واسهل ما أخذ واحسن وجه مع الدقة والأمن من الخطا وحرر طريقة أخرى على طريق الدر اليتيم يدخل إليها بفاضل الأيام تحت دقائق الخاصة ويخرج منها المقوم بغاية التدقيق لمرتبة الثوالث في صفحات كبيرة متسعة في قالب الكامل. واختصرها الشيخ الوالد في قالب النصف ويحتاج إليها في عمل الكسوفات والخسوفات والاعمال الدقيقة يوما يوما.

ومن تآليفه كفاية الطالب لعلم الوقت وبغية الراغب في معرفة الدائر وفضله والسمت والكلام المعروف في اعمال الكسوف والخسوف والدرجات الوريفة في تحرير قسي العصر الأول وعصر أبي حنيفة وبغية الوطر في المباشرة بالقمر ورسالة عظيمة في حركات افلاك السيارة وهيآتها وحركاتها وتركيب جداولها على التاريخ العربي على أصول الرصد الجديد وكشف الغياهب عن مشكلات اعمال الكواكب ومطالع البدور في الضرب والقسمة والجذور وحرك ثلثمائة وستة وثلاثين كوكبا من الكواكب الثابتة المرصودة بالرصد الجديد بالاطوال والأبعاد ومطالع الممر ودرجاته لاول سنة ١١٣٩ والقول المحكم في معرفة كسوف النير الاعظم ورشف الزلال في معرفة استخراج قوس مكث الهلال بطريقي الحساب والجدول.

واما كتاباته وحسابياته في أصول الظلال واستخراج حضره بعض الأعيان من أمراء مصر فيسبهم جهرا ويشير إلى مثالهم وربما حنقوا منه وسلطوا عليه جماعة من الاتراك ليقتلوه فيخرج عليهم وحده فيغشى الله على ابصارهم. مات في حادي عشري الحجة سنة ١١٦١.

وفي كتاب الأعلام ذكر الزركلي مؤلفاتهم فقال : ” الفَلَكي : رضوان بن عبد الله الفلكي مهندس مصري فلكي حج سنة ١٠٩١ وقرأ على بعض علماء الحرمين له كتب منها دستور أصول علم الميقات ونتيجة النظر في تحرير الأوقات (بخطه في الأزهرية ودار الكتب ٣٨٣٣ ك) وبغية الطلاب في استخراج الأعمال الفلكية بالحساب (في دار الكتب ٤٠٢٤ ك) وتقويم فلكي (بخطه ببغداد) ورسالة في معرفة الاجتماع والاستقبال والكسوف والخسوف (في دار الكتب ٤٠١٩ ك) وزيج رضوان أفندي (فيها ٣٩٨٥ ك) والزيج المفيد على أصول الفلك السمرقندي صاحب الرصد الجديد (شرح أصول الفلك لألغ بك في دار الكتب أيضا ٣٧٧١ ك).

الكِلَارْجي : يوسف بن يوسف الحلبي المحلي الشافعيّ جمال الدين الكلارجي عالم بالفلك حلبي الأصل من أهل المحلة بمصر سافر إلى اليمن واتصل بالإمام أبي العباس المنصور الحسين بن القاسم ، وصنف له (كتاب التقويم) لسنة ١١٤٥ هـ مشتملا على حوادث تلك السنة من مداخل شهورها وأيامها والأعياد والمواسم وأوقات الزراعة ورؤية الأهلة للصيام وغيره ابتدأه بقوله :  إن أول هذه السنة الشمسية هو يوم السبت سادس شوال سنة ١١٤٥ عربية … إلخ ، كما في صدر مخطوطته المحفوظة في الأمبروزيانة ، وعاد إلى مصر وتوفي بها ، وكان عمله في (المزاول) ومن كتبه كنز الدرر في أحوال منازل القمر ذكره الجبرتي وأشار الى أنه صنف أيضا كتابا في الظلال ورسم المنحرفات والبسائط والمزاول والأسطحة.

رمضان بن صالح بن عمر بن حجازيّ السفطي الخوانكي : فلكيّ عارف بالحساب مصري مولده بالخانكة وتوفي بالقاهرة ، من كتبه نزهة النفس بتقويم الشمس (في شستربتي ٤٠٨٥) وكفاية الطالب (في علم الوقت والسمت) والكلام المعروف (في الكسوف والخسوف) ورشف الزلال في معرفة استخراج مكث الهلال (بخطه في مكتبة قاسم الرجب ببغداد) و كشف الغياهب عن مشكلات أعمال الكواكب ومطالع البدور في الضرب والقسمة والجذور “.

35 / ديوان الدلنجاوي

شاعر الموال الأهم في العصر العثماني بمصر هو شهاب الدين أحمد الدلنجاوي المتوفي بالقاهرة عام 1023 هـ / 1711 م ، وله ديوان شعر مطبوع متعدد الأغراض في المدح والغزل والوصف والمديح النبوي وكذلك في التركيب الشعري ما بين القصيدة التقليدية والمواليا والرباعيات والتخميس (والتخميس هو معارضة قصيدة قديمة بقصيدة جديدة تكملها وتوضح معانيها وهو نمط من الشعر عرف في ذلك الوقت) ، وقد رثاه الشاعر الشيخ عبد الله الشبراوي بقوله : فقلت لمن أراد الشعر أقصر .. فقد أرخت مات الشعر بعده.

ومن أشهر أشعاره قصيدة غزلية يقول في مطلعها : غزاة عينيك حاربت كبدي .. بجند حسن نما على العدد .. من كل ذي شوكة تشاك بها .. في حومة الحرب مهجة الأسد ، ويقول في ثناياها واصفا حبيبته : يا للعجيب العجاب من رشا .. يرمى أسود القلوب بالكمد .. أراش بالهدب غنج مقلته .. لكل قلب الى لماه صدى .. وليس ماء الحياة حين بدا .. رضا به على أحد .. يستوقف العقل عند منهله .. معللا ناهليه بالأمد ، وختمها مخاطبا حبيبته : فاحكم بما شئت لا تخف مللا .. منى فئلى لديك لم تجد .. فالصبر رقعت ثوبه خلقا .. بمطمع الوصل منك يا سندي .. بحق حبيك ان لي جسدا .. قد ذبت وجدا عليه لاتزد .. وجد فليس النوال منك سدى .. لاني لفرط الضنا في جسدي.

وله قصيدة يتشوق فيها إلى المدينة المنورة ويقول : أيها الصادر عن كثبان طه .. قل اصحبي هل لنشر الهجر طي .. وأعد بعض حديثي عندهم .. أي وجد لي بهم يا ذاك أي .. وإذا ما جئت سلعا ًقف به .. ثم سل عن ما جرى من مقلتي .. فالكرى والصبر من يوم النوى .. نقضا عهدي وكانا صاحبي.

ومن قوله : أمبكي عيون الصد لا أبكي .. لك الله عيناً في الحشى أودعت فتكاً .. ومضحك عذال المحب لسقمه .. فلا أبعد الرحمن من فمك الضحكا .. وياسا فحمى منامد مع أعين .. أسفك دمانا من أباح لك السفكا .. ملكلت وأرباب الغرام رعية .. وحق على ذي الملك إني يحفظ الملكا .. أيجني على عبد بغير جناية .. على أنه ما رام في حبه شركا .. كذا من رضى تركى لحظِ على الحشى .. مليكى ومن يسلم به يترك التركا.

وقوله : خطرت وقد خطرت هواتف خاطري .. فنبدت أجناد الخواطر حاطري .. وردي موارده من مراشف حولها .. تبدو الورود بروض حسن زاهر .. من غادة تخذت قلانا عادة .. وعدت وكم وعدت بموعد غادر .. لله كم سلبت شعوراً عندما .. سلت شعوراً من لبيب ماهر .. سجدت لها غصباَ رؤوس عندما .. شحذت لهم عضبا لشق مرائر .. تلوي عقارب صدغها كبراقع .. تكوي بها أحشاء ليث كاسر .. حلفت وقد حفلت جيوش جمالها .. لأصول في العشاق صولة قاهر .. طرفي وظرفي في الإنام أقمت ذا .. يبري وذا يبري جراح الفاتر.

وقوله : كتب الجمال بطرس خذك أسطراً .. من غير قلم تحبر منة قرا .. ظهرت بمصحف حسفك الزاهي الذي .. بعثت به رسل بصدغك للورى .. صحف تلتها رسل حسنك أنبأت .. بفتور لحظ منك لم بك مفتري .. هذا هو السحر المبير فكيف من .. يك مرسلا في فنرة ان يكفرا .. في قرية العشق التي لك لسلمت .. واستسلمت طوعاً وليس بها مرا .. وأرى له قلماً بحبري سالف .. قد خط آيات الجمال وجمرا .. وجرى حديث عنه من توقيعه .. لالي النهي حتفاً فجب بما جرا .. سلست أرباب العقول فسلسوا .. دمعاً على سفح الخدود تحدرا.

وقوله : أي عين بت محتجباً .. أنت عنها ألم ترق سحبا .. أي بيت لم يكن سكنا .. لك يا مولاي ما خربا .. أي صب قد ذكرت له .. يا فريد الحسن ما طربا .. أي صاد رام مرتشفا .. منك لا يروي منك وما شربا ، وقوله : أنظرت أم فوقت سهما .. فلقد أصبت القلب لما .. لا يا معذب مهجتي .. تا لله ما أجرمت جرما .. أرما لميعاد الرضا .. يا هاجري أجل مسمى .. يا عاقلي وأخا الصبا .. بة لأبرحت أصم أعمى.

وقوله : أمبكي عيون الصد لا أبكي .. لك الله عيناً في الحشى أودعت فتكاً .. ومضحك عذال المحب لسقمه .. فلا أبعد الرحمن من فمك الضحكا .. وياسا فحمى منامد مع أعين .. أسفك دمانا من أباح لك السفكا .. ملكلت وأرباب الغرام رعية .. وحق على ذي الملك إني يحفظ الملكا .. أيجني على عبد بغير جناية .. على أنه ما رام في حبه شركا .. كذا من رضى تركى لحظِ على الحشى .. مليكى ومن يسلم به يترك التركا.

وقوله : حتام يا من صان ظلماً .. عني على تصول ظلمة .. من برد ثغرك لي لظى .. والغار لا تورى من الما .. في غلة الصادي الى .. ثغر يفوق الدر نظماً .. وإذا مننت لمهجتي .. بمعيسل الشفتين ألمى .. ورشفت منه زلاله .. فمن السعير أراه أحمى .. وإلى متى أنا في الشتا .. ببارد الشفتين أظما .. رأيت مثلي من فتى .. صادى الحشى بالرى يظما .. يا حاكم الحب أتئد .. وترو فيمن ذاب جسما.

وقوله : أما وإشراق وحبه منك بدري .. يبدر بتم على غصن أراكي .. وغر قد بدا صبح الجبين بها .. في ليلى تشعر منك جعدى .. وحاجب حرف نون قام ينقطه .. كف الجمال بخال منك مسكى .. وحرس من بني حام أقيم لنا .. فوق الشفاه على الكنز اللآلي .. ووجنة من دم العشاق قد خضبت .. بفاتر من ظبا بحظيك هندي .. يبدي نعاسا لماها روت أودعه .. من الفتور بنفث منه محري .. وخضره في وشام من مرائرنا .. سالت وقد قدها القد الرديف .. إني لأعظم صاد من وطيس هوى .. حران قلب إلى الرحيقى .. هل من شفاء لصب الشفاه له .. شفاء قلب وساق سيق بالرى .. فريقه الخمر والتصحيف وجنته .. وحيرتي بين خمري وجمري.

وقوله : سما أكباد ارباب النهى انفطرت .. اذا الكوكب من آما فهم نثرت .. وشمس آمالهم قد كورت ودجت .. محجة العشق بالظلماء واعتكرت .. فحسب آماقهم لم تطف نارهوى .. من التباعدا ذا حشاؤهم سعرت .. يا صاحبي سلا من صار محترفاً .. سواكب الدمع من عينه كيف جرت .. مالي وللعشق اذا أعين من .. عيناه إن جنها جنح الدجا سهرت .. عرضت نفسي لامر لا كفا له .. وسبله عن سرى مثلى لقد عسرت .. أرسلت سائل دمعي عل يشفع لي .. نهرا فيل ليت غيد الحي مانهرت .. معاطف أورقت بالدل أذا سقيت .. خمر الدلال فوافاها وقد سكرت.

وقوله : ملك محاسنه جنوده .. وزهور حديه شهوده .. ما لاح هاتيك القنا .. إلا أطاعته أوسده .. حاز المحاسن كلها .. لكنما صدقت وعوده .. عاهدنه أن لا يمي .. ل إلى السوى نقضت عهوده .. فله على أصونه .. أبداً ولي منه صدوده .. فالميل للأغصان بل .. والظبي أحسنه شروده ، وقوله : ما أنت يا مستجيد اللوم منصفه .. بل أنت بهذا النصح متلفه .. صب عليه مضى شرخ الشباب وقد .. لاح المشيب ولم يظفر معنفه .. أراك قدرت إت النصح ينفعه .. وهل يرى النفع فيما ليس يألفه .. يود لو زاره طيف المنام دجى .. وهل يزور الفتى من ليس بعرفه.

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار فقال : ” الأديب الأريب الشيخ أحمد الدلنجاوي شاعر وقته له ديوان مجلد ، ومن كلامه وفيه التوجيه : قمر بخص وشاته .. برضا ومغرمه بسخط .. عاتبته بتلطيف .. وسألته حكماً بضبط .. فأجابني وهو الذي .. طرق الهداية ليس يحظى .. لست الإمام وإنما .. أنا قاسم والله معطي.

وله تخميس على قثيدة ابن منجك منه : كل ساق عليك ساق الطلا كل .. سيف لحظيك للبرية ما كل .. حيثما الكأس لون خديك شاكل .. نتفداك ساقياً قد كساك ال .. حسن من فرقك المضيء أساقك .. جل من في هواه لسهر طرفي .. يا ملتجا في حسنه حار وصفى .. كلما رمت صبوة لست أخفي .. تشرق الشمس من يديك ومن قيك .. الثريا والبدر من إشرافك .. يا مليكاً بدولة الحسن طرا .. مشتري الحظ مات باللحظ شطرا .. وعجيب قوس الحواجب أدري .. أو ليس العجيب كونك بردا .. كاملاً والمحاق من عشاقك.

وله مواليا : فبالله عليك إثيلات النقا تهززن  .. أغصانك خير بني لا جفتك المزن .. عن الظباء اللواتي خرن قلبي خرن .. هل خرن من جانب الجرعاء أو ما جزن ، الجواب : قالت نعم جزن بالجرعاء لما شرن .. أوتارهن وألفاظ القناير مزن .. قلت أرجعي قالت اسمع والعيون يغمزن .. إن لم لم تعاود يجددن البكا والحزن.

توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف وأرخه الشبراوي بقوله : سألت الشعر هل لك من صديق .. وقد سكن الدلنجاوي لحده .. فصاح وخر مغشيا عليه .. وأصبح ساكنا في القبر عنده .. فقلت لمن أراد الشعر أقصر .. فقد أرخت مات الشعر بعده “.

36 / ديوان البدري الحجازي

بدر الدين حسن البدري الحجازي هو شاعر مصري من عائلة تنحدر من قرية بدر الحجازية عاش بالقاهرة في العصر العثماني وتوفي فيها عام 1131 هـ / 1718 م ، وتعد قصائده الشعرية خير تعبير عن الأوضاع الاجتماعية في مصر في زمنه حيث قام بالتعليق على الكثير من الأحداث والشخصيات والعادات والتقاليد وذلك في إطار من النقد الاجتماعي والسياسي واستشهد به الجبرتي في مواضع عدة في تاريخه  

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار وذلك في وفيات القرن الثاني عشر الهجري فقال : ” ومات الشيخ العمدة المنتقد الفاضل الشاعر البليغ الصالح العفيف حسن البدري الحجازي الأزهري وكان عالما فصيحا مفوها متكلما منتقدا على أهل عصره وابناء مصره ، سمعت من الشيخ الوالد قال : رأيته ملازما لقراءة الكتب الستة تحت الدكة القديمة منجمعا عن خلطة الناس معتكفا على شأنه قانعا بحاله.

وله في الشعر طريقة بديعة وسليقة منيعة على غيره رفيعة وقلما تجد في نظمه حشوا أو تكلمه ، وله ارجوزة في التصوف نحو ألف وخمسمائة بيت على طريق الصادح والباغم ضمنها أمثالا ونوادر وحكايات وديوان على حروف المعجم سماه باسمين : تنبيه الافكار للنافع والضار وإجماع الإياس من الوثوق بالناس شرح فيه حقيقة شرار الخليقة من الناس المنحرفة طباعهم عن طريقة قويم القياس.

استشهدت بكثير من كلامه في هذا المجموع بحسب المناسبة وفي بعض الوقائع والتراجم وله مزدوجة سماها الدرة السنية في الأشكال المنطقية ونظم رسالة الوضع للعلامة العضد ونظم لقطة العجلان في تعريف النقيضين والضدين والخلافين والمثلين وفي حكم المضارع صحيحا كان أو معتلا ورموز الجامع الصغير وختم ديوانه بأراجيز بديعة ضمنها نصايح ونوادر وأمثالا واستغاثات وتوسلات للقبول موصلات.

ومن كلامه في قافية الباء : كن جار كلب وجار الشرة اجتنب .. ولو أخالك من ام يرى وأب .. وجانب الدار أن ضاقت مرافقها .. والمرأة السوء لو معروفة النسب .. ومركبا شرس الاخلاق لا سيما .. أن كان ذا قصر أو ابتر الذنب ، وله غير ذلك كثير اقتصرنا منه على هذا البعض ، توفي سنة أحدى وثلاثين ومائة وألف رحمه الله “.

وكب عنه الأستاذ أحمد أمين في كتابه فيض الخاطر فقال : ” الشيخ حسن البدري الحجازي المتوفي سنة ١١٣١هـ ، شخصية غريبة من شخصيات أواخر عصر المماليك في مصر من أصل حجازي ، وكان من علماء الأزهر يدرِّس فيه عند الدكة القديمة يألف العزلة ويرضى بالقليل من وسائل العيش ويقرأ كثيرًا في التصوف ويضع فيه أرجوزة تبلغ نحو ألف وخمسمائة بيت ومثله الأعلى في الحياة رجل تقي ورع يبعد عن الناس ويقرب من الله تجرد من الأطماع ورضي بالقليل وفي ذلك يقول :

وخير عباد الله من لازم التقى شكور العطايا صابرًا للمصائب .. عَرِيًّا عن الأطماع قَنْعًا قد اكتسى رقيبًا على الأنفاس خوف المراقب .. فذاك لعمري أربح الناس صفقة إذا سقطت في الخسر صفقة ناكب .. وإن رمت أن تحيا عَرِيًّا عن الردى وتظفر في الأخرى بأسنى المكاسب .. مكانك فالزم واعتزل سائر الورى وسَدِّدْ وعنهم سُدَّ كل المسارب ، وقد غلب عليه التشاؤم فكان سيئ الظن بالناس، قل أن يرضى عن أحد وهذا ما دعاه للعزلة.

وقد امتاز في هذا العصر بكثرة شعره وعلى الأصح بكثرة نظمه فكان النظم طيعًا في لسانه ينظم في التصوف وفي المنطق وفي الفلسفة وفي النحو وفي الحديث ولكن أهم من ذلك كله نظمه في نقد الناس وفي أحداث التاريخ المعاصرة وهو بهذا يرينا صورًا متعددة من صور الناس في ذلك العصر وعيوبهم الاجتماعية والأخلاقية فإذا نظم في الأحداث التاريخية شرح الحادثة وأبانها في وضوح وجلاء ووصف الممثلين على مسرحها وأدلى برأيه في كل ذلك ، وقد روى لنا الجبرتي بعض نماذج من شعره في هذه الأحداث فكان إذا ذكر حادثة روى ما قاله (الحجازي) فيها.

وخلف لنا ديوانًا كبيرًا مرتبًا على حروف المعجم يعد بحق مصدرًا من المصادر التي تشرح الحياة الاجتماعية كما أنه يقدم لنا صورة من صور الأدب في ذلك العصر فشعره ليس بالجيد في أسلوبه ولا بالغني في خيالاته ولا بالمحكم في نسجه ولكنه على كل حال صورة من أرقى ما أنتجه عصره ، وربما كانت قيمته التاريخية والاجتماعية أكبر من قيمته الأدبية وهو مع ذلك يمتاز بعدم التكلف والبساطة وصدق الوصف كما أن أسلوبه في النقد لاذع حاد صريح وهي ميزات في الأدب لها شأنها فينقد مثلًا علماء عصره في التفافهم حول الغني وتمجيده واللياذ به والخضوع له فيقول :

ليتنا لم نَعِشْ إلى أن رأينا كل ذي جَنَّةٍ لدى الناس قطبا .. علمًا هم به يلوذون بل قد تخذوه من دون ذي العرش ربّا .. إذ نسوا الله قائلين فلان عن جميع الأنام يُفْرِجُ كربا .. وإذا مات يجعلوه مزارًا وله يهرعون عجمًا وعربا .. بعضُهم قبَّل الضريح وبعض عَتَبَ الباب قبَّلوه وتربا .. هكذا المشركون تفعل معْ أصنامهم تبتغي بذلك قربا .. كل ذا من عمى البصيرة والويلُ لشخص أعمى له الله قلبا .. جعل العلم فخ صيد لدنيا ه فساوى في صنعه السوءِ كلبا .. لا بل الكلب منه خيرٌ إذ الكلب عديم العقاب في يوم عقبى.

ويقول في المرائين من العلماء أيضًا : احذر أولي التسبيح والسبحهْ والصوف والعُكاز والشملهْ .. حَوَت أباليس بتعداد ما حوت شعورًا بل بلا عدَّه .. والمكرُ فات الحصر كالبحر بل يعدّ فيه البحر كالقطره .. فصار إبليس لهم تابعًا يقول يا للعون والنجده .. مما حويتم علموني فما لي عنكم في المكر من غنيه .. فتية سوء فُقها نسبة انتهبوا الأموال بالفُتيه .. عمائمًا والكمّ قد كبروا فاستكبروا عن شِرعة الشرعه .. في هيئة يمشون مع هينة تخشُّعًا من غير ما خشيه .. لجمع الأموال وكيما يقال أهل الهدى والدين والتَّقْوه .. في الظالمين انجحروا مثلما تنجحر الحية في الجُحره … إلخ.

وينقد الحارات البلدية وقذارتها وضوضاءها وسوء حالها فيقول : حارات أولاد العربْ سبعًا حوَت من الكرب .. بولًا وغائطًا كذا ترب غبار سو أدب .. وضجة وأهلها شبه عفاريت التُّرَب ،  ويصوِّر لنا في شعره لوحة طريفة من الأقارب وسوء علاقاتهم واحترامهم للغنيِّ منهم لغناه واحتقارهم للفقير منهم لفقره وتطلعهم لموت الغني لينتهبوا ميراثه … إلخ.

ويصف ما جرى لمصر في حادث من حوادث نزاع المماليك وما أصاب الشعب من خصومتهم وقتال بعضهم بعضًا فيقول : قد فعلوا مناكرًا شنيعةً بأهلها تفَتُّ منها الأكبُد .. ضرب مدافع ودورٌ حُرقت وسادة قد قتِّلت وأعبُد .. وفي الرعايا النهب والقتل فشا والجوع والظما وما لا يُعهد .. وجملة القول عن الذي جرى لا تسألن فشرحه لا ينفد .. نعوذ بالله من أهل ذا الزمن فإنهم في الظلم شخص أوحد .. أعدلهم مَنْ عن صوابٍ عادل ومن على العدل لديهم أحْيد.

وفي موضع آخر يقول : قد نصَّبوا فوقنا المدافع ترمي بأعلى البروج جمرا .. فأحرقونا وأحصبونا وأعطشونا بالمنع قسرا .. عن نيلنا ثم قد شربنا ملحًا فزاد الكبود حرّا ، وعلى الجملة فشعره يصور لنا عصره في كثير من نواحي الحياة الاجتماعية كما يصور الأدب في ذلك العصر من حيث أسلوبه وموضوعه.

ولعل المؤرخين لو عنوا بديوان هذا الشاعر وأمثاله من الشعراء وبالتراجم من مثل من ترجمهم الجبرتي في تاريخه وعلي باشا مبارك في خططه كما عنوا بكتب الفتاوى الفقهية التي كان الشعب يستفتي فيها فقهاء عصره في المسائل التي تحدث من مثل (الفتاوى المهدية) لكان لهم من ذلك مادة صالحة لتأريخ الحياة الاجتماعية ولما وقع أكثرهم في الخطأ من اقتصارهم على مصادر الأحداث السياسية والحربية “.

وذكره الدكتور شوقي ضيف ضمن شعراء الفخر والهجاء وذلك في كتابه تاريخ الأدب العربي حيث يقول : ” حسن البدرى الحجازى الأزهرى ، يقول الجبرتى فى ترجمته : كان عالما فصيحا مفوها متكلما منتقدا على أهل عصره وأبناء مصره ، ويقول كان أبوه ملازما لقراءة كتاب الصحاح الستة صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن ابن ماجة وسنن أبى داود وسنن النّسائى وجامع الترمذى ، وقد تفتحت موهبة الابن في سن مبكرة وعنى بنظم كثير من المتون العلمية مثل رسالة الوضع للعلامة العضد والدرة السنيّة فى الأشكال المنطقية ورموز الجامع الصغير وكانت وفاته سنة ١١٣١ للهجرة.

وكان قد أصبح شاعرا كبيرا ويصف الجبرتى شعره فيقول : له فى الشعر طريقة بديعة وسليقة منيعة على غيره رفيعة وقلما تجد فى نظمه حشوا أو تكملة ، وله أرجوزة فى التصوف فى نحو ١٥٠٠ بيت على طريقة الصادح والباغم ضمنها أمثالا ونوادر وحكايات ، وديوانه على حروف المعجم سماه باسمين تنبيه الأفكار للنافع الضار وإجماع الإياس من الوثوق بالناس شرح فيه حقيقة شرار الخليقة من الناس المنحرفة طباعهم عن طريقة قويم القياس.

وواضح من تسميته لديوانه أن شعره أو جمهوره على الأقل لم يكن مديحا وهجاء وغزلا وعتابا وما إلى ذلك من موضوعات الشعر المعروفة إنما كان نقدا للمجتمع وهو نقد يشوبه كثير من الذم لسلوك الناس حتى ليدعو إلى اعتزالهم لما يتصفون به من الطمع والجشع والأنانية ، والعاقل من اجتنبهم وفرّ منهم فرار السليم من الأجرب لا من الأباعد فحسب بل أيضا من الأقارب يقول : أخي فطنا كن واحذر الناس جملة .. ولا تك مغرور الظنون الكواذب .. ولا سيّما نوع الأقارب إنهم .. عقابك فى الدنيا وعقر العقارب.

ويستمر فى هجو الأقارب وأنهم يتمنون الموت لك إن كنت ثريا ليرثوك وإن كنت فقيرا كنت لديهم خسيسا أخس من الكلاب ، وهو على هذا النحو سيئ الظن بالناس حتى بالأقرباء من ذوى الرحم وكاد لا يسلم من سياط ذمه وهجائه أحد حتى المتصوفة يقول فيهم من قصيدة طويلة : احذر أولى التّسبيح والسّبحة .. والصّوف والعكّاز والشّملة .. قد صار إبليس لهم تابعا .. يقول يا للعون والنّجدة .. مما حويتم علّمونى فما .. لى عنكم فى المكر من غنية .. لكم قيادي وانقيادي وما .. مثلكم فى الناد والنّدوة .. وأنتم تاجى على هامتي .. ما همت إلا كنتم همّتي.

وهو طبعا يقصد نفرا من المتصوفة حادوا عن طريق التصوف وانحرفوا عن واجباته ومسئولياته وتورطوا – كما يقول فى القصيدة – فى بعض الآثام ، وكان يؤذيه منهم من يدعون الجنون وتظنهم العامّة أقطابا وأولياء حتى إذا ماتوا شادوا لهم أضرحة وجعلوها مزارا يقول : ليتنا لم نعش إلى أن رأينا .. كلّ ذى جنّة لدى الناس قطبا .. علما هم به يلوذون بل قد .. اتخذوه من دون ذى العرش ربّا .. إذ نسوا الله قائلين فلان .. عن جميع الأنام يفرج كربا .. وإذا مات يجعلوه مزارا .. وله يهرعون عجما وعربا.

وكأننا بإزاء داع مصرى يدعو ضد الصوفية ومن كانت تسميهم العامة بالمجذوبين وتقيم لهم الأضرحة والمزارات وتطلب منهم الدعاء أحياء وتقدم لهم النذور أمواتا ، ومع كثرة أشعاره في هذا الجانب لم تترك وراءها فى مصر أثرا على أننا نجده يوجه ذمه وهجاءه – ظلما وعدوانا -لبعض رجال الدين كما وجهه إلى المتصوفة وهو فى ذلك كله يسرف فى هجائه وذمه فلا رجال الدين انصرفوا عن التقوى ولا المصريون اتخذوا أقطاب الصوفية أربابا “.

وفي كتاب (محمود سامي البارودي إمام الشعراء في العصر الحديث) لمؤلفه الشيخ كامل محمد عويضة ترجمة جيدة للشاعر جاء فيها : ” الشعر والشعراء ، حسن البدري الحجازي (ت 1718) ، يبدو أنه كان الشاعر المفضل عند الجبرتي فهو يستشهد بكثير من شعره من أول كتابه إلى آخره خاصة حين يسجل بعض الكوارث ، تلقى العلم في الأزهر مثل كثير من الشعراء وكان متفوقا في المنطق والنحو وله فيهما مؤلفات عديدة.

ومع أننا لا نعرف الكثير عن أيام شبابه بيد أنه حين حلت به السن تصوف واعتزل ، وتزخر قصائده بالنقد اللاذع للحياة المصرية في عصره ويظهر فيها تعاطفه مع عامة الشعب وإشفاقه عليهم من حياة التخلف والاعتقاد في الخرافات والانغماس في بوائق الفسق وقد أصابت سهام نقده بعض من كانوا يتجرون بالدين ويشجعون على إقامة الموالد التي لا تتفق مع مقام أولياء الله الصالحين وينشرون المعتقدات الخرافية ، ومع أنه كان يؤثر العزلة إلا أنه كان ثاقب النظر ناقدا لما يدور حوله من أحداث.

فقد تصادف أن وفد إلى القاهرة دجال من الفيوم والتف الناس حوله يلتمسون بركاته فألهمه هذا قصيدة وصف فيها سلوك هذا الرجل وكثير من أمثاله في المجتمع المصري وموقف الشعب منهم ، ونظم قصيدة أخرى عام 1705 حين تأخر فيضان النيل عن موعده انتقد فيها من ربطوا تأخر الفيضان بالسحر والشعوذة ، وفي عام 1711 نظم البدري عدة قصائد صور فيها الموقف السياسي في مصر منددا فيها ببعض أمراء المماليك.

وقد حفظ لنا الجبرتي قصيدتين أخريين للبدري في عبد الرحمن بك (ت 1706) وفي الأمير علي (ت 1711) وكان الأخير في غاية القسوة في معاملة المصريين الذين غمرتهم السعادة لوفاته ، ومن الغريب أن يستحسن البدري رأي هذا الأمير في استحقاق المصريين في القسوة (وهو مخطىء في هذا) ، ومن المرجح أنه ضاق ذرعا إزاء تقاعسهم حينذاك ونظم أرجوزة في التصوف قوامها ألف وخمسمائة بيت ضمنها أمثالا ونوادر وقصصا ، وألف ديوانا على حروف المعجم سماه (تنبيه الأفكار للنافع والضار) تعرض فيها لأخلاقيات الأشرار والمنحرفين “.

37 / غاية المقصود

(غاية المقصود لمن يتعاطى العقود) هو عنوان كتاب متخصص في فقه الزواج والطلاق على المذاهب الأربعة من تأليف الفقيه أبي العباس أحمد بن عمر الديربي الشافعي الأزهري المتوفي بالقاهرة عام 1151 هـ / 1738 م ، والديربي نسبة إلى مسقط رأسه في قرية ديرب هاشم (ديار بني هاشم) المجاورة لمدينة المحلة الكبرى ، وقد هدف من الكتاب أن يكون مختصرا مفيدا للعاملين في القضاء وتوثيق عقود وتناول فيه أهم القضايا الفقهية ذات الطابع التطبيقي وبدأ الكتاب بباب في بيان المحرمات من النساء وأنهاه بفصل يتناول تزويج الحاكم مع وجود الولي غير المجبر.

وقد كتب المؤلف عدة كتب أخرى في المجال الفقهي منها كتاب غاية المرام فيما يتعلق بانكحة الانام وكتاب فتح الملك الجواد بتسهيل قسمة التركات على بعض العباد وكتاب غاية المراد لمن قصرت همته من العباد في أحكام أمهات الأولاد وكتاب فتح الملك الباري بالكلام على آخر شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري ، وله في الطب الشعبي والروحانيات كتاب فتح الملك المجيد لنفع العبيد والمعروف لدى العاة وقتها باسم (مجربات الديربي) ، وله كتاب يتناول بالوصف مسجد ومدرسة الوالي سنان باشا في بولاق (وهي من أهم آثار العصر العثماني) بعنوان تحفة المشتاق فيما يتعلق بالسنانية ومسجد بولاق.

وقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة يقول فيها : ” وبعد ، فيقول العبد الفقير المعترف بالعجز والتقصير أحمد الديربي الشافعي الغنيمي : قد سألني والدي وبعض الإخوان من الأنام أحسن الله لي ولهم كالمبدأ الختام أن أكتب شيئا من المسائل الشريفة المتعلقة بالنكاح على مذهب الشافعي وأبي حنيفة فأجبتهم لذلك راجيا العفو والغفران من الملك الرحيم الرحمن.

ثم استخرت الله وطالعت شرح الروض وشرح المنهج وغيرهما من كتب الشافعية والدرر وشرحه وحاشية الشيخ حسن الشرنبلالي عليه والكنز وشرحه للزيلعي من كتب الحنفية والمختصر وشرحيه للخرشي والزرقاني من كتب المالكية والمنتهى وشرحه وبعض حواش عليه من كتب الحنابلة المرضية.

وشرعت في تصنيف مختصر خال عن الحشو والتطويل حاو للمحتاج إليه من الدليل والتعليل يتعلق بأنكحة الأمة على مذاهب الأئمة الإمام الأعظم صاحب المقام النفيس أبي عبد الله محمد بن إدريس والإمام العظيم الشأن أبي حنيفة النعمان والإمام المطهر من كل عيب ودنس المجتهد مالك بن أنس والإمام الورع الزاهد المبجل أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل الجنة متقلبهم ومثواهم.

وعملته على مذهب هؤلاء الأئمة الذين من الله علينا بهم غاية المنة وجعل اختلافهم رحمة للأمة لينتفع به كل واحد من أرباب المذاهب ولو بالتقليد في كل مسئلة أرادها وهي لا توافق مذهبه لجوز التقليد عندهم ولو بعد الوقوع في كل مسئلة عملها بجميع معتبراتها عند من قال بها ولا يجوز تقليد غيرهم الآن في إفتاء أو حكم من الأحكام ، كما لا يجوز التلفيق عند هؤلاء الأئمة الأعلام.

وتعرضت فيه للخلاف والوفاق بينهم فحيث اتفقوا على مسئلة قلت فيها بالإجماع أو الاتفاق وحيث ذكرت مسئلة عن مذهب أو أكثر وتركت التعرض فيها لغيره فهو لعدم اطلاعي عليها عنده أو لعدم تعرضه لها أو لاضطراب وقع فيها وحيث ذكرت مسئلة وأطبقتها من غير عزو لمذهب من المذاهب فهي عندنا معاشر الشافعية.

وسميته (غاية المقصود لمن يتعاطى العقود) وأسأل الله أن ينفع به كل من تلقاه بقلب سليم وأن يحميه من كل عيب عائب لئيم وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وسببا للفوز لديه بجنات النعيم إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير ، وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الملك المعبود فأقول سائلا التوفيق من رب البريات بجاه أشرف المخلوقات “. 

وقد ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” الدَّيرَبي ١١٥١ هـ / ١٧٣٨ م ، أحمد بن عمر الديربي أبو العباس فاضل مصري له تجارب في الطبّ تعلم بالأزهر ، من كتبه : فتح الملك المجيد لنفع العبيد (جمع فيه ما جربه من فوائد طبية وروحانية) وغاية المقصود لمن يتعاطى العقود (على المذاهب الأربعة) وتحفة المشتاق فيما يتعلق بالسنانية ومسجد بولاق (رسالة) وفتح الملك الجواد بتسهيل قسمة التركات (منه نسخة في الأزهرية) و تحفة الصفا فيما يتعلق بأبوي المصطفى (رسالة) “.

وترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” الشيخ الإمام العالم العلامة صاحب التآليف العديدة والتقريرات المفيدة أبو العباس أحمد بن عمر الديربي الشافعي الأزهري أخذ عن عمه الشيخ علي الديربي قرأ عليه التحرير وابن قاسم وشرح الرحبية وأخذ عن الشيخ محمد القليوبي الخطيب وشرح التحرير والشيخ خالد علي الآجرومية وعلى الأزهرية وعن الشيخ أبي السرور الميداني والشيخ محمد الدنوشري المشهور بالجندي علم الحساب والفرائض وأخذ عن الشيخ الشنشوري.

ومن مشايخه يونس بن الشيخ القليوبي والشيخ علي السنبطي والشيخ صالح الحنبلي والشيخ محمد النفراوي المالكي وأخوه الشيخ أحمد النفراوي والشيخ خليل اللقاني والشيخ منصور الطوخي والشيخ إبراهيم الشبرخيتي والشيخ إبراهيم المرحومي والشيخ عامر السبكي والشيخ علي الشبراملسي والشيخ شمس الدين محمد الحموي والشيخ أبو بكر الدلجي والشيخ أحمد المرحومي والشيخ أحمد السندوبي والشيخ محمد البقري والشيخ منصور المنوفي والشيخ عبد المعطي المالكي والشيخ محمد الخرشي والشيخ محمد النشرتي والشيخ أبو الحسن البكري خطيب الأزهر وانتشر فضله وعلمه واشتهر صيته وافاد وألف وصنف.

فمن تآليفه غاية المرام فيما يتعلق بانكحة الانام وكتب حاشية عليه مع زيادة احكام وأيضاح ما خفي فيه على بعض الانام وغاية المقصود لمن يتعاطى العقود على مذهب الأئمة الأربعة والختم الكبير على شرح التحرير المسمى فتح الملك الكريم الوهاب بختم شرح تحرير تنقيح اللباب وغاية المراد لمن قصرت همته من العبادة وختم على شرح المنهج سماه فتح الملك الباري بالكلام على آخر شرح المنهج للشيخ زكريا الأنصاري وختم على شرح الخطيب وعلى شرح ابن قاسم وكتابه المشهور المسمى فتح الملك المجيد لنفع العبيد جمع فيه ما جربه وتلقاه من الفوائد الروحانية والطبية وغيرها.

وهو مؤلف لا نظير له في بابه وله رسالة على البسملة وحديث البداءة ورسالة تسمى تحفة المشتاق فيما يتعلق بالسنانية ومساجد بولاق ورسالة تسمى تحفة االصفا فيما يتعلق بابوي المصطفى والقول المختار فيما يتعلق بابوي النبي المختار ومناسك حج على مذهب الإمام الشافعي وتحفة المريد في الرد على كل مخالف عنيد وفتح الملك الجواد بتسهيل قسمة التركات على بعض العباد بالطريق المشهورة بين الفريضيين في المسائل العائلة ورسالة في سؤال الملكين وعذاب القبر ونعيمه والوقوف في المحشر والشفاعة العظمى وأربعون حديثا وتمام الانتفاع لمن أرادها من الانام وحاشية على شرح ابن قاسم الغزي ورسالة تتعلق بالكواكب السبعة والساعات الجيدة وبضرب المنادل العلوية والسفلية واحضار عامر المكان واستنطاقه وعزله ولوح الحياة والممات وغير ذلك. توفي سابع عشرين شعبان سنة ١١٥١.

38 / بهجة الآفاق

وفد إلى مصر في العصر العثماني واحد من أكبر المؤلفين في مجال العلوم الخفية والتنجيم والطلاسم والسحر وأسرار الحروف وهو الشيخ محمد الفلاني السوداني المتوفي في القاهرة عام 1154 هـ / 1741 م وكانت تربطه صلة وثيقة بالشيخ حسن والد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي ، وله في هذا المجال عدة مؤلفات منها  كتاب (بهجة الآفاق وإيضاح اللبس والإغلاق في علم الحروف والأوفاق) وكتاب (الدر المنظوم وخلاصة السر المكتوم في السحر والطلاسم والنجوم) وشرح كتاب (الدر والترياق في علم الافاق).

وقد جاء في مقدمة كتابه بهجة الآفاق وصف مختصر لمحتواه وهو : ” هو مخطوط جامع في علم الاوفاق والحروف الحاوي على الكبريت الاحمر والترياق الاكبر يحتوي على ثلاثة أبواب فصل في العلم المطلق فصل في علم الحروف فصل في بيان المنازل والبروج وكيفية استخراج روحانيتها وروحانية الاوفاق ووضعها وأسرارها وتصاريفها والتوفيق الى السر المكتوم ورؤية العالم العلوي والسفلي ومشاهدة الروحانيات والاطلاع على المغيبات ومعرفة كنوز العلم من ألواح علوم الأولين الذي هو تاج العارفين “.

وفي كتابه الدر المنظوم بدأها بمقدمة كبيرة تتناول الآتي : ” المقدمة وفيها ثلاثة أبواب ، الباب الأول وفيه مبحثان الأول في فضيلة العلم المطلق والثاني في فضائل هذه العلوم السرية بخصوصها ، الباب الثاني في تعريف الطلسم والسحر والتيرنج وما في ذلك من المباحث العجيبة والنكت المستغربة ، الباب الثالث في الشروط المعبرة في حق المشتغل بهذه العلوم  وفيه سبعة مباحث : الأول في الشروط العامة المطلقة والثاني في العامة المقيدة والثالث في الشروط المختصة بالطلسم والرابع في الشروط المختصة بالسحر على أخلاف أنواعه والخامس في الشروط المختصة بالحروف والأوفاق والسادس في الشروط المختصة بالنيرنج والسابع في الشروط الكمالية للعامة والخاصة “.

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار فقال : ” الامام العلامة الوحيد والبحر الخضم الفريد روض العلوم والمعارف وكنز الاسرار واللطائف الشيخ محمد بن محمد الفلاني الكشناوي الدرانكوي السوداني كان اماما دراكا متقنا متفننا وله يد طولى وباع واسع في جميع العلوم ومعرفة تامة بدقائق الاسرار والانوار.

تلقى العلوم والمعارف ببلاده عن الشيخ الامام محمد ابن سليمان بن محمد النوالي البرناوي الباغرماوي والاستاذ الشيخ محمد بندو والشيخ الكامل الشيخ هاشم محمد فودو ومعناه الكبير ، قال وهو أول من حصل لي على يديه الفتح وعليه قرأت اكثر كتب الادب ولازمته حضرا وسفرا نحو اربع سنوات فأخذ عنه الصرف والنحو حتى أتقن ذلك وصار شيخه المذكور يلقبه بسيبويه وكان يلقبه قبل ذلك بصاحب المقامات لحفظه لها واستحضاره لالفاظها استحضارا شديدا بحيث اذا ذكرت كلمة يأتي بما قبلها بالبديهة وعدم الكلفة.

وتلقى عن الشيخ محمد بندوعلم الحرف والاوفاق وعلم الحساب والمواقيت على اسلوب طريقة المغاربة والعلوم السرية بانواعها الحرفية والوفقية وآلاتها الحسابية والميقاتية وحصلت له منه المنفعة التامة قال وقرأت عليه الاصول والمعاني والبيان والمنطق وألفية العراقي وجميع عقائد السنوسي الستة ، وسمع عليه البخاري وثلاثة ارباع مختصر الشيخ خليل من اول البيوع الى آخر باب السلم ومن اول الاجارة الى آخر الكتاب ونحو الثلث من كتاب ملخص المقاصد وهو كتاب لابن زكري معاصر الشيخ السنوسي في الف بيت وخمسمائة بيت في علم الكلام وأكثر تصانيفه الى غير ذلك

قال وسمعت منه كثيرا من الفوائد العجيبة والحكايات الغريبة والاخبار والنوادر ومعرفة الرجال ومراتبهم وطبقاتهم ، ذكر ذلك في برنامج شيوخه المذكورين وكان للمترجم همة عالية ورغبة صادقة في تحصيل العلوم المتوقف عليه تحصيل الكتب وكان يقول عن نفسه ان مما من الله علي به أني لم أقرأ قط من كتاب مستعار وانما ادنى مرتبتي اذا حاولت قراءة كتاب لم يكن موجودا عندي ان اكتب متنه موسع السطور لأقيد فيه ما أردته من شروحه او ما سمعته من تقريرات الشيخ عند قراءته واعلاها ان اكتب شرحه وحاشيته بدليل انه لولا علو همتي وصدق رغبتي في تحصيل العلوم لما فارقت اهلي وانسي وطلقت راحتي وبدلتهما بغربتي ووحشتي وكربتي مع كون حالي مع اهلي في غاية الغبطة والانتظام فبادرت في اقتحام الاخطار لكي ادرك الاوطار.

ولما استأذن شيخه في الرحلة والحج فمر في رحلته بعدة ممالك واجتمع بملوكها وعلمائها فمن اجتمع به في كاغ برن الشيخ محمد كرعك واخذ عنه اشياء كثيرة من علوم الاسرار والرمل واقام هناك خمسة اشهر وعنده قرأ كتاب الوالية للكردي وهو كتاب جليل معتبر في علم الرمل وقرأ عليه هو الرجراجي وبعض كتب من الحساب.

وله رحلة تتضمن ما حصل له في تنقلاته وحج سنة اثنتين واربعين ومائة والف وجاور بمكة وابتدأ هناك بتأليف الدر المنظوم وخلاصة السر المكتوم في علم الطلاسم والنجوم وهو كتاب حافل رتبه على مقدمة وخمسة مقاصد وخاتمه وقسم المقاصد ابوابا واتم تبييضه بمصر المحروسة في شهر رجب سنة ست واربعين ومن تأليفه كتاب بهجة الآفاق وايضاح اللبس والاغلاق في علم الحروف والاوفاق رتبه على مقدمة ومقصد وخاتمة وجعل المقدمة ثلاثة ابواب والمقصد خمسة ابواب وكل باب يشتمل على مقدمة وفصول ومباحث وخاتمة.

وله منظومة في علم المنطق سماها منح القدوس وشرحها شرحا عظيما سماه ازالة العبوس عن ، وجه منح القدوس وهو مجلد حافل نحو ستين كراسا ، وله شرح بديع على كتاب الدر والترياق في علم الافاق ، ومن تآليفه بلوغ الارب من كلام العرب في علم النحو وله غير ذلك.

توفي سنة 1154 بمنزل المرحوم الشيخ الوالد وجعله وصيا على تركته وكتبه وكان يسكن اولا بدرب الاتراك وهو الذي اخذ عنه علم الاوفاق وعلم الكسر والبسط الحرفية والعددية ودفنه الوالد ببستان العلماء بالمجاورين وبنى على قبره تركيبة وكتب عليها اسمه وتاريخه ، ومن كلامه : طلبت المستقر بكل أرض .. فلم أر لي بأرض مستقرا .. تبعت مطامعي فاستعبدتني .. ولو أني قنعت لكنت حرا “.

39 / ديوان الروح والأرواح

في القرن العاشر الهجري تأسست الطريقة الصوفية الخلوتية في مصر على يد الشيخ كريم الدين الخلوتي ثم ازدهرت في القرن الثاني عشر على يد واحد من أهم منظريها وشيوخها وهو أبو المواهب محيي الدين مصطفى بن كمال الدين بن علي بن كمال الدين بن عبد القادر البكري الصديقي الحنفي الذي ولد في دمشق عام 1099 هـ / 1687 م وتوفي بالقاهرة عام 1162 هـ / 1748 م وهو شاعر ورحالة وفقيه ومتصوف ومؤلف وقام بجمع أشعاره في ديوان عرف باسم ديوان الرُوح والأرواح وعنوان الرَوح والإرواح.

وقد قضى المؤلف حياته في الترحال بين الشام والعراق والأناضول ومصر وترك مؤلفات عديدة تزيد على المائة ما بين دواوين شعرية ومقامات أدبية ورسائل وأوراد في التصوف ومذكرات شخصية لرحلاته وبلغت أشعاره قرابة أثني عشر ألف بيت ، وهو من كبار دعاة مذهب وحدة الوجود وله كتاب في ذلك هو (المورد العذب لذوي الورود في كشف معنى وحدة الوجود) ، ويصل إليه سند الطريقة الخلوتية الجامعة لكل من جاء بعده وله وصية مشهورة صارت دستورا لأهل الطريقة.

وقد استهل وصيته تلك بقوله : ” وكان قد اتصل بطريقتنا الطريقة الخلوتية جماعة فلمَا أردنا التوجه قصدنا أن نتحفهم بوصية مختصرة جامعة لأغلب أركان الطريق لتكون منبهة لهم فيما يحتاجونه من التخلق بأخلاق أولئك الفريق ، واللهَ أسأل أن ينفع بها من طالعها وعمل بما فيها من الإخوان وأن يجعلها سبباً لجذبهم إلى نيل مقامات الإحسان إنه سبحانه على كل شيء قدير وبعباده خبير بصير وسميتها : الوصية الجلية للسالكين طريقة الخلوتية “.

وقد ذكره الجبرتي في عجائب الآثار فقال : ” الأستاذ شيخ الطريقة والحقيقة قدوة السالكين ومربي المريدين الإمام المسلك السيد مصطفى بن كمال الدين المذكور في منظومة النسبة لسيدي عبد الغني النابلسي كما ذكره السيد الصديقي في شرحه الكبير على ورده السحري البكري الصديقي الخلوتي.

نشأ ببيت المقدس على أكرم الاخلاق وأكملها رباه شيخه الشيخ عبد اللطيف الحلبي وغذاه بلبان أهل المعرفة والتحقيق ففاق ذلك الفرع الأصل وظهرت به في افق الوجود شمس الفضل فبرع فهما وعلما وابدع نثرا ونظما ورحل إلى جل الأقطار لبلوغ أجل الأوطار كما دأب على ذلك السلف لما فيه من أكتساب المعالي والشرف.

ولما ارتحل إلى اسلامبول لبس فيها ثياب الخمول ومكث فيها سنة لم يؤذن له بارتحال ولم يدر كيف الحال ، فلما كان آخر السنة قام ليلة فصلى على عادته من التهجد ثم جلس لقراءة الورد السحري فأحب أن تكون روحانية النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس ثم روحانية خلفائه الأربعة والأئمة الأربعة والاقطاب الأربعة والملائكة الأربعة.

فبينما هو في اثنائه إذ دخل عليه رجل فشمر عن اذياله كأنه يتخطى أناسا في المجلس حتى انتهى إلى موضع فجلس فيه ثم لما ختم الورد قام ذلك الرجل فسلم عليه ثم قال : ماذا صنعت يا مصطفى فقال له : ما صنعت شيئا ، فقال له : ألم ترني أتخطى الناس قال : بلى إنما وقع لي إني احببت أن تكون روحانية من ذكرناهم حاضرة ، فقال له : لم يتخلف أحد ممن اردت حضوره وما اتيتك إلا بدعوة والآن أذن لك في الرحيل ، وحصل الفتح والمدد والرجل المذكور هو الولي الصوفي السيد محمد التافلاتي ومتى عبر السيد في كتبه بالوالد فهو السيد محمد المذكور وقد منحه علوما جمة.

ورحل أيضا إلى جبل لبنان وإلى البصرة وبغداد وما والاهما وحج مرات وتآليفه تقارب المائتين واحزابه وأوراده أكثر من ستين واجلها ورده السحري إذ هو باب الفتح وله عليه ثلاثة شروح أكبرها في مجلدين ، وقد شاد أركان هذه الطريقة وأقام رسومها وأبدى فرائدها واظهر فوائدها ومنحه الله من خزائن الغيب ما لا يدخل تحت حصر.

قال الشيخ الحنفى : إنه جمع مناقب نفسه في مؤلف نحو أربعين كراسا تسويدا في الكامل ولم يتم ، وقد رأى النبى صلى الله عليه وسلم في النوم وقال له : من أين لك هذا المدد ، فقال منك يا رسول الله ، فأشار أن نعم ، ولقى الخضر عليه السلام ثلاث مرات وعرضت عليه قطبانية المشرق فلم يرضها وكان أكرم من السيل وامضى في السر من السيف وأوتى مفاتيح العلوم كلها حتى أذعن له أولياء عصره ومحققوه في مشارق الأرض ومغاربها وأخذ على رؤساء الجن العهود وعم مدده سائر الورود ومناقبه تجل عن التعداد وفيما اشرنا إليه كفاية لمن أراد.

واخذ عنه طريق السادة الخلوتية الأستاذ الحفني وارتحل لزيارته والأخذ عنه إلى الديار الشامية كما سيأتي ذلك في ترجمته وحج سنة أحدى وستين ثم رجع إلى مصر وسكن بدار عند قبة المشهد الحسيني وتوفي بها في ثاني عشر ربيع الثاني ١١٦٢ ودفن بالمجاورين ومولده في آخر المائة الالف بدمشق الشام “.

وترجم له الحسيني ترجمة مطولة في كتابه سلك الدرر بأعين القرن الثاني عشر وجاء فيها : ” مصطفى البكري  ابن كمال الدين بن علي بن كمال الدين بن عبد القادر محيي الدين الصديقي الحنفي الدمشقي البكري الاستاذ الكبير والعارف الرباني الشهير صاحب الكشف والواحد المعدود بألف كان مغترفاً من بحر الولاية مقدماً إلى غاية الفضل والنهاية مستضأ بنور الشريعة رطب اللسان بالتلاوة صاحب العوارف والمعارف والتآليف والتحريرات والآثار التي اشتهرت شرقاً وغرباً وبعد صيتها في الناس عجماً وعرباً.

أحد أفراد الزمان وصناديد الأجلاء من العلماء الأعلام والأولياء العظام العالم العلامة الأوحد أبو المعارف قطب الدين ولد بدمشق في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وألف وتوفي والده الشيخ كمال الدين وعمره ستة أشهر فنشأ يتيماً موفقاً في حجر ابن عمه المولى أحمد بن كمال الدين بن عبد القادر الصديقي المقدم ذكره وبقي عنده في دارهم الكائنة قرب البيمارستان النوري واشتغل بطلب العلم بدمشق ..

ولازم الأستاذ الشيخ عبدالغني بن إسمعيل النابلسي وقرأ عليه التدبيرات الإلهية والفصوص وعنقاء مغرب ثلاثتها للشيخ الأكبر قدس سره وقرأ عليه مواضع متفرقة من الفتوحات المكية وطرفاً من الفقه ، وأخذ الطريقة الخلوتية عن الشيخ عبد اللطيف بن حسام الدين الحلبي الخلوتي ولقنه الأسماء وعرفه حقيقة الفرق بين الأسم والمسمى وفي سنة تسع عشرة ومائة وألف سكن إيوان المدرسة الباذرائية ونزل في حجرة بها بقصد الانفراد والاشتغال بالأذكار والأوراد وأذن له شيخه المرقوم بالمبايعة والتخليف سنة عشرين أذناً عاماً فبايع في حياته وكانت تلك أزهر أوقاته ..

قدم والي مصر من جهة دمشق لزيارة بيت المقدس وهو الوزير رجب باشا فزار صاحب الترجمة وصار له فيه مزيد الاعتقاد ولما ذهب إلى الديار المصرية اصطحبه معه فدخل مصر وأقام بها مدة وأخذ عنه بها خلق كثيرون أجلهم النجم محمد بن سالم الحفني ثم توجه إلى زيارة القطب العارف سيدي السيد أحمد البدوي قدس الله سره ومن هناك سار إلى دمياط وأقام هناك في جامع البحر وأخذ بها عن علامتها الشمس محمد البديري الشهير بابن الميت وقرأ عليه الكتب الستة والمسلسل بالأولية وبالمصافحة وبلفظ أنا أحبك وأجازه اجازة عامة بسائر مروياته وتأليفاته.

وفي شوال سنة اثنتين وخمسين توجه إلى الديار القدسية ولم يزل بها إلى سنة ستين ومائة وألف فسار إلى مصر متنقلاً في البلاد الكنانية والساحل الشامي فوصل مصر واستأجر له الأستاذ الحفناوي داراً قرب الجامع الأزهر عن أمر منه بذلك وعندما وصل إلى قرية الزوابل تلقاه الأستاذ الحفني المذكور ومعه خلائق كثيرون من علماء مصر ووجوه أهلها وأقام هناك وهو مقبل على الارشاد والناس يهرعون إليه مع الازدحام الكثير حتى إنه قل أن يتخلف عن تقبيل يده جليل أو حقير إلى أن دخل شوال سنة إحدى وستين فعزم على الحج.

وألف مؤلفات نافعة منها الكشف الأنسي والفتح القدسي وشرحه بثلاثة شروح ومنها شرحه على الهمزية وشرحه على ورد الوسائل وشرحه على حزب الامام الشعراني وشرحه على صلاة العارف الشيخ محيي الدين الأكبر والنور الأزهر قدس سره وشرحه على صلاة الأستاذ الشيخ محمد البكري وشرحه على قصيدة المنفرجة لأبي عبد الله النحوي وشرحه على قصيدة الامام أبي حامد الغزالي التي أولها : الشدّة أودت بالمهج .. يا رب فعجل بالفرج ، وشرحه على بيت من تائية ابن الفارض وشرحه على سلاف تريك الشمس الخ للامام الجيلي وله اثنتا عشرة مقامة واثنتا عشرة رحلة وسبعة دواوين شعرية وألفية في التصوف وتسعة أراجيز في علوم الطريقة.

والورد السحري الذي شاع وذاع وعمت بركاته البقاع وصار ورداً لا يضاهي وحقائقه لا تتناهى شهرته تغنى عن الوصف والتحرير ومعانيه ومزاياه لا تحصيها أقلام النحبير شرحه ثلاثة شروح أحدها سماه الضياء الشمسي على الفتح القدسي في مجلدين ضخمين والثاني رفيع المعاني سماه اللمح الندسي على الفتح القدسي والثالث الذي لكشف أسراره باعث المنح الأنسي على الفتح القدسي.

وقد اطلعت بعد ذلك على جملة من أسماء مؤلفاته منها المقامات في الحقيقة الأولى سماها المقامة الرومية والمدامة الرومية والثانية المقامة العراقية والمدامة الأشرافية والثالثة المقامة الشامية والمدامة الشافعية والرابعة الصمصامة الهندية في المقامة الهندية وهي أعنى هذه المقامات في أعلى مقام البلاغة وأتم نظام الفصاحة ولقد مدح بعضها الفاضل الأديب المرعى الشيخ عبد الله بن مرعي فقال : قضت رومية البكريّ أن لا .. تضاهيها مقامات الحريري .. فهذي درّة الغوّاص تدعى .. وأين الدرّ من نسج الحرير.

ولقد أجاد سيدي يوسف الحفني حيث قال : تقول مقامات الحريريّ إن رأت .. مقامة هذا القطب كالكوكب الدري .. تضاءل قدري عندها ولطائفي .. وأين ثرى الأقدام من أنفس الدر .. فهذي لأهل الظرف تبدي ظرائفاً .. وللواصل المشتاق من أعظم السر .. فكيف ومنشيها فريد زمانه .. أجلّ همام قال نوديت في سري.

وله غير ذلك من النظام والنثار وفي شهر ربيع الثاني سنة اثنتين وستين ومائة توعك مزاجه بحمى مطبقة وتمرض إلى ليلة الأثنين ثامن عشر الشهر المرقوم فتوفي بعد العشاء الآخرة بفكر صاح وقلب غير لاه ودفن بعد طول منازعة في تربة المجاورين وقبره مشهور يزار ويتبرك به ورثاه ولده السيد كمال الدين البكري بقوله : هذا مقام القطب مفرد وقته .. أصل الحقيقة فرعها الحد ثاني .. هو مصطفى البكري سبط محمد .. نجل الصديق الخلوتي الرباني .. لا زال يسقى تربه من صيب .. هطل يساق برحمة الرضوان.

وبالجملة فقد كان المترجم رحمه الله من أفراد العالم علماً وعملاً وزهداً وورعاً وولاية قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه وتتابعت له الصلاة الغيبية في البلدان إلى تمام عامه برحمة المنان ورثاه كل شعراء عصره فرحمه الله تعالى ونفعنا به آمين “.

ومن أشعاره قوله : صدّ عني فرد التثني لأني .. في هواه ما زال كلي يصبو .. وتمادى في الهجر يبدي دلالا .. وجواد الوداد لم يك يكبو .. ليت ذا قبل أن يذيق لماه .. في حماه وقبل شوقي يربو .. منّ بالوصل ثم أعرض عني .. سلوة قطعه العوائد صعب.

 وقوله مخمسا : يا فريد الجمال لا تجف صبا .. صب دمع العيون كالسحب صبا .. لم يمل قلبه إلى الغير قلبا .. غائباً في الشهود ما زال حبا .. لمعاني بهاء حسنك يصبو ، لا وحق الجمال يا نور عيني .. ما حلا غيركم لقلبي وعيني .. وجلال جلا غياهب غيني .. ووصال الوصال من عين عيني .. ما جزا من يحب إلا يحب.

وقوله : ما هبّ من نحوكم نسيم صبا .. إلا وقلب الفتى إليه صبا .. ولا سرى حادي لأرضكم .. إلا وأذكى بمهجتي لهبا .. ولا شدا مطرب بقربكم .. إلا براني وجدا بكم إربا .. ولا دنوتم لناظري زمناً .. إلا ونادى المشوق وأطربا .. ولا تذكرت عيشة سلفت .. بالخيف إلا وصحت واحربا .. ولا تحدثت عن وصالكم .. إلا وأجريت أدمعي سحبا.

40 / المدايح الرضوانية

(المدائح الرضوانية) هي مجموعة قصائد اشتهرت في العصر العثماني تبارى فيها الشعراء في مدح الأمير المملوكي رضوان كتخدا الجلفي المتوفي عام 1168 هـ / 1755 م والذي كان محبا للأدب مهتما بالشعر ، وقد قام بشراء بيت الحاج قاسم ابن الخواجا الحاج محمد الدادة الشرايبى الذي بني عام 1145 هـ على الحافة الشرقية لبركة الأزبكية وزاد في عمارته وجعل فيه ديوانا فخما ليكون مجلسا للأدباء والشعراء وزينه بالبلاط الأزرق الثمين فعرف عند الخاصة باسم العتبة الزرقاء وعرف عند العامة باسم بيت الثلاثة ولية (سراية العتبة الخضراء بعد ذلك).

وقد ترجم له الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار وذكر جملة من الشعراء الذين كانوا من رواد مجلس الأمير وندمائه حيث يقول : ” رضوان كتخدا الجلفي وهو مملوك علي كتخدا الجلفي تقلد كتخدائية باب عزبان بعد قتل أستاذه بعناية عثمان بك ذي الفقار كما تقدم ولم يزل يراعي لعثمان بك حقه وجميلة حتى اوقع بينهما إبراهيم كتخدا كما تقدم.

ولما استقرت الأمور له ولقسيمه ترك له الرياسة في الأحكام واعتكف المترجم على لذاته وفسوقه وخلاعاته ونزهاته وانشأ عدة قصور وأماكن بالغ في زخرفتها وتأنيقها وخصوصا داره التي أنشأها على بركة الازبكية وأصلها بيت الدادة الشرايبي وهي التي على بابها العامودان الملتفان المعروفة عند أولاد البلد بثلاثة وليه ، وعقد على مجالسها العالية قبابا عجيبة الصنعة منقوشة بالذهب المحلول واللازورد والزجاج الملون والالوان المفرحة والصنائع الدقيقة ووسع قطعة الخليج بظاهر قنطرة الدكة بحيث جعلها بركة عظيمة وبنى عليها قصرا مطلا عليها وعلى الخليج الناصري من الجهة الأخرى.

وكذلك أنشأ في صدر البركة مجلسا خارجا بعضه على عدة قناطر لطيفة وبعضه داخل الغيط المعروف بغيط المعدية وبوسطه بحيرة تمتلىء بالماء من اعلى ويصب منها إلى حوض من اسفل ويجري إلى البستان لسقي الأشجار وبنى قصرا آخر بداخل البستان مطلا على الخليج وعلى الاعلاق من ظاهره ، فكان يتنقل في تلك القصور وخصوصا في أيام النيل ويتجاهر بالمعاصي والراح والوجوه الملاح وتبرج النساء ومخاليع أولاد البلد وخرجوا عن الحد في تلك الأيام ومنع أصحاب الشرطة من التعرض للناس في أفاعيلهم فكانت مصر في تلك الأيام مراتع غزلان ومواطن حور وولدان كأنما أهلها خلصوا من الحساب ورفع عنهم التكليف والخطاب.

وهو الذي عمر باب القلعة الذي بالرميلة المعروف بباب العزب وعمل حوله هاتين البدنتين العظيمتين والزلاقة على هذه الصورة الموجودة الآن ، وقصدته الشعراء ومدحوه بالقصائد والمقامات والتواشيح واعطاهم الجوائز السنية وداعب بعضهم بعضا فكان يغري هذا بهذا ويضحك منهم ويباسطهم واتخذ له جلساء وندماء منهم الشيخ علي جبريل والسيد سليمان والسيد حمودة السديدي والشيخ معروف والشيخ مصطفى اللقيمي الدمياطي صاحب المدامة الارجوانية في المدائح الرضوانية ومحمد افندي المدني.

وامتدحه العلامة الشيخ يوسف الحفني بقصائد طنانة ، وللشيخ عمار القروي فيه مدحا في المترجم ومداعبة للسيد حمودة السديدي المحلاوي ، وأجابه بأبلغ منها مقامة وقصيدة من رويها أديب العصر الشيخ قاسم بن عطاء الله الأديب المصري والأديب الفاضل الشيخ عبد الله الإدكاوي والعلامة السيد قاسم التونسي ، وألف فيه الشيخ عبد الله المذكور كتابا سماه الفوايح الجنانية في المدايح الرضوانية جمع فيه ما مدح به الأمير رضوان كتخدا من قصايد ولطايف وتواشيح “.

ومن أهم شعراء المدائح الرضوانية رئيس الأطباء بالديار المصرية الشيخ علي بن جبريل والذي ذكره الجبرتي في قوله : ” الشيخ علي بن جبريل المتطبب شيخ دار الشفاء بالمارستان المنصوري رئيس الرؤسا والماهر الذي طود فضله رسا أتقن فن الطب وشارك في غسره من الفنون ، ومن كلامه يمدح مجلس السادات (وكان السيد عبد الرحمن العيدروس حاضرا فيه) : والله لم يحو هذا في الورى أحد .. ممن تقدم في عصر لنا سلفا .. إذا أبصرت مقلتي قطبين قد جمعا .. العيدروس وعبد الخالق بن وفا.

وكان أحد جلساء الأمير رضوان كتخدا الجلفي ونديمه وأنيسه وحكيمه وعندليب دوحته وهزار روضته وكان أحد من منحت له يمين ذلك بالألوف حتى أصبح بنعمته في جنات دانية القطوف  فمن بعض هباته الواصلة إليه وصلاته الحاصلة لديه أن وهب له بيتا على بركة الأزبكية رؤيته تسر النفوس الزكية وصفه عجيب ورونقه بديع غريب زجاجي النواحي والأرجا من حيث التفت رائيه رأى منظرا بهجا ، وقد مدحه أحبابه منهم الشيخ مصطفى أسعد اللقيمي ومنهم الشيخ عبد الله الإدكاوي بما هو مذكور في (الفوايح الجنانية في المدائح الرضوانية).

ومن شعر المترجم في ممدوحه المشار إليه : يا شادنًا دنا ومر وراح يهزو بالقمر .. ومخجلًا بان الربا ووالسمهريَّ إن خطر .. يا بابليَّ اللحظ يا من للعقول قد سحر .. يا من بأشراك الهوى لعاشقين قد أسر .. الليث أنت إن سطا أنت الغزال إن نفر .. يتيه في عشاقه تيه الملوك بالظفر .. عذاره لما بدا سبي لربات الحُجَر .. رأينه أكبرنه وقلن ما هذا بشر .. وخده لما اختشى بأن يصاب بالنظر .. أرخى العذار ساترًا فصار يخطف البصر .. لم يبق من حسن يرى لغيره ولم يذر .. حاز البديع حسنه وجامعًا حسن الصور .. فشعره مطول والخصر منه مختصر .. في .. مصر أضحى مفردًا مثل العزيز المعتبر .. غيث الندى رضوان من زماننا به افتخر .. لو رام جعفرٌ يكون مثله لما قدر .. يعطي النوال باسمًا ولم يشبه بالكدر .. فالله واقيه لما يخشاه من بأس وضر.

وقد شطر هذه القصيدة الشيخ عبد الله الإكاوي بما هو مذكور في ديوانه ، وله أيضًا (تشطير أبيات صفوان بن إدريس) ويخلص منه إلى مخدومه وهى : يا حسنه والحسن بعض صفاته رشأ يدير الراح من لحظاته .. فاللين منحصر بقامة قده والسحر مقصور على حركاته .. بدر لو أن البدر قيل له اقترح شيئًا يحاكي فيه بعض سماته .. أو قيل ماذا أن تكون مؤملًا أملًا لقال أكون من هالاته .. وإذا هلال الشك قابل وجهه بأقل ما يعطاه من درجاته .. ولحظت صفحة خده بلطافة أبصرته كالشكل في مرآته .. والخال نقط في صفيحة خده مسكًا على ورد زها بنباته .. عجز ابن مقلة أن يكون مصورًا ما خط حبر الصدع من نوباته.

وقال يمدحه بهذه الأبيات الثلاثة التي معاني سحرها في ذوي العقول نفاثة وهي : وأبيك ما رضوان إلا آية شهدت بذاك شهامة الأفعال .. يهب المواهب جمة بسماحة مترفعًا عن منة وملال .. حتى يصير المعدَمون برفده مترفعين على ذوي الأموال ، وقد شطرها جملة من أدباء العصر كما هو مذكور في تراجمهم ، وقال مهنئًا بشفائه ومؤرخًا : وجه الزمان بك ابتهج وبدا بجبهته البلج .. يا واحد العصر الذي فيه لقد جاء الفرج .. وبه الهنا أرخ لنا صحت بصحته المهج.

وله في هذا المعنى مؤرخًا : هل السرور فثغر الدهر مبتسمُ وزال عن وجهه الإغضاء والغمم .. وأقبل البشر يثني عطفه مرحًا وجيش عزك في مضناك يزدحم .. وصامت الناس حتى كل ناظرهم ومذ ظهرت هلالًا عمهم نعم .. أحييت بالبرء روح المكرمات كما أمت بالجود فقرًا وجهه كظم .. فاهنأ ببرء لقد عاد السرور به واستبشرت أمم من بعدها أمم .. مذ صح جسمك فالتاريخ ينشدنا قد عوفي المجدُ والإسداء والكرمُ ، ولما تغيرت دولة مخدومه وتغير وجه الزمان عاد روض أنسه ذابل الأفنان ذا أحزان وأشجان لم يطب له المكان ودخل اسم عزه في خبر كان وتوفي في نحو هذا التاريخ “.

ومن شعراء الرضوانية ذكر الجبرتي أيضا كلا من السيد حمودة السديدي فقال : ” النبيه النبيل والفقيه الجليل والسيد الأصيل السيد محمد المدعو حمودة السديدي أحد ندماء الأمير رضوان كتخدا ولد بالمحلة الكبرى وبها نشأ وحفظ القرآن واشتغل بطلب العلم فحصل مأموله في الفقه والمعقول والمعاني والبيان والعروض وعانى نظم الشعر وكان جيد القريحة حسن السليقة في النظم والنثر والانشاء وحضر إلى مصر وأخذ عن علمائها واجتمع بالأمير رضوان كتخدا عزبان الجلفي المشار إليه وصار من خاصة ندمائه وامتدحه بقصائد كثيرة طنانة وموشحات ومزدوجة بديعة والمقامة التي داعب بها الشيخ عمار القروي وأرادفها بقصيدة رائية بليغة في هجو المذور سامحهما الله ، وكل ذلك مذكور في الفوائح الجنائية لجامعه الشيخ عبد الله الادكاوي. حج رحمه الله ومات وهو آيب باجرود سنة ١١٦٣.