الدعوة الإسلامية

71 / المنار

أكبر وأشهر مجلة إسلامية في القرن العشرين هي مجلة المنار التي أصدرها العلامة الشيخ محمد رشيد رضا أحد أعلام الدعوة الإسلامية في مصر والشام (1865 ـ 1935 م) وقد نشر فيه تفسيره المجدد للقرآن الكريم والذي عرف بنفس الاسم (تفسير المنار) ، وهو صاحب دور كبير في الإصلاح السياسي والاجتماعي وكان صحفيا وكاتبا وأديبا ولغويا وتتلمذ على يد الإمام محمد عبده وتأثر بمنهجه الإصلاحي وجعل مجلته على نمط مجلة (العروة الوثقى) وله عدة مؤلفات في علوم الإسلام وتجديد الفكر الإسلامي.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بَهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني البغدادي الأصل الحسيني النسب صاحب مجلة (المنار) وأحد رجال الإصلاح الإسلامي ، من الكتّاب العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير ولد ونشأ في القلمون (من أعمال طرابلس الشام) وتعلم فيها وفي طرابلس وتنسك ونظم الشعر في صباه وكتب في بعض الصحف ثم رحل إلى مصر سنة ١٣١٥ هـ فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له ، وكان قد اتصل به قبل ذلك في بيروت ثم أصدر مجلة (المنار) لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي.

وأصبح مرجع الفتيا في التأليف بين الشريعة والأوضاع العصرية الجديدة ولما أعلن الدستور العثماني سنة ١٣٢٦ هـ زار بلاد الشام واعترضه في دمشق وهو يخطب على منبر الجامع الأموي أحد أعداء الإصلاح فكانت فتنة عاد على أثرها إلى مصر ، وأنشأ مدرسة (الدعوة والإرشاد) ثم قصد سورية في أيام الملك فيصل بن الحسين وانتخب رئيسا للمؤتمر السوري فيها وغادرها على أثر دخول الفرنسيين إليها (سنة ١٩٢٠ م) فأقام في وطنه الثاني (مصر) مدة ثم رحل إلى الهند والحجاز وأوربا وعاد فاستقر بمصر إلى أن توفي فجأة في (سيارة) كان راجعا بها من السويس إلى القاهرة ودفن بالقاهرة.

أشهر آثاره : مجلة (المنار) أصدر منها ٣٤ مجلدا ، وتفسير القرآن الكريم (اثنا عشر مجلدا منه ولم يكمله) ، وتاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (ثلاثة مجلدات) ونداء للجنس اللطيف ، والوحي المحمدي ، ويسر الإسلام وأصول التشريع العام ، والخلافة ، والوهابيون والحجاز ، ومحاورات المصلح والمقلد ، وذكرى المولد النبوي ، وشبهات النصارى وحجج الإسلام ، وللأمير شكيب أرسلان كتاب في سيرته سماه : السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة “.

وقد عبر عن منهجه الإصلاحي ورؤيته في تجديد الفكر الإسلامي من خلال مقدمة كتابه تفسير المنار حيث استهله بقوله : ” أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ هُدًى وَنُورًا لِيُعَلِّمَكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيَكُمْ وَيُعِدَّكُمْ لِمَا يَعِدُكُمْ بِهِ مِنْ سَعَادَتَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَمْ يُنْزِلْهُ قَانُونًا دُنْيَوِيًّا جَافًّا كَقَوَانِينِ الْحُكَّامِ وَلَا كِتَابًا طِبِّيًّا لِمُدَاوَاةِ الْأَجْسَامِ وَلَا تَارِيخًا بَشَرِيًّا لِبَيَانِ الْأَحْدَاثِ وَالْوَقَائِعِ وَلَا سِفْرًا فَنِّيًّا لِوُجُوهِ الْكَسْبِ وَالْمَنَافِعِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلَهُ تَعَالَى بِاسْتِطَاعَتِكُمْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَحْيٍ مِنْ رَبِّكُمْ.

وَهَذَا بَعْضٌ مِمَّا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهِ كِتَابَهُ فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ تَدَبَّرَهَا سَلَفُكُمُ الصَّالِحُ وَاهْتَدَوْا بِهَا فَأَنْجَزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا قَبْلَ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (٢٤: ٥٥) وَفِي قَوْلِهِ : (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (٣٠: ٤٧) ، وَقَوْلِهِ : (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (٤: ١٤١) ، وَقَوْلِهِ : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (٦٣: ٨) ، وَقَوْلِهِ : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٣: ١٣٩) .

وَعَدَهُمُ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْوُعُودَ فِي حَالِ قِلَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ وَفَقْرِهِمْ وَبُعْدِهِمْ عَنِ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ وَأَنْجَزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ بِمَا قَضَاهُ وَجَعَلَهُ أَثَرًا لِلِاهْتِدَاءِ بِالْقُرْآنِ ، هَدَى اللهُ تَعَالَى بِهَذَا الْقُرْآنِ الْعَرَبَ وَهَدَى بِدَعْوَتِهِمْ إِلَيْهِ أَعْظَمَ شُعُوبِ الْعَجَمِ فَكَانُوا بِهِ أَئِمَّةَ الْأُمَمِ فَبِالِاهْتِدَاءِ بِهِ قَهَرُوا أَعْظَمَ دُوَلِ الْأَرْضِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمْ دَوْلَةَ الرُّومِ (الرُّومَانِ) وَدَوْلَةَ الْفُرْسِ ، فَهَذِهِ مَحَوْهَا مِنْ لَوْحِ الْوُجُودِ بِهَدْمِ سُلْطَانِهَا وَإِسْلَامِ شَعْبِهَا وَتِلْكَ سَلَبُوهَا مَا كَانَ خَاضِعًا لِسُلْطَانِهَا مِنْ مَمَالِكِ الشَّرْقِ وَشُعُوبِهِ الْكَثِيرَةِ ثُمَّ فَتَحُوا الْكَثِيرَ مِنْ مَمَالِكِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ حَتَّى اسْتَوْلَوْا عَلَى بَعْضِ بِلَادِ أُورُبَّةَ وَأَلَّفُوا فِيهَا دَوْلَةً عَرَبِيَّةً كَانَتْ زِينَةَ الْأَرْضِ فِي الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْحَضَارَةِ وَالْعُمْرَانِ.

حَارَبُوا شُعُوبًا كَثِيرَةً كَانَتْ أَقْوَى مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقِتَالُ مِنْ عَدَدٍ وَعُدَدٍ وَسِلَاحٍ وَكُرَاعٍ وَحُصُونٍ وَقِلَاعٍ وَقَاتَلُوهَا فِي عُقْرِ دَارِهَا وَمُسْتَقِرِّ قُوَّتِهَا وَهُمْ بُعَدَاءُ عَنْ بِلَادِهِمْ نَاءُونَ عَنْ مَقَرِّ خِلَافَتِهِمْ وَإِنَّمَا كَانُوا يَفْضُلُونَ أَعْدَاءَهُمْ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ صَلَاحُ أَرْوَاحِهِمُ الَّذِي تَبِعَهُ صَلَاحُ أَعْمَالِهِمْ وَالرَّوْحُ الْبَشَرِيُّ أَعْظَمُ قُوَى هَذِهِ الْأَرْضِ ، سَخَّرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ سَائِرَ قُوَاهَا وَمَادَّتِهَا كَمَا قَالَ : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (٢: ٢٩) (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٤٥: ١٣) .

انَ أَرْقَى حُكَّامِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ عِلْمًا وَفَنًّا وَأَدَبًا وَسِيَاسَةً يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ وَيَعْبَثُ بِالْمَالِ وَالْعِرْضِ أَوْ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى : (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (٢: ٢٠٥) وَكَانَ الْمُسْلِمُ الْعَرَبِيُّ يَتَوَلَّى حُكْمَ بَلَدٍ أَوْ وِلَايَةٍ وَهُوَ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ بِشَيْءٍ مِنْ فُنُونِ الدَّوْلَةِ وَلَا مِنْ قَوَانِينِ الْحُكُومَةِ وَلَمْ يُمَارِسْ أَسَالِيبَ السِّيَاسَةِ وَلَا طُرُقَ الْإِدَارَةِ وَإِنَّمَا كُلُّ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ بَعْضُ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَيُصْلِحُ مِنْ تِلْكَ الْوِلَايَةِ فَسَادَهَا وَيَحْفَظُ أَنْفُسَهَا وَأَمْوَالَهَا وَأَعْرَاضَهَا وَلَا يَسْتَأْثِرُ بِشَيْءٍ مِنْ حُقُوقِهَا هَذَا وَهُوَ فِي حَالِ حَرْبٍ وَسِيَاسَةِ فَتْحٍ مُضْطَرٌّ لِمُرَاعَاةِ تَأْمِينِ الْمُوَاصَلَاتِ مَعَ جُيُوشِ أُمَّتِهِ وَحُكُومَتِهَا وَسَدِّ الذَّرَائِعِ لِانْتِقَاضِ أَهْلِهَا.

وَإِذَا صَلُحَتِ النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ أَصْلَحَتْ كُلَّ شَيْءٍ تَأْخُذُ بِهِ وَتَتَوَلَّى أَمْرَهُ فَالْإِنْسَانُ سَيِّدُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَصَلَاحُهَا وَفَسَادُهَا مَنُوطٌ بِصَلَاحِهِ وَفَسَادِهِ وَلَيْسَتِ الثَّرْوَةُ وَلَا وَسَائِلُهَا مِنْ صِنَاعَةٍ وَزِرَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ هِيَ الْمِعْيَارَ لِصَلَاحِ الْبَشَرِ وَلَا الْمُلْكُ وَوَسَائِلُهُ، مِنَ الْقُوَّةِ وَالسِّيَاسَةِ ، فَإِنَّ الْبَشَرَ قَدْ أَوْجَدُوا كُلَّ وَسَائِلِ الْمُلْكِ وَالْحَضَارَةِ مِنْ عُلُومٍ وَفُنُونٍ وَأَعْمَالٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فَهِيَ إِذًا نَابِعَةٌ مِنْ مَعِينِ الِاسْتِعْدَادِ الْإِنْسَانِيِّ، تَابِعَةٌ لَهُ دُونَ الْعَكْسِ وَدَلِيلُ ذَلِكَ فِي الْعَكْسِ كَدَلِيلِهِ فِي الطَّرْدِ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ وَكَثِيرًا مِنَ الشُّعُوبِ الَّتِي وَرِثَتِ الْمُلْكَ وَالْحَضَارَةَ عَنْ سَلَفٍ أَوْجَدَهُمَا مِنَ الْعَدَمِ مِمَّنْ أَضَاعُوهُمَا بَعْدَ وُجُودِهِمَا بِفَسَادِ أَنْفُسِهِمْ.

صَلُحَتْ أَنْفُسُ الْعَرَبِ بِالْقُرْآنِ إِذْ كَانُوا يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمُ الْمَفْرُوضَةِ وَفِي تَهَجُّدِهِمْ وَسَائِرِ أَوْقَاتِهِمْ فَرَفَعَ أَنْفُسَهُمْ وَطَهَّرَهَا مِنْ خُرَافَاتِ الْوَثَنِيَّةِ الْمُذِلَّةِ لِلنُّفُوسِ الْمُسْتَعْبِدَةِ لَهَا وَهَذَّبَ أَخْلَاقَهَا وَأَعْلَى هِمَمِهَا وَأَرْشَدَهَا إِلَى تَسْخِيرِ هَذَا الْكَوْنِ الْأَرْضِيِّ كُلِّهِ لَهَا ، فَطَلَبَتْ ذَلِكَ فَأَرْشَدَهَا طَلَبُهُ إِلَى الْعِلْمِ بِسُنُّتِهِ تَعَالَى فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالْعِزِّ وَالذُّلِّ فَهَدَاهَا ذَلِكَ إِلَى الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالصِّنَاعَاتِ فَأَحْيَتْ مَوَاتَهَا وَأَبْدَعَتْ فِيهَا مَا لَمْ يَسْبِقْهَا إِلَيْهِ غَيْرُهَا حَتَّى قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ تَطَوُّرِ الْأُمَمِ مِنْ حُكَمَاءِ الْغَرْبِ : (إِنَّ مَلَكَةَ الْفُنُونِ لَا تَسْتَحْكِمُ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ : جِيلِ التَّقْلِيدِ وَجِيلِ الْخَضْرَمَةِ وَجِيلِ الِاسْتِقْلَالِ وَشَذَّ الْعَرَبُ وَحْدَهُمْ فَاسْتَحْكَمَتْ فِيهِمْ مَلَكَةُ الْفُنُونِ فِي جِيلٍ وَاحِدٍ).

قَدْ شَاهَدْنَا وَلَا نَزَالُ نُشَاهِدُ فِي بِلَادِنَا أَنَّ طَلَبَ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ مَعَ إِهْمَالِ التَّرْبِيَةِ الْمُصْلِحَةِ لِلنَّفْسِ لَمْ تَحُلْ دُونَ اسْتِعْبَادِ الْأَجَانِبِ لَنَا كَمَا جَرَى فِي دَوْلَتَيِ الْأَسِتَانَةِ وَالْقَاهِرَةِ وَغَيْرِهِمَا ، تَرَى الرَّجُلَ الْمُتَعَلِّمَ الْمُتَفَنِّنَ يَتَوَلَّى وِلَايَةً أَوْ وِزَارَةً فَيَكُونُ أَوَّلَ هَمِّهِ مِنْهَا تَأْسِيسُ ثَرْوَةٍ وَاسِعَةٍ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ لِأَجْلِ التَّمَتُّعِ بِالشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَالزِّينَةِ وَهَكَذَا تَفْعَلُ كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْ رِجَالِ الدَّوْلَةِ يَسْتَنْزِفُونَ ثَرْوَةَ الْأُمَّةِ بِالرُّشَى وَالْحِيَلِ وَأَكْلِ السُّحْتِ وَيَكُونُ كُلُّ مَا فَضَلَ عَنْ شَهَوَاتِهِمْ بَلْ جُلُّ مَا يُنْفِقُونَهُ عَلَيْهَا نَصِيبَ الْأَجَانِبِ وَقَدْ شَرَحْنَا هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ مِنْ قَبْلُ فِي مَوَاضِعِهَا مِنَ الْمَنَارِ وَالتَّفْسِيرِ فَلَا نُطِيلُ فِيهَا هُنَا وَإِنَّمَا طَرَقْنَا هَذَا الْبَابَ لِنُذَكِّرَكُمْ “.

وترجم له محمد الطاهر ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية فقال : ” السيد محمد رشيد رضا .. هو السيد محمد رشيد رضا ١٢٨٢ / ١٨٦٥ ـ ١٣٥٤ / ١٩٣٥ فهو شامي النسبة من قرية القَلْمون من أعمال طرابلس الشام ، زاول المرحلة الأولى من تعلّمه بالكتاب ودخل بعد ذلك إلى المدرسة الرشدية التي كانت تدرّس بالتركيّة ثم انتقل إلى المدرسة الوطنية الإسلامية حيث درس العلوم الشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية وتخرّج بها على الشيخين حسين الجسر ومحمود نشابة.

وفي هذه المرحلة وقف على أعداد من مجلة العروة الوثقى التي كان لها كبير التأثير في توجُّهه الإصلاحي واتصل بعد ذلك بأستاذه وصاحبه الشيخ محمد عبده لقيه بمصر ولازمه طويلاً وانتسب إلى مدرسته الإصلاحية ، وبعد غياب العروة الوثقى التي لم يصدر منها أكثر من ثمانية عشر عدداً واختفاء مجلة الأستاذ التي كان يصدرها عبد الله نديم المصري بادر محمد رشيد رضا إلى إنشاء المنار ١٣١٦ / ١٨٩٨ لإحياء تعاليم العروة الوثقى والتعريف بقواعد الوحدة الإسلامية مع البحث في البدع وتفصيل القول في التعاليم الفاسدة والعقائد الزائفة والدعوة إلى التربية المفيدة وبثّ المضمون السياسي للجامعة الإسلامية عن طريق الإصلاحين الديني والتربوي.

وقد أكّد على صفحات المنار أن هذا الإصلاح لا يحصل بعمارة المساجد والتكايا ولا بالإنعام على بعض الشيوخ أو أهل الحجاز بالرتب والرواتب والوسامات بل لا بد في ذلك من أعمال تناط بالحكام وأعمال تطلب من العلماء وأصحابِ الوظائف الدينية ، وأهم أركان الإصلاح الإسلامي جمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة وأصول أدبية واحدة وقانون شرعي واحد.

ولقد كان لمجلة المنار دور أي دور إصلاحي في العالم الإسلامي والبلاد العربية ، كانت المَعلَمَة الإسلامية الكبرى التي لا يستغني مسلم في هذا العصر عن اقتنائها وكانت لصاحبها مجدِّد السلفية آثار جيدة تخدم منهجه وتنشر آراءه نعدُّ منها تفسير المنار وتاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده ونداء إلى الجنس اللطيف وهو بيان حقوق النساء في الإسلام والوحي المحمدي والوحدة الإسلامية ومقالات كثيرة أخرى.

ولا نجد من يقدم هذا الإمام من معاصريه وينوّه به مثل شكيب أرسلان فهو يقول عنه : لا يسدّ مسدّه أحد في الإحاطة والرجاحة وشحذ الفكر وسعة الرواية معاً والجمع بين المعقول والمنقول والفتيا الصحيحة الطالعة كفلق الصبح في النوازل العصرية .. كما أنه لا يدانيه مُدانٍ مع الرسوخ العظيم في الفقه والطبع الريان في العربية والقلم السيّال بالفوائد في مثل نسق الفرائد والخبرة بطبائع العمران وأحوال المجتمع الإنساني ومناهج المدنية وأساليبها وأنواع الثقافات وضروبها .. ولقد عدّ من كبار الأئمة.

أسّس بمصر مدرسة الدعوة والإرشاد وتولّى بسورية رئاسة المؤتمر الإسلامي وله من المواقف الشريفة في النضال الديني عن الإسلام والدفاع عن عقيدته الصافية ، ومن الكتب الجدلية في الرد على أعدائه ما لا يقدر أحد في عصرنا هذا أن يدرك فيه شأوه أو يبلغ فيه مُدّه ولا نصيفه.

نازع الأهرام والمقطم ادعاءهما أن الدعوة إلى الجامعة الإسلامية باسم الدين مضرّة وغير موصلة إلى غاية وأنه لا سبيل إلى ترقّي الأمة الإسلامية إلا باتباع أوروبة كما فعلت اليابان فكتب عن الإسلام والجنسية ودعا إلى تأسيس منظمة تناط بها ثلاثة أعمال رئيسية : أولها تلافي البدع ومقاومتها ثانيها إصلاح الخطابة ، ثالثها الدعوة إلى الدين.

ومن أهم النتائج التي كان يحرص على تحقيقها توحيد البلاد الإسلامية وجمع كلمتها وسبيل ذلك في رأيه تعليم التربية العملية والتعليم الديني والدنيوي الصحيح بفضل رجال عارفين بحاجة الأمة قادرين على التعليم فإن هذا العمل هو الذي تقوم عليه النهضة ويتوقّف عليه الاتحاد الإسلامي.

وهذا الإصلاح الذي نادى به وكاد يحصل الاتفاق عليه من طرف الدعاة مشروط لديه بجملة شروط بعضها يتعلق بطبيعة الحكم في البلاد الإسلامية وبعضها الآخر يرتبط باستعداد الأمة وقابليتها للإصلاح والشرط الثالث يبرز في منهج وطريق المصلحين والدعاة ، ولقد فصّل القول في هذه الأغراض مبيِّناً ومعلِّلاً ناقداً وموجهاً مثلما يظهر ذلك في الإصلاح والإسعاد على قدر الاستعداد وفي منافع الأوروبيين ومضارهم في الشرق وفي مقاله : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} ومحاورة في دعوى ضرر الدين والجامعة الإسلامية.

وطبعي أن يكون من نتائج هذه المواقف معارضته للقضية التغريبية وحملتها ودعوته إلى التكافل العام بين المسلمين الذي لا يتم عنده إلا بمعرفة مجموع الأمة بحقوقها ومصالحها المشتركة معرفة صحيحة تحملهم على الاتفاق على حفظها وصيانتها بحيث إذا عبث بها عابث أو نال منها ظالم ينفعل ذلك المجموع ويهبُّ للذود عنها وحفظ كيانها.

عرف ذلك منه القاصي والداني واشتهر منهجه الدعوي الإصلاحي في أطراف البلاد المشرقية والمغربية وقامت على أساسه مدرسة قوامها التعريف بالإسلام وعلومه والذود عن قيمه وأصوله وتنقيته من كل الشوائب والتخطيط للنهضة الإسلامية بإقامة جامعتها وبناء اتحادها الإسلامي على الأصول الشرعية والمبادىء الإسلامية والمقومات الذاتية المميزة للملة فكان ذلك بين الأمس واليوم منطلق أمجادها وسرّ تجددها وخلودها “.

وقد جاء تفصيلات عن المجلة وتاريخها في مقدمة مجلدات الأعداد المطبوعة منها وفيها : ” التعريف بالمجلة (المصدر قرص مجلة المنار) .. مجلة المنار ودورها الإصلاحي / صدر أول عدد : ٢٢ من شوال ١٣١٥هـ : كانت مجلة المنار في عصرها أكبر مجلة إسلامية في العالم الإسلامي وأعظمها صيتًا وأكثرها تأثيرًا ولا تزال حتى اليوم تحتل مكانة مرموقة في الصحافة الإسلامية على الرغم من انقطاع صدورها منذ نحو سبعين عامًا وصدور عشرات المجلات الإسلامية في مختلف الدول والبلدان.

أحدث صدور المنار دويًا هائلاً ونشاطًا واسعًا وتغيرًا في الرأي والتفكير ولم يكن وراء هذه المجلة العظيمة مؤسسة تنفق عليها وتشرف على طبعها وتحريرها بل كان يقف وراءها رجل عصامي وإمام فقيه ومجاهد عظيم هو محمد رشيد رضا.

صاحب المجلة وفكرة إصدارها : وصاحب هذا العمل الكبير هو الشيخ محمد رشيد رضا أحد رواد الإصلاح في العالم الإسلامي ولد في إحدى قرى لبنان وتلقى تعليمه هناك واشتغل بالدعوة والإصلاح في بلدته ومال في بادئ حياته إلى الزهد والمجاهدة والوعظ والإرشاد ثم شاء له القدر أن يقع في يديه بعض أعداد من مجلة (العروة الوثقى) التي كان يصدرها من باريس الإمامان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده فقرأ مقالاتها وتأثر بها غاية التأثر وتغير كثير من أفكاره.

وهو ما عبر عنه بقوله : ولقد أحدث لي هذا الفهم الجديد في الإسلام رأيًا فوق الذي كنت أراه في إرشاد المسلمين فقد كان همي قبل ذلك محصورًا في تصحيح عقائد المسلمين ونهيهم عن المحرمات وحثهم على الطاعات وتزهيدهم في الدنيا فتعلقت نفسي بعد ذلك بوجوب إرشاد المسلمين عامة إلى المدنية والمحافظة على ملكهم ومباراة الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات فطفقت استعد لذلك استعدادًا.

ثم سنحت له الفرصة أن يلتقي بالإمام محمد عبده مرتين حين زار طرابلس وازداد إعجابه به بعد المقابلتين واشتد تعلقه به وقوي إيمانه بأنه خير من يخلف جمال الدين الأفغاني في ميدان الإصلاح وإيقاظ الشرق من سباته ، ولم يجد رشيد رضا ميدانًا أفسح له للعمل والإصلاح من مصر فهاجر إليها وقابل شيخه محمد عبده في القاهرة في (شعبان ١٣١٥ هـ = فبراير ١٨٩٨ م) ، ولم يكد يمضي شهر على نزوله القاهرة حتى فاتح أستاذه بأنه ينوي أن يصدر صحيفة يكون هدفها التربية والتعليم ونشر الأفكار الصحيحة ومقاومة الجهل والتخلف والبدع والخرافات.

صدور المنار : وبعد مناقشة حامية بين الرجلين المصلحين أيد محمد عبده تلميذه فيما يطمح إليه وعرض رشيد رضا عدة أسماء للجريدة من بينها المنار ليختار منها محمد عبده ما يراه مناسبًا فاختار (المنار) ، وكان هذا هو الاسم الذي ارتاحت له نفس رشيد رضا كذلك وصدر العدد الأول من مجلة المنار في (٢٢ من شوال ١٣١٥ هـ = ١٥ من مارس ١٨٩٨ م) وكانت أسبوعية يتألف كل عدد منها من ثماني صفحات كبيرة على صورة الجريدة اليومية.

وحددت افتتاحية العدد الأول أهداف المجلة التي تتركز في الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام وتفنيد ما يعزى إليه من خرافات وتربية البنين والبنات وإصلاح كتب التعليم وطريقة التأليف ودفع الأمة على مجاراة الأمم المتقدمة في مختلف المجالات ، وحرص رشيد رضا على أن يعرض على أستاذه الإمام محمد عبده كل ما يكتبه من مقالات ليسمع منه توجيهاته وإرشاداته.

وبعد عام من الصدور صارت المجلة تصدر على شكل مجلة أسبوعيًا ثم أصبحت في العام التالي تصدر مرتين في الشهر وبعد سنوات صارت تصدر كل شهر عربي مرة ، وكان الشيخ رشيد يكتب على الصفحة الأولى (المنار مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران) ، وكانت المنار تطبع في أول عهدها في مطبعة المؤيد التي كان يملكها الشيخ علي يوسف ثم اشترى رشيد رضا مطبعة خاصة للمنار يطبع فيها المجلة وغيرها من كتبه ومطبوعاته.

موضوعاتها : كانت المجلة تستهل عددها بتفسير القرآن الكريم وهو إما بقلم الشيخ محمد عبده أو سائر على طريقته ثم تأتي (فتاوى المنار) حيث تنشر فيها الإجابات على الأسئلة التي تتناول أمورًا فقهية أو اعتقادية تلقاها الشيخ رشيد من قرائه ثم تأتي بعد ذلك بعض المقالات الدينية أو الاجتماعية أو التاريخية أو بعض الخطب المهمة للشيخ رشيد أو لغيره من كبار الخطباء ، ومن الأبواب الثابتة التي كانت تلتزم بها المجلة (باب المراسلة والمناظرة) وباب بعنوان (آثار علمية وأدبية) وباب للأخبار والآراء وآخر بعنوان (تراجم الأعيان) .

وكان رشيد رضا يكتب أغلب ما ينشر في المنار على مدى عمرها المديد وهو لا يوقّع مقالاته وبحوثه في المنار باستثناء الافتتاحية ويقرر أن كل ما يكتب في المنار دون إمضاء فهو له وكان وراء ذلك همة عالية وزاد واسع من العلم ، فرشيد رضا عالم موسوعي ملم بالتراث الإسلامي متمكن من علوم القرآن على دراية عميقة بالفقه والحديث مدرك لأحوال مجتمعه وعلله وأمراضه شديد الإحاطة بما يدور في عصره الذي يعيش فيه خبير بأحوال المسلمين في أقطارهم المختلفة.

ولم تقتصر المجلة على البحوث الدينية بل نشرت كثيرًا من المقالات عن السنن الكونية والطب والصحة وأفردت مساحات للأدب والشعر والقصة الطريفة والبحث اللغوي الشائق وكانت تنقل عن المجلات الأخرى عيون مقالاتها أو بحوثها الجيدة مثل مجلة المقتطف وصحيفة المؤيد والتزمت أمانة النقل فكانت تذكر المصدر الذي أخذت عنه.

وشارك الشيخ رشيد في الكتابة في المنار أعلام الأمة من الأدباء والشعراء والعلماء أمثال أحمد الإسكندري وحفني ناصف ومصطفى صادق الرافعي ومصطفى لطفي المنفلوطي وحافظ إبراهيم وعبد المحسن الكاظمي ومحمد روحي الخالدي وعبد القادر المغربي وشكيب أرسلان ومحمد الخضر حسين ورفيق العظم وملك حفني ناصف وهؤلاء جميعًا كانوا يتولون قيادة الفكر وتوجيه الناس في معظم أنحاء العالم العربي.

قضاياها : عنيت المجلة فيما عنيت بإصلاح العقيدة ومحاربة البدع والخرافات الشائعة في المجتمع ونشر الفكر الصحيح ونقد ما يحدث من انحرافات في الموالد الصوفية من منكرات وما يقوم به بعض الناس من التبرك بالأولياء الأموات ، وكانت المجلة شديد اللهجة قوية الخطاب في معالجة هذا الوضع واهتمت المنار بالتربية والتعليم باعتبارهما جوهر دعوة محمد عبده للإصلاح ولا يكاد يخلو عدد من المنار من مقال في هذا الموضوع ، ووقفت إلى جانب حركة تحرير المرأة في نطاق الشريعة الإسلامية وحاربت الدعوة إلى العامية واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية وهاجمت العادات السيئة التي تسربت إلينا من الغرب نتيجة الاتصال بهم في الوقت الذي نادت فيه بضرورة مسايرة أوروبا في مجال العلوم الحديثة ومباراتهم في الصناعات والاختراعات.

انتشارها : صدرت المنار والناس في شوق إلى معرفة دينهم وتطلع إلى التقدم والإصلاح فلقيت ترحيبًا حذرًا في أول صدورها وتوجست منها الدولة العثمانية لجرأتها في العرض وتناولها موضوعات جديدة فمنعت دخولها في بعض بلدانها ، غير أنها أخذت طريقها تدريجيًا إلى الناس وزاد إقبالهم عليها وكثر المشتركون فيها وانتشرت في أنحاء العالم الإسلامي وأصبحت طريقتها في الكتابة والتحرير نموذجًا تحتذيه كثير من الصحف الإسلامية ، ولم يكد العام الثاني عشر من عمرها يمر عليها إلا وتدعمت مكانتها وتبوأت ما تستحق من مكانة وتقدير وتنافس الناس في اقتناء أعدادها القديمة والجديدة وبيعت الأعداد الأولى بأضعاف ثمنها.

وامتد تأثير المجلة إلى كثير من الأقطار الإسلامية وصار لها مؤيدون ومحبون كونوا مدارس فكرية في هذه الأقطار وقد أشار إلى ذلك كتاب (وجهة الإسلام) الذي قام بتأليفه جماعة من المستشرقين على رأسهم هاملتون جب فقال : (ولم يشرق منار الإسلام على المصريين وحدهم ولكنه أشرق على العرب في بلادهم وخارجها وعلى المسلمين في أرخبيل الملايو الذين درسوا في الجامعة الأزهرية وعلى الإندونيسي المنعزل الذي ظل محافظًا على علاقاته بقلب العالم الإسلامي بعد عودته لبلاده النائية .. وقد أصبح الذين اقتبسوا من نور المنار منارات صغرى في إندونيسيا بعد أن عادوا إليها).

ولم يكن استمرار مجلة المنار في الصدور أمرًا هينًا وسهلاً بل صادفت صعوبات كثيرة وأزمات مادية ومنافسة من مجلات أخرى وهجومًا من أعداء لها ضاقوا بفكرتها الإصلاحية ودعوتها التحريرية الواعية ، ولم يكن الشيخ يملك جاهًا أو سلطانًا بل كان يملك عقلاً واعيًا وقلبًا صادقًا ورغبة ملحة في الإصلاح وهمة عالية في الصبر والثبات ومواجهة الأزمات ساعده ذلك على الاستمرار في صدور مجلته وإن تعثرت أحيانًا عن الصدور شهرًا أو شهرين لكنها لم تتوقف تمامًا حتى وفاته في (٢٧ من جمادى الأولى ١٣٥٤ هـ = ٢٢ من أغسطس ١٩٣٥ م) .

بعد وفاة مؤسسها : توقفت المجلة سبعة أشهر بعد وفاة الشيخ رشيد رضا ثم أسندت رئاسة تحريرها إلى الشيخ (بهجت البيطار) من علماء سوريا المعروفين فقام على تحريرها وحاول إكمال التفسير الذي كان ينهض به الشيخ فأتم تفسير سورة يوسف ثم توقفت المنار مرة أخرى لمدة تقترب من ثلاث سنوات ، ثم أسندت أسرة الشيخ إصدار المجلة إلى الإمام المرشد (حسن البنا) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وكان مقدرًا للمجلة وصاحبها فأصدر العدد الأول الجديد في (غرة جمادى الآخرة ١٣٥٨ هـ = ١٨ من يوليو ١٩٣٩ م) بعد تردد.

وكان لرجوعها مرة أخرى صدى واسع عبر عنه الإمام محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر بكلمة في افتتاحية الإصدار الجديد قدم فيه حسن البنا إلى قراء المنار مشيدًا بعلمه وقدرته في مجال الدعوة الإسلامية ، وواصلت المجلة صدورها لكنه كان بطيء الخطى والمهام جسيمة على رجل مثقل بالمسئوليات مشغول بأعباء كثيرة فلم يتمكن من الاستمرار وتوقفت المجلة بعد أن صدر منها ستة أعداد على مدى أربعة عشر شهرًا وذلك في سنة ١٣٥٩ هـ =١٩٤٠ م.

مصادر الدراسة : أحمد الشرباصي : رشيد رضا الصحفي المفسر الشاعر – مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة – ١٩٧٧م ، إبراهيم العدوي : رشيد رضا الإمام المجاهد – الدار المصرية للتأليف والترجمة – القاهرة – بدون تاريخ ، أنور الجندي : إعلام وأصحاب أقلام – دار نهضة مصر – القاهرة – بدون تاريخ ، محمود منصور هيبة : الصحافة الإسلامية في مصر – دار الوفاء للطباعة والنشر – المنصورة – مصر – ١٤١٠=١٩٩٠ ، سامي عبد العزيز الكومي : الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر – دار الوفاء للطباعة والنشر – المنصورة – مصر ـ ١٤١٣ هـ = ١٩٩٢ م.

72 / صفوة العرفان

(صفوة العرفان) هو عنوان كتاب في تفسير القرآن الكريم من تأليف الكاتب الإسلامي الأستاذ محمد فريد وجدي (1875 ـ 1954 م) الذي ولد بالإسكندرية لأسرة من جذور شركسية ، وقد عمل على تحرير مجلة الأزهر وله مؤلفات ذات طابع ديني ووثائقي ومن أهم كتبه كتاب كنز العلوم واللغة وكتاب دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري والعشرين الميلادي وتقع في عشرة مجلدات وله كتاب رائع في السيرة اسمه السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة وله كتاب في شرح مبادئ الإسلام ورد الشبهات عنه اسمه الإسلام دين عام خالد.

وكان له نشاط سياسي واضح حيث عارض الزعيم الوطني مصطفى كامل في الذهاب إلى فرنسا بعد حادثة دنشواي 1906 م وكان يرى أن السفر كان يجب ألا يقتصر على فرنسا فحسب ولكن للعديد من الدول الأوروبية ، من أنبغ تلامذته الدكتور محمد رجب البيومي عميد كلية اللغة العربية الأسبق جامعة الأزهر وهو الذي جمع له مقالاته على هيئة مجموعة كتب وقال عنه : المسار المبهج أن نجد من علماء المسلمين العرب تترجم أكثر مؤلفاتهم إلى معظم لغات بنى الإسلام وهم : فريد وجدي طنطاوي جوهري رشيد رضا.

ويذكر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر سابقا مدى انتفاعه بمجالس فريد وجدي الذي كان يؤمها وزائريه في منزله بعد صلاة المغرب من كل يوم حتى أفاد منها في تعرف الاتجاهات المختلفة كما فتح له أبواب الموضوعات التي تشغل أنصار الفكرة الإسلامية ليلقى عليها مزيدا من الضوء والمناقشة ثم لتكون مادة للبحث العلمي حين تنقل من الندوات إلى المجلات والكتب ، وقال عنه العقاد في كتابه رجال عرفتهم : هو فريد عصره غير مدافع.

ذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد فريد بن مصطفى وجدي مؤلف (دائرة المعارف) من الكتاب الفضلاء الباحثين ولد ونشأ بالإسكندرية وأقام زمنا في (دمياط) وكان أبوه وكيل محافظ فيها وانتقل معه إلى السويس فأصدر بها مجلة (الحياة) ونشر رسالة له سماها (الفلسفة الحقة في بدائع الأكوان) سنة ١٨٩٩ وكتاب (تطبيق الديانة الإسلامية على نواميس المدنية) كتبه أولا باللغة الفرنسية وترجمه إلى العربية بهذا الاسم وسماه في طبعة أخرى (المدنية والإسلام) ، وسكن القاهرة فعمل في وظيفة صغيرة بديوان الأوقاف ، أنشأ بعدها مطبعة أصدر بها جريدة (الدستور) اليومية مدة ثم (الوجديات) وهي شبه مجلة أسبوعية ونشر كتابه (دائرة معارف القرن الرابع عشر ـ العشرين) في أجزاء متتابعة اكتملت في عشرة مجلدات.

وعكف على المطالعة والتأليف فنشر من كتبه ما وراء المادة (في جزءين) ، وصفوة العرفان (وهو تفسير موجز للقرآن) والحديقة الفكرية في إثبات وجود الله بالبراهين الطبيعية ، والمرأة المسلمة (في الرد على المرأة الجديدة) لقاسم أمين) ، والإسلام في عصر العلم (مجلدان) وكنز العلوم واللغة (وهو من أنفس كتبه) ، وعلى أطلال المذهب المادي ، ومجموعة الرسائل الفلسفية ، وكتاب المعلمين ، ونقد كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين ،  وتولى تحرير مجلة (الأزهر) نيفا وعشر سنين واعتزلها قبل وفاته بنحو عامين مخلدا إلى الراحة وكان مترفعا عن غشيان المجالس العامة قلما يُرى في حفل أو مجتمع يأنس بزوّاره في بيته وقل أن يزور أحدا أو يجيب دعوة وتوفي بالقاهرة “.

وقد جاءت تفصيلات عن التفسير في كتاب التفسير والمفسرون في العصر الحديث للمؤلف فضل عباس حسن الذي يقول : ” كتب الأستاذ محمد فريد وجدي تفسيرين للقرآن الكريم الأول : (صفوة العرفان في تفسير القرآن) ١٣٢١ هـ ، وبعد عامين أتبعه بتفسير آخر سماه : (المصحف المفسر) وبينهما تشابه كبير وكلاهما موجز ووضع لكل تفسير مقدمة ، كانت موجزة في (المصحف المفسر) أما (صفوة العرفان في تفسير القرآن) فجعل له مقدمة فلسفية كبيرة امتازت بقوة التعبير ومتانته وحسن السَّبْك والصياغة ولِمَا تضمّنته من فوائد عظيمة ومعاني عميقة آثرتُ أن أوجزها هنا حتى لا تفوت الفائدة على القارئ وبعد ذلك سنتحدث عن منهجه في التفسير.

أولًا : مقدمة (صفوة العرفان) : هذه المقدمة وضعها ليصل إلى مرمى وغاية هي دراسة الحوادث الجليلة التي قلبت شكل العقول والأفكار وبدلت الأرض غير الأرض والأمم غير الأمم ، لذا بدأ بإيراد موجز عن فلسفة الأديان والأدوار التي يمر بها الإنسان من حيث الاستسلام للعقيدة أو التردد فيها وعلاقة ذلك بالجهل والعلم والحضارة والبداوة وغير ذلك من الأسباب الأدبية والمادية ليستطيع أن يجلي مركز القرآن للأذهان ويظهر مقامه العالي بين مؤثرات العمران.

بدأ ببيان حال العرب حين نزل القرآن فقد كانوا على أدنى الحالات الاجتماعية والعلمية والاقتصادية والسياسية من تشتتٍ وتنازع واشتغال بالحروب والغارات وخشونة الملبس والمسكن وجهل بالمعارف الإنسانية وكيف نهضت الأمة نهضة الأسد حين نزل القرآن وصارت أمة الأمم وحيل بين القرآن والمسلمين اليوم فتقهقرت الأمة ونزلت إلى الحضيض وكيف جعل المسلمون اليوم قراءة القرآن لمحض التبرك في المنازل وللتحزن في سهرات المآتم والاهتزاز للنغمات دون السبح في معانيه العالية والسبب في بعد المسلمين عن القرآن هو عدم فهم مراميه العالية ومغازيه السامية من جرّاء العجمة التي طرأت على لغتنا.

هذه الحاجة الشديدة دفعته لوضع تفسير للقرآن الكريم مستمد من كتب التفاسير المعتبرة لا باللفظ ولكن بالمعنى الحقيقي ليتمكن من وضع المعنى في أبسط وأرق القوالب العربية العصرية التي اعتادها الناس كما يقول ، جاء بموجز عن فلسفة الأديان وما هو الدين تحدث فيه عن مبدأ التدين والباعث الطبيعي على العقيدة وهو ما يجيش في صدر الإنسان من شعور حين يجيل نظره في الكون وعظمته وحين تتبين له حقارة شخصه فيقر بعجزه واحتياجه المطلق لملجأ يلجأ إليه وفقره لقوي يهبه قوته ورحيم ينشر عليه من إفاضات رحمته.

ثم شرع في تعداد مظاهر عظمة خلق الكون وما فيه من عجائب وأن الإنسان كلما ازداد بالكون علمًا ازداد إحساسًا بجهله واحتياجه لمن يأخذ بيده هذا هو الدين الفطري ، بعد ذلك بيّن أن للإنسان مطالب روحانية لا تقل عن المطالب المادية هذه المطالب الروحانية تتجاوز الكون المحسوس والركون لمموهات هذه الأشياء الأرضية إلى إحساس سماوي ليس من طبيعة الجبلة الحيوانية وكل حادثة من حوادث الحياة توقظ هذا الشعور كالمرض والحزن والمصائب في النفس والأهل والمال التي تُشعِرُه بحاجته إلى ركن يعتصم به وإلى ملاذ يلوذ إليه ليجد أشفق المسلين له في مصائبه وأرأف المعزين له في نوائبه.

وتحت عنوان (الإنسان تتمة الإبداع الإلهي) تحدث عن إدراك الإنسان لحقيقة ذاته وهي ما يملكه من مواهب سامية وقدرات عالية واستعداده لبلوغ كل ما يتصور من الكمال والرفعة في عالم الممكنات ويلزم من إدراكه لهذه الحقيقة أن يرتدع عن الإيغال في سفاسف الأمور وأن يمتنع عن الاسترسال في الخسائر ، ثم ذكر أن الإنسانية مرّت من حيث الإيمان بأربعة أدوار مهمة وذلك تحت عنوان (الإيمان في خلال القرون) ولكل دور مميزات ولوازم خاصة أما الدور فهو دور الفطرة الأولى حيث كان الإنسان مؤمنًا إيمانًا فطريًا مسوقًا إلى الاخبات والخضوع للخالق بغير سائق ، ويمتاز هذا الدور بتنزهه عن الشبهات والشكوك والتردد في أصل الإيمان يبتدى هذا الدور من مبدأ الخليقة إلى قبل بعثة المسيح بقرون لا يمكن تحديدها بالضبط.

أما الدور الثاني فهو دور الفلسفة والحكمة ، وفيه فتقت أنوارُ العقل حجبَ الكثافات الطبيعية وسبر مساتير المجاهيل الوجودية ليحيط بما خبأته له يد القدر من عالم الشهادة وعوالم الغيوب يُعرف هذا الدور بتولد الشكوك فيه، وسريان شياطين الشبهات إلى العقول من بعض الأفراد ضد بعض الأصول الاعتقادية ، وكان ثوران تلك الشبه نتيجة طبيعية لأن العقل الإنساني لما مال لأن يفتق تلك الحجب التي تمنعه من متابعة شهواته في النفوذ إلى سرائر الموجودات الكونية استلزم لتلك الدفعة أن يطوف من المدركات على ما يلائم درجته من الرقي، فكان الخيال قائده في تلك الرحل الفكرية ، وناهيك بعقل يرشده الخيال، لا جرم أنه لا ينال من الحقيقة المطلقة إلا ما يناسب درجته المقيدة فكان من الضروري أن يصيح به لأن يشرئب إلى ما فوق ذلك ليعلم أن الحقيقة أبعد مما كان يتوهمه ، لذلك بعث الله تعالى عليه روحًا دافعة ظهرت بمظهر الشبهات والشكوك لتسوقه رغم أنفه إلى غاية ما يمكن إدراكه من معنى اللاهوت الأقدس وما يتعلق به من شؤون الحضرة الإلهية من هنا نشبت الحرب بين الفلاسفة ورؤساء الأديان.

أما الدور الثالث فهو دور العلم الطبيعي والفلسفة الحسية ويبتدى من حوالي القرن الخامس عشر لغاية النصف الأول من القرن التاسع عشر ، في هذا الدور استطار لهب الحرب الدينية العلمية بين قادة العلوم الطبيعية وحملة النصوص الاعتقادية وتحقق الفوز للحزب الأول وكان ذلك رد فعل لما كان قد حصل من غلواء أنصار الحزب الثاني في الإبعاد عن العلم ولقد بلغ عدم الاهتمام بالدين عند بني هذا الدور بحيث عُدّت التعاليم الإلحادية من الأفكار الواجبة الاعتبار والاحترام  ، أما الدور الرابع فهو دور الفطرة وهو الدور الذي نحن فيه ويمتاز بمحاولة النوع الإنساني فيه الرجوع إلى دينه الفطري البعيد عن مظان الشبه ، ثم بدأ يفصّل هذه الأدوار دورًا دورًا “.

وعن منهجه العام في الثقافة الإسلامية وطبيعته الشخصية كتب عن ذلك الدكتور منيع عبد الحليم محمود في كتابه مناهج المفسرين فقال : ” تفسير محمد فريد وجدى .. مفسرنا هو الاستاذ الجليل محمد فريد بن مصطفى وجدى من أعلام العصر الحديث ومن مشاهير العلماء والفلاسفة ورجال الصحافة ،  برز نشاطه في كل مجال من المجالات وثبتت أقدامه على طريق الحياة الطويل في دنيا الفكر والتأليف الذى قضى فيه ما يزيد على الخمسين عاما.

ولد الاستاذ وجدى بمدينة الاسكندرية وانتقل منها إلى دمياط فأمضى بها فترة الشباب ثم انتقل إلى السويس فأصدر بها مجلة الحياة ثم انتقل إلى القاهرة فأنشأ مطبعة في حياة البحث والتأليف حتى انتهت به الحياة ، كان حار الدفاع عن الحق شديد التمسك بما يعتقده صوابا سلس الأسلوب واضح الفكرة بعيدا بهدفه فى الحياة.

ولقد تحدث عن العوامل التى أثرت فى فكره ورسمت معالم شخصيته فقال : كنت فى سن السادسة عشرة طالبا بالمدرسة التحضيرية وكان أبى (مصطفى وجدى) موظفا فى الحكومة المصرية وحدث أن اختير وكيلا لمحافظة دمياط، فكان لا بدّ من انتقالى مع عائلتى إلى هذه المدينة التى اشتهر أهلها الدماثة لا خلاق والتفقه فى الدين.

ولما نزلنا هذه البلدة مع أبى أقبل علماؤها وكبار أهلها يرحبون به فكان يجتمع فى دارنا عدد كبير منهم وكنت إذا ناقشت أحد العلماء فى مسألة تتعلق بالكون والخلق أسرع إلى قفل باب المناقشة وأمرنى الا أخوض فى المسائل الدينية أو أبدى فيها رأيا فامتعضت لذلك وقلت فى نفسى : لا بدّ أن يكون ما يدرسونه من الكتب عقيما ومن هنا تزلزلت عقيدتى وشرع الشك يتسرب إلى نفسى حتى صرت لا أرتاح إلى رأى واحد يتضمنه كتاب ولا انتصر على فكرة معينة يجتهد بعض العلماء فى اثباتها بما أدلى من قوة الحجة وساطع البرهان.

وجعلت أتناول بالقراءة والدرس جميع الكتب الدينية والكونية والاجتماعية وسائر ما يتعلق منها بعلم النفس وأكببت على ذلك عدة سنين فاكتسبت علما غزيرا واتسع أمامي نطاق الحياة وجال نظري فى الكائنات جولات أفادتني فيما أتناوله بالحديث والدرس حتى صرت لا أقتنع بفكرة دون أن أعتنى بدرسها وتمحيصها معتمدا فى ذلك على تجاربى الذهنية التى مرت بى ، وقد أفادنى هذا استقلالا فى الفكر واعتمادا على النفس ورغبة فى استيعاب ما يقع بين يدى من الكتب على اختلاف أنواعها بمصر كما افادنى دقة فى البحث حتى ازال الشك عنى وارتاحت نفسى إلى عقيدة ثابتة.

وبدأ طريق الحياة العلمية الجادة على أسس قوية من العقل والروية والتفكير وفى سنة ١٩٠١ م اصدر كتابه (الاسلام فى عصر العلم) وهو كتاب فى جزءين مناسبين فى وضوح أن الاسلام حث على العلم وأشاد به ودفع المسلمين إليه وأنه لا تعارض مطلقا بين الاسلام والعلم وما وصل إليه العلم فى العصر الحاضر من آفاق مادية وحضارة صناعية فإن ذلك كله لا يتعارض منه شىء مع الاسلام بل أن ذلك كله يؤيده الاسلام وكلما تقدم العلم كان تأييدا للإسلام ، وتفرغ للبحث والتأليف فغطى الصحف اليومية الشهيرة بمقالات وبحوث ، ومن أبرز هذه الصحف : الاهرام ، والجهاد ، ثم اشتغل بتحرير مجلة الأزهر وظل رئيسا لتحريرها حتى وافاه الموت فى فبراير سنة ١٩٥٤ م سنة ١٣٧٣ هـ.

والناظر فى حياة مفسرنا الجليل يجد أن نشاطه العلمى كان يمثل تيارا دافقا بالحياة وأنه قضى حياته الطويلة يدافع عن اهداف محدودة يوضحها ويشرحها ويدفع عنها كل تحريف أو اتهام وهذه الاهداف هى الاسلام والدين والروحية ، ولعل أهم ما شغل فكره وظهر فى نتاجه الكبير قضية الروحية والمادية والدفاع عن الروحية تجاه المادية واقامة الادلة على الروح وما إلى ذلك مما هو نابض فى كل مؤلف من مؤلفاته.

ولقد استطاع تطويع اللغة العربية للتعبير عن النواحى الفلسفية والافكار العلمية بأسلوب بارع رشيق حتى لقد صاغ بعض أفكاره ومناقشاته فى صورة مقامات كمعلقات بديع الزمان الهمذانى ومقامات أبى القاسم الحريرى وغيرهم وقد جمعت تلك المقامات فى كتاب باسم الوجديات ، وقال فى مقدمته بعد أن ذكر بعض من كتب بهذا الاسلوب من الادباء والعلماء فرأينا أن نحتذى مسالكهم ونترسم خطواتهم بوضع مقامات أدبية ترمى لاغراض تعليمية وزدنا على متقدمينا بأن جعلنا الصفة الفلسفية فيها تغلب على سواها حرصا منا على الغرض الرئيسى الذى حدانا لنشرها.

ويبين غرضه من تأليفها فيقول : تصوير مثل عليا للحياة الفاضلة وامداد النفوس بالقوى الادبية الضرورية لها ، وقد أثمر كفاحه العلمى الطويل عدة مؤلفات قيمة من ابرزها : دائرة معارف القرن العشرين فى عشرين مجلدا وأتمها فيما يقرب من ثلاث سنين وهو عمل تنوء به طائفة كثيرة من العلماء ولكنه يدل على هذه العزيمة القوية النادرة التى تحلي بها وجدى وعلى ما تحلى به أيضا من تنظيم دقيق لوقته وعلى ما تحلى به من ذاكرة واعية لما يقرأ ومن حسن تصرف فيما يقرأ وقدرة على الانتفاع به إلى أكبر مدى من الانتفاع.

السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة وهو كتاب جميل حاول به فريد وجدى أن يقرب حقائق السيرة إلى اذهان شبابنا وأن يحببهم فيها ليتخذوها مثلا أعلى يحتذونه وهذا هدف شريف ولقد قام به فى أسلوب رصين وفى دراسة تتسم بروح العصر وبأسلوبه ، الاسلام دين عام خالد بين فيه الاسس والاصول والمبادئ التى قام عليها الاسلام فى صورة من الاسلوب الرائع والعرض السهل ، نقد كتاب فى الشعر الجاهلى للدكتور طه حسين.

فضلا عن العديد من الابحاث والمقالات فى كثير من الجرائد والمجلات ، وقد ترجم كتاب على اطلال المذهب المادي وهو إن كان ترجم اجمل وأدق ما تكون الترجمة فإنه احتوى على كثير من آراء فريد وجدى الشخصية تعليقا وشرحا بل ان الكتاب كله يمثل رأى فريد وجدى نفسه وتسرى روحه فى كل جزء منه ، وكان تفسيره صفوة العرفان فى تفسير القرآن المعروف بالمصحف الميسر من أعماله السامية.

ملامح من حياته : عاش وجدى ما يزيد على خمسة وسبعين عاما قضى أكثرها فى البحث والتأليف وقد امتاز فى حياته بالجدية ومتانة الخلق ووضوح الهدف والتأني فى تحقيقه ، حكى الاستاذ العقاد أنه عطل جريدة الدستور لعسر حالته وباع آلاتها لتسديد أجور العمال مليما بمليم ورفض فى نفس الوقت عرضا سخيا من حكومة تركيا الفتاة ليكون لسان حالها وناشرا لأفكارها فى بلاد الشرق.

وكان معتنيا بصحته مراعيا لسلامة الجسم والنفس عاملا بما يقول : نموذجا طيبا بسلوكه كما كان نموذجا طيبا فى تفكيره وتأليفه وكان نباتيا ، وكانت وفاته بعد حياة حافلة ١٩٥٤ سنة ١٩٧٣ هـ بمصر ، ولقد دخل فريد وجدى فى الحياة الفكرية الاسلامية فى عصره دخولا حكيما لقد درس مشكلات العصر وكتب فى الكثير منها كتابات مستفيضة سواء تعلقت بإصلاح المجتمع أو المسائل الفلسفية أو أو الجوانب الروحية.

ولقد اضطره ذلك إلى أن يدخل فى جدل مستفيض مع الذين يرى أنهم ليسوا على الحق لقد دخل فى جدل طويل مع المرحوم الشيخ رشيد رضا واستمر النزاع بينهما فترة طويلة من الزمن ودخل فى جدل مع المرحوم الشيخ عبد الواحد يحيى الذى كان يرى أن تحضير الارواح تعامل مع الجن أو مع كائنات أخرى من كائنات لا صلة لها بالأرواح حقيقة وثار نزاع ونقاش بينهما فى المجلة التى كانت تصدر فى سنة ثلاثين بعنوان (المعرفة).

ولم يهدأ فريد وجدى طيلة حياته بحثا وعرضا لآرائه ومناقشة لخصومه وبيانا لوجهة نظره التى يرى أنها الحق ، وكان من عاداته الجميلة أنه كان يستقبل زائريه كل ليلة فى بيته بعد صلاة المغرب مباشرة إلى وقت صلاة العشاء يجيب عن استفساراتهم ويوضح مشكلاتهم ويبين الحق فيما يثور من جدل فى الصحف والمجلات ، ولو قيض الله سبحانه وتعالى لهذه الجلسات من سجلها لأبانت عن كثير من الحقائق فى مسائل مختلفة من العلم والاجتماع.

وبعد ، فان فريد وجدى يقول : يجب على أن أنبه إلى أنى استخلصت هذا التفسير من الآراء المجمع عليها لدى أئمة المفسرين وأقطاب أهل السنة فلم أخرج به عن سنتهم قيد شعرة ليوافق مذهبا من المذاهب أو يؤيد رأيا من الآراء الفردية ولو اضطرنى الكلام ببعض الآيات على أن أورد لى أو لاحد من غير أهل السنة نبهت إليه وعزوته لقائله حتى يكون القارئ على بينه من أمره.

وهذا النهج الذى أتبعه فريد وجدى هو النهج المستقيم الذى يجب اتباعه فيما يتعلق بالتفسير ، والمنهج الذى ذكره وجدى للتفسير حاول تحقيقه خصوصا فيما يتعلق بسهولة التعبير ويسر الشرح والعناية بمعاني الألفاظ وكل صحيفة من القرآن فى هذا التفسير يحيط بها هامشان أحدها للمعنى والآخر للألفاظ وخير لهذا التفسير أن نأتي بصحيفة كاملة من القرآن الكريم توضح لنا فى صورة دقيقة منهجه وطريقته ، وقد طبع هذا التفسير عدة طبعات وظن الناس أن فريد وجدى لم يقم فى تفسير القرآن وبيان اهدافه إلا بهذا الكتاب الذى بين أيديهم.

وهذه الفكرة ليست بصواب وهى تصوير خطأ لعمل فريد وجدى فى تفسير القرآن وذلك أن فريد وجدى قبل أن يفسر القرآن كتب مقدمة مستفيضة تعتبر وحدها كتابا نفسيا ، بين هذه المقدمة المستفيضة ما يستفيض فيه الباحثون من مسائل القرآن كالبعث مثلا والجنة والنار والألوهية والنبوة يقول فريد وجدى عنها : هذه المقدمة طبعها فريد وجدى من عشرات السنين ونفدت طبعتها من زمن بعيد ولم يطبعها الذين طبعوا المصحف المفسر فاعتقد الناس أن هذا هو العمل الوحيد لفريد وجدى فيما يتعلق بتفسير القرآن.

والواقع أن هذه المقدمة ضرورية لكل قارئ لتفسير وجدى وأنها هي والتفسير عمل متكامل ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يشرح صدور الطابعين لهذا التفسير لطبع المقدمة معه في الطبعات التالية ، أما ما يؤخذ على تفسير وجدى وعلى وجدى نفسه فهو أن صلته بالحديث لم تكن وثيقة ومن أجل ذلك نجد في كتاباته من آن لآخر وعلى قلة الأحاديث الضعيفة وكنا نتمنى أن لو كانت صلته بالحديث أوثق ، كما أنه لم يخل فى كتاباته من أن يوطئ بعض النواحى الدينية للتيارات الفلسفية فيحاول فى رفق شرحها بحسب الوضع الفلسفى والوضع الفلسفى وضع بشرى لا يثبت على حال “.

73 / زهرة التفاسير

(زهرة التفاسير) هو عنوان كتاب في تفسير القرآن الكريم من تأليف واحد من أعلام المحلة الكبرى في العصر الحديث وهو فضيلة المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة ، وهو نجل الشيخ أحمد أبو زهرة من شيوخ المحلة وحفيد الشيخ مصطفى أبو زهرة الششتاوي صاحب الضريح المعروف في المسجد الجامع المسمى باسمه في منطقة الششتاوي بجوار مقابر الشهداء ، وتسمى باسمه قديما فرع النيل الأساسي للمدينة قبل أن يردم (بحر الششتاوي) ومكانه الآن شارع سعد زغلول.

ولد الشيخ محمد في عام 1898 م ودرس في المحلة ثم انتقل منها إلى المعهد الأحمدي في طنطا والتحق بعدها بمدرسة القضاء الشرعي حيث قضى فيها ثمانية أعوام من 1916 م وحتى 1924 م ليتخرج منها حاصلا على شهادة العالمية في القضاء الشرعي ثم التحق بكلية دار العلوم لإكمال دراسة اللغة العربية في عام 1927 م وعين بعدها للتدريس في المدارس الثانوية ثم في كلية أصول الدين جامعة الأزهر.

بعد ذلك انتدب إلى كلية الحقوق جامعة القاهرة لتدريس مادة الخطابة (وهي من أهم الفنون اللازمة للمرافعات) ثم أضيف إليه تدريس مادة الشريعة الإسلامية وتدرج في المناصب حتى عين رئيسا لقسم الشريعة الإسلامية بالكلية واستمر في ذلك حتى تقاعده في عام 1958 ثم انتقل بعد ذلك إلى مجمع البحوث الإسلامية ومعهد الدراسات الإسلامية واستمر فيهما حتى وافته المنية في عام 1974 م.

وهو واحد من أهم الباحثين في مجال القانون والتشريع خاصة في مجالات العقود والأوقاف والوصية والتركات والأحوال الشخصية والملكية الخاصة حيث صارت أبحاثه من أساسيات القوانين المصرية ، كما صدر له عدد من المؤلفات في تاريخ المذاهب الإسلامية وسلسلة تراجم كبار الفقهاء ومذاهبهم وآرائهم وكذلك كتابات في التشريع والقانون والعلاقات الدولية وتاريخ الخطابة وفنونها.

وختم حياته بكتابة السيرة النبوية تحت عنوان (خاتم النبيين) واستنبط منها أهم آرائه المعروفة في السياسة الشرعية حيث قرَّر أنَّ القرآن أمَر بالشورى ولذا يجب أنْ يُختار الحاكم المسلم اختيارًا حرًّا فلا يتولَّى أي سلطان حاكمًا إلا بعد أنْ يُختار بطريقة عادلة وأنَّ اختيار الحكام الصالحين هو السبيل الأمثل لوقاية الشريعة من عبث الحاكمين وكل تهاون في ذلك هو تهاونٌ في أصل من أصول الإسلام.

وقد جاءت ترجمته الكاملة في مقدمة تفسيره نقلا عما كتبه هو بنفسه وجاء فيها : ” تعريف بالإمام الجليل محمد أبو زهرة .. هذا التعريف مأخوذ أساسا مما كتبه فضيلته بنفسه بناء على طلب أحد طلاب العلم من باكستان متقدما برسالة لنيل درجة الدكتوراه عن الإمام أبو زهرة ، ولد الإمام محمد أحمد مصطفى أبو زهرة في مارس سنة ١٨٩٨ م في مدينة المحلة الكبرى إحدى مدن محافظة الغربية.

حفظ القرآن الكريم في صدر حياته في الكُتَّاب إذ هو من أسرة دينية تنتسب إلى ولي من أولياء الله هو الشيخ مصطفى أبو زهرة الشهير بالششتاوي الذي يزار ضريحه بمسجده ببلدة شيشتا في مدينة المحلة الكبرى ووالده هو الشيخ أحمد مصطفى أبو زهرة مشهور بالصلاح والالتزام بالدين الحنيف ومكارم الأخلاق ووالدته حافظة للقرآن الكريم وكانت تراجع معه ما حفظ قبل الذهاب إلى الشيخ في الكتاب ، وتميز عن إخوته وأخواته بحفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز التاسعة من العمر ولأنه كان ذا حافظة قوية سريع البديهة فلم ينل من قسوة أستاذه بالكتاب إلا قليلا.

كانت الأسرة من متوسطي الحال يظنها الناس من الأثرياء اشتهرت بالعلم والذكاء ، وقد نبغ منها شقيقه الأستاذ الدكتور مصطفى أحمد أبو زهرة منشئ ورئيس قسم هندسة الطيران بكلية الهندسة جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) وأيضا الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة لندن بإنجلترا ، بعد حفظ القرآن الكريم تعلم مبادئ العلوم المدنية كالرياضيات التي كان شديد الولع بها والجغرافية والفلسفة مع العلوم العربية.

التحق في سنة ١٩١٣ م بالجامع الأحمدي بطنطا ومكث فيه ثلاث سنين وفي هذه الفترة ابتدأ نبوغه وتفوقه يظهر حتى أن شيخ الجامع وهو الشيخ الأحمدي الظواهري الذي صار شيخا للأزهر اقترح أن يمنح مكافآت خاصة لامتيازه كما اقترح بألا يمكث في طلب العلم الأزهري خمسة عشر عاما كما كانت المدة المقررة بل إن مثله يصح أن يتجاوز سنين عدة في سنة واحدة ولم يتم تنفيذ هذا القرار لصعوبته قانونيا ولانتقاله إلى مدرسة القضاء الشرعي.

التحق في سنة ١٩١٦ بمدرسة القضاء الشرعي بعد امتحان مسابقة كان فيها من الأوائل ، وتكوينه العلمي الحقيقي كان في هذه المدرسة التي أنشأها سعد باشا زغلول في وزارة المعارف على أن تكون عالميتها من درجة أستاذ وعهد بإدارتها إلى رجل عظيم هو عاطف باشا بركات ، ومن وقت أن دخل المدرسة كان ينظر إليه ناظرها عاطف باشا بركات نظرة اهتمام وتشجيع وقد مكث فيها تسع سنين أربعة في القسم الثانوي وخمسة في القسم العالي وفيها اتسعت آفاقه الفكرية ولما تخرج منها ونال شهادة العالمية من درجة أستاذ عام ١٩٢٥ كون لنفسه منهجا فكريا في فهم الشريعة وتفسيرها وكلما تعمق فيها ازداد إيمانا بها.

في ذلك الحين كان قيام ثورة (١٩١٩ م) فوقف على الكثير من دقائق أحداثها ووقائعها وأحب سعد باشا زغلول وتعلق به وكان حريصا على حفظ خطبه وترديدها ، أخذ دبلوم دار العلوم من الخارج سنة ١٩٢٧ م وفي هذه السنة عين مدرسا للشريعة واللغة العربية بتجهيزية دار العلوم والقضاء الشرعي لمدة ثلاث سنين ثم انتقل بعد ذلك إلى التدريس في المدارس الثانوية العامة لمدة سنتين ونصف.

انتقل في أول يناير سنة ١٩٣٣ م إلى كلية أصول الدين مدرسا للجدل والخطابة فيها ثم تاريخ الديانات والملل والنحل وفيها أخرج أول مؤلفاته كتاب الخطابة وكتاب تاريخ الجدل ثم كتاب تاريخ الديانات القديمة ثم كتاب محاضرات في النصرانية الذي ترجم إلى عدة لغات ، في ٢ نوفمبر ١٩٣٤ م نقل مدرسا للخطابة بكلية الحقوق جامعة القاهرة (فؤاد الأول) مع بقائه بالانتداب في كلية أصول الدين التي استمر بها إلى يونيو سنة ١٩٤٢ م وارتدى الزيَّ الأزهرى.

في سبتمبر سنة ١٩٣٥ م انتقل من تدريس اللغة العربية إلى تدريس الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة (فؤاد الأول) متدرجا في مراتبها من مدرس إلى أستاذ مساعد إلى أستاذ كرسي إلى رئيس قسم الشريعة ووكيلا لكلية الحقوق جامعة القاهرة لمدة خمس سنوات انتهت ببلوغه سن التقاعد سنة ١٩٥٨ واستمر في التدريس بكلية الحقوق كأستاذ غير متفرغ وفي غيرها حتى توفاه الله عام ١٩٧٤ م ، وقد تولى التدريس في كلية المعاملات والإدارة بجامعة الأزهر سنة ١٩٦٣ م وكذلك معهد الخدمة الاجتماعية وغيره من المعاهد.

وقد اشترك في إنشاء وتولى التدريس ورئيسا لقسم الشريعة الإسلامية بمعهد الدراسات الإسلامية ومعهد الدراسات العربية العالي التابع لجامعة الدول العربية ،  واشترك في إنشاء جمعية الدراسات الإسلامية ، واختير عضوا لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في سنة ١٩٦١ م ومقررا للجنة بحوث القرآن ولجنة المتابعة ولجنة السنة المطهرة وشيخا في لجان التقنين للمذهبين الحنفي والشافعي ، كان أيضا عضوا بمجلس جامعة الأزهر والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ومعهد البحوث الجنائية والاجتماعية والمجلس الأعلى للفنون والآداب ومجلس محافظة القاهرة.

صفاته (سعة علمه ومبدؤه) : كان رحمه الله أبيض اللون جهير الصوت شديد الذكاء سريع البديهة منظما وحر الفكر راجح العقل شديد الإيمان بما يقول مستقل الرأي لَا يخشى في قول الحق لومة لائم ويمزج في محاضراته العلم الجاد الوقور بالدعابة الحلوة الخفيفة ، كان رحمه الله عالما متبحرا في الفقه وأصوله وفي علوم القرآن وتفسيره وخطيبا مفوها وأصوليا متعمقا ومجتهدا يقرع الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق لَا يشق له غبار يسعى دائما لتقديم الجديد والفريد للمكتبة العربية والإسلامية رافضا أن تكون كتاباته تردادا لأقوال الآخرين لما عرف عنه من اعتزازه بنفسه وبغضه لسيطرة الآخرين بغير حق.

كان رحمه الله يعيش للمبادئ ويكافح من أجلها يناضل لعقيدة يحيا فيها ويعيش لها يعلن رأيه ويجمع الناس عليه فقد كان فقيها في مقدمة الفقهاء ورائدا تقدم القافلة وقد تشابهت أمامها السبل المتباينة ، وقد عرض عليه البقاء والعمل بالخارج فقال : (إن وجودي في مصر هنا يؤدي واجبا أرى أنه أصبح بالنسبة لي أشبه بفرض العين فأنا على ثغر من ثغور الإسلام يتأثر بها أي بلد عربي وأي بلد إسلامي فمصر هي العقل وهي القلب وهي الأزهر) فكان رحمه الله بحرا زاخرا وفيضا فياضا ورائدا عاش حياته حاملًا اللواء يمزج بين العلم والشجاعة ومن هنا كثر رواده وعظم قصاده وقيمة العالم بما خَرَّج من تلامذة علماء أوفياء في جميع أنحاء العالم وبما أثرى المكتبة العربية والإسلامية من مراجع علمية.

المؤلفات والبحوث : بجانب أشهر المؤلفات والموسوعات الإسلامية التي تزيد عن الأربعين فقد كانت له الكثير من البحوث في العديد من المجلات العلمية والاجتماعية مجلة القانون والاقتصاد ومجلة المسلمون ومجلة حضارة الإسلام ومجلة القانون الدولي وكتاب أسبوع الفقه الإسلامي وكتاب أسبوع القانون والعلوم السياسية ومجلة الأزهر ومجلة العربي والعديد من المجلات بمختلف الدول العربية ، وكذلك عدد لَا يحصى من الأحاديث الصحفية كان يرد بها على المهاجمين للإسلام وللدفاع عن قوانين الأحوال الشخصية.

أما في مجلة لواء الإسلام الشهرية لصاحبها أحمد باشا حمزة فكانت للإمام أبو زهرة أربعة أبواب ثابتة هي : تفسير القرآن الكريم ، ومقال اجتماعي ، وندوة لواء الإسلام ، وباب الفتاوى للرد على أسئلة القراء ، هذا على مدى ما يقرب من الأربعين عاما فيما لَا يقل عن أربعة آلاف صحيفة.

كان لفضيلة الإمام نشاط واسع في محاضرات وندوات عامة في مختلف الجمعيات الاجتماعية والإسلامية العامة والخاصة داخل مصر وخارجها ، لفضيلة الإمام العديد من الأبحاث ألقيت في المؤتمرات والندوات الدولية التي حضرها مثل : حلقة الدراسات الاجتماعية التي انعقدت في دمشق ١٩٥٢ م – مؤتمر الندوة الإسلامية الذي عقد في لاهور (باكستان) في الفترة من ٢٩/ ١٢/ ١٩٥٧ إلى ١٣/ ١ / ١٩٥٨ – مؤتمر الخبراء الاجتماعيين الذي انعقد عدة مرات بالقاهرة وانعقد بالكويت عام ١٩٥٨ – مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية المنعقد بالجزائر عام ١٩٦٩ ثم بالمغرب عام ١٩٧١ ثم بالقاهرة عام ١٩٧٣.

هذا بخلاف المحاضرات والندوات خلال زيارات فضيلة الإمام لدول السودان والكويت والجماهيرية الليبية والجزائر وسوريا وغيرها ، قام العديد من الباحثين بعمل رسائل ماجستير ودكتوراه عن الإمام محمد أبو زهرة في باكستان والهند وسائر البلاد الإسلامية كما ترجمت له العديد من المؤلفات.

أشهر مؤلفاته وكتبه : الخطابة ، تاريخ الجدل ، تاريخ الديانات القديمة ، محاضرات في النصرانية ، محاضرات في الوقف ، محاضرات في عقد الزواج وآثاره مقارنة بين المذاهب الفقهية والقوانين العربية ،  أصول الفقه ،  أحكام التركات والمواريث ، الجريمة في الفقه الإسلامي ، العقوبة في الفقه الإسلامي ، الميراث عند الجعفرية ، أصول الفقه الجعفري ، الأحوال الشخصية ، الإمام زيد حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام الصادق حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام أبو حنيفة حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام مالك حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام الشافعي حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام أحمد بن حنبل حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام ابن حزم الأندلسي حياته وعصره آراؤه وفقهه ، الإمام ابن تيمية حياته وعصره آراؤه وفقهه.

تاريخ المذاهب الإسلامية جزءان في مجلد واحد ، المعجزة الكبرى (القرآن) ، خاتم النبيين ثلاثة أجزاء في ثلاثة مجلدات ، الملكية ونظرية العقد ، شرح قانون الوصية ، الدعوة للإسلام ، الولاية على النفس ، العقيدة الإسلامية ،  المجتمع الإنساني في ظل الإسلام ، التكافل الاجتماعي في الإسلام ، العلاقات الدولية في ظل الإسلام  ، تنظيم الإسلام للمجتمع ، تنظيم الأسرة وتنظيم النسل ، بحوث في الربا ، الوحدة الإسلامية ، نظرية الحرب في الإسلام ، مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني ، بحث في قانون الأسرة نشر بكتاب عن الفقه الإسلامي بنشرة معهد واشنطن للقوانين الدولية ، بحث في السياسة الإسلامية نشر في مجلة القانون الدولي المصرية ، نظرات في العبادات الإسلامية ،  تفسير القرآن الكريم (زهرة التفاسير) حتى الآية ٧٣ من سورة النمل.

وفاته : عقد الإمام محمد أبو زهرة في أواخر عام ١٩٧٣ وأوائل عام ١٩٧٤ العديد من الندوات والاجتماعات بجامعة القاهرة والإسكندرية وفي جمعية الشبان المسلمين لمحاربة التعدي على الشريعة الإسلامية ، وكانت له صولات وجولات في مجمع البحوث الإسلامية والأزهر بخصوص تحديد النسل وتقييد تعدد الزوجات والطلاق في مشروع قانون الأحوال الشخصية لوزارة الشئون الاجتماعية، وقرر فضيلة الإمام رحمه الله إقامة مؤتمر شعبي لمناقشة هذا الأمر في سرادق كبير في شارع العزيز بالله أمام منزله بضاحية الزيتون أقامه الإمام رحمه الله على نفقته الخاصة ، وقام فضيلته بمعاينة المكان وإنشاء السرادق مبكرا في صباح يوم الجمعة ١٢/ ٤/ ١٩٧٤ ثم عاد إلى حجرة المكتب بالدور العلوي وشرع في إكمال تفسير سورة النمل حتى أذان الظهر.

وأثناء نزول فضيلته حاملا القلم والمصحف مفتوحا على آخر ما وصل إليه في التفسير وأيضا الورق الذي به ما كتب من التفسير تعثر رحمة الله عليه وسقط ساجدا على المصحف وعلى أوراق التفسير ثم فاضت روحه الكريمة إلى بارئها أثناء أذان المغرب وهكذا شاءت إرادة الله العظيم أن يكون هذا السرادق الذي أشرف فضيلته على إقامته لمؤتمر شعبي هو سرادق العزاء للإمام ، رضي الله عن شيخ مشايخ عصره، الإمام محمد أبو زهرة وأرضاه وأسكنه فسيح جناته وأجمل فراديسه وجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا “.

وقد استهل الشيخ تفسيره بمقدمة قال فيها : ” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا والصلاة والسلام على محمد النبي الأمي الذي بُعث رحمة للعالمين وسراجًا منيرًا وعلى آله وأصحابه الذين قبسوا من نوره وجمعوا القرآن وحفظوه ليكون حجة الله تعالى القائمة إلى يوم الدين وتحقيقًا لقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

أما بعد ، فمنذ كنت طالبًا أشدُو في طلب العلم وأنهل من معارفه على قدر طاقتي وأنا أتَشَوَّف لمعرفة القرآن الحكيم وأتعرف أسرار بيانه ومعانيه وأرى أن علمه هو الشريعة وأنه ما ترك صغيرة ولا كبيرة منها إلا أحصاها وأن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – علَّم الناس علمه وبينه وأحكم بيانه وحكم به بين الناس وأظهر برهانه فهو برهان الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكم برْهَانٌ مِن رَبِّكِمْ) وهو الحق الذي لَا ريب فيه وهو حكم الله تعالى لَا يأتيه الباطلِ من بين يديه ولا من خلفه فقد قال تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).

ولقد كانت أمنيتي العلمية أن أكون قريبًا منه دائما وكنت أراجع الكتب التي تصدت للتعريف بمعانيه موجزها ووسيطها ومبسوطها قديمها وجديدها مؤمنا بأن علمه هو علم الإسلام بل هو علم النفوس البشرية وأسرار الوجود وأنه علم النبوة الإلهية في مختلف العصور ، ولما شرفنا الله تعالى بتدريس العلوم العربية والشرعية كان أول دروسنا في تعرف معاني القرآن فكان ذلك يمنًا وبركة وإشعارًا بتوفيق الله تعالى لنا في مستقبل أعمالنا.

ولكنا شُغِلْنَا عن تفسير القرآن بدروس إسلامية أخرى وإن كنا لم ننقطع عن القرآن وإن كان ذلك في أوقات قصيرة فكلما دعينا لمحاضرة عامة جعلنا القول في علم القرآن غايتنا فكنا نعود إليه الفينة بعد الفينة حتى دعتنا مجلة دينية كانت لها مكانتها ولصاحبها مكانة من تقوى الله ، لنكتب فيها تفسيرًا أتمم به ما بدأه طيب الذكر فضيلة الشيخ محمد الخضر التونسي رضي الله عنه، وكان قد وصل في تفسيره إلى قوله تعالى: (يَسْألُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ) ، وقمنا بما استطعنا ووسعته طاقتنا حتى وصلنا إلى قوله تعالى في سورة الأنعام : (وَعِندَه مَفَاتِح الْغَيْبِ) ثم حيل بيننا وبين السير في محملنا بمعوقات تتصل بوحدة النسق والكرامة ، والآن قد ابتدأنا الكتابة في معاني القرآن الكريم من أوله إلى ما وصل إليه الشيخ الإمام الخضر رحمه الله تعالى.

حتى إذا وصلنا إلى ذلك نشرنا ما كنا قد كتبناه في المجلة ثم نستأنف بعد ذلك القول في معاني القرآن من قوله تعالى : (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) وقد كان مقررًا أن نكتب مقدمة للتفسير نبين فيها نزول القرآن منجما وجمعه في عهد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وجمعه في عهد ذي النورين وبيان إعجازه ووجوه ذلك الإعجاز وعن قصصه وعلومه وجدله بالتي هي أحسن وعن مناهج تفسيره وترجمته (والغَناء به) كان ذلك في تقديرنا وأردنا القيام به بتوفيق الله تعالى ليكون مقدمة للتفسير يكون فيها تعريف به وإن كانت حقيقة كتاب الوجود فوق التعريف والبيان.

ولكن وقد اتجهنا إلى ذلك اتسع البحث علينا ووجدنا أن ذلك قد يكون في ذاته غرضًا مقصودًا يقصد بالذات لَا بالتبع ولذلك أخرجناه كتابًا قائمًا بذاته سميناه (المعجزة الكبرى ( ، فهذا الكتاب وإن كان مقصودا بالجوهر والذات هو أيضا مقدمة للتفسير ويغني عن كتابة مقدمة جديدة ، وإنا بعون الله تعالى نتجه إلى الله تعالى ضارعين إليه أن يمدنا بعونه وتوفيقه في القيام بحق كتابه الكريم علينا وإننا بكرمه وفضله دائبون على كتابة ما قصدنا حتى يوافينا الأجل المحتوم ونحن في جوار كتابه العزيز عاملين لَا نبتعد عن عَرفه ولا تتجافى مقاعدنا عنه.

اللهم أيدنا بالقوة والإخلاص وأن يجعله نورًا لنا وأن يحفظ كتابه من الأهواء التي تبغي تأويله بغير هدى نبيه وتحويل معانيه عن غاياتها وأن يقيه من الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ولا يسلكون الجَدَد اللهم وفقنا لما تحب وترضي ، (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) ، الإمام محمد أبو زهرة “.