

فاس .. مدينة مولاي إدريس
في عام 172 هـ / 789 م. قرر مولاي إدريس بن عبد الله الهاشمي مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب إنشاء عاصمة لدولته الناشئة بالقرب من منازل قبيلة أوربه البربرية التي دعمته في دعوته فأنشأ على الضفة الشرقية لنهر فاس عدوة للقبائل العربية التي لحقت به من المشرق ، وكانت الأرض ملك قوم من زواغة يعرفون ببني خير فقال المولى ادريس : «هذا فأل حسن !» ثم اشتراها منهم بستة آلاف درهم وبنى فيها مسجد الأشياخ وقصرا أطلق عليه دار القيطون ثم جامع الأشراف على الضفة الأخرى ..
وبعد سنوات قليلة نشأت على الضفة الغربية عدوة لإيواء الأندلسيين الهاربين من بطش الأمويين وأطلق عليها عدوة الأندلسيين .. ومن العدوتين تكونت مدينة فاس العريقة بعد اتحادهما في عهد المرابطين بواسطة يوسف بن تاشفين ، ثم توسعت المدينة في عهد الموحدين ونشأت فيها أحياء سكنية جديدة عرفت باسم فاس الجديدة لكن العصر الذهبي للمدينة كان في عصر حكام بني مرين الذين اتخذوها عاصمة لدولتهم بدلا من مراكش وأنشأوا فيها مدينة ملكية ضخمة عرفت باسم المدينة البيضاء ..
واشتهرت المدينة بجامعة القرويين التي أسستها السيدة أم البنين فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري وهي حفيدة القائد عقبة بن نافع ، ولدت في مدينة القيروان بتونس عام 800 م. وتوفيت في مدينة فاس بالمغرب عام 878 م. ، رحلت إلى المغرب مع أبيها وأسرتها لمناصرة دعوة الأدارسة حيث نزلت مع قومها في المنطقة التي عرفت باسم عدوة القيروانيين ثم حرف الاسم مع الوقت للتخفيف وتحول إلى عدوة القرويين واستغرق بناء الجامعة ثمانية عشر عاما تحت إشراف السيدة فاطمة التي أوقفت عليها كل ميراثها ..
وكانت تدرس فيه العلوم الدينية إلى جانب الرياضيات والفلك والأدب والجغرافيا والفلسفة والطب ومن أشهر من درسوا فيها ابن خلدون وابن رشد والإدريسي وموسى بن ميمون والبابا سلفستر الثاني ، وهي أول جامعة في العالم تعطي إجازة مكتوبة لممارسة مهنة الطب وذلك في عام 1207 عندما منحت عبد الله بن صالح الكتامي تصريحا بمزاولة المهنة في عهد الموحدين ، وتحوي الجامعة أكثر من أربعة آلاف مخطوطة وبفضلها تحولت مدينة فاس إلى مصدر إشعاع للعلوم والثقافة في العصور الوسطى ..


مراكش .. مدينة يوسف بن تاشفين
مراكش هي ثالث أكبر مدينة في المغرب اليوم وأشهر عاصمة في تاريخه حيث كانت مقرا لأهم وأكبر دولتين في المغرب العربي وهما دول المرابطين والموحدين وارتبط اسمها بالمغرب في كثير من اللغات فعرفت بلاد المغرب حتى مطلع العصر الحديث باسم مراكش أو مملكة مراكش ، ويعود تاريخ إنشائها إلى عام 454 هـ. / 1062 م. عندما قرر أمير المرابطين أبو بكر بن عمر اللمتوني الصنهاجي تكليف ابن عمه وخليفته من بعده يوسف بن تاشفين بحكم المغرب ليتفرغ هو للصحراء الموريتانية ..
وكان يوسف بن تاشفين قبل ذلك قد وحد القبائل البربرية المتنازعة وأتم السيطرة على المدن القديمة أغمات وسجلماسة وتادلا وتامسنا ورأى أن يبني عاصمة جديدة لتكون مقرا خاصا للمرابطين فاختار بقعة من الأرض تقع على مقربة من نهر تانسفيت فأسس فيها المدينة وبنى مسجدها الجامع الذي عرف باسم (جامع ومدرسة ابن يوسف) ، ومنها انطلق ليستكمل توحيد بلاد المغرب فاستولى على فاس حاضرة الشمال ثم الريف ومكناس وسبتة وطنجة ووصلت قواته إلى وجدة وتلمسان ووهران والجزائر شرقا ..
ومن مراكش انطلق المرابطون إلى الأندلس بعد استنجاد ملوك الطوائف حيث حقق ابن تاشفين انتصارا ساحقا على ألفونسو القشتالي في معركة الزلاقة ثم بعد سنوات ضم الأندلس إلى حوزته وصارت إقليما تابعا تتم إدارته من عاصمة المرابطين في المغرب فأمد في عمر الإسلام بالأندلس أربعة قرون أخرى ، وفي عهد ابنه علي بن يوسف استكمل بناء المسجد الجامع على الطراز الأندلسي في العمارة وبنى الجدران الحمراء للمدينة والتي أعطتها طابعها المعماري المميز فأطلق عليها اسم المدينة الحمراء ..
وفي عهد الموحدين توسعت المدينة وعمرت بالأبنية التي تشكل معالمها التاريخية مثل الأسوار الحجرية والأبواب الضخمة وصومعة الكتيبة ومساجدها وقنطرة وادي تانسفيت وتحولت المدينة إلى المركز الاقتصادي والسياسي في المغرب العربي في زمانها ، وفي عهد الأشراف السعديين توسع البناء وشمل قصر البديع وعدد من السقايات وقبور السعديين ومجمع المواسين وتأسست فيها أحياء سكنية جديدة وأسواق وتمت توسعة وعمارة مدرسة ابن يوسف حتى صارت منارة ثقافية فريدة في بلاد المغرب العربي ..


الرباط .. مدينة عبد المؤمن بن علي
اشتقت العاصمة المغربية الرباط اسمها من مواضع مرابطة الجند للعبادة والتعلم والجهاد في سبيل الله معا والتي كانت علامة مميزة لدولة المرابطين حيث نشأ أول رباط لهم على مصب نهر السنغال في أقصى الجنوب الموريتاني ومنها انطلقوا لتأسيس دولتهم في بلاد المغرب كلها ، ثم تعددت مواضع رباطهم في ربوع دولتهم لأغراض شتى ومنها موضع مدينة الرباط والتي تأسست لتكون مقرا دفاعيا لصد هجمات قبائل برغواطة ..
وعندما قامت دولة الموحدين قرر عبد المؤمن بن علي الكومي تحويل هذا الحصن إلى قاعدة عسكرية كبيرة تشرف على حركة جيوشه الذاهبة إلى الأندلس وأطلق عليها اسم (رباط الفتح) ، وفي عهد حفيده يعقوب المنصور تمت توسعة المدينة لتكون عاصمة تبادلية مع مراكش إذا اقتضت الضرورة الحربية ذلك فأحيطت بسور كبير حصين وبنيت فيها البنايات المختلفة ومن أهمها مسجد حسان وكان أكبر مسجد بالمغرب في زمنه ..
وفي عهد بني مرين توسعت المدينة باتجاه الضفة الأخرى لنهر أبي الرقراق حيث أنشأوا مجمعا ضخما ضم مساجد وحمامات ومدارس وأضرحة شكلت صروحا معمارية فريدة على الطراز المغربي في البناء والعمارة والفنون ومنها المقبرة المرينية المعروفة بالخلوة وقبة السلطان أبي الحسن المريني وزوجته شمس الضحى ومدرسة السلطان أبي عنان المريني وقبة السيدة أم العز زوجة السلطان أبي يوسف المريني ..
وفي عهد الأشراف السعديين سمح لآلاف المهاجرين من مسلمي الأندلس (الموريسكيين) بالاستقرار في ضاحية قصبة الأوداية حيث توسع الحيز العمراني للمدينة وتأسست أحياء جديدة للسكن وتم بناء السور الأندلسي ليحيط بأجزائها التاريخية المختلفة ومنها انطلق الجهاد ضد البرتغاليين ، وفي عهد الأشراف العلويين نقلت عاصمتهم من مكناس إلى الرباط لتصبح رابعة العواصم الكبرى بعد كل من مكناس وفاس ومراكش ..


الدار البيضاء .. مدينة صالح بن طريف
في عام 768 م. قام صالح بن طريف المطغري زعيم قبيلة مطغرة الزناتية البربرية بتأسيس مقر له في منطقة تامسنا الساحلية (وتعني الأرض المستوية) وأطلق على هذه المدينة الوليدة اسم آنفا ويعني قمة التل ، وكانت قبيلة مطغرة قد اعتنقت أفكار الخوارج الصفرية وشكلت حلفا من القبائل الزناتية والمصمودية وغيرها ورحلوا من منطقة طنجة باتجاه الجنوب وأسسوا الإمارة التي عرفت في زمنها باسم (برغواطة) نسبة إلى التحالف القبلي المشكل لها وخاضوا حروبا شرسة مع الأدارسة والفاطميين والأمويين والمرابطين طوال ثلاثة قرون ..
وانتهت الإمارة في عهد الموحدين عندما سقطت آنفا في يدهم حيث برزت مكانتها كميناء هام وأطلق عليه اسم تادرات بمعنى الدار ، ثم في عهد بني مرين كان لها دور كبير في إعداد الأسطول الذي فك الحصار عن الجزيرة الخضراء بالأندلس في عام 1279 م. في عهد السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني ، وكانت دولة بني مرين قد تحملت العبء الأكبر في مواجهة القشتاليين حيث كانت الحليف الأهم لإمارة غرناطة وحولت معظم مدنها الساحلية للمهام الحربية واستقبال الأندلسيين بالإضافة إلى موقع المدينة التجاري الهام ..
وعرفت المدينة منذ وقت مبكر بوجود أضرحة لعدد كبير جدا من الأولياء والصالحين (مثل الإسكندرية) فسكنها كل من سيدي أبي حفص المديوني وسيدي عبد الرحمن بن الجيلالي وسيدي محمد مرس السلطان وسيدي مسعود وسيدي محمد مول وسيدي معروف وغيرهم ، وفي عهد السلطان أبي الحسن المريني سكنها السيد علال القيرواني في عام 1350 م. وهو صاحب الضريح المشهور على الساحل له ولزوجته السيدة للا بيضاء والذي كان علامة على المدينة من بعيد وأطلق عليه البحارة الأسبان اسم كازا بلانكا أي البناء الأبيض ..
وفي عام 1486 هاجمها البرتغاليون ودمروها ولم يتبق منها إلا الأضرحة وحاولوا احتلال الساحل لكنهم تعرضوا لهزيمة كبيرة من دولة بني مرين الذين أعادوا بناءها ، ثم تعرضت المدينة لزلزال كبير عام 1755 م. أطلق عليه زلزال لشبونة لأنه دمر العاصمة البرتغالية أيضا فقام السلطان مولاي محمد الثالث بن عبد الله العلوي بإعادة بنائها في عام 1757 م. وبنى جوارها قلعة محصنة لحماية القبائل وأطلق على المدينة الاسم الذي عرفت به بين البحارة الأسبان والبرتغاليين والذي استمر حتى يومنا هذا وهو الدار البيضاء ..


وجدة .. مدينة زيري بن عطية المغراوي
في القرن العاشر الميلادي دارت وقائع حرب شرسة في شمال أفريقيا بين قبيلتي صنهاجة وزناتة وانتهت بانتصار صنهاجة مدعومة من الدولة الفاطمية وتمت إزاحة زناتة الموالية للأمويين في الأندلس باتجاه الغرب ، وفي عام 381 هـ قام المنصور بن أبي عامر حاجب الخليفة الأموي بتولية زعيم قبيلة مغراوة الزناتية زيري بن عطية المغراوي على المغرب الأقصى واستقبله بالحفاوة والإكرم في قرطبة ودعمه بالمال والسلاح ليتمكن من السيطرة على كافة القبائل في المنطقة ..
وفي عام 384 هـ / 994 م. قرر زيري بن عطية تأسيس مدينة وجدة والتي تقع بين المغرب الأوسط (الجزائر حاليا) والمغرب الأقصى (المملكة المغربية حاليا) واتخذ منها عاصمة لدولته الناشئة وقام بتحصينها عبر إحاطتها بالأسوار العالية والأبواب التي كان يتحكم الحراس في فتحها وإغلاقها ، ثم أعلن الاستقلال ودخل في مناوشات مع الصنهاجيين ومع المنصور بن أبي عامر اعتراضا منه على حجب الخليفة هشام المؤيد واستولى على تاهرت وتلمسان ثم تصالح معه على شروط ..
وفي عام 1079 م. دخلها المرابطون بزعامة يوسف بن تاشفين وتوسعت المدينة لكن نتيجة لموقعها الجغرافي ظلت موضعا للصراع بعد ذلك بين بني مرين في الغرب والزيانيين في الشرق ، قال عنها ابن أبي زرع الفاسي في كتاب (الأنيس المطرب) : (بنى زيري بن عطية المغراوي مدينة وجدة وشيد أسوارها وقصبتها وركب أبوابها وسكنها بأهله وحشمه ونقل إليها أمواله وذخائره وجعلها قاعدته ودار ملكه لكونها واسطة بلاده و كان اختطاط زيري بن عطية لمدينة وجدة في شهر رجب الفرد سنة 384 هجرية) ..
وقال البكري الأندلسي في كتاب (المسالك والممالك) : (وجدة مدينتان مسورتان يسكن في المحدثة التجار وفيها الأسواق والجامع خارج المدينتين على نهر أحدقت به البساتين وهي كثيرة الأشجار والفواكه طيبة الغداء جيدة الهواء) ، وقال ابن عبد ربه الأندلسي الحفيد في كتاب (الاستبصار) : (وجدة كثيرة البساتين والجنات والمزدرعات كثيرة المياه والعيون طيبة الهواء جيدة التربة ويمتاز أهلها من غيرها بنضارة ألوانهم وتنعم أجسامهم ومراعيها أنجع المراعي وأصلحها للماشية وعلى مدينة وجدة طريق المار والصادر من بلاد المشرق إلى المغرب وسجلماسة) ..


الجزائر .. مدينة بلقين بن زيري
في القرن العاشر الميلادي دارت رحى معارك طاحنة في منطقة المغرب الأوسط بين قبيلتين من البربر هما صنهاجة التي كانت موالية للفاطميين في إفريقية ضد قبيلة زناتة بزعامة بني برزال الموالين للأمويين في الأندلس ، وعندما تولى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي قرر حسم هذا الصراع بشكل نهائي فكلف نائبه على المغرب الأمير زيري بن مناد الصنهاجي بالتقدم نحو تلمسان حيث حقق انتصارا كبيرا على الزناتيين ودفعهم باتجاه المغرب الأقصى ..
وفي عام 960 م. برزت الحاجة لوجود قاعدة عسكرية يمكنها السيطرة على بلاد المغرب جميعا فطلب الأمير زيري من ابنه الأمير أبي الفتوح سيف الدولة بلقين بن زيري أن يبحث عن موقع يصلح لهذه المهمة ، وعلى الفور انطلق بلقين من مقر إقامته في مدينة أشير وسار شمالا باتجاه الساحل حيث عثر على منطقة تتوسط البلاد كلها من القيروان شرقا إلى فاس غربا وذلك على تل عال بالقرب من أطلال مدينة إيكوزيوم (قسيمة) الفينيقية القديمة ..
وشرع بلقين في بناء مدينة جديدة عرفت باسم جزائر بني مزغنة وذلك بسبب جيرانها من قبيلة بني مزغنة الصنهاجية الذين نزلوا في المنطقة وحطوا رحالهم هناك وكذلك بسبب وجود أربع جزر صغيرة بالقرب من الساحل (أدمجت بعد ذلك في أرصفة الميناء) ، وعندما قرر الخليفة المعز الانتقال إلى القاهرة استخلف على بلاد المغرب كلها الأمير بلقين وأوصاه باستكمال التوسع فانتقل للإقامة بالقيروان لكن الجزائر ظلت مركز العمليات الحربية ..
وفي القرن التالي استقبلت المدينة عرب بني هلال ثم خضعت لحكم المرابطين حيث توسعت وازدهرت على يد يوسف بن تاشفين وبني فيها الجامع الكبير عام 1097 م. وتحولت إلى قاعدة للمغرب الأوسط في العصور التالية ، واكتسبت المدينة أهميتها بعد وصول هجرات الأندلسيين حيث كان عليها عبء مواجهة غارات الأسبان مما استدعى تدخل العثمانيين بواسطة خير الدين بارباروسا حيث أعلنت الجزائر عاصمة رسمية للإيالة الجديدة عام 1518 م.


بجاية .. مدينة الناصر بن علناس الحمادي
في عام 408 هـ / 1018 م. انقسمت دولة بني زيري الصنهاجية البربرية إلى دولتين الأولى تحت حكم المنصور بن بلقين بن زيري في ولاية أفريقية (تونس حاليا) وعاصمتها القيروان والثانية تحت حكم أخيه حماد بن بلقين في المغرب الأوسط (الجزائر حاليا) وبنى لنفسه عاصمة بالقرب من مدينة المسيلة في المنطقة الداخلية أطلق عليها اسم (قلعة بني حماد) وعرف هذا الفرع باسم الدولة الحمادية تمييزا له عن الفرع الآخر الذي احتفظ باسم بني زيري ، وفي عهد حفيده الناصر بن علناس بن حماد تم إنشاء عاصمة جديدة للدولة تطل على الساحل وتتوسط جميع المدن التابعة لها وأطلق عليها اسم بجاية ..
وفي كتاب معجم البلدان كتب ياقوت الحموي يصف بجاية وسبب اختطاطها وما انطوي عليه من أحداث فيقول : « مدينة على ساحل البحر بين أفريقية والمغرب كان أول من اختطها الناصر بن علناس بن حماد بن زيري في حدود عام 457 هـ بينها وبين جزيرة مزغناي (الجزائر العاصمة حاليًا) أربعة أيام كانت قديمًا ميناء فقط ثم بنيت المدينة من لحف جبل شاهق وفي قبلتها جبال .. كانت قاعدة ملك بني حماد وتسمى الناصرية أيضًا باسم بانيها وهي مفتقرة إلى جميع البلاد لا يخصها من المنافع شيء إنما هي دار مملكة تركب منها السفن وتسافر إلى جميع الجهات وبينها وبين ميلة ثلاثة أيام » ..
وكان السبب في اختطاطها أن تميم بن المعز بن باديس صاحب أفريقية أنفذ إلى ابن عمه الناصر بن علناس محمد بن البعبع رسولًا لإصلاح حال كانت بينهما فاسدة فمر ابن البعبع بموضع بجاية وفيه أبيات من البربر قليلة فتأملها حق التأمل وأشار عليه (أي على الناصر) ببناء بجاية وأراه المصلحة في ذلك والفائدة التي تحصل له من الصناعة بها وكيد العدو ، فأمر من وقته بوضع الأساس وبناها بعسكره ولما توفي الناصر سنة 481 هـ واصل ابنه المنصور الاهتمام بعمران المدينة وكان معروفًا بولعه بالبناء فأسس جامع بجاية وجدد قصورها وتأنق في اختطاط المباني وتشييد القصور وإجراء المياه في الرياض والبساتين ..
وتمتعت بجاية في عهد الحماديين بسمعة طيبة وشهرة واسعة بسبب معاهدها الثقافية المتعددة وتجارتها الرائجة على الشاطئ الأفريقي واستقبالها الموريسكيين الهاربين من محاكم التفتيش بالأندلس كما اشتهرت بعد ذلك بقوتها البحرية التي دافعت بها عن شواطئ المغرب العربي وذلك عندما استنجد أهلها بالعثمانيين في تونس لمناصرتهم ضد الغزو الأسباني حيث كانت المدينة قاعدة الانطلاق لتحرير الساحل كله وطرد الأسبان نهائيا ، وقد نزل فيها ابن خلدون ووصف استقبال أهلِها له فقال : « فاحتفل السلطان بقدومي وأركب للقائي وتهافت أهل البلد عليَّ من كل أوبٍ يمسحون أعطافي ويقبلون يدي وكان يوماً مشهوداً ».


وهران .. مدينة محمد بن أبي عون الجمحي
في عام 902 م. قرر التجار والبحارة الأندلسيون في ثغر ألمرية البحث عن مكان يصلح لإنشاء محطة تجارية على الناحية المقابلة لهم من الساحل الأفريقي وذلك لتسهيل نقل البضائع مع مدن تلمسان وتاهرت وذلك بدعم من أمير قرطبة عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط الأموي الذي سيطر على جزر البليار وتحكم في تجارة غرب المتوسط وانتدب لذلك واحدا من كبار أعيان وتجار ألمرية وهو محمد بن أبي عون الجمحي القرشي حفيد سيد بني جمح الصحابي صفوان بن أمية ..
وصحبه في ذلك رئيس البحارة محمد بن عبدون حيث نزلوا عند خليج بالقرب من أطلال مستعمرة فينيقة مهجورة دمرت في القرن الخامس الميلادي أثناء الصراع بين الرومان والوندال وكانت تسمى (يونيكا كولونيا) وتعني باللاتينية المستعمرة الفريدة لكن المنطقة كانت تسمى إيفري بالأمازيغية وأطلق عليها الأندلسيون وهران وتعني الأسود بلهجتهم ، وخلال سبع سنوات ازدهرت المحطة والمرسى وتحولت إلى مدينة كبيرة وجذبت القبائل البربرية وتولى إمارتها محمد بن أبي عون ..
يقول أبو عبيد البكري في المسالك والممالك (وبنى مدينة وهران محمد بن أبي عون ومحمد بن عبدون وجماعة من الأندلسيين البحريين الذين ينتجعون مرسى وهران باتفاق منهم مع نفزة وبني مسقن وهم من أزداجة وكانوا من أصحاب القرشي سنة 290 هـ فاستوطنوها سبعة أعوام) ، وقال الحسن الوزان المعروف بلقب ليون الإفريقي (وهران مدينة كبيرة تتوفر على مرافق وجميع أنواع الأشياء اللائقة بمدينة طيبة كالمدارس والحمامات والمستشفيات والفنادق يحيط بالمدينة سور جميل عال) ..
تعاقب عليها الفاطميون والمرابطون والموحدون وازدهرت في عهد الزيانيين وتمتعت بحكم ذاتي ، وبعد سقوط الأندلس توسعت بعد قدوم الموريسكيين وتعرضت للاحتلال الأسباني حتى حررها العثمانيون وضموها إلى إيالة الجزائر ، ومن أشهر علمائها قاضي المالكية أحمد بن أبي عون الجمحي الوهراني والمحدث أبو بكر يحيى بن عبد الله الجمحي القرشي والتاجر والفقيه أبو القاسم خالد بن عبد الله الهمداني وأبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان الأموي قاضي الجماعة في عهد المنصور بن أبي عامر ..
وقال عنها ابن خلدون (وهران متفوقة على جميع المدن الأخرى بتجارتها وهي جنة التعساء من يأتي فقيراً إلى أسوارها يذهب غنيا) ، وقال الشريف الإدريسي في وصفها الجغرافي (وهران على حافة البحر تواجه الميرية على الساحل الأندلسي ويفصلهما يومين من الإبحار .. مرسى الكبير هو ميناء ليس له مثيل .. وهران وافرة الثمار سكانها هم رجال أفعال أقوياء وفخورين) ، وقال ابن خميس (المدينتين الساحليتين اللتين أعجبتاني في المغرب العربي هما وهران خازر وجزائر بولوغين) ..


تلمسان .. مدينة موسى بن نصير
في عام 89 هـ. / 708 م. أقام القائد موسى بن نصير معسكره بالقرب من قلعة رومانية قديمة تعرف باسم بوماريا بعد أن انسحبت منها حاميتها وبنى فيها مسجدا على غرار جامع القيروان لتكون النواة الأولى التي نشأت فيها بالتدريج مدينة تلمسان ، ثم عين عليها نائبه طارق بن زياد ليشرف منها على شمالي المغرب حتى طنجة لتكون هذه المدينة بعد ثلاث سنوات قاعدة الإمداد الخلفية للجيوش التي عبرت إلى الأندلس ومنها تبادل طارق الرسائل مع يوليان حاكم سبتة للإعداد لذلك كما يقول ابن عبد الحكم ..
وعرفت المدينة في بداياتها باسم مدينة الجدار بالعربية أو أجادير بالأمازيغية حيث كانت تابعة للقيروان حتى تمكن أبو قرة اليفريني زعيم الخوارج الصفرية من الاستيلاء عليها واتخذها مقرا لحكمه فقام بتوسعتها وبناء السور الكبير حولها وبنى البوابة المعروفة حتى اليوم باسم باب أبي قرة (وهو من قبيلة زناتة البربرية) وذلك في عام 148 هـ / 736 م. ثم استولى عليها الأدارسة في عام 173 هـ./ 790 م. وبنى فيها مولاي إدريس الأول المسجد الجامع وأطلق عليها البربر اسم تلم سان أي (تجمع الاثنين) ..
بعد ذلك تنازع عليها الفاطميون والأمويون ثم في عام 442 هـ. / 1014 م. تلقت المدينة سيلا من هجرات عرب بني هلال ثم في عام 474 هـ. / 1081 م. دخلها المرابطون بقيادة يوسف بن تاشفين حيث قام بتوسعة المدينة وأسس ضاحية تقرات وبنى فيها المسجد الكبير ، وبلغت المدينة أوج عظمتها في عهد الدولة الزيانية حيث تحولت في عام 634 هـ / 1236 م. إلى عاصمة للمغرب الأوسط على يد يغمراسن بن زيان (من قبيلة بني عبد الواد الزناتية) وعرفت باسم (سلطنة تلمسان) طوال ثلاثة قرون ..
تأسس فيها قصر المشور ليكون مقرا للحكم وازدهرت المدينة اقتصاديا وتجاريا ونشطت فيها الحركة الثقافية والعلمية وتأسست فيها المدارس المتنوعة وظهر فيها عدد من المتصوفة من أشهرهم أبو مدين شعيب التلمساني ، ومع سقوط الأندلس تلقت تلمسان سيلا من الموريسكيين المهاجرين وعلى رأسهم الأمير أبو عبد الله الزغل حاكم غرناطة السابق وكان عليها عبء التصدي للهجمات الأسبانية على الساحل الجزائري برا وبحرا حتى أنقذها خير الدين بربروسا في النهاية وضمت إلى إيالة الجزائر ..


تاهرت .. مدينة عبد الرحمن بن رستم
في القرن الثاني الهجري انتشر مذهب الخوارج الإباضية في المغرب الأوسط (الجزائر حاليا) وتمكنوا من إقامة دولة لهم وتأسيس عاصمة جديدة في منطقة منيعة تحت قيادة الإمام عبد الرحمن بن رستم الفارسي حيث ضمت الدولة أخلاطا من العرب والفرس والبربر وغيرهم ، واختار موقعها في سفح جبل جزول عند التقائه بوادي الشلف على بعد عشرة كيلومترات في الغرب من بناء بربري قديم بني في العصر الروماني كان يعرف باسم حصن ابن بخاثة وسرعان ما عمرت المنطقة وتوافدت القبائل البربرية للسكن في كلا الموضعين ..
وجاء تفصيل ذلك في كتاب الدرر السنية (مدينة تيهرت أسسها عبد الرحمن بن رستم بن بهرام وكان مولى لعثمان بن عفان وكان خليفة لأبي الخطاب أيام تغلبه على إفريقية ولما دخل ابن الأشعث القيروان فر عبد الرحمن إلى الغرب بأهله وما خف من ماله فاجتمعت إليه الأباضية وعزموا على بنيان مدينة تجمعهم ، فنزلوا بموضع تيهرت وهي غيضة بين ثلاثة أنهار فبنوا مسجدا من أربع بلاطات واختط الناس مساكنهم وذلك في سنة 161هـ وكانت في الزمان الخالي مدينة قديمة فأحدثها عبد الرحمن بن رستم وبقى بها إلى أن مات في سنة 168 هـ) ..
وقال ابن الصغير (وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار فقلما ينزل بهم أحد من الغرباء الا استوطن معهم وابتنى بيتا بين أظهرهم لما يراه من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي وهذه لفلان البصري وهذه لفلان القروي وهذا مسجد القرويين ورحبتهم وهذا مسجد البصريين وهذا مسجد الكوفيين واستعملت السبل إلى بلاد السودان وغيرها من البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وصنوف الأمتعة والعمارة زائدة والناس والتجار من كل الاقطار قابلون) ..
أطلق الإباضية على مدينتهم اسم معسكر ابن رستم وأحاطوه بقلعة أطلقوا عليها اسم المعصومة وعرفت بلقب (عراق المغرب) لكن البربر أطلقوا عليها اسم تيهرت (أرض الأسود) ، وعندما استولى الفاطميون عليها في القرن الرابع قاموا بإعمار الحصن البربري في الجزء الشرقي الذي عرف باسم تاهرت القديمة وبنوا فيه مسجدا واهتموا بعمرانها لمنافسة مدينة الخوارج التي عرفت باسم تاهرت المحدثة والتي ظلت مزدهرة اقتصاديا وتجاريا وزراعيا حتى زمن الموحدين ، وموضعهما اليوم مدينة تيارت الجزائرية وضاحيتها تاقدمت ..


تونس .. مدينة حسان بن النعمان الغساني
في عام 699 م. أرسل أعيان مدينة القيروان رسالة إلى الخليفة عبد الملك بن مروان يطلبون فيها تأمين المدينة والعناية بالمنطقة (ولاية إفريقية) وذلك حتى لا تتكرر الغارات الرومانية التي أودت بحياة القائد زهير بن قيس البلوي في درنه ، فانتدب الخليفة لهذه المهمة واحدا من أبناء الأمراء الغساسنة من عرب الشام وهو حسان بن النعمان بن عدي بن بكر بن مغيث الأزدي والمعروف بين قومه بلقب (الشيخ الأمين) وقال في حقه على مسمع من الناس (ما أعلم أحدا أكفأ بإفريقية من حسان بن النعمان الغساني) ..
سار حسان بجيشه البالغ أربعين ألف مقاتل من العرب والبربر حتى دخل القيروان وأعاد فيها الأمن ثم انتصر على الحاميات الرومانية في كل من قرطاج وبنزرت وباجه حتى وصل إلى جبال الأوراس وأخضعها بعد أن كانت مصدر تهديد دائم للقبائل البربرية المسلمة ، ورأى حسان بثاقب فكره أن القيروان مدينة داخلية وأن هناك حاجة لبناء مدينة جديدة على الساحل تصلح للمهام الحربية والدفاع عن الولاية في البر والبحر معا فاختار موضعا على ربوة عالية على مسافة عشرة أميال جنوب مدينة قرطاج الفينيقية ..
وفي عام 701 م. اختط حسان بن النعمان مدينة تونس بجوار أطلال قرية قديمة تدعى ترشيش واستمد اسمها من الفعل (تؤنس) والذي يعني في العربية كرم الضيافة وحسن الوفادة وفي الأمازيغية معنى المخيم والتوقف بالليل وبنى فيها جامع الزيتونة والذي تحول بعد ذلك إلى جامعة كبرى وصار مركزا ثقافيا متميزا في المغرب العربي ثم بنى دارا لصناعة السفن بعد أن حفر قناة عبر طريق ساحلي يفصل بين البحيرة والبحر في منطقة تسمى حلق الوادي وأمده والي مصر عبد العزيز بن مروان بألفين من الصناع المهرة ..
وبعد أن أتم حسان مهمته عاد إلى الشام تاركا لخليفته من بعده موسى بن نصير إكمال عمران المدينة واستكمال بناء الأسطول الحربي بهدف حماية الثغور ومطاردة الرومان في البحر المتوسط ، وقد ظلت تونس الميناء الأهم طوال العصور اللاحقة لكنها تحولت إلى عاصمة كبرى مع قيام الدولة الحفصية التي اتخذت منها مقرا للحكم حيث شهدت أوج عظمتها ومجدها ثم ازدهرت بعد ذلك عندما هاجر إليها جموع الأندلسيين فتوسعت المدينة حتى صارت عاصمة شمال أفريقيا ودرة مدائن البحر المتوسط ..


القيروان .. مدينة عقبة بن نافع
القيروان هي ثاني مدينة عربية تبنى في قارة أفريقيا بعد الفسطاط في مصر وأول مدينة إسلامية تأسست في المغرب العربي وهي حاليا رابع أكبر المدن التونسية بعد العاصمة وكانت طوال تاريخها واحدة من المراكز الثقافية الهامة وقاعدة أساسية لنشر الإسلام في المنطقة ، ويرجع تاريخها إلى عام 50 هـ / 670 م. عندما قرر الخليفة معاوية بن أبي سفيان فصل ولاية إفريقية عن ولاية مصر وعين عليها واحدا من قادة الفتوحات المعروفين وهو التابعي الجليل عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري ..
ونتيجة لسابق معرفته بطبيعة المنطقة وقبائلها رأى عقبة أن يؤسس مدينة لتكون عاصمة لهذه الولاية الناشئة فتكون رباطا للدعاة والمجاهدين معا وقال لأصحابه ( فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عزا للإسلام إلى آخر الدهر) ، واختار موضعها في موقع متوسط بين البحر والجبل بحيث تكون في مأمن من أي تهديدات وفي نفس الوقت قريبة منهما معا وذلك في أرض رملية سبخة مستوية كثيرة الشجر في بطن الوادي حيث تصلح مراعيها لإيواء الإبل والخيول فتظل قريبة منهم ..
وشرع في بنائها عام 51 هـ حيث بنى دار الإمارة والمسجد الأعظم المعروف باسم (جامع عقبة) ثم ابتنى الناس الدور والأسواق واستمر البناء أربع سنوات وأطلق عليها اسم (القيروان) وهي لفظة فارسية درج العرب على إطلاقها على القوافل العسكرية ومنها سار عقبة حتى وصل إلى طنجة ، وعندما تم البناء دار حولها عقبة وهو يدعو قائلا (اللهم املأها علما وفقها وأعمرها بالمطيعين والعابدين واجعلها عزا لدينك وذلا لمن كفر بك وأعز بها الإسلام) فصارت مركز الدعوة الإسلامية في أفريقيا ..
ولى عليها الخليفة عمر بن عبد العزيز الفقيه إسماعيل بن أبي المهاجر وأوفد معه عشرة من التابعين لنشر الإسلام ثم سكنها أعلام الفقه المالكي مثل سحنون بن سعيد وأسد بن الفرات وأبي زيد القيرواني ، وفي عهد الأغالبة أنشأ فيها إبراهيم بن الأغلب التميمي مكتبة رقادة وكانت معنية بعلوم الفلك والطب والهندسة والنبات ورأسها أبو اليسر الشيباني عالم الرياضيات كما ازدهرت المدينة في عهد المعز بن باديس الصنهاجي وظلت طوال ستة قرون هي العاصمة السياسية والعلمية والدعوية للمغرب العربي ..


المهدية .. مدينة عبيد الله المهدي
المهدية هي ثانية العواصم التاريخية في تونس بعد القيروان وتنسب إلى عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية وتقع على الساحل الشرقي جنوبي تونس وشرقي القيروان ويطلق عليها المدينة ذات الهلالين وهي عبارة عن برزخ ممتد داخل البحر (شبه جزيرة) يحيط بها البحر من ثلاث جهات وهي عاصمة ولاية المهدية حاليا ، وكان المهدي قد اختار هذا الموضع لبناء عاصمة لدولته الناشئة التي شملت المغرب العربي كله وأنشأ فيها المسجد الأعظم وقصرا له ولولي عهد القائم بأمر الله ودارا لصناعة السفن..
وأدار حول المدينة سورا كبيرا من ناحية البر له بوابة مركزية واحدة أطلق عليها في زمنها باب الفتوح وباب زويلة وتعرف حاليا باسم (السقيفة الكحلة) حيث كانت تمثل البرج الرئيسي للسور وفي نفس الوقت المدخل الأساسي للمدينة برا ومنه يخرج ممر مغطى يؤدي مباشرة إلى الأسواق ومساكن الأهالي .. ويفصل ذلك المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب في كتابه خلاصة تاريخ تونس فيقول (المهدية مدينة جليل قدرها شهير في قواعد الإسلام ذكرها وهي من بناء عبيد الله المهدي أول خلفاء العبيديين وإليه تنتسب ..
وكان ابتداء بنائه لها سنة 303 هـ. / 915 م. وجعلها دار مملكته وأول ما ابتنى منها سورها الغربي الذي فيه أبوابها ثم أمر بحفر مرسى المدينة وكان حجرا صلدا فنقره نقرا وجعله حصنا لمراكبه الحربية وأقام على فم هذا المرسى سلسلة من حديد رفع أحد طرفيها عند دخول السفن ثم تعاد كما كانت تحصينا للمرسى من دخول مراكب الروم وابتنى دار الصناعة وهي من عجائب الدنيا ثم شرع في حفر الأهراء بداخل المدينة وبنى الجباب والمصانع واختزن الأهراء بالطعام وملا الجباب (جمع جب) بالماء ..
وكان اتساع المهدية في أول بناءها من الجوف إلى القبلة قدر غلوة سهم فاستصغرها المهدي عند ذلك فردم من البحر مقدارها وأدخله في المدينة فاتسعت والجامع الأعظم الآن والدار المعروفة في القديم بدار المحاسبات من ما من البحر وابتنى لسائر الناس مدينة أخرى تسمى زويلة وهي إحدى المهديتين وبينهما قدر غلوة سهم وجعل الأسواق والفنادق فيها وأدار بها خندق متسعة تجتمع بها الأمطار فكانت كالربض لمدينة المهدية وكان بخارجها الحمى المعروفة بحمى زويلة وكان كله جنات وبساتين بسائر الثمار وأنواع الفاكهة) ..


صفاقس .. مدينة القاضي علي بن أسلم البكري
في عام 848 م. قرر أمير الأغالبة أبو العباس محمد بن الأغلب التميمي تكليف القاضي علي بن أسلم البكري الوائلي (نسبة لقبيلة بكر بن وائل) بتولي الحكم والقضاء في بلدة جبنيانة القريبة من الساحل وهو من تلاميذ قاضي المالكية بالقيروان الإمام عبد السلام بن حبيب التنوخي المعروف بلقب سحنون ، وبعد أن قضى فيها عاما كاملا دارت المشاورات بينه وبين ابن الأغلب لإنشاء مدينة جديدة في منطقة الساحل الجنوبي والتي كانت خالية من المدن وتتعرض دوما لهجمات الروم البحرية ..
وكان الأغالبة قد أقاموا عشرة أبراج على طول الساحل لمواجهة هذه التهديدات فوقع اختيار القاضي على واحدة من هذه القلاع وقام بتحويلها إلى مدينة حيث بدأ ببناء سور بالطّوب والطّين طوله 600 متر وعرضه 400 متر ، وجعل الحصن القديم في أحد أركانه فكان ذلك سور مدينة صفاقس كما بنى جامعا في مركز المدينة الوليدة (الجامع الكبير) وقد تمّ كلّ ذلك في سنة 849 م. حيث استمر القاضي علي بن أسلم على ولايتها طوال أربعين سنة وعرف بالعدل والحكمة وحسن التدبير ..
وقد جدد السور والجامع بعد عشر سنوات في عهد الأمير أبي إبراهيم أحمد بن الأغلب وبنيا بالكلس بدلا من الطّوب وأطلق على البرج القديم اسم المحرس أو صفاقس باللهجة المحلية وعرف باسم قصبة صفاقس حيث تشكل مع كل من برج النار وبرج القصر وبرج السمراء زوايا الأسوار الأربعة وفي السور عدد من الأبواب من أهمها باب الجبلي وباب البحر وباب الديوان وباب القصبة وخلال سنوات معدودة اتسعت المدينة ونشأت لها ضواحي خارج السور وازدهرت فيها التجارة البحرية ..
زاد عمرانها في عهد الصنهاجيين ثم تمتعت باستقلال نسبي عن القيروان بعد هجرات عرب بني هلال لكنها في عام 1148 م. تعرضت للغزو من قبل النورمانديين الصليبيين في صقلية واستمرت المقاومة الشرسة مدة ثماني سنوات بزعامة الشيخ الشهيد أبي الحسن الفرياني حتى قام الموحدون بتحريرها وانضمت لدولتهم ، وفي عهد الدولة الحفصية بلغت المدينة أوج عظمتها خاصة بعد هجرات الموريسكيين من الأندلس فأنشأوا حي نهج الأندلس وأضافوا للمدينة طابعهم الثقافي والفني المميز ..

المدن الأندلسية في الوطن العربي
استقبلت الدول العربية في شمال أفريقيا سيلا من المهاجرين الأندلسيين من عرب وبربر ويهود على فترات متعاقبة حيث نزلوا في مختلف البلدان وأسسوا أحياء خاصة بهم في عدد من المدن القائمة خاصة تلك التي كانت لها صلات بالأندلس مثل فاس التي تشكلت عند تأسيسها من عدوتين عدوة القرويين (القادمين من القيروان) وعدوة الأندلسيين وكذلك مدينة وهران التي بناها التجار والبحارة الأندلسيون في عصر إمارة قرطبة الأموية لكن الأهم من ذلك أنهم أسسوا مدنا جديدة فساهموا في العمران البشري في تلك البلاد ..
في عام 1471 م. قام مولاي الفقيه أبو الحسن بن جمعة بتخطيط مدينة شفشاون لإيواء مسلمي الأندلس الهاربين من البطش ثم بنى الأمير أبو الحسن علي بن راشد بجوارها قلعة كبيرة لتكون مقرا للدفاع عن المغرب ضد البرتغاليين الذي قاموا بغزو طنجة وسبتة ثم قام محمد بن علي بن راشد ببناء المسجد الأعظم ، وفي عام 1492 م. تأسست مدينة تطاون على يد سيدي علي المنظري الغرناطي وهو من أعيان الأندلس حيث قاد جموع المهاجرين إلى عدوة المغرب وسكن بالمنطقة بإذن من صهره علي بن راشد حاكم شفشاون ..
وفي المغرب الأوسط نزل الأندلسيون في مدنها الكبرى مثل الجزائر وتلمسان كما أسسوا مدينة البليدة في عام 1535 م. على يد سيدي أحمد بن يوسف الأندلسي المعروف بلقب الكبير وقد أطلق عليها في البداية الوريدة (تصغير الوردة) حيث كانت في منطقة بساتين لكن عرفت باسم البليدة (تصغير البلدة) ، وقد عرف عن الأندلسيين دوما تصغير الأسماء ومن ذلك مدينة القليعة (تصغير القلعة) التي بناها حسن باشا بن خير الدين بربروسا في عام 1550 م. غرب مدينة الجزائر بالقرب من تيبازة وذلك لاستيعاب مزيد من الأندلسيين ..
وفي تونس تأسست في عام 1609 م. عدة مدن وقرى أندلسية مثل مدينة تستور التي بنى فيها السيد محمد تغرينو الجامع الكبير في عام 1630 م. وكانت تقع بجوار أطلال قرية تيكيلا الفينيقية القديمة ، ومدينة سليمان نسبة للسيد أبي سليمان الأندلسي ، ومدينة زغوان حيث رباط المتصوفة وملجأ العُبّاد والزّهاد من شيوخ الأندلس أمثال الحاج علي كاطالينة ومحمد قرمطّو والقسطلي ومدينة مجاز الباب في الشرق .. وفي ذلك يقول ابن أبي دينار عن أحداث عام 1016 ـ 1017 هـ الموافق عام 1609 م. :
” وفي هذه السنة جاءت جماعة الأندلس من بلاد النصارى نفاهم صاحب إسبانيا وكانوا خلقا كثيرا فأوسع لهم عثمان داي في البلاد وفرّق ضعفاءهم على الناس وأذن لهم أن يعمّروا حيث شاؤوا فاشتروا الهناشر وبنوا فيها واتّسعوا في البلاد فعمرت بهم واستوطنوا في عدة أماكن ، ومن بلدانهم المشهورة سليمان وبلّي وقرنبالية وتركي والجديّدة وزغوان وطبربة وقريش الواد ومجاز الباب والسلوقية وتستور وهي أعظم بلدانهم وأحضرها والعالية والقلعة وغير ذلك بحيث يكون عدّتها أزيد من عشرين بلدا فصار لهم مدن عظيمة ” ..
وفي مصر نزل العدد الأكبر من الأندلسيين بالإسكندرية شمالي سور المدينة حيث لا يمكن استيعابهم داخلها وكانت تلك المنطقة عبارة عن طرح بحر ترسب في العصر الفاطمي حول الجسر الواصل بين الإسكندرية وجزيرة فاروس وكانت خالية من السكان بسبب وقوعها خارج السور حيث يتعذر حمايتها ليلا برا وبحرا .. ولم يكن فيها إلا القلعة التي بناها السلطان قايتباي على أنقاض الفنار القديم الذي تهدم في زلزال القرن الثالث عشر بالإضافة إلى مقابر عدد من الأولياء الصالحين مثل المرسي والقباري والشاطبي والعدوي ..
وقد سمحت السلطات العثمانية للأندلسيين المهاجرين من أصحاب الأموال بتعمير المنطقة وإقامة ميناء وأسواق للتبادل التجاري مع مواني البحر المتوسط مما شجعهم على السكن فيها فأنشأوا خمسة حارات جديدة هي السيالة والمغاربة والبلقطري والشمرلي والنجع البحري وأطلقوا عليها اسم الجزيرة الخضراء تيمنا بموطنهم الأصلي في الأندلس لكن أهل الإسكندرية (من أهل الحارات الأربع القديمة داخل السور) أطلقوا عليها اسم (بحري) وهي الأن مناطق المنشية والجمرك والأنفوشي ورأس التين ..