
السيدة فاطمة الفهرية .. مؤسسة جامعة القرويين
هي السيدة أم البنين فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري وهي حفيدة القائد عقبة بن نافع ، ولدت في مدينة القيروان بتونس عام 800 م. وتوفيت في مدينة فاس بالمغرب عام 878 م. ، رحلت إلى المغرب مع أبيها وأسرتها لمناصرة دعوة الأدارسة حيث نزلت مع قومها في المنطقة التي عرفت باسم عدوة القيروانيين ثم حرف الاسم مع الوقت للتخفيف وتحول إلى عدوة القرويين.
وكان مولاي إدريس قد قرر إنشاء عاصمة لدولته الناشئة بالقرب من منازل قبيلة أوربه البربرية التي دعمته في دعوته فأنشأ على الضفة الشرقية للنهر عدوة للقبائل العربية التي لحقت به من المشرق ، وبعد سنوات قليلة نشأت على الضفة الغربية عدوة لإيواء الأندلسيين الهاربين من بطش الأمويين وأطلق عليها عدوة الأندلسيين .. ومن العدوتين تكونت مدينة فاس العريقة.
وقد قررت السيدة فاطمة الفهرية أن تنفق من أموالها على بناء جامع كبير وسط عدوة القرويين وكذلك فعلت أختها السيدة مريم فأنفقت أموالها على بناء جامع الأندلسيين في العدوة الأخرى ، لكن الجامع الأول حظي بالشهرة الأكبر حيث تحول إلى أول جامعة بعد سنوات قليلة من بنائه فكانت تدرس فيه العلوم الدينية إلى جانب الرياضيات والفلك والأدب والجغرافيا والفلسفة والطب.
واستغرق بناء الجامعة ثمانية عشر عاما تحت إشراف السيدة فاطمة التي أوقفت عليها كل ميراثها ، ومن أشهر من درسوا فيها ابن خلدون وابن رشد والإدريسي وموسى بن ميمون والبابا سلفستر الثاني ، وهي أول جامعة في العالم تعطي إجازة مكتوبة لممارسة مهنة الطب وذلك في عام 1207 عندما منحت عبد الله بن صالح الكتامي تصريحا بمزاولة المهنة في عهد الموحدين.
وحظيت الجامعة بدعم دولة المرابطين ثم بلغت أوج عظمتها في عهد دولة بني مرين والأشراف السعديين والعلويين ، وتحوي جامعة القرويين على واحدة من أقدم المكتبات في العالم حيث تحوي أكثر من أربعة آلاف مخطوطة وبفضلها تحولت مدينة فاس إلى مصدر إشعاع للعلوم والثقافة في العصور الوسطى وقال عنها المؤرخون : ” اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة “.

المنصور بن أبي عامر الحاجب
آثاره تنبيك عن أخباره حتى كأنك بالعيان تراه
تالله لا يأتي الزمان بمثله أبدا ولا يحمي الثغور سواه
هذه الأبيات منقوشة على قبر المنصور بن أبي عامر في مدينة سالم الأسبانية في المنطقة المعروفة باسم كالتنزور وهو تحريف للاسم القديم قلعة النسور حيث توفي وهو راجع في الطريق من آخر حملاته العسكرية ودفن هناك .. وفي مطلع الألفية تم نصب تمثال كبير له في مسقط رأسه في الجزيرة الخضراء بجنوب أسبانيا احتفالا بمرور ألف عام على وفاته بوصفه من أعظم حكام الأندلس ..
وهو محمد بن أبي حفص عبد الله بن محمد بن أبي عامر المعافري حيث يرجع نسبه إلى قبيلة معافر اليمنية وهي فرع من قبيلة حمير التي انتسب لها ملوك اليمن القدماء .. وقد انتقلت فروع القبيلة إلى مصر حيث كانت تشكل ربع جيش عمرو بن العاص ومن ثم خططت منازلها في الفسطاط بزعامة حويل بن ناشرة المعافري وهو أحد الأربعة الذين كلفوا بتنظيم القبائل في العاصمة الجديدة ..
ثم انتقلت فروع من القبيلة إلى عدوة المغرب وكانت في طليعة من عبروا إلى الأندلس واستقروا في الجزيرة الخضراء .. وقد بدأ حياته بطلب العلم في جامع قرطبة ثم عمل بالتجارة ثم كاتبا للشكاوي أمام قصر الخليفة الحكم المستنصر ثم التحق بعدها موظفا في القصر وتدرج في المناصب حتى صار مشرفا على شئون ولي العهد الأمير هشام ثم صاحب الشرطة ورئيس دار السكة وقاضي أشبيلية ..
وبعد وفاة الحكم وتنصيب هشام المؤيد مكانه تولى ابن أبي عامر منصب الحاجب ثم حجر على الخليفة الطفل ووالدته الأميرة صبح البشكنسية وذلك بعد سلسلة من المؤامرات والصراعات الداخلية التي أطاح فيها بكل خصومه ومنافسيه واحدا تلو الآخر مع استمالة العامة والحكم بالعدل في الرعية والخروج للجهاد في أكثر من خمسين معركة انتصر فيها جميعا فاستحق لقب المنصور ..
وإلى جانب مهارته السياسية والعسكرية كان شاعرا وأديبا وفقيها كما قاد أكبر حركة عمران في الأندلس وطلب ملوك أوروبا وده بسبب ما حققه من رواج اقتصادي كبير .. وبعد وفاته بفترة استولى ألفونسو القشتالي على مدينة سالم ونصب عرشه فوق قبر المنصور فقال له مرافقوه في استنكار : ” لو تنفس صاحب هذا القبر لأهلكنا جميعا .. إن فعلتك تزيده شرفا وهنيئا له النوم تحت عرش الملوك ” ..

ولادة وابن زيدون
أغار عليك من عيني ومني .. ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني خبأتك في عيوني .. إلى يوم القيامة ما كفاني
هذه الأبيات الشعرية منقوشة باللغتين العربية والأسبانية على نصب تذكاري أقامته الحكومة الأسبانية في مدينة قرطبة عام 1971 م. احتفالا بمرور تسعة قرون على وفاة الوزير العاشق أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي القرشي القرطبي وذلك تقديرا لشعره وإحياءا لذكرى حبه للأميرة الأموية ولادة بنت الخليفة المستكفي (آخر خلفاء الأندلس) .. ويقال إن هذه الأبيات قد كتبت بوصية منها على شاهد قبره لتخلد ذكرها إلى جواره ..
وقد تولى ابن زيدون الوزارة في قرطبة في عهد أبي الحزم بن جهور في فترة دقيقة من تاريخ البلاد وذلك بعد أن قتل الخليفة وانفرط عقد الأندلس وانقسمت بين ملوك الطوائف .. وأثناء قيامه بمهام السفارة بين الحكام غضب عليه ابن جهور واتهمه بالميل لمنافسيه فسجنه لكنه استطاع الفرار إلى أشبيلية وتولى الوزارة زمنا طويلا للمعتضد بن عباد وابنه المعتمد حيث ساهمت جهوده في إعادة توحيد الإمارات الجنوبية بما في ذلك العاصمة قرطبة ..
أما شهرته في التاريخ فقد جاءت بسبب عشقه للأميرة ولادة والتي كانت درة عصرها في الشعر والأدب وكان قصرها في قرطبة منتدى أدبيا ومقصدا للشعراء والأدباء .. وقد خلدت هذه القصة الإنسانية من خلال عدد من القصائد الشعرية التي كتبها كل من ولادة وابن زيدون تحمل فيها ما جاشت به النفس من مشاعر الغرام التي لا تخلو من معاني الهجر واللوم والغيرة وذلك في أسلوب أدبي شديد البلاغة عميق المعاني يحمل في طياته الكثير من العواطف والشجن ..
وقد حالت الظروف بينهما حيث افترقا بعد اللقاء وتباعدا بعد القرب .. وعندما مرت السنوات وعاد ابن زيدون إلى قرطبة طمح في لقاء حبيبته لكنها احتجبت عنه بعد أن تقدم بها العمر وظهرت عليها آثار السنين حتى لا تتغير صورتها في عين حبيبها وتظل في مخيلته تلك الصورة الساحرة عن الأميرة الجميلة .. وقد عبر ابن زيدون عن مشاعره تلك في قصيدته التي يقول فيها :
يا من غدوت به في الناس مشتهرا قلبي عليك يقاسي الهم والفكرا
إن غبت عني لم ألق إنسانا يؤنسني وإن حضرت فكل الناس قد حضرا

أبو القاسم الزهراوي .. كبير الأطباء ورئيس الجراحين
(البوقاسيس) هو اللقب الذي أطلقه الأوروبيون في كتاباتهم وترجماتهم على الزهراوي كبير الأطباء في العصور الوسطى وهو تحريف اشتق من كنيته (أبو القاسم) ، وهو خلف بن عباس الأنصاري الزهراوي (نسبة إلى قبيلة الخزرج الأنصارية ومدينة الزهراء التي ولد فيها وهي الضاحية الملكية التي بناها عبد الرحمن الناصر الأموي في قرطبة) ، ولد عام 936 م. (325 هـ) وتوفي عام 1013 م. (403 هـ).
وكانت كتب الزهراوي هي المرجع الأساسي للطب طيلة ستة قرون (من القرن العاشر وحتى السادس عشر) وكانت حلقة هامة بين طب الإغريق وعصر النهضة لأنه كان متفرغا للطب وعلومه على عكس الشائع آنذاك من اشتغال العلماء بمجالات متعددة فدرس في مستشفى قرطبة وتدرج في المناصب حتى صار الطبيب الخاص للخليفة الحكم المستنصر والذي أولى رعاية كبيرة للأطباء والعلماء في عصره.
وقد استحق الزهراوي أن يطلق عليه (أبو الجراحة) لأنه صاحب الفضل في إجراء الكثير من العمليات مثل شق الحنجرة وتركيب القسطرة وخياطة الجروح الداخلية وتفتيت حصوات المثانة واستعمال أمعاء الحيوان في الخياطة واستخدام الكي لوقف النزيف وربط الأوعية الدموية وإزالة الدم من تجويف الصدر كما وصف الحمل خارج الرحم ومرض الهيموفيليا وصنع قوالب خاصة للأقراص الدوائية.
وقد تفوق الزهراوي على أطباء المشرق مثل الرازي وابن سينا وأطباء أوروبا آنذاك في مجال صناعة الأدوات الجراحية حيث كانوا في خوف وإحجام عنها ويفضلون العلاج بالعقاقير ، وقد شرح تلك الأدوات بالرسومات في كتابه الموسوعي (التصريف لمن عجز عن التأليف) المكون من ثلاثين مجلدا والذي صدر في عام 1000 م. وترجمه الإيطالي جيراردو الكريموني إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر.
قال عنه ابن حزم : ” ولئن قلنا إنه لم يؤلف في الطب أجمع منه ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع لنصدقن ” ، وقال عنه دونالد كامبل مؤرخ الطب : ” ألغت طرق الزهراوي طرق جالينوس وحافظت على مركز متميز في اوروبا لخمسمائة عام كما ساعد على رفع مكانة الجراحة في أوروبا المسيحية ” ، وقد كرمته الحكومة الأسبانية وأطلقت اسمه على أحد الشوارع في مدينة قرطبة بالقرب من المسجد العتيق.
الصورة : غلاف الترجمة اللاتينية لموسوعة الزهراوي الطبية

ابن طفيل .. الطبيب والفيلسوف
من أشهر القصص الفلسفية في العصور الوسطى قصة حي بن يقظان وهي رواية خيالية عن طفل ولد في جزيرة معزولة غير آهلة بالسكان وعاش وسط الحيوانات واستطاع بالملاحظة والتأمل اكتشاف الغرائز الإنسانية وحقائق الطبيعة ، وعندما ينتقل إلى جزيرة أخرى عامرة بالسكان يصطدم بالحياة وتفكير الناس المادي البعيد عن الفلسفة العقلية والروحانية الصوفية فيعود للعزلة مرة أخرى.
وهي من أهم القصص المؤثرة في الأدب العربي والفلسفة الأوروبية حيث كانت الأكثر مبيعا في أوروبا الغربية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر وترجمت إلى أكثر من لغة ، ومؤلفها هو الفيلسوف والطبيب الأندلسي أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي القرطبي (نسبة للعرب القيسية) ، ولد في غرناطة عام 1110 م. وتوفي في مراكش عام 1185 م.
تتلمذ على يد فيلسوف الأندلس الكبير ابن باجة ثم كان أستاذا ومكتشفا للفيلسوف ابن رشد ، تعلم الطب في غرناطة ثم عمل في وظيفة كاتب في ديوان حاكم غرناطة ثم ترقى في الوظائف حتى صار وزيرا في دولة الموحدين عند الأمير سعيد بن عبد المؤمن حاكم طنجة ثم عمل وزيرا وطبيبا خاصا للخليفة أبي يعقوب يوسف وتمتع عنده بمكانة عالية وله مؤلفات معروفة في الطب والفلك.
وفي كتابه (أسرار الحكمة المشرقية) أو قصة حي بن يقظان حاول ابن طفيل بطريق التأمل أن يحل معضلة كبرى شغلت حكماء وقته وهي علاقة النفس البشرية بالعقل الأول فإنه لم يقنع برأي الغزالي الذي اكتفى في الاتصال بالتصوف إنما اتبع رأي ابن باجه وأظهر نمو الفكر الإنساني في شخص إنسان منقطع بعيد عن مشاغل الحياة سليم من آثارها وأدرانها وقد نما عقله في الانفراد المطلق بذاته.
ومن خلال التعليق على القصة يتناول ابن طفيل بالنقد والتحليل آراء فلاسفة اليونان والمشرق السابقين له وهم أرسطو والفارابي وابن سينا والغزالي ثم يشرح فلسفة ابن باجة ويخلص منها إلى فلسفته التي تقوم على المزج بين الوحي والعقل وهو الأمر الذي مهد الطريق من بعده لتلميذه ابن رشد فوضع رسالته المعروفة في هذا الأمر بعنوان (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال).

الشريف الإدريسي .. رائد علم الجغرافيا
رائد علم الجغرافيا وواحد من راسمي الخرائط الملاحية .. أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الإدريسي الهاشمي القرشي .. ينتهي نسبه إلى بني حمود حكام غرناطة بالأندلس وجده الأعلى مولاي إدريس مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب ولذا يطلق عليه لقب (الشريف) لانتسابه إلى آل البيت ، ولد في مدينة سبتة عام 1100 م. (493 هـ) وتوفي في صقلية عام 1166 م. (559 هـ).
درس العلم في قرطبة خاصة الرياضيات ثم رحل إلى بقاع كثيرة منها مصر والحجاز والأناضول والقسطنطينية وإنجلترا وفرنسا ، ثم دعاه ملك النورمان في صقلية وجنوب إيطاليا روجر الثاني للذهاب إلى عاصمته باليرمو ليستعين به في رسم خريطة مجسمة للكرة الأرضية حيث كان مولعا بعلم الجغرافيا والخرائط فاستقر الإدريسي عنده وحظي برعايته ودعمه في كل مشروعاته.
أتم الإدريسي هذا العمل الفريد من نوعه آنذاك حيث صور خريطة العالم على لوح ترسيم فوق دائرة كبيرة واضعا عليها خطوط الطول والعرض ورسم فيها بدقة سواحل البحار ومصبات الأنهار وخط الاستواء ومنابع النيل وبحر الشمال ، ثم قام النحاتون بنقل ذلك على كرة كبيرة تزن أربعمائة رطل من الفضة ونقشوا عليها التضاريس الجغرافية لتصير أكبر خريطة مجسمة لكوكب الأرض.
وطلب منه روجر أن يؤلف كتابا يضع فيه خلاصة أبحاثه في الجغرافيا فقضى الإدريسي في الجزيرة خمسة عشر عاما متفرغا للعلم والكتابة حتى أتم موسوعته الجغرافية الكبرى (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) جمع فيها روايات البحارة والتجار والرحالة والحجاج بالإضافة إلى ما شاهده بنفسه في رحلاته الطويلة وما كتبه علماء الجغرافيا السابقون في وصف تضاريس البلاد.
ويعد الكتاب أول مرجع في العصور الوسطى يتجاوز الأساطير القديمة التي كانت موجودة عند الشرق والغرب في تصوراتهم عن شكل العالم وتوزيع القارات حيث اعتمد طريقة وصفية علمية في ترسيم الخرائط السبعة الكبرى التي اعتمد عليها في تقسيم العالم إلى أقاليم جغرافية ومناخية كبرى وهو التقسيم الذي ظل يدور في فلكه الجغرافيون والبحارة حتى بدء حركة الكشوف الجغرافية.

قاضي قضاة مصر .. ابن خلدون
من اشهر فلاسفة العصور الوسطى رائد علم الاجتماع ولي الدين ابو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الاشبيلي والذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي .. وقد ولد في تونس حيث ينتمي إلى عرب اليمن الأندلسيين الذين هاجروا اليها بعد سقوط قرطبة (جده الأعلى وائل بن حجر) .. ويظن الكثيرون أنه واحد من فقهاء ذلك الزمن الذين قضوا حياتهم في قراءة الحواشي وشرح المتون ثم ألف كتابا اشتهر به وهو الأمر المخالف للحقيقة لان كتابات الرجل لم تكن نابعة من غزارة علمه وسعة إطلاعه فقط وانما شملت نتاج تجربة حياتية ثرية في عالم السياسة قلما تتاح لأحد ..
في بداية حياته تتلمذ على يد والده ثم بعد تخرجه من جامعة الزيتونة تولى اعمال الكتابة لملوك الدولة الحفصية في تونس ثم رحل إلى المغرب الاقصى حيث ضمه حاكم فاس ابو عنان المريني الى مجلس حكمه ثم تولى بعد ذلك الوزارة لدى حاكم بجاية ابي عبد الله الحفصي ثم استعان به حاكم تلمسان ابو حمود الزياني في تدبير أموره .. وبعدها رحل إلى غرناطة (اخر إمارة عربية متبقية في الأندلس) فلقي حفاوة بالغة عند الوزير الاديب لسان الدين بن الخطيب وعينه الغالب بالله محمد بن الأحمر حاكم غرناطة سفيرا خاصا له لدى حاكم قشتالة الاسباني لعقد صلح بين الدولتين ..
بعد كل هذه المناصب قرر اعتزال العمل السياسي وتفرغ للكتابة اربع سنوات في قلعة ابن سلامة (في الجزائر حاليا) حيث وضع كتابه الأشهر كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر وأهداه إلى حاكم تونس ابي العباس الحفصي ثم قرر الرحيل للحج فلما وصل إلى مصر احتفى به السلطان برقوق واحسن استقباله واكرم وفادته وولاه قضاء المالكية في سلطنة مصر والشام الى جانب التدريس في الجامع الأزهر .. ثم استعان به أهالي دمشق ليكون وسيطا بينهم وبين سلطان المغول تيمورلنك الذي كان يحاصر المدينة فانزلوه بالحبال من فوق السور وتمت المقابلة بينه وبين الرجل الذي اعجب به وطلب منه أن يعمل مستشارا عنده ..
وقد سجل ابن خلدون تجربته في رفقة ذلك الطاغية الجبار في رسالة بليغة ارسلها الى ملوك المغرب احتوت على الكثير من العبر والفوائد .. بعد ذلك عاد ابن خلدون الى القاهرة حيث استقر به المقام وشرع في وضع مقدمة لكتابه (والتي جاءت كتابا متكاملا في حد ذاته لأنها حوت فلسفته في العمران وخلاصة تجربته العلمية والعملية) وقد أهداها إلى طلبة العلم بجامع القرويين في فاس .. وكانت عبقرية المقدمة بسبب فهمه لعالم السياسية ورؤيته لعوامل قيام وانهيار الدول .. وبعد حياة حافلة بالعطاء وافته المنية عن عمر السادسة والسبعين ودفن عند باب النصر خارج سور القاهرة الشمالي في تربة الصوفية ..

جابر بن حيان .. رائد علم الكيمياء
هو أبو موسى جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي الكوفي (نسبة لقبيلة الأزد اليمنية المعروفة ومدينة الكوفة التي استقر بها) ، ولد في حران بالجزيرة الفراتية عان 721 م. وتوفي عام 815 م. ، نشأ في أسرة من أنصار الدعوة العباسية حيث تنقل بين دمشق وبغداد والكوفة وتتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق وحظي برعاية البرامكة وتفرغ للأبحاث والتجارب العملية.
أنشأ في الكوفة مختبرا خاصة به لإجراء التجارب الكيميائية حيث اعتمد على التجربة العملية مخالفا حديث السابقين له عن حجر الفلاسفة حيث توصل إلى الكثير من النتائج منها اكتشاف القلويات وحمض الكبريتيك وماء الذهب والبوتاس وملح النشادر وماء الفضة وهو من أول من استعمل الميزان الدقيق في الكيمياء ووصف المركبات الكيميائية والمواد القابلة للاحتراق.
ساهمت تجاربه العملية في كثير من التطبيقات العملية مثل دباغة الجلود وصباغة القماش وصناعة الزجاج وتصفية المعادن وصناعة أحبار الكتابة والأوراق المضادة للاحتراق ، كما كانت له إسهامات في صناعة الأدوية وأدخل تحسينات على طرق التبخير والتصفية والانصهار والتبلور والتقطير ، وفي المجال النظري توصل إلى نظرية توازن الطبيعة والمتفاعلات.
وقد عرَف ابن حيان الكيمياء في كتابه العلم الإلهي بقوله : ” الكيمياء هو الفرع من العلوم الطبيعية الذي يبحث في خواص المعادن والمواد النباتية والحيوانية وطُرق تولدها وكيفية اكتسابها خواص جديدة .. إن العلوم الأخرى نشأت من هذا العلم والظاهر أن غرض الكيميائي هو إدراك الحكمة الموجودة في خلق عالم الوجود وعالم الطبيعة .. إن في الكيمياء كل الفلسفة “.
وصفه ابن خلدون في مقدمته وهو يتحدث عن الكيمياء : ” إمام المدونين جابر بن حيان حتى إنهم يخصونها به فيسمونها علم جابر وله فيها سبعون رسالة كلها شبيهة بالألغاز ” ، وقال عنه أبو بكر الرازي في كتابه سر الأسرار : ” جابر من أعلام العرب العباقرة وأول رائد للكيمياء ” وكان يشير إليه بقوله : ” أستاذنا أبو موسى ” ، كما ترجم له ابن النديم في الفهرست وذكر مؤلفاته “.

الجاحظ .. صاحب البيان والتبيين
هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني المعروف بلقب (الجاحظ) بسبب نتوء بارز في حدقة عينه ، فقيه وأديب وباحث وفيلسوف وكاتب موسوعي ، ولد في البصرة عام 775 م. وتوفي فيها عام 868 م. عن ثلاثة وتسعين عاما ، عرف نفسه في رسائله بقوله : ” أنا رجل من بني كنانة وللخلافة قرابة ولي فيها شفعة وهم بعد جنس وعصبة “.
عرف منذ صغره بحب القراءة والكتابة لدرجة الشغف فكان يقضي حياته في دكاكين الوراقين وبائعي الكتب ليلا ويكتفي بالعمل ساعات قليلة بالتجارة في الصباح وبالتالي قضى حياته كلها في عالم المعرفة حيث كان يتواصل مع الأدباء والمترجمين في عصره فأحاط بالثقافات الهندية والفارسية واليونانية والسريانية ، وفي بغداد ذاع صيته واشتهر فعينه المأمون رئيسا لديوان الرسائل.
بلغت مؤلفاته ثلاثمائة كتاب من أهمها كتاب البيان والتبيين وهو من أروع ما كتب في الأدب العربي حيث وضع فيه خلاصة أفكاره الفلسفية وبحوثه اللغوية والتي تنقل لنا صورة عن عصره ، وكتاب الحيوان الذي يعد أول محاولة لكتابة موسوعة علمية في العصور الوسطى لكن في قالب أدبي ، وكتاب البخلاء وهو من أدب الفكاهة الساخر وجمعه من تراث الشعوب المختلفة.
ويعد الجاحظ من أبرز منظري مذهب المعتزلة العقلي ومن دعاة فكرة الإرادة الحرة للإنسان حيث قام مذهبه الفلسفي على الشك والنقد والتجريب والاستقراء ، ويقول عن الفلسفة : ” الفلسفة هي أداة الضمائر وآلة الخواطر ونتائج العقل وأداة لمعرفة الأجناس والعناصر وعلم الأعراض والجواهر وعلل الأشخاص والصور واختلاف الأخلاق والطبائع والسجايا والغرائز “.
كتب عنه ياقوت الحموي : ” لم أر قطُّ ولا سمعت من أحبَّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ فإنَّه لم يقع بيده كتاب قَطُّ إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان ولا عَجَبَ إذ ذاك في أن يُفْرِد الصَّفحات الطِّوال مرَّات عدَّة في كتبه للحديث عن فوائد الكتب وفضائلها ومحاسنها والحقُّ أنَّه كان أشبه بآلة مصوِّرةٍ فليس هناك شيءٌ يقرؤه إلا ويرتسم في ذهنه ويظلُّ في ذاكرته آمادًا متطاولة “.

الكندي .. رائد حركة الترجمة
هو أبو يوسف يعقوب بن إسحق بن الصباح الكندي ، يرجع في نسبه إلى الصحابي الأشعث بن قيس سليل ملوك كندة ، ولد في الكوفة عام 801 م. حيث كان والده واليا على الكوفة من قبل العباسيين ، عاش أول حياته في البصرة ثم انتقل إلى بغداد وتوفي فيها عام 873 م. ، برع في الفلك والطب والكيمياء والرياضيات والموسيقى لكنه اشتهر بمساهماته في الفلسفة وعلم الكلام حتى وصفه ابن النديم في الفهرست بلقب (فيلسوف العرب).
أسند إليه المأمون مهمة الإشراف على بيت الحكمة وهي المؤسسة التي أنشأها هارون الرشيد لجمع الكتب وترجمة المخطوطات من كافة اللغات إلى العربية وكانت مفتوحة للطلاب والدارسين مثل المكتبات العامة فقاد الكندي أكبر حركة ترجمة في ذلك العصر خاصة في كتب العلوم الطبيعية والكيمياء والفلسفة والمنطق والطب ، وأسند إليه المعتصم الإشراف على تربية أولاده بينما ضمه المتوكل إلى ديوان الخلافة وجعله الخطاط الخاص به.
ومع بدء الصراعات السياسية داخل ديوان الخلافة في نهاية عهد المتوكل اعتزل الكندي وتفرغ للكتابة والتأليف كما استكمل تجارب جابر بن حيان في صناعة العطور وتحويل روائح النباتات إلى زيوت ، وفي الرياضيات ساهم في ضبط الأعداد النسبية وفي الطب ألف كتابا بعنوان (رسالة في قدر منفعة صناعة الطب) وضع فيها معيارا لقياس سلامة الأدوية ، وهو أول من أدخل كلمة موسيقى إلى العربية وكتب فيها ووضع سلما موسيقيا لها..
وفقًا لابن النديم كتب الكندي على الأقل مئتين وستين كتابًا منها اثنان وثلاثون في الهندسة واثنان وعشرون في كل من الفلسفة والطب وتسع كتب في المنطق واثنا عشر كتابًا في الفيزياء ، ويرجع إليه الفضل في نقل الفلسفة اليونانية ومصطلحاتها إلى اللغة العربية فمهد الطريق بعده لبقية الفلاسفة أمثال الفارابي وابن سينا حيث كان الكندي أول من نقل علم الكلام من طور البحث الديني إلى طور التفلسف الخالص وشرح باستفاضة (نظرية المعرفة).

المتنبي .. شاعر الحكم الخالدة
يأتي على رأس الشعراء العرب قاطبة أحمد بن علي بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي وكنيته (أبو الطيب) والمعروف بلقب (المتنبي) والذي عاش في القرن الرابع الهجري متنقلا بين العراق والشام ومصر وفارس .. ويرجع السبب في ذلك إلى جودة شعره وروعة بيانه في المقام الأول ثم لسبب أكثر أهمية وهو أن كلماته التي صاغها شعرا قد غدت أمثالا تروى من جيل إلى جيل عبر ألف عام حتى يومنا هذا ..
هو الذي قال : ” ما كل ما يتمناه المرء يدركه .. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .. إذا رأيت نيوب الليث بارزة .. فلا تظنن أن الليث يبتسم .. لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى .. حتى يراق على جوانبه الدم .. على قدر أهل العزم تأتي العزائم .. وتأتي على قدر الكرام المكارم .. كم منزل للمرء يألفه الفتى .. وحنينه دوما لأول منزل .. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى .. ما الحب إلا للحبيب الأول ” ..
وهو الذي قال : ” أغاية الدين أن تحفوا شواربكم .. يا أمة ضحكت من جهلها الأمم .. بذا قضت الأيام ما بين أهلها .. مصائب قوم عند قوم فوائد .. من لم يمت بالسيف مات بغيره .. تعددت الأسباب والموت واحد .. إذا أنت أكرمت الكريم ملكته .. وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا .. ومن يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرح بميت إيلام .. أعز مكان في الدنى سرج سابح .. وخير جليس في الزمان كتاب ” ..
وهو الذي قال : ” يا أعدل الناس إلا في معاملتي .. فيك الخصام وأنت الخصم والحكم .. ذو العقل يشقى في النعيم بعقله .. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم .. لا تحسبن رقصي بينكم طربا .. فالطير يرقص مذبوحا من الألم .. يرى الجبناء أن العجز عقل .. وتلك خديعة الطبع اللئيم .. وكم من عائب قولا صحيحا .. وآفته من الفهم السقيم .. وقد فارق الناس الأحبة قبلنا .. وأعيا دواء الموت كل طبيب ” ..
وهو الذي قال : ” وما التأنيث لاسم الشمس عيب .. ولا التذكير فخر للهلال .. وإذا أتتك مذمتي من ناقص .. فهي الشهادة لي بأني كامل … وما انتفاع أخي الدنيا بناظره .. إذا استوت عنده الأنوار والظلم .. وقنعت باللقيا وأول نظرة .. إن القليل من الحبيب كثير .. ومن يك ذا فم مريض .. يجد مرا به الماء الزلالا .. إذا غامرت في شرف مروم .. فلا ترضى بما دون النجوم ” ..
وهو الذي قال : ” أبني أبينا نحن أهل منازل .. أبدا غراب البين فيها ينعق .. وإذا لم يكن من الموت بد .. فمن العجز أن تموت جبانا .. أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي .. وأسمعت آياتي من به صمم .. الخيل والليل والبيداء تعرفني .. والسيف والرمح والقرطاس والقلم .. لك الله يا مصر قد كنت أما .. لقوم نسوك فيا للجفاء .. وكم ذا بمصر من المضحكات .. ولكنه ضحك كالبكاء ” ..

أبو العلاء المعري .. الشاعر والفيلسوف
وإني وإن كنت الأخير زمانه .. لآت بما لم تستطعه الأوائل
هذا البيت من الشعر يعبر عن عبقرية واحد من أهم الأدباء والفلاسفة العرب ألا وهو أبو العلاء المعري ، وهو أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد القضاعي التنوخي (من قبيلة قضاعة نسبا ومن تنوخ حلفا) ، ولد في معرة النعمان عام 973 م. (363 هـ) وتوفي عام 1057 م. (449 هـ) ، وينتمي إلى أسرة عريقة تولى أفرادها مناصب القضاء وكان لهم دور سياسي في الدول المعاصرة لهم.
أصيب بالعمى وهو صغير فكان يملي كتاباته على كاتبه علي بن عبد الله بن أبي هاشم ، رحل إلى كل من بغداد وحلب وأنطاكيا واللاذقية وطرابلس الشام وصنعاء ثم استقر به المقام في بلدته معرة النعمان حيث اعتزل الناس وتفرغ للكتابة والتأليف فأطلق عليه (رهين المحبسين) ، وعرف بالزهد في الدنيا والعزوف عن متعتها مع ميل إلى التشاؤم مع رؤية نقدية لمشكلات عصره الدينية والاجتماعية.
له مؤلفات عدة في الأدب العربي منها سقط الزند واللزوميات لكن أشهرها رسالة الغفران التي أبدع فيها صورة خيالية عن لقائه بشعراء العصر الجاهلي في الآخرة حيث التقى بعضهم في الجنة مثل زهير والأعشى والنابغة وحسان بن ثابت والتقى في النار بعضهم مثل عنترة وعمرو بن كلثوم والمهلهل وامرىء القيس ، وهي في الأصل بحث في اللغة والبلاغة لكنها لا تخلو من طابع فلسفي.
ويقول علماء اللغة إن المعري أثرى إنتاجه الأدبي بمفردات اللغة الضخمة التي استمدها من المعجم العربي وكان يستخدم هذه المفردات بطرق تخدم فنونه الأدبية المختلفة سواءً النثرية أم الشعرية وقد ساعده على ذلك ذاكرته القوية وشغفه بالقراءة واطلاعه الواسع بالإضافة إلى دراسته للعلوم اللغوية من نحو وصرف وعروض فكانت ثقافته واسعة وشاملة لجميع سنن اللغة والغريب منها.
حاول كثير من الحكام خاصة الدولة الفاطمية استمالته بالمال لكنه كان يعتذر بلطف ويرضى بالقليل من المال حتى لا يكون تابعا لأحد في أفكاره وآرائه ورضي بالحياة البسيطة حيث عزف عن أكل اللحوم واكتفى بالوجبات النباتية ولبس الملابس الخشنة ، وعندما مات وقف يرثيه أكثر من ثمانين شاعرا وقيل أنه أوصى أن يكتب على قبره بيت شعر يقول فيه :
هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد.

أبو الفرج الأصفهاني .. صاحب الأغاني
هو علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي ، يرجع في نسبه من ناحية أبيه إلى جده الأعلى مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين ومن ناحية والدته ينتسب إلى آل ثوابة وهي عائلة شيعية معروفة ، ولد في أصفهان عام 896 م. ولذلك حاز لقب الأصفهاني عندما انتقل إلى بغداد في أول حياته ، عاصر كلا من البويهيين والحمدانيين وتوفي في بغداد عام 967 م.
كان شيعيا في الظاهر لكن في الحقيقة كان يراسل الأمراء الأمويين في الأندلس سرا فيرسل إليهم مكاتباته ويتلقى منهم العطايا ، تتلمذ على يد كل من الأخفش وابن جرير الطبري وعمل فترة كاتبا في ديوان الوزير أبي محمد المهلبي ، تنقل بين البصرة والكوفة وبغداد وأنطاكية وحلب حيث أقام فترة من الزمن في بلاط سيف الدولة الحمداني الذي شمله برعايته فأهدى إليه كتابه الأغاني.
ويتناول كتاب الأغاني موضوعات تفصيلية عن الشعر والشعراء من العصر الجاهلي وحتى زمن المؤلف وكذلك كل ما يتعلق بالموسيقى والغناء في نفس الحقبة الزمنية ، ويعد أول موسوعة عن الموسيقى في العصور الوسطى حيث بلغ عشرين مجلدا قام الأصفهاني بجمعها خلال خمسين عاما من الترحال والاستماع للرواة والمنشدين والمغنيات والمطربين وعلماء اللغة والإخباريين والكتبة.
وقد كان غرضه الأول التمتع بفن الشعر واستعراض الذائقة الأدبية ولم يكن يقصد أن يؤرخ لهذا الفن لهذا جمع كل ما وصل إليه من روايات سواء كانت حقيقية أو خيالية موثقة أو موضوعة وكذلك الروايات المتناقضة حيث التزم بأمانة النقل تاركا للقارىء مهمة الحكم على ما ورد في الكتاب خاصة وقد تناول بالتفصيل الحياة الشخصية للشعراء وأهل الطرب ونقل صورة حية عن المجتمع الذي عاصره.
قال عنه ابن خلدون : ” جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم وجعل مبناه على الغناء في المائة صوت التي اختارها المغنون للرشيد فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه ، ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأنى له به “.

ست الوزراء التنوخية .. مسندة العصر
هي ست الوزراء بنت القاضي شمس الدين عمر ابن العلامة شيخ الحنابلة وجيه الدين أسعد بن المنجَّى بن أبي البركات بركات بن المؤمل التنوخية وتكنى بأم محمد وأم عبد الله ، ولدت بدمشق في 624هـ. ، وهي سليلة بيت عربي عريق في العلم والرئاسة فأبوها هو القاضي شمس الدين أبو الفتح التنوخي الفقيه الحنبلي ولد بحران إذ كان أبوه على قضائها في الدولة النورية ونشأ بها وتفقه على والده ثم قدم دمشق وأفتى ودرس وقد وليَ قضاء حرّان مدةً وكان نبيلاً وافر الجلالة بصيرًا بالأحكام وآخر من حدَّث عنه بنته المعمَّرة المسندة سِتُّ الوزراء.
تتلمذت ست الوزراء على يد أبيها الذي سمعت منه جزءين ، وشيخها الشيخ الإمام الفقيه الكبير مسند الشام سراج الدين الحسين بن أبي بكر المبارك الحنبلي المشهور بابن الزبيدي مدرس مدرسة الوزير عون الدين بن هبيرة ، روى ببغداد ودمشق وحلب وكان إمامًا ديّنًا خيرًا متواضعًا صادقًا ، وقد حدثت عنه ست الوزراء بنت المنجَّى مع خلق كثير فقد أخذت عنه صحيح البخاري وحدثت به وبمسند الشافعي في دمشق ثم بمصر سنة 705هـ عدة مرات وهي آخر من حدث بالمسند بالسماع عاليًا ، وعمرت ست الوزراء حتى توفيت في عام 716 هـ.
تخرج على يد الشيخة ست الوزراء الكثير من العلماء الأثبات وقد تم استدعاؤها إلى مقر الحكم في مصر في قلعة الجبل لتعقد مجالس السماع هناك ، من تلاميذها السلطان الملك الناصر أبو الفتح محمد بن قلاوون والحافظ الإمام العلامة تقي الدين أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن علي بن تمام السبكي الشافعي والقاضي بهاء الدين بن ريان ناظر الجيش والقاضي شهاب الدين بن فضل الله العمري إمام أهل الآداب وابن الزين الخضر بن محمد كاتب الإنشاء بالديار المصرية وأشهر تلامذتها الحافظ شمس الدين الذهبي الذي قرأ عليها مسند الشافعي.
قال عنها ابن تغري بردي : “ صارت رحلة زمانها ورحل إليها من الأقطار” وقال ابن حجر : ” حدثت بدمشق ومصر ” ، ووصفها تلميذها الذهبي بأنها : “ مسندة الوقت ” ، وقال الصفدي : ” ست الوزراء الشيخة الصالحة المعمرة .. كانت مسندة العصر وخريدة الرواية في القصر رزقت الحظوة الباهره وطالت بذاك النجوم الزاهرة فحدثت بالصحيح مرات وفازت من ذاك بالصلات والمبرات وكانت ثابتة على طول التسميع مديدة الروح على الشروط وما يطرأ عليها من التفريع إلا أنها انثالت عليها الجوائز ولم تكن كمن عداها من العجائز “.

ست العجم البغدادية .. مولفة المشاهد القدسية
هي ست العجم بنت النفيس بن أبي القاسم البغدادية .. متصوفة انتقلت من بغداد إلى حلب بعد الغزو المغولي وألفت كتابها (شرح المشاهد القدسية) وهو عبارة عن شروح وفيوضات على كتاب الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية) وانتهت منه في عام 1287 م. واحتوى على خلاصة فلسفة ابن عربي بصورة مبسطة وعبارات واضحة.
وقد وصفت نفسها في كتابها بأنها امرأة عامية من أصول عربية لا تملك من العلم شيئا إلا ما كان من العلم اللدني الذي أخرجها من الجهل إلى النور في لحظة واحدة ، وكانت تملي كلامها على رفيق دربها زوجها وابن خالتها محمد بن محمد بن الخطيب وتقول عن ذلك : ” عندما يلقي الله تعالى في قلبي شيئا من العبارة والفيض أستنجد به استنجاد مخاللة وأدعوه إلى إثبات ما يرد “.
ومثل كتابات الصوفية في ذلك العصر تختلط الحقائق بالخيالات وتكثر الرموز والإشارات والمبالغات الأدبية حيث يبدأ الكتاب بقصة تلك الرؤيا التي تحكيها حيث التقت ابن عربي في المنام بعد وفاته بنصف قرن حيث طلبت منه سلوك طريق التصوف على يديه وأن تستمد منه الولاية فطلب منها أن تقوم بشرح كتابه وأن توضح ما استغلق منه لأنه من غوامض الكتب المشكلة.
وتواصل المؤلفة حديثها عن أهمية التجربة الشخصية في عالم التصوف حتى يصل المريد تدريجيا إلى درجة الإنسان الكامل فيستحق أن تحل فيه الروح الإلهية ويدرك معنى الذات الحقيقية ويصل إلى الفناء في تلك الذات وشهود عالم الوحدة المطلق بعد سريان اللطف النوري ، وفي إحدى تلك التجليات تؤكد ست العجم أنها وصلت إلى سماع الإشراقات الإلهية والفيوضات الرحمانية.
ويفصل ذلك عفيف الدين التلمساني في تعليقاته على كتابها حيث ينقسم العالم بين صفات الجلال وصفات الجمال فينقل عنها قولها : ” الجلال هيبة وخشوع وتعظيم أما الجمال فهو محبة ” ، وتقول عن الجمال المطلق : ” صفة خافية وهمية فلا يدركها إلا من اتصف في حال شهوده بهذه الأوصاف ” وتعني بها وجه الحسن وحسن الوجه وهما المتقابلان ساعة الحلول والاتحاد.