
51 / أيمان العرب
(أيمان العرب في الجاهلية) هو عنوان كتيب لطيف مختصر يتناول ألفاظ القسم عند قبائل العرب قبل الإسلام من وجهة نظر نحوية وبلاغية وقد صنفه كبير الكتاب في ديوان الدولة الإخشيدية وهو النحوي واللغوي إبراهيم بن عبد الله بن محمد النجيرمي المتوفي في الفسطاط عام 343 هـ / 955 م ، وقد اشتهر عند المؤرخين برسالته التي كتبها إلى قيصر الروم على لسان الإخشيد والتي حفظت منها نسخة في الديوان المصري لبلاغتها وقوة تعبيراتها.
ذكره ياقوت الحموي في كتابه معجم الادباء فقال : ” إبراهيم بن عبد الله النجيرمي أبو إسحاق النحوي اللغوي ، أخذ عنه أبو الحسين المهلبي وجنادة اللغوي الهروي وكثير من أهل العلم وكان مقامه بمصر ، قال أبو سعد السمعاني : النّجيرميّ نسبة إلى نجيرم ويقال نجارم وهي محلّة بالبصرة.
قال المؤلف : لم يصب السمعانيّ في قوله إلا أن يكون طائفة من أهل هذا الموضع أقاموا بموضع من محالّ البصرة فنسب إليهم ، ونجيرم قرية كبيرة على ساحل بحر فارس بينها وبين سراف نحو خمسة عشر فرسخا رأيتها، يسمونها أهلها والنجار نيرم فيسقطون الجيم تخفيفا أو تخلفا وليس مثلها يحتمل أن يكون لأهلها محلة بالبصرة وهم فرس من فرس الحال أكثر أكلهم النبق والسمك.
حدثني بعض أهل مصر عند كوني بها في سنة اثنتي عشرة وستمائة قال : حدثت أن الفضل بن عباس دخل على كافور الإخشيدي فقال له : أدام الله أيام سيدنا الأستاذ ، فخفض الأيام فتبسم كافور إلى أبي إسحاق النجيرمي فقال أبو إسحاق : لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا .. وغصّ من هيبة بالريق والبهر .. فمثل سيدنا حالت مهابته .. بين البليغ وبين القول بالحصر .. فان يكن خفض الأيام عن دهش .. من شدّة الخوف لا من قلّة البصر .. فقد تفاءلت في هذا لسيدنا .. والفأل نأثره عن سيّد البشر .. بأن أيامه خفض بلا نصب .. وأن دولته صفو بلا كدر.
قال فأمر له بثلاثمائة دينار ولابن عباس بمثلها هكذا أخبرني المصري في خبر هذا الشعر وأنه لأبي إسحاق النّجيرمي ، ووجدت في أخبار رواها أبو الجوائز الواسطي قال حدثني أبو الحسين ابن أذين النحوي وكان شيخا قد نيف على الثمانين في سنة أربعمائة قال : حضرت مع والدي وأنا طفل مجلس كافور الاخشيدي وهو غاصّ بأهله فدخل رجل غريب فسلّم ودعا له ، وذكر القصة ولم يذكر الفضل بن عباس ، قال : فقام رجل فأنشد – ولم يذكر النجيرمي – وأنشد الشعر بعينه وجهل الرجلين.
قرأت في كتاب من إملاء النّجيرمي قال كاتبه : أنشدني أبو إسحاق وهي له : بدّلني الدهر أميرا معورا .. بسيّد كان خضمّا كوثرا .. إذا شممت كفّه مذ أمّرا .. شممت منها غمرا مقتّرا .. بما أشمّ مسكا وعنبرا .. يا بدلا كان لفاء أعورا ، وأنشدهم أيضا لنفسه : وأيّ فتى صبر على الأين والوجى .. إذا اعتصروا للّوح ماء فظاظها .. إذا ضربوها ساعة بدمائها .. وحلّ عن الكوماء عقد شظاظها .. فانك ضحّاك إلى كلّ صاحب .. وأنطق من قسّ غداة عكاظها .. إذا اشتغب المولى مشاغب مغشم .. فعروة فيها آخذ بكظاظها “.
وذكره القفطي في كتابه إنباه الرواة على أنباه النحاة فقال : ” إبراهيم بن عبد الله أبو إسحاق البغدادىّ النحوىّ النّجيرمىّ ، ونجيرم التى ينسب إليها هى محلّة بالبصرة قاله الإمام أبو سعد السمعانىّ ، وأقول أنا : إنّ نجيرم قرية على ساحل البحر الهندىّ فى طريق فارس من البصرة وهى وسيراف على هذا المجرى وأهل اللغة اليوم يسمونها نيرم فإن كان أحد من أهلها استوطن البصرة فعرفت محلّتهم بهذا الاسم فيمكن وإلا فالمشهور ما ذكرته.
صحب إبراهيم بن عبد الله هذا أبا اسحق إبراهيم بن السرىّ الزجّاج وأخذ عنه وأكثر ونبغ فيمن نبغ من تلاميذه ، وكان حسن الرواية جميل التصنيف حلو الشعر ورحل عن بغداد إلى مصر فى أيام كافور الإخشيدىّ ، وكان كافور يعرف قدره ويكثر برّه وكان يتّجر فى الخشب ويكتسب منه وتبعه على ذلك جماعة من أهل بيته “.
وذكره المقريزي في المقفى الكبير فقال : النّجيرميّ النحويّ إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن حبيش أبو إسحاق النّجيرميّ (بالنون والجيم والياء آخر الحروف نسبة إلى نجيرم محلّة بالبصرة) البغداديّ النحويّ الكاتب ، سمع أبا إسحاق بن السريّ الزجّاج وأكثر من الأخذ عنه وروى عن أبي خليفة وغيره.
روى عنه أبو عمران موسى بن عيسى ، ورحل من بغداد إلى مصر في أيّام الأستاذ كافور الإخشيديّ واتّصل به وكان يحترمه وأمر له في وقت بثلاثمائة دينار ، وتوفّي في شعبان سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة ، وكان حسن التصنيف مليح التأليف جيّد الرّويّة والبديهة في نظمه ونثره، طريفا لطيفا “.
ونقل المقريزي من كتاباته رسالته في القلم حيث يقول : ” كتب رسالة في القلم إلى أبي عمران ابن رباح وهي : إنّه لمّا كان القلم مطيّة الفكر والبنان ومخرج الضمير إلى العيان ومستنبط ما تواريه ظلم الجنان إلى نور البيان ومرسخ الفطن العوازب وجالب الفكر الغرائب ولسان الغائب وبزّ الكاتب ومكتّب الكتائب ومفرّق الحلائب وعماد السلم وزناد الحرب ويد الحدثان وخليفة اللسان ورأس الأدوات التي خصّ الله بها الإنسان وشرّفه بها على سائر أصناف الحيوان.
ومركبا لآلة تقدّمت كلّ آلة وحكمة سبقت في الإنسان كلّ حكمة وقواما لهندسة عقليّة ومصدرا لعقل العاقل وجهل الجاهل الناقل إلينا حكم الأوّلين وحاملها عنّا إلى الآخرين الحافظ علينا أمر الدنيا والدين أوّل شيء خلقه الله فأمره فسبّحه ومجّده وحمده وسجد له ، وكان له فرسان خلق لهم وكنت عميدهم وأقران قصر عليهم وأنت صنديدهم وميدان كنت زينه ومضمارا كنت عينه وحلبة كنت سابقها ومعجزها وغاية كنت مالكها ومحرزها.
ورمت بي الأيّام إلى معدنه الذي كلفت به وعييت بطلبه فظفرت منه بقدح فذّ وأوحد فرد في منبته قد تساعدت عليه السعود في فلك البروج حولا كاملا يؤلّفه مختلف أركانها ومتباين أنوائها وأنحائها وتؤيّده بقواها وجواهرها ، حتّى غذته علقا في الثرى معرقا وأرضعته ناجما وسقته مكعبا وأروته مقضبا وأظمأته مكتملا ولوّحته مستحصدا وجلّلته بهاءها وألقت عليه عنوانها وأودعته أعراقها وأخلاقها
حتّى إذا شقّ بازله ورقّت شمائله وابتسم عن رشائه وناد من لحائه وتعرّى عنه ثوب المصيف بانقضاء الخريف وانكشف عن لون البيض المكنون والصدف المخزون ودرّ البحار وفتاق الجمار وريئ منه يقق العاج بنقبة الديباج وقميص الدرّ بطراز النسّاج فاجتمعت له زينة الأيدي البشرية إلى الأيدي العلويّة والأنساب الأرضيّة إلى الأنساب السمائيّة.
فلمّا قادته السعادة إليّ ورأيته نسيج وحده في الأقلام رأيت أولى الناس به نسيج وحده في الأنام فآثرتك به مؤثرا للنصفة عالما بأنّ زين الجياد فرسانها وزين السيوف أقرانها وزين بزّة لابسها وزين أداة ممارسها ، فالآن أعطيت القوس باريها وزناد المكارم موريها والصمصامة مصلتها والقناة معملها وحلّة المجد لابسها “.
أما رسالته إلى القيصر فلها أهمية كبرى في معرفة أسلوب الكتابة في مصر وقتها وكذلك الاطلاع على الأحوال السياسية والعلاقات الدولية في نهاية عصر الولاة ، وقد جاء نص الرسالة في كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشا حيث يقول القلقشندي :
وكما كتب الأخشيد محمد بن طغج صاحب الديار المصرية وما معها من البلاد الشامية والأعمال الحجازيّة إلى أرمانوس ملك الروم ، وقد أرسل أرمانوس إليه كتابا يذكر من جملته بأنه كاتبه وإن لم تكن عادته أن يكاتب إلا الخليفة فأمر بكتابة جوابه فكتب له الكتّاب عدّة أجوبة ورفعوا نسخها إليه فلم يرتض منها إلا ما كتبه إبراهيم بن عبد الله النّجيرميّ وكان عالما بوجوه الكتابة ونسخته على ما ذكره ابن سعيد في كتابه (المغرب في أخبار المغرب) :
من محمد بن طغج مولى أمير المؤمنين إلى أرمانوس عظيم الروم ومن يليه ، سلام بقدر ما أنتم له مستحقّون ، فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو ونسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.
أما بعد ، فقد ترجم لنا كتابك الوارد مع نقولا وإسحاق رسوليك فوجدناه مفتتحا بذكر فضيلة الرّحمة وما نمي عنا إليك وصحّ من شيمنا فيها لديك وبما نحن عليه من المعدلة وحسن السّيرة في رعايانا وما وصلت به هذا القول من الفداء والتوصّل إلى تخليص الأسرى إلى غير ذلك مما اشتمل عليه وتفهّمناه.
فأما ما أطنبت فيه من فضيلة الرحمة فمن سديد القول الذي يليق بذوي الفضل والنّبل ونحن بحمد الله ونعمه علينا بذلك عارفون وإليه راغبون وعليه باعثون وفيه بتوفيق الله إيّانا مجتهدون وبه متواصون وعاملون ، وإيّاه نسأل التوفيق لمراشد الأمور وجوامع المصالح بمنّه وقدرته.
وأما ما نسبته إلى أخلاقنا من الرحمة والمعدلة فإنا نرغب إلى الله جلّوعلا الذي تفرّد بكمال هذه الفضيلة ووهبها لأوليائه ثم أثابهم عليها أن يوفّقنا لها ويجعلنا من أهلها وييسّرنا للاجتهاد فيها والاعتصام من زيغ الهوى عنها ، وعرّة القسوة بها ويجعل ما أودع قلوبنا من ذلك موقوفا على طاعته وموجبات مرضاته حتّى نكون أهلا لما وصفتنا به وأحقّ حقّا بما دعوتنا إليه وممن يستحقّ الزّلفى من الله تعالى ، فإنا فقراء إلى رحمته وحقّ لمن أنزله الله بحيث أنزلنا وحمّله من جسيم الأمر ما حمّلنا وجمع له من سعة الممالك ما جمع لنا بمولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن يبتهل إلى الله تعالى في معونته لذلك وتوفيقه وإرشاده فإن ذلك إليه وبيده : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ.
وأما ما وصفته من ارتفاع محلّك عن مرتبة من هو دون الخليفة في المكاتبة لما يقتضيه عظم ملككم وأنه الملك القديم الموهوب من الله الباقي على الدّهر ، وإنك إنما خصصتنا بالمكاتبة لما تحقّقته من حالنا عندك فإنّ ذلك لو كان حقّا وكانت منزلتنا كما ذكرته تقصر عن منزلة من تكاتبه وكان لك في ترك مكاتبتنا غنم ورشد لكان من الأمر البيّن أن أحظى وأرشد وأولى بمن حلّ محلّك أن يعمل بما فيه صلاح رعيّته ولا يراه وصمة ولا نقيصة ولا عيبا ولا يقع في معاناة صغيرة من الأمور تعقبها كبيرة.
فإن السائس الفاضل قد يركب الأخطار ويخوض الغمار ويعرّض مهجته فيما ينفع رعيّته ، والذي تجشّمته من مكاتبتنا إن كان كما وصفته فهو أمر سهل يسير لأمر عظيم خطير وجلّ نفعه وصلاحه وعائدته تخصّكم لأن مذهبنا انتظار إحدى الحسنيين فمن كان منّا في أيديكم فهو على بيّنة من ربه وعزيمة صادقة من أمره وبصيرة فيما هو بسبيله وإن في الأسارى من يؤثر مكانه من ضنك الأسر وشدّة البأساء على نعيم الدنيا وخيرها لحسن منقلبه وحميد عاقبته ويعلم أن الله تعالى قد أعاذه من أن يفتنه ولم يعذه من أن يبتليه.
هذا إلى أوامر الإنجيل الذي هو إمامكم وما توجبه عليكم عزائم سياستكم والتوصل إلى استنقاذ أسرائكم ولولا أنّ إيضاح القول في الصواب أولى بنا من المسامحة في الجواب لأضربنا عن ذلك صفحا إذ رأينا أنّ نفس السبب الذي من أجله سما إلى مكاتبة الخلفاء عليهم السلام من كاتبهم أو عدا عنهم إلى من حلّ محلّنا في دولتهم بل إلى من نزل عن مرتبتنا هو أنه لم يثق من منعه وردّ ملتمسه ممن جاوره.
فرأى أن يقصد به الخلفاء الذين الشّرف كلّه في إجابتهم ولا عار على أحد وإن جلّ قدره في ردّهم ومن وثق في نفسه ممن جاوره وجد قصده أسهل السبيلين عليه وأدناهما إلى إرادته حسب ما تقدّم لها من تقدّم وكذلك كاتب من حل محلّك من قصر عن محلنا ولم يقرب من منزلتنا فممالكنا عدّة كان يتقلد في سالف الدهر كلّ مملكة منها ملك عظيم الشأن.
فمنها ملك مصر الذي أطغى فرعون على خطر أمره حتّى ادّعى الإلهية وافتخر على نبيّ الله موسى بذلك ، ومنها ممالك اليمن التي كانت للتبابعة والأقيال العباهلة ملوك حمير على عظم شأنهم وكثرة عددهم ، ومنها أجناد الشام التي منها جند حمص وكانت دارهم ودار هرقل عظيم الروم ومن قبله من عظمائها ومنها جند دمشق على جلالته في القديم والحديث واختيار الملوك المتقدّمين له.
ومنها جند الأردنّ على جلالة قدره وأنه دار المسيح صلّى الله عليه وسلّم وغيره من الأنبياء والحواريّين ومنها جند فلسطين وهي الأرض المقدّسة وبها المسجد الأقصى وكرسيّ النصرانية ومعتقد غيرها ومحجّ النصارى واليهود طرّا ومقرّ داود وسليمان ومسجدهما وبها مسجد إبراهيم وقبره وقبر إسحاق ويعقوب ويوسف وإخوته وأزواجهم عليهم السلام وبها مولد المسيح وأمّه وقبرها.
هذا إلى ما نتقلّده من أمر مكة المحفوفة بالآيات الباهرة والدلالات الظاهرة فإنا لو لم نتقلّد غيرها لكانت بشرفها وعظم قدرها وما حوت من الفضل توفي على كل مملكة لأنها محجّ آدم ومحجّ إبراهيم وارثه ومهاجره ومحجّ سائر الأنبياء وقبلتنا وقبلتهم عليهم السلام وداره وقبره ومنبت ولده ومحجّ العرب على مرّ الحقب ومحلّ أشرافها وذوي أخطارها على عظم شأنهم وفخامة أمرهم وهو البيت العتيق المحرّم المحجوج إليه من كل فجّ عميق الذي يعترف بفضله وقدمه أهل الشرف من مضى ومن خلف وهو البيت المعمور وله الفضل المشهور.
ومنها مدينة الرسول صلّى الله عليه وسلّم المقدّسة بتربته وإنّها مهبط الوحي وبيضة هذا الدّين المستقيم الذي امتدّ ظلّه على البرّ والبحر والسّهل والوعر والشّرق والغرب وصحارى العرب على بعد أطرافها وتنازح أقطارها وكثرة سكّانها في حاضرتها وباديتها وعظمها في وفودها وشدّتها وصدق بأسها ونجدتها وكبر أحلامها وبعد مرامها وانعقاد النصر من عند الله براياتها وإن الله تعالى أباد خضراء كسرى وشرّد قيصر عن داره ومحل عزّه ومجده بطائفة منها.
هذا إلى ما تعلمه من أعمالنا ، وتحت أمرنا ونهينا ثلاثة كراسيّ من أعظم كراسيّكم بيت المقدس وأنطاكية والإسكندريّة مع ما إلينا من البحر وجزائره واستظهارنا بأتمّ العتاد ، وإذا وفّيت النظر حقّه علمت أن الله تعالى قد أصفانا بجلّ الممالك التي ينتفع الأنام بها وبشرف الأرض المخصوصة بالشّرف كلّه دنيا وآخرة وتحقّقت أن منزلتنا بما وهبه الله لنا من ذلك فوق كلّ منزلة والحمد لله وليّ كلّ نعمة.
وسياستنا لهذه الممالك قريبها وبعيدها على عظمها وسعتها بفضل الله علينا وإحسانه إلينا ومعونته لنا وتوفيقه إيّانا كما كتبت إلينا وصحّ عندك من حسن السّيرة وبما يؤلّف بين قلوب سائر الطّبقات من الأولياء والرعية ويجمعهم على الطاعة واجتماع الكلمة ويوسعها الأمن والدّعة في المعيشة ويكسبها المودّة والمحبة.
والحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا على نعمه التي تفوت عندنا عدد العادّين وإحصاء المجتهدين ونشر الناشرين وقول القائلين وشكر الشاكرين ، ونسأله أن يجعلنا ممن تحدّث بنعمته عليه شكرا لها ونشرا لما منحه الله منها ومن رضي اجتهاده في شكرها ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وكان سعيه مشكورا إنه حميد مجيد.
وما كنت أحبّ أن أباهيك بشيء من أمر الدنيا ولا أتجاوز الاستيفاء لما وهبه الله لنا من شرف الدين الذي كرّمه وأظهره ووعدنا في عواقبه الغلبة الظاهرة والقدرة القاهرة ثم الفوز الأكبر يوم الدّين ، لكنك سلكت مسلكا لم يحسن أن نعدل عنه وقلت قولا لم يسعنا التقصير في جوابه ومع هذا فإنا لم نقصد بما وصفناه من أمرنا مكاثرتك ولا اعتمدنا تعيين فضل لنا نعوذ به إذ نحن نكرم عن ذلك.
ونرى أن نكرمك عند محلك ومنزلتك وما يتّصل بها من حسن سياستك ومذهبك في الخير ومحبّتك لأهله وإحسانك لمن في يدك من أسرى المسلمين وعطفك عليهم وتجاوزك في الإحسان إليهم جميع من تقدّمك من سلفك ، ومن كان محمودا في أمره رغب في محبته لأن الخيّر أهل أن يحبّ حيث كان فإن كنت إنما تؤهّل لمكاتبتك ومماثلتك من اتسعت مملكته وعظمت دولته وحسنت سيرته فهذه ممالك عظيمة واسعة جمّة، وهي أجل الممالك التي ينتفع بها الأنام وسرّ الأرض المخصوصة بالشرف فإنّ الله قد جمع لنا الشرف كلّه والولاء الذي جعل لنا من مولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه مخصوصين بذلك إلى مالنا بقديمنا وحديثنا وموقعنا.
والحمد لله رب العالمين الذي جمع لنا ذلك بمنّه وإحسانه ومنه نرجو حسن السعي فيما يرضيه بلطفه ، ولم ينطو عنك أمرنا فيما اعتمدناه وإن كنت تجري في المكاتبة على رسم من تقدّمك فإنك لو رجعت إلى ديوان بلدك وجدت من كان تقدّمك قد كاتب من قبلنا من لم يحلّ محلّنا ولا أغنى غناءنا ولا ساس في الأمور سياستنا ولا قلّده مولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ما قلّدنا ولا فوّض إليه ما فوّض إلينا ، وقد كوتب أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وآخر من كوتب تكين مولى أمير المؤمنين ولم يكن تقلد سوى مصر وأعمالها.
ونحن نحمد الله كثيرا أوّلا وآخرا على نعمة التي يفوت عندنا عددها عدّ العادّين ونشر الناشرين ولم نرد بما ذكرناه المفاخرة ولكنا قصدنا بما عددنا من ذلك حالات أوّلها التحدّث بنعمة الله علينا ثم الجواب عما تضمّنه كتابك من ذكر المحلّ والمنزلة في المكاتبة ولتعلم قدر ما بسطه الله لنا في هذه المسالك وعندنا قوّة تامة على المكافأة على جميل فعلك بالأسارى وشكر واف لما توليهم وتتوخّاه من مسرّتهم إن شاء الله تعالى وبه الثقة ، وفّقك الله لمواهب خيرات الدنيا والآخرة والتوفيق للسّداد في الأمور كلها والتيسير لصلاح القول والعمل الذي يحبه ويرضاه ويثيب عليه ويرفع في الدنيا والآخرة أهله بمنّه ورحمته.
وأما الملك الذي ذكرت أنه باق على الدهر لأنه موهوب لكم من الله خاصّة فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين وإن الملك كلّه لله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء بيده الخير وإليه المصير وهو على كل شيء قدير ، وإن الله عزّ وجل نسخ ملك الملوك وجبريّة الجبّارين بنبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله أجمعين.
وشفع نبوّته بالإمامة وحازها إلى العترة الطاهرة من العنصر الذي منه أمير المؤمنين أطال الله بقاءه والشجرة التي منها غصنه وجعلها خالدة فيهم يتوارثها منهم كابر عن كابر ويلقيها ماض إلى غابر حتّى نجز أمر الله ووعده وبهر نصره وكلمته وأظهر حجته وأضاء عمود الدين بالأئمة المهتدين وقطع دابر الكافرين ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل ولو كره المشركون حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وإليه يرجعون.
وإنّ أحقّ ملك أن يكون من عند الله وأولاه وأخلقه أن يكنفه الله بحراسته وحياطته ويحفّه بعزّه وأيده ويجلّله بهاء السكينة في بهجة الكرامة ويجمّله بالبقاء والنّجاء ما لاح فجر وكرّ دهر ، ملك إمامة عادلة خلفت نبوّة فجرت على رسمها وسننها وارتسمت أمرها وأقامت شرائعها ودعت إلى سبلها مستنصرة بأيدها منتجزة لوعدها وإنّ يوما واحدا من إمامة عادلة خير عند الله من عمر الدنيا تملّكا وجبريّة ، ونحن نسأل الله تعالى أن يديم نعمه علينا وإحسانه إلينا بشرف الولاية ثم بحسن العاقبة بما وفّر علينا فخره وعلاه ومجده وإحسانه إن شاء الله وبه الثقة وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وأما الفداء ورأيك في تخليص الأسرى ، فإنا وإن كنّا واثقين لمن في أيديكم بإحدى الحسنيين وعلى بينة لهم من أمرهم وثبات من حسن العاقبة وعظم المثوبة عالمين بما لهم فإن فيهم من يؤثر مكانه من ضنك الأسر وشدّة البأساء على نعيم الدنيا ولذّتها سكونا إلى ما يتحقّقه من حسن المنقلب وجزيل الثواب ويعلم أن الله قد أعاذه من أن يفتنه ولم يعذه من أن يبتليه.
وقد تبيّنّا مع ذلك في هذا الباب ما شرعه لنا الأئمة الماضون والسلف الصالحون فوجدنا ذلك موافقا لما آلتمسته وغير خارج عما أحببته فسررنا بما تيسّر منه وبعثنا الكتب والرسل إلى عمّالنا في سائر أعمالنا وعزمنا عليهم في جمع كلّ من قبلهم وأتباعهم بما وفر الإيمان في إنفاذهم وبذلنا في ذلك كلّ ممكن وأخّرنا إجابتك عن كتابك ليتقدّم فعلنا قولنا وإنجازنا وعدنا ويوشك أن يكون قد ظهر لك من ذلك ما وقع أحسن الموقع منك إن شاء الله.
وأما ما ابتدأتنا به من المواصلة واستشعرته لنا من المودّة والمحبة فإنّ عندنا من مقابلة ذلك ما توجبه السياسة التي تجمعنا على اختلاف المذاهب وتقتضيه نسبة الشرف الذي يؤلفنا على تباين النحل فإن ذلك من الأسباب التي تخصّنا وإيّاك ، ورأينا من تحقيق جميل ظنّك بنا إيناس رسلك وبسطهم والاستماع منهم والإصغاء إليهم والإقبال عليهم وتلقينا انبساطك إلينا وإلطافك إيّانا بالقبول الذي يحقّ علينا ليقع ذلك موقعه وزدنا في توكيد ما اعتمدته ما حمّلناه رسلك في هذا الوقت على استقلالنا إيّاه من طرائف بلدنا وما يطرأ من البلاد علينا ، وإن الله بعدله وحكمته أودع كلّ قرية صنفا ليتشوّف إليه من بعد عنه فيكون ذلك سببا لعمارة الدنيا ومعايش أهلها ونحن نفردك بما سلّمناه إلى رسولك لتقف عليه إن شاء الله.
وأما ما أنفذته للتجارة فقد أمكنّا أصحابك منه وأذنّا لهم في البيع وفي ابتياع ما أرادوه واختاروه لأنا وجدنا جميعه مما لا يحظره علينا دين ولا سياسة وعندنا من بسطك وبسط من يرد من جهتك والحرص على عمارة ما بدأتنا به ورعايته وربّ ما غرسته أفضل ما يكون عند مثلنا لمثلك والله يعين على ما ننويه من جميل ونعتقده من خير وهو حسبنا ونعم والوكيل.
ومن ابتدأ بجميل لزمه الجري عليه والزيادة ولا سيما إذا كان من أهله وخليقا به ، وقد ابتدأتنا بالمؤانسة والمباسطة وأنت حقيق بعمارة ما بيننا وباعتمادنا بحوائجك وعوارضك قبلنا فأبشر بتيسير ذلك إن شاء الله ، والحمد لله أحقّ ما ابتدىء ب، وختم بذكره وصلّى الله على محمد نبيّ الهدى والرحمة وعلى آله وسلّم تسليما “.

52 / الولاة والقضاة
يعد كتاب (الولاة والقضاة) المرجع الأساسي في تاريخ مصر وآدابها في عصر الولاة حيث ينقل إلينا سردا تفصيليا بأهم الأحداث التاريخية ويقرن بها ما روي من أشعار أو مكاتبات تتعلق بها ويدقق في المرويات ويحدد مصدرها بوضوح ، ومؤلف الكتاب هو المؤرخ والأديب والنسابة والفقيه أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي الذي ولد في الفسطاط عام 283 هـ / 896 م وتوفي فيها عام 350 هـ / 961 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة تجيب (فرع من كندة) وهي إحدى القبائل الأربعة الكبرى التي أسست الفسطاط في زمن الفتح الإسلامي.
ذكره تقي الدين المقريزي في كتابه المقفى الكبير وذكر نسبه وقبيلته بالتفصيل فقال : ” أبو عمر الكنديّ صاحب ولاة مصر .. محمد بن يوسف بن يعقوب بن حفص بن يوسف بن نصير بن زيد بن عبد الله بن قيس بن الحارث بن عميس بن ضبيع بن عبد العزيز بن عامر بن مالك بن براءة بن أذاة بن عديّ بن أشرس بن شيبة بن السكون بن الأشرس ابن كندة ، التجيبيّ أبو عمر الكنديّ المصريّ المؤرّخ الفقيه الحنفيّ.
ولد يوم النحر سنة ثلاث وثمانين ومائتين ، روى عن عليّ بن الحسن بن خلف بن قديد الأزديّ وأبي عبد الرحمن النسائيّ وجماعة ، وروى عنه أبو محمد عبد الرحمن بن عمر ابن النحّاس ، ، وصنّف الكثير في أخبار مصر فمنها كتاب الأمراء وكتاب الرايات وكتاب القضاة وكتاب الموالي وكتاب الجند الغربيّ وكتاب الخندق والتراويح وكتاب الخطط وكتاب أخبار السريّ بن الحكم ، وكان عارفا بأحوال الناس وسير الملوك.
قال أبو محمد عبد الله بن أحمد الفرغانيّ : كان من أعلم الناس بالبلد وأهله وأعماله وثغوره وله مصنّفات فيه وفي غيره من صنوف الأخبار والأنساب ، وكان من جلّة أهل العلم بالحديث والنسب عالما بكتب الحديث صحيح الكتاب نسّابة عالما بعلوم العرب سمع من النسائيّ وغيره وحدّث في آخر عمره وسمع منه وكان يتفقّه على مذهب العراقيّين ، وتوفّي يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة خمسين وثلاثمائة بمصر ودفن بمقابر غافق وكندة “.
وذكره الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” أَبُو عُمَر الكِنْدي محمد بن يوسف بن يعقوب، من بني كندة: مؤرخ. كان من أعلم الناس بتاريخ مصر وأهلها وأعمالها وثغورها. وله علم بالحديث والأنساب. وهو غير يعقوب الكندي الفيلسوف .. ولد أبو عمر وتوفي بمصر من كتبه : (الولاة والقضاة) في مجلد واحد اشتمل على كتابيه تسمية ولاة مصر وأخبار قضاة مصر وله أيضا (فضائل مصر) صنفه لكافور الإخشيدي وسيرة مروان بن الجعد وكتاب الموالي “.
وقد سجل الكندي في كتابه عدة وقائه هامة في تاريخ مصر ومنها ثورة أسفل الأرض الكبرى التي تعرف بثورة البشموريين والتي تزعمتها القبائل العربية في الدلتا حيث يقول : ” ثمَّ ولِيَها عيسى بْن منصور من قِبَل أَبِي إسحاقَ ولِيَها مستهلّ سنة ستّ عشرة ومائتين عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه أَبَا مُغيث مُوسَى بْن إبراهيم بْن عَمِّه.
ثمَّ انتقضت أسل الأرض كلّها عربَها وقِبْطها فِي جمادى الأولى سنة ستّ عشرة وأخرجوا العُمَّال وخالفوا الطاعة وكان ذَلكَ لسُوء سيرة العُمَّال فيهم ، ثمَّ قدِم الأَفْشِين من بَرْقة للنصف من جمادى الآخرة سنة ستّ عشرة فأقام بالفُسطاط لأن النيل فِي مدّه قد حال بينه وبينهم ثمَّ خرج الأَفْشِين وعيسى بْن منصور جميعًا فعسكروا بأَشْلِيم ، وعقدوا عليهم لابن عُبَيْدُس الفِهْريّ من ولَد عُقْبة بْن نافع فواقعهم الأَفْشِين بأَشْلِيم فهزمهم وأسر منهم كثيرًا، فقتلهم ورجع عيسى بْن منصور إلى الفُسطاط ومضى الأَفْشين إلى الحَوْف ففلّ جماعتهم.
وبعث الأَفْشين عُبَيْد اللَّه بْن يزيد إلى الإِسكَندريَّة واستجاشت عَلَيْهِ بنو مُدْلِج فحصروه فِي حِص الإِسكَندريَّة وذلك فِي شوَّال سنة ست عشرة ومضى الأَفْشِين إلى شَرْقُيون فلقِيَ مَن هناك بمحَلَّة أَبِي الهَيْثَم فاقتتلوا فظفِر بهم الأَفْشين وقتل صاحبهم أَبَا ثور اللَخْميّ ، ومضى الأَفْشين أيضًا إلى دَمِيرة فحاربهم فِي ذي القَعدة سن ستّ عشرة فظفِر بهم وخرج عيسى بْن منصور من الفُسطاط إلى تُمَيِّ فقاتل أهلها فانهزم أهل تُمّيّ.
وأقبل الأَفْشِين فِي جنوده إلى الإِسكَندريَّة فلَقيَه طائفة من بني مُدْلِج بخَرِبتا فهزمهم وأتوه أيضًا بَمَحلَّة الخلفاء فهزمهم وأسر أكثرهم فنزل بهم قَرْطَسا فضرب أعناقهم بها وأتى الإِسكَندريَّة فدخلها وهرب منه رُؤَساؤهم وهم بَحْر بْن علي اللَخْميّ وابن عُقاب اللَخْمي وكان رئيس جماعتهم مُعاوية بْن عَبْد الواحد بْن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج ، وكان دخول الأَفْشين الإِسكَندريَّة لعشر بقينَ من ذي الحجَّة سنة ستّ عشرة ومضى الأَفْشيِن بعد فتح الإِسكَندريَّة إلى أهل البَشَرُود فكان مُواقفًا لهم وقد امتنعوا حتى قدِم المأْمون.
قدوم أمير المؤمنين المأْمون الفُسطاط : قدِم لعشر خلونَ من المحرَّم سنة سبع عشرة ومائتين فسخِط عَلَى عيسى بْن منصور وأمر بحلّ لِوائه وأمره بلباس البَياض وقال : لم يكن هذا الحدَث العظيم إلَّا عَنْ فِعلك وفِعل عُمَّالك حمَّلتم الناس ما لا يُطيقون، وكتمتوني الخَبر حتى تفاقم الأمر واضطربت البلد.
وضمّ أصحابه إلى ابن عَمّه مُوسَى بْن إبراهيم وولَّى المأْمون عَلَى شُرَط الفُسطاط أحمد بْن بِسْطام الأَزْديّ من أهل بُخارا وركب أمير المؤمنين فنظر إلى المِقْياس وأمر بإقامة جِسر آخر فعُمل لَهُ هذا الجِسر القائم بالفُسطاط اليوم وتُرك القديم ، وعقد لأبي مُغيث مُوسَى بْن إبراهيم عَلَى جيش بعثه إلى الصعيد فِي طلب ابن عُبَيدُس الفِهْريّ ومعه رشيد التُّركيّ فظفروا بالفِهري بطَحا وارتحل المأْمون إلى سَخَا سلخ المحرَّم سنة سبع عشرة ثمَّ صار إلى البَشَرُود والأَفْشين قد أوقع القِبْط بها فنزلوا عَلَى حُكم أمير المؤمنين فحكم بقتل الرِّجال وبَيع النساء والأَطفال.
فبِيعوا وسُبي أكثرهم وأتى بالفهْري إلى سَخَا فقتله وتتبَّع كل من يُومَى إِلَيْهِ بخِلاف فقتله فقتل ناسًا كثيرًا ، ورجع إلى الفُسطاط يوم السبت لستّ عشرة من صفر سنة سبع عشرة ومضى إلى حُلْوان فنظر إليها وأقام بها ثلاثًا ورجع إلى الفُسطاط فخرج عَلَى مقدَّمته أَشِنَاس ، وارتحل المأْمون يوم الخميس لثماني عشرة من صفر فكان مُقامه بالفُسطاط وسَخَا وحُلْوان تسعة وأربعين يومًا “.
ويسرد الكندي وقائع عايشها بنفسه وتشمل الأحداث السياسية التي أدت إلى تولي محمد بن طغج الإخشيد حكم مصر فقال : ” ثمَّ وردت الأخبار بخلع القاهر بالله ووِلاية أَبِي العبَّاس الراضي بالله بن المُقتدِر فعاد محمد بْن تَكِين فألقى إلى الناس أن أمير المؤمنين الراضي بالله ولَّاه مِصر فأقبل فِي جمع معه ، فخرج إِلَيْهِ حَبَشيّ بْن أحمد فِي المَغاربة فالتقَوا فيما بين فاقُوس وبُلْبَيْس بموضِع يقال لَهُ الطواحين فاقتتلوا ، فانهزم محمد بْن تكين وأُسر وبُعث بِهِ إلى الفُسطاط فأُخرج إلى الصعيد.
وخرج بجكَم إلى الحجّ فجُعل مكانه عَلَى الشُّرَط محمد بْن زياد الَّذِي يقال لَهُ كوجك ثمَّ عُزل سلخ ربيع الأوَّل سنة ثلاث وعشرين فجُعل عَلَى الشُّرَط محمد بْن عيسى النُّوشَري ، ووردت الأخبار بمسير محمد بْن طُغِج إلى مِصر وأن الراضي بالله عقد لَهُ عَلَى وِلايتها فبعث أحمد بْن كَيْغَلَغ بحَبَشيّ بْن أحمد فِي المَغاربة إلى الفَرَما ليمنع محمد بْن طغْج من المسير.
ووقعت الرعيَّة بصاحب الشُّرَط محمد بْن عيسى النُّوشَري فصرفه أحمد بْن كَيْغَلَغ عَن الشُّرَط وجعل مكانه سَعِيد بْن عثمان غُلام الأحول ثمَّ أقبلت مراكب محمد بْن طُغْج فدخلت تَنِّيس عليها صاعد بن كَلملم وسارت مُقدَّمته فِي البرّ ودخل صاعد إلى دِمْياط ، وعزم أحمد بن كَيْغَلَغ عَلَى التسليم إلى محمد بْن طُغْج فأبى ذَلكَ محمد بْن عليّ الماذَرائيّ وانتظر ما يأمر بِهِ السُّلطان وبعث بحَبَشيّ ليمانعه.
وبعث بعليّ بْن بدر فِي المراكب فلقي صاعد بْن كَلملم ببوش من أرض سَمَنُّود عَلَى بُحَيرة ترسا فاقتتلوا فانهزم عليّ بْن بدر وذلك لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثلاث وعشرين وأقبل صاعد فِي مراكبه إلى الفُسطاط فكان فِي جزيرة راشد وبالجيزة ، ثمَّ مضى منحدِرًا فِي النيل إلى أسفل الأرض ليلة الثلاثاء شعبان وأقبل محمد بْن طُغْج فعسكر أحمد بْن كَيْغَلَغ للنصف من شهر رمضان فخرج إلى محمد بْن طُغْج.
فخرج إلى محمد بْن طُغج كثير من الجُند مستأْمنين وعاد صاعد بْن كَلملم فنزل الجزيرة يوم الأحد لعشر بقينَ من شهر رمضان ولحِق سَعِيد بْن عثمان صاحب الشُّرَط بمحمد بْن طُغْج فجُعل بجكَم مكانه والتقى محمد بْن طُغْج وأحمد بْن كَيْغَلَغ يوم الأربعاء لسبع بقينَ من شهر رمضان فكفّ أحمد بْن كَيْغَلَغ عَن القتال وسلَّم إلى محمد بْن طُغْج وتكفَّفا جميعًا ، وكرِه حَبَشيّ والمَغاربة جميعًا المُقام مَعَ محمد بْن طُغْج فركِبوا طريق الشرقيّة ومعهم بَجكم، وعليّ بْن بدر ونظيف الموسوي وعليّ المغربيّ.
محمد بْن طُغْج الثانية : ثمَّ ولِيَها محمد بْن طُغْج الثانية من قِبَل الراضي بالله عَلَى صلاتها وخراجها، يوم الخميس لستّ بقينَ من رمضان سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وجعل عَلَى شُرَطه سَعِيد بْن عثمان.
ولحِق حَبَشيّ وأصحابه بالفَيُّوم فخرج إليهم صاعد بْن كَلملم فِي مراكبه يوم السبت لثلاث خلونَ من شوَّال سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ، ثمَّ قدِم أَبُو الفتح الفَضْل بْن جَعْفَر بْن محمد بْن فُرات مُكشّفًا وقدِم بالخِلَع فخُلِعت عَلَى محمد بْن طُغْج ودخل صاعد كَلملم فِي مراكبه إلى المَنْهَى ثمَّ صار إلى الفَيُّوم فاقتتل مَعَ حَبَشيّ فكان بينهم قتلى ثمَّ ظفِر حَبَشيّ بصاعد فأسره وقتله وقتل أصحابه وذلك لتسع بقينَ من شوَّال.
ثمَّ مضى حَبَشيّ من الفَيُّوم إلى الإسكندريَّة فِي جيشه وسار عليّ بْن بَدْر وبَجْكم فِي المراكب التي كانت لصاعد فصبَّحوا الفُسطاط أوَّل يوم من ذي القعدة سنة ثلاث فأَرَسوا بجزيرة الصِّناعة فشعَّثوها ثمَّ مضَوا إلى جزيرة راشد ، وركِب محمد بْن طُغْج فِي جيشه فوقف بحِيالهم ثمَّ انحدروا إلى الإسكندريَّة آخر النهار ولقوا حَبَشيّ وأجمعوا عَلَى اللَحاق ببَرْقَة فساروا إليها وكتبوا إلى صاحب إفريقيّة يستأْذنونه فِي الدخول فِي عمَله ويسأَلونه أن يبعث إليهم بجيش يأخذون بِهِ مِصر فإنَّهم يعلَمون وجوه الحرب وكيف الوصول إليها.
فبينا هُمْ فِي ذَلكَ تُوفّي حَبَشيّ بْن أحمد بالرَّمادة فِي صفر سنة أربع وعشرين وبعث إليهم صاحب إِفريقيّة بجيش أمرهم بالمسير معهم إلى مصر وبلغ ذَلكَ محمد بْن طُعْج ، فأمر بإخراج العساكر إلى الإِسكندريَّة والصعيد وذلك فِي ربيع الأوَّل سنة أربع وعشرين وسار بجكم عَلَى مقدَّمة أهل المغرِب فدخل الإسكندرية فِي ربيع الآخر سنة أربع ، وبعث الأمير محمد بْن طُغْج بأخيه الْحَسَن وصالح بْن نافع فِي الجيوش إلى الإسكندريَّة لثمان بقينَ من ربيع الآخر سنة أربع فالتقَّوا مَعَ أهل المغرب وعليهم رجُل يقال لَهُ: يعيش من كُتامة وآخر، يقال لَهُ أَبُو تازرت كُتاميّ.
فالتقَوا فيما بين تَرُوجة وأبلُوق لخمس خلونَ من جمادى الأولى فانهزمت المغاربة، وقُتِلوا قتلًا ذريعًا وأُسِر منهم جمع كبير من وجوههم وقُتِل أميرهم يَعِيش ، ودخل الْحَسَن بْن طُغْج وصالح بْن نافع الإسكندريَّة فقتلوا مَن بها منهم ولحِق بجكم ومن معه ببَرْقَة وسكنوا رَمادة وهو فِي سُلطان صاحب إِفرِيقيّة ، ثمَّ قفل الجيش مَعَ الْحَسَن بْن طُغْج وصالح بْن نافع فنزلوا الجِيزة ومعهم الأُسارى فِي جمادى وهم مائة رجُل وأربعة رجال وبأربعة آخرين من وجوههم قد أُفرِدوا عَنْ أولئك فيهم رئيس لهم يُقال لَهُ عامر المجنون، فسُجِنوا ولم يُقتَلوا.
وخرج الفَضل بْن جَعْفَر بْن فُرات إلى الشام لليلة خلت من جمادى الآخرة ثمَّ قدِم الفُسطاط يوم الخميس لخمس بقينَ من المحرَّم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ثمَّ تُوفّي بالرَّملة يوم الأحد لثمان خلونَ من ربيع الأوَّل سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ، وورد الكتاب بالزيادة فِي اسم الأمير محمد بْن طُغْج فلُقّب بالإِخْشيد ودُعي لَهُ بذلك عَلَى المِنبَر فِي شهر رمضان سنة سبع وعشرين وثلاثمائة “.

53 / ديوان كشاجم
كشاجم هو اللقب الذي عرف به الشاعر أبو الفتح محمود بن الحسين المتوفي عام 350 هـ / 961 م وهو من شعراء الوصف الوافدين على مصر في العصر الإخشيدي وله ديوان شعر مطبوع وعدد من المؤلفات الأدبية مثل كتاب المصايد والمطارد والذي يتناول فيه بالنقد والتحليل أهم القصائد الشعرية في مجال الصيد ومطاردة الفرائس ووصف المناسبات المتعلقة بها وهو غرض شعري ظهر في تلك الفترة ، وله قصائد متميزة في وصف الطبيعة المصرية وما عاشه فيها من ذكريات.
ذكره ابن شاكر الكتبي في كتابه فوات الوفيات فقال : ” كشاجم ، محمود بن الحسين أبو الفتح الكاتب المعروف بكشاجم هو من أهل الرملة من نواحي فلسطين ، هو لقب نفسه كشاجم فسئل عن ذلك فقال : الكاف من كاتب والشين من شاعر والألف من أديب والجيم من جواد والميم من منجم ، وقال بعضهم : كشاجم طخ وزاد الطاء من طباخ والخاء من خراء ، وكان من شعراء أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة.
وله من التصانيف كتاب : أدب النديم ، كتاب المصايد والمطارد ، كتاب الطبيخ ، وكانت وفاته في حدود الخمسين وثلثمائة ، ومن شعره : بأبي وأمي زائر متنقب .. لم يخف ضوء الشمس تحت قناعه .. لم أستتم عناقه لقدومه .. حتى ابتدأت عناقه لوداعه ، وهو من قول العكوك : راقب الخلوة حتى أمكنت .. ورعى السامر حتى هجعا .. كابد الأهوال في زورته .. ثم ما سلم حتى ودعا.
ومن شعر كشاجم يصف النار :كأنما الجمر والرماد وقد .. كاد يواري من نورها نورا .. ورد جني القطاف أحمر قد .. ذرت عليه الأكف كافورا ، وقال أيضاً : جاءت بوجه كأنه قمر .. على قوام كأنه غصن .. غنت فلم تبق في جارحة .. إلا تمنت بأنها أذن ، وقال أيضاً : أرى وصالك لا يصفو لآمله .. والهجر يتبعه ركضاً على الأثر .. كالقوس أقرب سهميها إذا عطفت .. عليه أبعدها من منزع الوتر “.
وذكره ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب فقال : ” كشاجم ، أحد فحول الشعراء واسمه محمود بن حسين كان من الشعراء المجيدين والفضلاء المبرزين حتّى قيل إن لقبه هذا منحوت من عدّة علوم كان يتقنها فالكاف للكتابة، والشين من الشعر والألف من الإنشاء والجيم من الجدل والميم من المنطق ، وكان يضرب بملحه المثل فيقال : ملح كشاجم ، ومن شعره قوله في أسود له تعد : يا مشبها في لونه فعله .. لم تعد ما أوجبت القسمة .. فعلك من لونك مستنبط .. والظّلم مشتق من الظّلمه.
وقال بعضهم في ترجمته : هو أبو الحسين وأبو الفتح بن السندي الكاتب المعروف بكشاجم هو من أهل الرّملة من نواحي فلسطين وكان رئيسا في الكتابة ومقدما في الفصاحة والخطابة ، له تحقيق يتميز به عن نظرائه وتدقيق يربي به على أكفائه وتحديق في علوم التعليم أضرم في شعلة ذكائه فهو الشاعر المفلق والنجم المتألق.
لقب نفسه بكشاجم فسئل عن ذلك فقال : الكاف من كاتب والشين من شاعر والألف من أديب والجيم من جواد والميم من منجم ، وكان من شعراء أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة قيل إنه كان طباخ سيف الدولة ، شعره أنيق، وأرج مدوناته فتيق منها كتاب (المصائد والمطارد) ، قال في (تثقيف اللسان) : كشاجم لقب له جمعت أحرفه من صناعته ثم طلب علم الطب حتّى مهر فيه وصار أكبر علمه فزيد في اسمه طاء من طبيب وقدمت فقيل طكشاجم ولكنه لم يشتهر.
وذكره الأستاذ محمد كامل حسين في كتاب أدب مصر الإسلامية ضمن الشعراء الوافدين وتناول ديوانه الشعري بالنقد والتحليل خاصة ما تضمنه من أشعار في مصر حيث قال : “كشاجم ، وفد على مصر في ذلك العصر الشاعر الأديب أبو الفتح محمود بن الحسين المعروف بكشاجم وهو من أهل إقليم الرملة الذي كان تابعًا لمصر في ذلك العصر.
ونفهم من ديوانه أنه جاء مصر عدة مرات وكان كلما بعد عنها حنَّ إليها وإلى ما بها من رياض وحوائط وإلى حياة اللهو والمجون مما تصبو إليه نفس كشاجم الماجنة : قد كان شوقي إلى مصر يؤرقني فاليوم عدت وعادت مصر لي دارا .. أغدو إلى الجيزة الفيحاء مصطحبًا طورًا وطورًا أرجي السبر أطوارا .. بينا أسامي رئيسًا في رئاسته إذ رحت أحسب في الحانات خمارا .. أما الشباب فقد صاحبت شرهم وقد قضيت لباناتٍ وأوطارا .. من شادن من بني الأقباط يعقد ما بين الكثيب وبين الخصر زنارا.
أخذ كشاجم بحظ وافر من حياة اللهو التي كانت بمصر وذهب كما ذهب شعراء مصر إلى الأديرة ففي دير القصير كان كشاجم يتصيد الظباء لطعامه أو ليتخذ من لحمها ما يأكله مع شرابه بين عزف القيان وغنائهن ، سلامٌ على دير القصير وسجنه فجنات حلوان إلى النخلات .. منازل كانت لي بهن مآرب وكانت مواخيري ومنتزهاتي .. هنالك تصفو لي مشارب لذتي وتصحب أيام السرور حياتي ، فهذا يدلنا على أن الشاعر اختلط بالمصريين ولها كما لهوا والتمس من مجونهم ما تحدَّث به في هذا الشعر وتأثر بالبيئة المصرية الخالصة فوصفها في شعره.
تدلنا حياة كشاجم على أن الشاعر كان مكتسبًا بشعره ولا ندري بمن اتصل من المصريين وإن كنت أرجح أنه مدح كافورًا ثم عاد فهجاه وعرَّض به في أشعاره فقد قيل إن الشاعر كان له غلام اسمه كافور فكان يهجو غلامه ويعرِّض بالأمير : حكيت سميك في برده وأخطأك اللون والرائحة ، كذلك هجا القاضي عبد الله بن محمد بن الخصيب المتوفى سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وكان القاضي قد اشترى دارًا كبيرة وعمرها وأقام فيها دعوة عظيمة فقال كشاجم : اشترى الدار الكبيرة ودعا فيها الوكيره .. صغَّر الباب وفي تصغيره أشأم طيره .. قبره لاشك فيها بعد أيام يسيره.
وقال فيه أيضًا : قبح الله الخصيبي فما أقبح أمره ! .. اشترى الدار التي كا نت قديمًا لابن شعره .. وهي الدار التي يبـتز فيها الله عمره .. لا يتم الحول حتى يجعل المجلس قبره ، ومهما يكن من شيء فإن كشاجمًا كان فقيرًا متكسبًا بشعره ولكنه لم يستطع أن يفوز بالمال الذي كان يريده ولعل غروره واعتقاده بأنه نابغة عبقري وأنه أشعر خلق الله وأكثرهم تأدبًا لعل هذا كله كان سببًا في شقائه فقد زعم أنه نبي الشعر : على أني نبي الشعـر قد جئت على فتره.
ويخيل إلي أن كشاجمًا اتخذ مصر مقرًّا له فقد ترك بها أولاده وأسرته فقد روى الثعالبي أن الشاعر المصري الهجاء صالح بن مؤنس هجا ابني كشاجم أبا النصر وأبا الفرج بقوله : يا ابني كشاجم أنتما مستعملان مجربان .. مات المشوم أبوكما فخلفتماه على المكان .. وقرفتما في عصرنا ففعلتما فعل القران .. لغلاء أسعار الطعام وميتة الملك الهجان “.

54 / ديوان المتنبي
يأتي على رأس الشعراء العرب قاطبة أحمد بن علي بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي وكنيته (أبو الطيب) والمعروف بلقب (المتنبي) والذي عاش في القرن الرابع الهجري متنقلا بين العراق والشام ومصر وفارس .. ويرجع السبب في ذلك إلى جودة شعره وروعة بيانه في المقام الأول ثم لسبب أكثر أهمية وهو أن كلماته التي صاغها شعرا قد غدت أمثالا تروى من جيل إلى جيل عبر ألف عام حتى يومنا هذا.
هو الذي قال : ما كل ما يتمناه المرء يدركه .. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .. إذا رأيت نيوب الليث بارزة .. فلا تظنن أن الليث يبتسم .. لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى .. حتى يراق على جوانبه الدم .. على قدر أهل العزم تأتي العزائم .. وتأتي على قدر الكرام المكارم .. وَالهَجرُ أَقتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ .. أنا الغَريقُ فَما خَوفي مِنَ البَلَلِ .. هي الأخلاق ترفع كل بيتٍ .. وإن كان البناءُ من الجريدِ.
وهو الذي قال : أغاية الدين أن تحفوا شواربكم .. يا أمة ضحكت من جهلها الأمم .. بذا قضت الأيام ما بين أهلها .. مصائب قوم عند قوم فوائد .. من لم يمت بالسيف مات بغيره .. تعددت الأسباب والموت واحد .. إذا أنت أكرمت الكريم ملكته .. وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا .. ومن يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرح بميت إيلام .. أعز مكان في الدنى سرج سابح .. وخير جليس في الزمان كتاب.
وهو الذي قال : يا أعدل الناس إلا في معاملتي .. فيك الخصام وأنت الخصم والحكم .. ذو العقل يشقى في النعيم بعقله .. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم .. لا تحسبن رقصي بينكم طربا .. فالطير يرقص مذبوحا من الألم .. يرى الجبناء أن العجز عقل .. وتلك خديعة الطبع اللئيم .. وكم من عائب قولا صحيحا .. وآفته من الفهم السقيم .. وقد فارق الناس الأحبة قبلنا .. وأعيا دواء الموت كل طبيب.
وهو الذي قال : وما التأنيث لاسم الشمس عيب .. ولا التذكير فخر للهلال .. وإذا أتتك مذمتي من ناقص .. فهي الشهادة لي بأني كامل .. وما انتفاع أخي الدنيا بناظره .. إذا استوت عنده الأنوار والظلم .. وقنعت باللقيا وأول نظرة .. إن القليل من الحبيب كثير .. ومن يك ذا فم مريض .. يجد مرا به الماء الزلالا .. إذا غامرت في شرف مروم .. فلا ترضى بما دون النجوم.
وهو الذي قال : أبني أبينا نحن أهل منازل .. أبدا غراب البين فيها ينعق .. وإذا لم يكن من الموت بد .. فمن العجز أن تموت جبانا .. أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي .. وأسمعت آياتي من به صمم .. الخيل والليل والبيداء تعرفني .. والسيف والرمح والقرطاس والقلم .. لك الله يا مصر قد كنت أما .. لقوم نسوك فيا للجفاء .. وكم ذا بمصر من المضحكات .. ولكنه ضحك كالبكاء.
واشتهرت له مدائحه في سيف الدولة الحمداني ومنها قوله : وقفت وما في الموت شك لواقف .. كأنك في جفن الردى وهو نائم .. تمر بك الأبطال كلمى هزيمة .. ووجهك وضاح وثغرك باسم ، وقوله : واحرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ .. وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ .. مالي أكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي .. وتَدَّعي حبَّ سيفِ الدَولَةِ الأمَمُ .. فكانَ أحْسنَ خَلق الله كلِّهِمُ .. وكانَ أحسنَ مافي الأحسَنِ الشِّيَمُ.
وقوله في مدح كافور الإخشيدي بمصر : لكن بالفسطاط بحرا أزرته .. حياتي ونصحي والهوى والقوافيا .. قواصد كافور توارك غيره .. ومن قصد البحر استقل السواقيا .. فتى ما سرينا في ظهور جدودنا .. إلى عصره إلا نرجي التلاقيا .. أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقا .. إليه وذا اليوم الذي كنت راجيا .. أبا كل طيب لا أبا المسك وحده .. وكل سحاب لا أخص الغواديا .. إذا كسب الناس المعالي بالندا .. فإنك تعطي في ندالك المعاليا .. وغير كثير أن يزورك راجل .. فيرجع ملكا للعراقين واليا.
وفي هجاء كافور ووصف أحوال مصر في وقته قال : أَكُلَّما اِغتالَ عَبدُ السوءِ سَيِّدَهُ .. أَو خانَهُ فَلَهُ في مِصرَ تَمهيدُ .. صارَ الخَصِيُّ إِمامَ الآبِقينَ بِها .. فَالحُرُّ مُستَعبَدٌ وَالعَبدُ مَعبودُ .. نامَت نَواطيرُ مِصرٍ عَن ثَعالِبِها .. فَقَد بَشِمنَ وَما تَفنى العَناقيدُ .. العَبدُ لَيسَ لِحُرٍّ صالِحٍ بِأَخٍ .. لَو أَنَّهُ في ثِيابِ الحُرِّ مَولودُ .. لا تَشتَرِ العَبدَ إِلّا وَالعَصا مَعَهُ .. إِنَّ العَبيدَ لَأَنجاسٌ مَناكيدُ .. ما كُنتُ أَحسَبُني أَحيا إِلى زَمَنٍ .. يُسيءُ بي فيهِ كَلبٌ وَهوَ مَحمودُ.
ولد المتنبي في عام 303 هـ / 915 م وتوفي عام 354 هـ / 965 م قضى منها في مصر خمس سنوات في نهاية عصر الولاة ، وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” أبو الطيب المتنبي .. أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي المعروف بالمتنبي الشاعر المشهور ، وقيل : هو أحمد بن الحسين بن مرة بن عبد الجبار والله أعلم.
هو من أهل الكوفة وقدم الشام في صباه وجال في أقطاره واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها وكان من الكثيرين من نقل اللغة والمطلعين على غريبها وحوشيها ولا يسأل عن شيء إلا واستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر حتى قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي صاحب الإيضاح والتكملة قال له يوماً : كم لنا من الجموع على وزن فعلي ، فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال علي أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً فلم أجد ، وحسبك من يقول في حقه أبو علي هذه المقالة ، وحجلى : جمع حجل وهو الطائر الذي يسمى القبج ، والظربي : جمع ظربان – على مثال قطران – وهي دويبة منتنة الرائحة.
وأما شعره فهو في النهاية ولا حاجة إلى ذكر شيء منه لشهرته لكن الشيخ تاج الدين الكندي رحمه الله كان يروي له بيتين لا يوجدان في ديوانه وكانت روايته لهما بالإسناد الصحيح المتصل به فأحببت ذكرهما لغرابتهما وهما : أبعين مفتقر إليك نظرتني .. فأهنتني وقد فتني من حالق .. لست الملوم أنا الملوم لأنني .. أنزلت آمالي بغير الخالق.
ولما كان بمصر مرض وكان له صديق يغشاه في علته فلما أبل أنقطع عنه فكتب إليه : وصلتني وصلك الله معتلاً وقطعتني مبلاً فإن رأيت أن لا تحبب العلة إلي ولا تكدر الصحة علي فعلت إن شاء الله تعالى.
والناس في شعره على طبقات فمنهم من يرجحه على أبي تمام ومن بعده ، ومنهم من يرجح أبا تمام عليه ، وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي الشاعر الآتي ذكره عقيب هذا : كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين قالهما ماسبق إليهما أحدهما قوله : رماني الدهر بالأرزاء حتى .. فؤادي في غشاء من نبال .. فصرت إذا أصابتني سهام .. تكسرت النصال على النصال ، والآخر قوله : في جحفل ستر العيون غباره .. فكأنما يبصرن بالآذان.
واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه ، وقال لي أحد المشايخ الذين أخذت عنهم : وقفت له على أكثر من أربعين شرحاً ما بين مطولات ومختصرات ولم يفعل هذا بديوان غيره ، ولاشك أنه كان رجلاً مسعوداً ورزق في شعره السعادة التامة.
وإنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلاً ثم استتابه وأطلقه ، وقيل غير ذلك وهذا أصح ، وقيل إنه قال : أنا أول من تنبأ بالشعر.
ثم التحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان في سنة سبع وثلاثين وثلثمائة ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلثمائة ومدح كافوراً الإخشيدي وأنوجور ابن الإخشيد ، وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسط سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بالسيوف والمناطق ، ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلثمائة ووجه كافور خلفه رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق ، وكان كافور وعده بولاية بعض أعماله فلما رأى تعاليه في شعره وسموه بنفسه خافه وعوتب فيه فقال : يا قوم من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم أما يدعي المملكة مع كافور فحسبكم.
قال أبو الفتح ابن جني النحوي : كنت قرأت ديوان أبي الطيب المتنبي عليه فقرأت عليه قوله في كافور القصيدة التي أولها : أغالب فيك الشوق والشوق أغلب .. وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب حتى بلغت إلى قوله : ألا ليت شعري هل أقول قصيدة .. ولا اشتكي فيها ولا أتعتب .. وبي ما يذود الشعر عني أقله .. ولكن قلبي يا ابنة القوم قلب ، فقلت له : يعز علي كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة ، فقال : حذرناه وأنذرناه فما نفع ألست القائل فيه : أخا الجود أعط الناس ما أنت مالك .. ولا تعطين الناس ما أنا قائل ، فهو الذي أعطاني كافوراً بسوء تدبيره وقلة تمييزه.
وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته فوقع بين المتنبي وبين ابن خالويه النحوي كلام فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان معه فشجه وخرج ودمه يسيل على ثيابه فغضب وخر إلى مصر وامتدح كافوراً.
ثم رحل عنه وقصد بلاد فارس ومدح عضد الدولة بن بويه الديلمي فأجزل جائزته ، ولما رجع من عنده قاصداً إلى بغداد ثم إلى الكوفة في شعبان لثمان خلون منه عرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي في عدة من أصحابه وكان مع المتنبي أيضاً جماعة من أصحابه فقاتلوهم فقتل المتنبي وابنه مُحسد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية في موضع يقال له الصافية وقيل حيال الصافية من الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول بينهما مسافة ميلين.
وذكر ابن رشيق في كتاب (العمدة) في باب منافع الشعر ومضاره أن أبا الطيب لما فر حين رأى الغلبة قال له غلامه : لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبدا وأنت القائل : فالخيل والليل والبيداء تعرفني .. والحرب والضرب والقرطاس والقلم ، فكر راجعاً حتى قتل ، وكان سبب قتله هذا البيت وذلك يوم الأربعاء لست بقين وقيل لثلاث بقين وقيل لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلثمائة ، وقيل إن قتله كان يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان وقيل لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة.
ومولده في سنة ثلاث وثلثمائة بالكوفة في محلة تسمى كندة فنسب إليها وليس هو من كندة التي هي قبيلة بل هو جعفي القبيلة – بضم الجيم وسكون العين المهملة وبعدها فاء – وهو جعفي بن سعد العشيرة بن مذحج واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان وإنما قيل له سعد العشيرة لأنه كان يركب – فيما قيل – في ثلثمائة من ولده وولد ولده فإذا قيل له من هؤلاء قال : عشيرتي مخافة العين عليهم.
ويقال إن أبا المتنبي كان سقاء بالكوفة ثم انتقل إلى الشام بولده ونشأ ولده بالشام وإلى هذا أشار بعض الشعراء في هجو المتنبي حيث قال : أي فضل لشاعر يطلب الفضل من الناس بكرة وعشيا .. عاش حيناً يبيع في الكوفة الماء وحيناً يبيع ماء المحيا ، وسيأتي في حرف الحاء نظير هذا المعنى لابن المعذل في أبي تمام حبيب بن أوس الشاعر المشهور.
ولما قتل المتنبي رثاه أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي بقوله : لا رعى الله سرب هذا الزمان إذ دهانا في مثل ذاك اللسان .. ما رأى الناس ثاني المتنبي أي ثان يرى لبكر الزمان .. كان من نفسه الكبيرة في جيش وفي كبرياء ذي سلطان .. هو في شعره نبي ولكن ظهرت معجزاته في المعاني ، والطبسي – بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها سبن مهملة – هذه النسبة إلى مدينة في البرية بين نيسابور وإصبهان وكرمان يقال لها طبس.
ويحكى أن المعتمد بن عباد اللخمي صاحب قرطبة وإشبيلية أنشد يوماً في مجلسه بيت المتنبي وهو من جملة قصيدته المشهورة :إذا ظفرت منك العيون بنظرة .. أثاب بها معيي المطي ورازمه ، وجعل يردده استحساناً له وفي مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي فأنشد ارتجالاً : لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما .. تجيد العطايا واللها تفتح اللها .. تنبأ عجبا بالقريض ولو درى .. بأنك تروي شعره لتألها.
وذكر الإفليلي أن المتنبي أنشد سيف الدولة بن حمدان في الميدان قصيدته التي أولها : لكل امرئ من دهره ما تعودا .. وعادات سيف الدولة الطعن في العدا ، فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها فأنشدها قاعداً فقال بعض الحاضرين – يريد أن يكيد أبا الطيب – لو أنشدها قائماً لأسمع فإن أكثر الناس لا يسمعون ، فقال أبو الطيب : أما سمعت أولها : لكل امرئ من دهره ما تعودا ، وهذا من مستحسن الأجوبة ، وبالجملة فسمو نفسه وعلو همته وأخباره وماجرياته كثيرة والاختصار أولى ، واسم ولده محسد بضم الميم وفتح الحاء المهملة والسين المهملة المشددة وبعدها دال مهملة “.

55 / المنصف
(المنصف) هو الاسم المختصر لكتاب في نقد المتنبي وأشعاره يسمى (كتاب المنصف للسارق والمسروق منه) والذي كتبه الشاعر أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع الضبي التنيسي المصري والمتوفي عام 393 هـ / 1003 م ، وتنتمي أسرته إلى قبيلة بني ضبة العربية حيث انتقلت من العراق وسكنت مدينة تنيس المصرية الساحلية في أوائل القرن الرابع الهجري حيث ولد بها الشاعر وعاش معظم حياته فيها.
وقد ذكره الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر وأفرد لأشعاره ثلاثين صفحة كاملة حيث كان ابن وكيع من رواد شعر الرباعيات والذي عرف وقتها باسم (المربعات) ومنها قوله : بخفة الرّوح احتوى صلاحي .. فصرت لَا أَرغب فِي الْفَلاح .. والشكل والخفة فِي الْأَرْوَاح .. أَمْلَح مَا يعشق فِي الملاح .. من عشق الفدم وَإِن دق الْبَصَر .. فليقصد الْبيعَة وليهو الصُّور .. من كَانَ يهوي منْظرًا بِلَا خبر .. فَمَا لَهُ أوفق من عشق الْقَمَر.
ظَبْي سلوي عَنهُ مثل جوده .. خياله أكذب من موعوده .. أجفانه أسقم من عهوده .. أردافه أثقل من صدوده .. يَا وَصله صل مثل وصل صده .. يَا حكمه كن فِي اعْتِدَال قده .. يَا قلبه كن رقة كخده .. يَا خصره كن مثل ضعف عَهده .. أما وخصر ضعفه كصبري .. لَهُ وَوجه حسنه كشعري .. لَهُ عذار قَامَ لي بعذري .. لَا تبت من شوقي إِلَيْهِ دهري.
وقد ذكره الدكتور شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي فقال : ” ولا نعرف الأسباب التى دفعت أباه إلى اتخاذ تنيس دار مقام له ولأسرته وقد نشأ فيها الشاعر وتثقف ، ويبدو أنه طلب المزيد من الثقافة والتعرف على أدباء القاهرة فرحل إليها ، وكانت شاعريته تفتحت فلفت إليه الأنظار ولا ندرى متى كان ذلك تماما غير أن من المؤكد وجوده فى القاهرة حين نزلها المتنبى سنة 346 ويبدو أن صلة انعقدت بينه وبين ابن حنزابة وزير كافور.
وكانت العلاقات قد ساءت بينه وبين المتنبى حينئذ رأينا ابن وكيع يؤلف كتابا فى سرقات المتنبى سماه المنصف إرضاء للوزير ، ويقول ابن رشيق فى العمدة : (سماه كتاب المنصف مثل ما سمّى اللديغ سليما وما أبعده عن الإنصاف) ، ولم يكن المتنبى من ذوق ابن وكيع وبون بعيد بين ذوقيهما فالمتنبى شاعر جاد منتهى الجد لا يعرف اللهو ولا الخمر ولا المجون وابن وكيع شاعر ماجن منتهى المجون فاندفع يريد أن يسقط المتنبى من عليائه وأنّى له ذلك ؟!
ويبدو أنه كان ثريا فأعانه ثراؤه على انغماسه فى المجون ويدل على هذا الثراء أننا لا نجد رواة شعره يذكرون له قصائد فى ابن حنزابة ولا فى الخلفاء الفاطميين وقد عاصر منهم المعز والعزيز والحاكم فحسبه دائما كأس وطاس حتى ليؤثرهما على تولى منصب الخلافة الرفيع يقول : وإن أتوك فقالوا كن خليفتنا .. فقل لهم إننى عن ذاك مشغول .. وارض الخمول فلا يحظى بلذّته .. إلا امرؤ خامل فى الناس مجهول .. واسفك دم القهوة الصّهباء تحى به .. روحى فإن دم الصّهباء مطلول “.
وفي مقدمة كتابه يتحدث ابن وكيع عن سبب تأليفه فيقول : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وبه نستعين ، قال أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع : أما بعد ، حمداً لله والصلاة على رسوله الكريم وعلى آله المصطفين الأخيار الطيبين الأبرار فإِنه وصل إليّ كتابك الجليل الموضع اللطيف الموقع تذكر إفراط طائفة من متأدبي عصرنا في مدح أبي الطيب المتنبي وتقديمه وتناهيهم في تعظيمه وتفخيمه وإنهم قد أفنوا في ذلك الأوصاف وتجاوزوا الإِسراف حتى لقد فضلوه على من تقدم عصرة عصره وأبرّ على قدرة قدره.
وذكرت أن القوم شغلهم التقليد فيه عن تأمل معانيه فما ترى من يجوز عليه جهل الصواب في معنى ولا إعراب ، وذكرت أنهم لم يكتفوابذلك حتى نفوا عنه ما لا يسلم فحول الشعراء من المحدثين والقدماء منه فقالوا : ليس له معنى نادر ولا مثل سائر إلا وهو من نتائج فكره وأبوا عذره وكان بجميع ذلك مبتدعاً ولم يكن متّتبعاً ولا كان لشيء من معانيه سارقاً بل كان إلى جميعها سابقاً فادعوا ذلك ما ادعاه لنفسه على طريق التناهي في مدحها لا على وجه الصدق عليها فقال : أنا السابقُ الهادي إلى ما أقولُهُ .. إذا القولُ قَبْلَ القائلينَ مَقُولُ.
وهذا تناه ومبالغة منه كاذبة ، وقد يأتي الشاعر بضد الحقائق ويتناهى في الوصف وهو غير صادق ، وذكرت أنك عارضت دعواهم بأبيات وجدتها في شعره مسروقات فادعوا فيها اتفاق الخواطر ومواردة شاعر لشاعر واحتجوا عليك بامرئ القيس في قوله : وُقُوفاً بها صَحْبي عليَّ مطّيهُم .. يقُولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجمَّلِ ، فوافق خاطره خاطر طرفة في قوله : وُقُوفاً بها صَحْبي عليَّ مطَّيهُم .. يقُولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَّلدِ ، وأحببت إنهاء ما عندي إليك غير متحيَّف لك ولا عليك.
قال أبو محمد : فأقول والله الموفق للصواب : إن القوم لم يصفوا من أبي الطيب إلا فاضلاً ولم يشهروا بالتفريط منه خاملاً بل فضلوا شاعراً مجيداً وبليغاً سديداً ليس شعره بالصعب المتكلّف ولا اللين المستضعف بل هو بين الرقة والجزالة وفوق التقصير ودون الإِطالة كثير الفصول قليل الفضول ، لكنه بعد هذا لا يستحق التقديم على من هو أقدم منه عصراً وأحسن شعراً كأبي تمام والبحتري وأشباههما.
فإني لا أزال أرى من منحلي الأدب من يعارض شعريهما بشعره ويزن قدريهما بقدره من غير انتقاء للشعر استعمل فيه كدّ فكره ولا استقصاء نظره وإنما قلد الخطوة الرافعة والشهرة الذائعة ، والنفوس مولعة بالاستبدال والنقل لهجة بالاستطراف والملل ولكل جديد لذة فلما كان شعره أَجدَّ فيهم عهداً كانوا له أشدَّ وِدّاً ، وهبنا أغضبنا لهم عن تفضيلهم إياه على من لا يشق غباره ولا يعشر مقداره مع علمنا في ذلك أن مذهبهم أوضح فساداً من أن تطلب لهم المعارضة أو تتكلف من أجلهم المناقضة فكيف بالإِغضاء عن نفيهم عنه ما لا يسلم منه بدوي أو حضري جاهلي أَمْ إسلامي من استعارة الألفاظ النادرة أو الأمثال السائرة.
وإذا كانت الألفاظ مستعملة في أشعار جميع الناظمين من القدماء والمحدثين وسلمنا لهم نفيهم عن أبي الطيب ذلك كنا قد سلمنا لهم أنه أفضل أهل الشعر في كل أوانٍ وعصر ، وهذه دعوى لا بد من كشف أسرارها وإظهارها وهي بالعناية أولى من الأولى لأن تلك دعوى خصّت طائفة وهذه تعم جميع القائلين من الأولين والآخرين ، ولقد ادعى قائلها إفكاً واسعاً وظل للحق فيها دافعاً لأنه ادعى وقوع جميع الشعراء فما سلم أبو الطيب منه وفقرهم إلى ما غني عنه وهذه تتجاوز الصفات وتكاد تشبه المعجزات.
ولو علم صدقها أبو الطيب من نفسه لجعلها آية له عند تنبيئه ودلالة على صحة ما ادعاه من نبوته يتحدى بها أنها دعوته ، أو لم يسمع الباقون عنه أخذ الكلام من النثر والنظام قول الفرزدق: نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة ، أو ما سمعوا من قول الحكماء: من العبارة حسن الاستعارة.
وما شيء بأعجب من وقوع جملة الشعراء في أمر يشترك فيه قديمهم ومحدثهم من استعارة الألفاظ والمعاني على مرّ الزمن بتحكيك الفحول منهم الشعر وتنقيتهم إياه حتى إنهم يسمون قصائدهم الحوليات لأنهم كانوا يعيدون فيها النظر حولاً قبل ظهورها ، فلم يعصمهم طول النظر وكدّ الخواطر والفكر من أن يلمَ بعضهم بكلام بعض ثم لا يرضى مقرض أبي الطيب حتى يدعي له السلامة الكاملة من عيبٍ لم يتكامل في أحد قط تكامله فيه وأتى له بالسلامة من ذلك.
وقد جاء على ساقة أهل الشعر بعد استيلاء الناس على حلو الكلام ومرّه ونفعه وضره وهذا الظلم الواضح الفاضح ، وسأدلُ أولاً على استعمال القدماء والمحدثين أخذ المعاني والألفاظ ثم أعود إلى تنخل شعر أبي الطيب ومعانيه وإثبات ما أجده فيه من مسروقات قوافيه التي لا يمكن فيها اتفاق الخواطر ولا تساوي الضمائر لأن ذلك يسوغ في النزر القليل ويمتنع في المتواتر الكثير.
وسأنْصفه في كل ذلك فما استحقه على قائله سلّمتهُ إليه وما قصر فيه لم أدع التنبيه عليه لئلاّ يظن بنا الناظر في كتابنا خوراً في قصد أو تقصيراً في نقد وذلك يلزمنا إلحاق ما فيه عيب غير السرقة بالمسروق خوفاً من أن يقول قائل قد تجاوز عن أشياء من الغثاثات واللحون والمحالات كانت أولى من الذكر للمسارقات هذا إن لم يعبر عنا بالغفلة عنها إلا لتجاوز لها.
وينبغي إذا عملنا على تسليم ما له من السرقات إليه وردّ المقصّر منها عليه أن أثبت لك وجوه السرقات محمودها ومذمومها وصحيحها وسقيمها وأعرّفك ما يوجب للسارق الفضيلة وما يلحقه الرذيلة ليكون ما نورده له وعليه مقيساً على أُسٍ قد أحكمناه ونهج قد أوضحناه وما غرضنا في ذلك الطعن على فاضل ولا التعصب لقائل وإنما غرضنا إفادتك ما استدعيناه وكفايتك الفحص عما استكفيناه لتظهر على خصمك وتزداد قوة في علمك ، وبالله نستعين وعليه نتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل “.
وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فقال : ” ابن وكيع التنيسي .. أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد الضبي المعروف بابن وكيع التنيسي الشاعر المشهور أصله من بغداد ومولده بتنيس ، ذكره أبو منصور الثعالبي في (يتيمة الدهر) وقال في حقه : (شاعر بارع وعالم جامع قد برع على أهل زمانه فلم يتقدمه أحد في أوانه وله كل بديعة تسحر الأوهام وتستعبد الأفهام) ، وذكر مزدوجته المربعة وهي من جيد النظم وأورد له غيرها ، وله ديوان شعر جيد وله كتاب بين فيه سرقات ابي الطيب المتنبي سماه (المنصف) وكان في لسانه عجمة ويقال له العاطس.
ومن شعره : سلا عن حبك القلب المشوق .. فما يصبو إليك ولا يتوق .. جفاؤك كان عنك لنا عزاء .. وقد يسلي عن الولد العقوق ، وله أيضاً : كأنها في الكؤوس إذ جليت .. من عسجد رق لونه وصفا .. أغضبها الماء حين مازجها .. وأزبدت في كؤوسها أنفا .. در حباب يود مبصره … لو كان يوماً لأذله شنفا ، وله أيضاً : إن كان قد بعد اللقاء فودنا .. دان ونحن على النوى أحباب .. كم قاطع للوصل يؤمن وده .. ومواصل بوداده يرتاب ، وله أيضاً : لقد شمت بقلبي .. لا فرج الله عنه .. كم لمته في هواه … فقال لابد منه.
ولقد ألم به بعضهم فقال : لا رعى الله عزمة ضمنت لي .. سلوة القلب والتصبر عنه .. ما وفت غير ساعة ثم عادت .. مثل قلبي تقول لابد منه ، ومثله قول أسامة بن منقذ الشيزري : لا تستعر جلداً عن هجرانهم .. فقواك تضعف عن صدود دائم .. واعلم بأنك إن رجعت إليهم .. طوعاً وغلا عدت عودة راغم ،
وقال بعض الفقهاء : أنشدت الشيخ مرتضى الدين أبا الفتح نصر بن محمد بن مقلد القضاعي الشيزري المدرس كان بتربة الإمام الشافعي رضي الله عنه بالقرافة لابن وكيع المذكور : لقد قنعت همتي بالخمول .. وصدت عن الرتب العاليه .. وما جهلت طيب طعم العلا … ولكنها تؤثر العافية ، فأنشدني لنفسه على البديهة : بقدر الصعود يكون الهبوط .. فإياك والرتب العاليه .. وكن في مكان إذا ما سقطت .. تقوم ورجلاك في عافيه.
وله أيضاً – أعني ابن وكيع : أبصره عاذلي عليه .. ولم يكن قبل ذا رآه .. فقال لي لو هويت هذا .. ما لامك الناس في هواه .. قل لي إلى من عدلت عنه .. فليس أهل الهوى سواه .. فظل من حيث ليس يدري .. يأمر بالحب من نهاه ، وكنت أنشدت هذه الأبيات لصاحبنا الفقيه شهاب الدين محمد ولد الشيخ تقي الدين عبد المنعم المعروف بالخيمي فأنشدني لنفسه في المعنى : لو رأى وجه حبيبي عاذلي .. لتفاصلنا على وجهٍ جميل ، وهذا البيت من جملة أبيات ولقد أجاد فيه وأحسن في التورية ، وله كل معنى حسن.
وكانت وفاة ابن وكيع المذكور يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة بمدينة تنيس ودفن في المقبرة الكبرى في القبة التي بنيت له بها رحمه الله تعالى ، ووكيع – بفتح الواو وكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها عين مهملة – وهو لقب جده أبي بكر محمد بن خلف وكان نائباً في الحكم بالأهواز لعبدان الجواليقي.
وكان فاضلاً نبيلاً فصيحاً من أهل القرآن والفقه والنحو والسير وأيام الناس وأخبارهم ، وله مصنفات كثيرة فمنها : كتاب الطريق وكتاب الشريف وكتاب عدد آي القرآن والاختلاف فيه وكتاب الرمي والنضال وكتاب المكاييل والموازين وغير ذلك ، وله شعر كشعر العلماء وتوفي يوم الأحد لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلثمائة ببغداد “.

56 / فضائل مصر وأخبارها وخواصها
كتاب صغير ألفه المؤرخ ابن زولاق ليكون مختصرا لكتابه في تاريخ مصر وقد كتبه بعد دخول الفاطميين إلى مصر ، وقد جاء ذكر ذلك في مقدمة كتابه فقال : ” بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى ، قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي : هذا كتاب جمعت فيه جملا من أخبار مصر وفضائلها وصفتها ، اختصرته من كتابي الكبير في تاريخ مصر وأخبارها ، ولم أذكر في هذا الكتاب إسناد الخبر ليقرب على من أراده وبالله التوفيق “.
وقد ولد ابن زولاق الليثي في مصر عام 306 هـ / 919 م وتوفي فيها عام 387 هـ / 997 م ونشأ في بيت علم وفقه حيث كان جده الحسن بن علي الليثي من كبار العلماء في زمنه ، وتتلمذ ابن زولاق على يد أبي عمر الكندي وأبي جعفر الطحاوي وعاصر فترة هامة شهدت نهاية عصر الولاة وبداية الخلافة الفاطمية حيث كان مقربا من الإخشيدين وكتب عنهم استجابة لطلبهم ثم خدم الفاطميين وتولى ديوان المظالم وكتب لهم كتابا يمجد فيه دولتهم على حساب دولة العباسيين بعنوان (رسالة الموازنة بين مصر وبغداد في العلم والعلماء والخيرات) ، وله مدونة أدبية لطيفة تحكي نوادر أحد الأدباء الحمقى في الفسطاط والمعروف باسم سيبويه المصري.
وقد تخصص ابن زولاق في الكتابة التاريخية وبلغ من محبته للتواريخ والحرص على جمعها وكتبها أنه كثيرا ما كان ينشد : (ما زلت تكتب فى التاريخ مجتهدا .. حتى رأيتك فى التاريخ مكتوبا) ، وذكر ياقوت من مؤلفاته كتاب سيرة محمد بن طغج الإخشيد وكتاب سيرة جوهر وكتاب سيرة الماذرائيين وكتاب التاريخ الكبير على السنين وكتاب سيرة كافور وكتاب سيرة المعز وكتاب سيرة العزيز ، ويضيف ابن خلكان كتاب فى خطط مصر وكتاب أخبار قضاة مصر وكتاب التاريخ الصغير وكتاب أخبار سيبويه المصري ، كما أشار ابن زولاق فى كتابه فضائل مصر وأخبارها إلى كتابين آخرين أحدهما فى أخبار عمرو بن العاص والآخر فى أخبار النيل.
وكتاب فضائل مصر وما فيه من معلومات يشبه فهرسا وافيا لمن أراد البحث في تاريخ مصر وجغرافيتها فقد ذكر في فصول الكتاب من ملك مصر فى الإسلام ومن دخل مصر من الخلفاء قبل المعز وذكر عمال الخراج بمصر وقضاتها ومن دخل مصر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن توفى بها منهم ، وذكر من كان بمصر من عيون العلماء والرواة وطبقاتهم ومن فيها من عيون المحدثين المسندين والفراض المؤلفين وعيون حفاظ الحديث من رواة الأخبار والحديث والفقه وعيون النحويين والشعراء والمتكلمين من النساب ومن الزهاد أصحاب الوعظ وعيون أشراف مصر.
وبدأ كتابه بذكر ما جاء في القرآن الكريم عن مصر وهي ثمانية وعشرين موضعا ثم ذكر ما جاء من أحاديث حيث يقول : ” باب ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكر مصر .. قوله صلى الله عليه وسلم : ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم ذمة ورحما ، وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا فتح الله عز وجل عليكم مصر فاتخذوا بها جنداً كثيفاً فذلك الجند خير أجناد الأرض ، قال له أبو بكر : ولم يا رسول الله ؟ فقال : لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة ، وفي الحديث الآخر : ستفتح عليكم بعدي مدينة يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً “.
وهو أول من كتب عن الأقاليم المصرية وما فيها من خيرات تتميز بها كل مدينة وذلك تحت عنوان (ذكر كور مصر وما في كل كورة) حيث ذكر مدن الصعيد الهامة وما تتميز به كل واحدة من زراعة وصناعة وهي الفيوم وبوصير وأهناس والبهنسا والأشمونين وأسيوط وأخميم وأنصنا وطرفا والبلينا وإدفو وقوص أسوان ، وتكلم بالتفصيل عن أهم الآثار ونهر النيل وأهم المساجد والمقابر وما تختص به مصر دون غيرها من المأكولات والملابس.
وكتب عن مدن الدلتا بالتفصيل لأهميتها التجارية فقال : ” فمنها : تِنِّيس وبها ثياب الكتان الدبيقي والمقصور والشفاف والأردية وأصناف المناديل والمناشف الفاخرة للأبدان والأرجل والمخاد والفرش القلموني المعلم والمطرز ، ويبلغ ثمن الثوب المقصور منه مائة دينار فما فوقها ولا يعلم في بلد ثوب يبلغ مائتي دينار فما فوقها وليس فيه ذهب إلا بمصر وبها ثياب النساء من الأصناف من المعلمات ما ليس في بلد ومنها لغمر الدنيا وليس في الدنيا ملك جاهلي ولا إسلامي يلبس خواصه وحرمه غير ثياب مصر.
ومنها : دمياط يعمل فيها القصب البلخي من كل فن والشرب لا تشارك تنيس في شيء من عملها وبينهما مسيرة نصف يوم ، ويبلغ الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ثلاثمائة دينار ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا يعمل بتنيس أبيض ، وهما حاضرتا البحر وبهما من صيد البر والبحر من الطير والحيتان ما ليس في بلد.
ومنها : الفرما بها البسر الفرماوي والرطب والتمر إذا فرغت أرطاب الدنيا وبسرها هو فلم يبرح أكثر الشتاء حتى يجتمع مع الرطب الجديد وليس هذا بالحجاز ولا اليمن ولا البصرة ، وربما وزنت البسرة منه فكانت عشرين درهما ولا يعرف بُسرٌ في خلقته ، وفيها المناسج أيضاً الأبيض والمصبوغ.
ومنها : الجفار وما فيه من الطير والجوارح والمأكول والصيد والتمور والثياب إلى ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف بالقسية تعمل بالقس ، وبها الرمان العريشى لا يعرف في قدره ، وما يعمل في الجفار من المكاتل يحمل إلى سائر الآفاق.
ومنها : مدينة المحلة وبنا وبوصير وسمنود وما فيها من الكتان الذي يحمل إلى بلاد الإسلام وبلاد الكفر وأقاصي الدنيا ، وبها الأترج الجافي وبها الإوز الذي ليس في خلقته ولا وزنه مثيل له ، وربما يكون وزن الطير الواحد رطلاً ، وفي قوله عز وجل : {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} قال : بنا وبوصير وسمنود.
ومنها : دقهلة وكورتها التي يعمل فيها القرطاس الطومار الذي يحمل منه إلى أقاصي بلاد الإسلام والكفر ، وما في أعمال أسفل الأرض بمصر كورة إلا وتختص بنوع دون الأخرى ، وسائر فواكه الشام في كور أسفل الأرض.
ومنها : إسكندرية وعجائبها ومنارتها طولها مائتا ذراع وثمانون ذراعا وفيها المرآة التي يرى فيها كل من يمر بالقسطنطينية ، وبها الملعب الذي كانوا يجتمعون فيه لا يرى أحد منهم شيئاً دون صاحبه وليس لأحد سر دون صاحبه من نظر أو سماع البعيد والقريب فيه سواء “.
وقد ترجم له ابن خلكان في كتابه فيات الأعيان فقال : ابن زولاق .. أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي مولاهم المصري، كان فاضلاً في التاريخ ، وله فيه مصنف جيد ، وله كتاب في خطط مصر استقصى فيه ، وكتاب (أخبار قضاة مصر) جعله ذيلاً على كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي الذي ألفه في أخبار قضاة مصر وانتهى فيه إلى سنة ست وأربعين ومائتين ، فكمله ابن زولاق المذكور ، وابتدأ بذكر القاضي بكار بن قتيبة وختمه بذكر محمد بن النعمان ، وتكلم على أحواله إلى رجب سنة ست وثمانين وثلثمائة ؛ وكان جده الحسن بن علي من العلماء المشاهير.
وكانت وفاته – أعني أبا محمد – يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلثمائة رحمه الله تعالى ، ورأيت في كتابه الذي صنفه في أخبار قضاة مصر في ترجمة القاضي أبي عبيد أن الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير توفي في جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة ثم قال : قبل مولدي بثلاثة أشهر ، فعلى هذا التقدير تكون ولادة ابن زولاق المذكور في شعبان سنة ست وثلثمائة وروى عن الطحاوي ، وزولاق : بضم الزاي وسكون الواو وبعد اللام ألف قاف ، والليثي – بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة – هذه النسبة إلى ليث بن كنانة وهي قبيلة كبيرة ، قال ابن يونس المصري : هو ليثي بالولاء “.

57 / أخبار سيبويه المصري
أخبار سيبويه المصري هو عنوان كتاب للمؤرخ الحسن بن زولاق يروي فيه سيرة صديقه أبي بكر محمد بن موسى بن عبد العزيز الكندي المصري المعروف بلقب سيبويه المصرية والذي ولد بمصر عام 284 هـ / 897 م وتوفي فيها عام 358 هـ / 968 م ، وهو أديب ولغوي استمد شهرته من غرابة أطواره حيث كان يلقي على الناس في الأسواق الكثير من المواعظ والحكم ويتناول فيها بالنقد اللاذع السلطة الحاكمة وقتها وذلك في قالب أدبي يعتمد على السجع فصارت كلماته وعباراته محفوظة بين العوام يرددونها ويتناقلونها بينهم.
وقد ذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء نبذة عن سيبويه المصري فقال : ” محمد بن موسى بن عبد العزيز أبو بكر الكندي المصري وقيل أبو عمران بن الصيرفي ويعرف بابن الجبي ويلقب بسيبويه ، كان عارفا بالنحو والمعاني والقراءة والغريب والاعراب والأحكام وعلوم الحديث والرواية واعتنى بالنحو والغريب حتى لقب بسيبويه لذلك وله معرفة بأخبار الناس والنوادر والأشعار والفقه على مذهب الشافعي ، جالس ابن الحداد الفقيه الشافعي وتتلمذ له وسمع من أبي عبد الرحمن النسائي وأبي جعفر الطحاوي.
وكان يتكلم في الزهد وأحوال الصالحين عفيفا متنسكا ويظهر الاعتزال اجتمعت فيه أدوات الأدباء والفقهاء والصلحاء والعباد والمتأدبين وبلغ بذلك مبلغا جالس به الملوك ، وكان يظهر الكلام في الاعتزال في الأسواق فيحتمل لما هو عليه من العلم ولحقته السوداء فاختلط ثم زادت عليه الوسوسة وواصلته السوداء الى أن مات في صفر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة بمصر وولد سنة أربع وثمانين ومائتين ، ومن شعره : من لم يكن يومه الذي هو فيه .. أفضل من أمسه ودون غده فالموت خير له وأروح من .. حياة سوء تفتّ في عضده “.
وذكره الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر فقال : ” أَبُو بكر الموسوس الْمَعْرُوف بسيبويه ، أَبُو بكر هَذَا من الْبَصْرَة وَكَانَ يشبه فِي حُضُور جَوَابه وَبَيَان خطابه وَحسن عِبَارَته وَكَثْرَة درايته بِأبي العيناء وَكَانَ قد تنَاول البلاذر فعرضت لَهُ مِنْهُ لوثة وَكَانَ النَّاس يتبعونه ويكتبون عَنهُ مَا يَقُول فَقَالَ يَوْمًا للمصريين يَا أهل مصر أَصْحَابنَا البغداديون أحزم مِنْكُم لَا يَقُولُونَ باتخاذ الْوَلَد حَتَّى يقتنوا لَهُ العقد وَالْعدَد فهم أبدا يعزبون وَلَا يَقُولُونَ باتخاذ الْعقار خوفًا أَن يملكهم شَرّ الْجَار فهم أبدا يكنزون وَلَا يَقُولُونَ بِإِظْهَار الْغنى فِي مَوضِع عرفُوا فِيهِ بالفقر فهم أبدا يسافرون.
ووقف يَوْمًا بالجامع وَقد أخذت الْحلق مأخذها فَقَالَ يَا أهل مصر حيطان الْمَقَابِر أَنْفَع مِنْكُم يسْتَند إِلَيْهَا ويستدرى بهَا من الرّيح ويستظل بهَا من الشَّمْس والبهائم خير مِنْكُم تمتطى ظُهُورهَا وتؤكل لحومها وتحتذى جلودها وَكَانَ ابْن خزابة الْوَزير رُبمَا رفع أَنفه تيها فَقَالَ لَهُ سِيبَوَيْهٍ وَقد رَآهُ فعل ذَلِك أيشم الْوَزير رَائِحَة كريهة فيشمر أَنفه فَأَطْرَقَ وَاسْتعْمل النهوض فَخرج سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ لَهُ رجل من أَيْن أَقبلت فَقَالَ من عِنْد هَذَا الزاهي بِنَفسِهِ المدل بعرسه المستطيل على أَبنَاء جنسه وَكَانَت زَوجته ابْنة الإخشيد.
وأخلى الْحمام لمفلح فجَاء سِيبَوَيْهٍ ليدْخل فَمنع وَقيل لَهُ الْأَمِير مُفْلِح دَاخل فَقَالَ لَا أنقي الله مغسوله وَلَا بلغه رَسُوله وَلَا وَقَاه من الْعَذَاب مهوله وَجلسَ حَتَّى خرج من الْحمام فَقَالَ لَهُ إِن الْحمام لَا يخلى إِلَّا لأحد ثَلَاث مبتلي فِي قبله أَو مبتلي فِي دبره أَو سُلْطَان يخَاف من شَره فَأَي الثَّلَاثَة أَنْت ، وَمن شعره : اعذر أَخَاك على رداءة خطه .. واغفر رداءته لجودة ضَبطه .. فالخط لَيْسَ يُرَاد من تحسينه .. وَبَيَانه إِلَّا إبانة سمطه .. فَإِذا أبان عَن الْمعَانِي سمطه .. كَانَت ملاحته زِيَادَة شَرطه ، من الْكَامِل “.
وقد تحدث الدكتور شوقي ضيف عن الكتاب وذلك في كتابه تاريخ الأدب العربي حيث قال : ” أخبار سيبويه المصرى ، ألف هذا الكتاب ابن زولاق الحسن بن إبراهيم المولود سنة ٣٠٦ والمتوفى سنة ٣٨٧ وقد جمع فيه نوادر رفيق له فى الدراسة هو محمد بن موسى الكندى المعروف باسم سيبويه المصرى ، ولم يكن عالما بالنحو فحسب بل كان عالما أيضا بالقراءات والفقه وعلوم الحديث ورواية الشعر ، وكان عفيفا متنسكا اجتمعت فيه أدوات الأدباء والفقهاء والعبّاد وبلغ فى ذلك -كما يقول ياقوت – مبلغا جالس به حكام مصر.
وكان ينقدهم نقدا يحمّله كثيرا من السموم ولم يكن يخفيه بل كان يعلنه فى الأسواق وعلى رءوس الأشهاد وكان الناس يتبعونه يكتبون نقده، ويروونه فى المجالس العامة والمساجد والمتنزهات ومازال هذا دأبه حتى توفى سنة ٣٥٨ مع نهاية الدولة الإخشيدية ، وكان ابن زولاق مؤرخا كبيرا ويقول ابن خلكان له كتاب فى خطط مصر استقصى فيه، وله كتاب أخبار قضاة مصر جعله ذيلا على كتاب الكندى أخبار قضاة مصر، وكان قد انتهى فيه إلى سنة ٢٤٦ فكمله ابن زولاق إلى سنة ٣٨٦ ، وله كتاب فى سيرة الإخشيد اعتمد عليه ابن سعيد فى قسم الفسطاط من كتابه المغرب.
ويسوق ابن زولاق فى كتابه أخبار سيبويه مشاهد مختلفة لنقد سيبويه للحكام وللناس فى عصره ممزوجا بشئ من التباله ولم يكن ينقد أو يذم بلفظ قبيح إنما كان يزجر وينهر بألفاظ غير قبيحة ولكنها تخز وخز الإبر.
من ذلك أن الإخشيد كان يركب فى موكب لصلاة الجمعة فتصدى له يوما فى أثناء ركوبه إلى الصلاة والناس محتشدون لرؤيته فقال بأعلى صوته : ما هذه الأشباح الواقفة والتماثيل العاكفة سلّطت عليهم قاصفة (يوم ترجف الرّاجفة تتبعها الرّادفة) قلوبهم (يومئذ واجفة) ، فقال له رجل : إنه الإخشيد يمر إلى الصلاة ، فلم يفزع ولم يسكت بل قال توا : هذا الأصلع البطين المسمّن البدين قطع الله منه الوتين ولا سلك به ذات اليمين أما كان يكفيه صاحب ولا صاحبان ولا حاجب ولا حاجبان ولا تابع ولا تابعان لا قبل الله له صلاة ولا قبل له زكاة وعمر بجثته الفلاة.
وكان سيبويه المصرى يستخدم السجع دائما فى نقده أوقل فى هجائه للحكام ويوشّيه بآية أو آيات قرآنية على نحو ما مرّ بنا آنفا أو بحديث نبوى وكان يسوق مثل هذا الهجاء فى أثناء وعظه للناس إذ كان واعظا كبيرا ، والناس يضحكون لتنفيسه عنهم ما كان يقع عليهم من ظلم الحكام لزمنه فيضحكون ويغرقون فى الضحك وكان بعض الحكام والوزراء يقرّبه ويجالسه أملا فى أن لا يكويهم أمام الشعب بسياطه.
ورأى أبا الفضل جعفر بن الفرات يسير فى موكب كبير وكان قد تولى الوزارة فقال : ما بال أبى الفضل قد جمع كتّابه ولفّق أصحابه وحشد بين يديه حجّابه وشمّر أنفه وساق العساكر خلفه أبلغه أن الإسلام طرق فخرج ينصره او أن ركن الكعبة سرق فخرج لهذا الأمر ينكره ، ومع أن سيبويه كان يصوغ نوادره فى هذه الفصحى المسجوعة نجد عنده بعض ظواهر من عاميتنا أو لغتنا المتداولة من ذلك أنه كان يعيد الضمير لغير العاقل مع الفعل مجموعا فى مثل : فجاءت فراريج فلقطوا ما بين يديه ، والفصيح فلقطت ما بين يديه وكأن أسلافنا سبقونا إلى ذلك فى لغتهم اليومية منذ مئات السنين “.
وتناوله أحمد أمين بالنقد والتحليل في كتابه فيض الخاطر فقال : ” سيبويه المصري ، شخصية غريبة كانت في مصر في عهد الدولة الإخشيدية قبل بناء القاهرة وكان يدوي اسمها في الفسطاط والقطائع وما بينهما قبيل مجيء الفاطميين ، كانت شخصية تُرْهَب وتُحَب ويضحك منها ويعتبر بها إن شئت علمًا فعالم أو شعرًا فشاعر أو أدبًا فأديب أو وعظًا فواع، أو فكاهة ففَكِه أو نقدًا مقذعًا فناقد أو جنونًا فمجنون ، وُلد بمصر سنة ٢٨٤هـ وعاش أربعًا وسبعين سنة وأتقن النحو حتى لقب بسيبويه.
ألطف ما فيه لَوْثَة كانت بعقله هي سر عظمته فقد جَرُؤَ على ما لم يجرؤ عليه أحد في عصره ، كان معتزليًّا يقف في المسجد وفي الشارع فيصرح بآرائه في الاعتزال ويصيح بأن القرآن مخلوق فيقولون : مجنون ، ويتركونه يقول ما يشاء حيث لا يقول أحد شيئًا من ذلك إلا همسًا أو من وراء حجاب ، ويتعرض للناس بالقول اللاذع سواء في ذلك كافور الإخشيد أو وزيره أو العلماء أو التجار فيتضاحكون منه ويتقون لسانه ببره والإهداء إليه سرًّا وجهرًا.
كانت نوادره كثيرة، تتلقفها الألسنة ويتناقلها الرواة فتشيع في الناس وتكون سلوتهم ومثار ضحكهم ، وقديما عرف المصريون بالفكاهة الحلوة والنادرة اللطيفة، كما عرفوا بالإعجاب بها والجد في طلبها والإمعان في الضحك منها ، من أجل هذا ألف ابن زولاق المصري كتابه اللطيف في نوادر سيبويه لم يذكر فيه إلا قليلًا عن علمه ولم يذكر شيئًا عن نحوه ولا عن جده وإنما ملأه كله بفكاهته ولَوثته.
عُرف منذ شب بهذه اللوثة تظهر في حركاته ورمش عينه وزادت بترديه في بئر أمام بيته ، يهيج أحيانًا فيطرح ثيابه ويمشي عاريًا في الطريق على عورته خرقة وعلى أكتافه خرقة وبيده عصا ومصحف ويروح إلى الجامع وهو على هذا الحال يعظ ويتزهد ، وأحيانًا تهدأ ثأرته فينادم الأمراء والوزراء ويعجبون بلطفه وظرفه ، وتقول زوجه : إنه إنما كان يهيج إذا لم يأكل اللحم والدسم فإذا أكلهما هدأ.
قلت : إن لوثته سر عظمته فإذا هاج أتى بالنوادر الطريفة والكلم السيار ، ولذلك قالوا فيه : إنه إذا لم يكن له من يهيجه لم يخرج علمه ، سب مرة خازن الإخشيد أو وزير ماليته فأخذه وعذبه ثم أطلقه وأجرى عليه الرزق فكان الصبيان أحيانًا إذا رأوه يتصايحون : يا خازن اخرج عليه ، فيهيج ما به وينطق بالقول اللطيف.
كان يقول القول على سجيته لا يرهب أحدًا ولا يخشى سلطانًا ، قد أدخل مرة مستشفى المجاذيب ثم أخرجه كافور الإخشيد فلما مثل بين يديه قال له سيبويه : ما مثلك يصطنع بعشرين ألف دينار ولا بثلاثين ألفًا إذا كنت عادلًا فأما إذا كنت جائرًا فأسود بعشرة دنانير يقوم مقامك ، وكان أكثر قوله سجعًا ومن ثم كان أكثر دورانًا على الألسنة وأسهل حفظًا.
لقي المحتسب وبين يديه أجراسه فقال : ما هذه الأجراس يا أنجاس والله ما ثَم حق أقمتموه ولا سعر أصلحتموه ولا جان أدبتموه ولا ذو حسب وقرتموه وما هي إلا أجراس تسمع لباطل يوضع وأقفاء تصفع وبراطيل تقطع لا حفظ الله من جعلك محتسبًا ولا رحم لك ولا له أمًّا ولا أبًا ، وكان مَخْشِي اللسان يُهرب الوجهاء والأعيان إذا سمعوا صوته من بعيد حتى لا يقذفهم بقذيفة من لذعاته تسير في الناس ، وكان كافور يعجب كيف يسكت المصريون على سبه ويقول : سبحان من سلط سيبويه عليكم ينتقم منكم وما تقدرون على الانتصار.
وما السبب في هذا إلا أنه كان يعمد إلى الرؤساء فيرميهم بكلماته القارصة تصيب منهم مقتلًا ويُسَر الشعب من هذا لأنه يعبر عما في نفوسهم وينتقم من خصومهم ويجرؤ بجنونه على ما لم يجرؤ عليه عقلاؤهم وكان يستطيع بلسانه أن يصل إلى ما يتحرج من ذكره المتدينون.
لقد كان يومًا يؤاكل ابن المادراني الوزير وعنده هارون العباسي فقدمت هريسة فقال هارون : أكثِرْ منها يا سيبويه فإنها تذهب بالوسواس من رأسك ، فكف سيبويه عن الطعام وأخذ يفكر فقالوا : فيم تفكر ؟ ، قال : أفكر في امتناع إبليس عن السجود لآدم والآن ظهر عذره علم إبليس أن هذا في صلب آدم فلم يسجد له ولو عُرض على كلاب اليهود أن تسجد لنسبة هذا في ظهرها ما فعلت ، ونحو هذا من أنواع الهجاء القاسي.
وهو مع هذا أديب ظريف له نظرات في الأدب جميلة ، يقول : إن أفضل الكلام ما اعتدلت مبانيه وعذبت معانيه واستسلس على ألسنة ناطقيه ولم يستأذن على آذان سامعيه ، وقد هجا بعضُ الناس شيخًا من شيوخه فقال سيبويه : ما يَضُرُّ البحرَ أمسَى زاخرًا أن رَمَى فيه صبيٌّ بحجرْ ، وسمع بيت المتنبي : وَمِنْ نكَدِ الدنّْيا عَلَى الحُرﱢ أَن يَرَى عَدُوًّا له ما مِنْ صَدَاقته بُدٌّ ، فقال : هذا كلام فاسد لأن الصداقة ضد العداوة ولو قال ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوًّا له ما من مداراته بدٌّ لكان أحسن وأجود.
وبلغ المتنبي هذا النقد فذهب إلى سيبويه وسمعه منه فتبسم وانصرف فصاح سيبويه: انبكم ! ، ومع هذا فلما سمع قول المتنبي : ما كنتُ آمل قبل نَعْشِكَ أَنْ أَرَى رضْوَى عَلَى أَيْدِي الأنام تَسِير … إلخ ، صاح سيبويه : لبيك لبيك أنا عبد هذه الأبيات ، مما يدل على ذوق حسن ونقد صحيح وتقدير للأدب.
ولقد كان عالي النفس دقيق الحس يرى الناس كلهم دونه فلا يذل لعظيم ولا يهين لكبير ، طلبه أنوجور بن الإخشيد أمير مصر لينادمه فقال : على شرط أن أنزل حيث تنزل وأركب حيث تركب وأجلس متكئًا ، فأجابه إلى شرطه ، وكان سيبويه يُحَدِّث عظيمًا فجاء خادم يُسِرُّ حديثًا إلى هذا الجليس فسمع له وقطع الاستماع لسيبويه فقام سيبويه مُغْضَبًا فسأله : إلى أين ؟ ، قال : لا تجالسن من لا يرى مجالستك رفعة ولا تحدثن من لا يرى حديثك متعة ولا تسألن من لا تأمن منعه ولا تأمرن من لا تأمن طوعه.
ولما ماتت أم سيبويه حضر في جنازتها كل كبير في مصر إلا ابن المادراني الوزير وعاد والناس حوله فأخذ سيبويه يطلق لسانه في هجاء ابن المادراني وما نجاه من لسانه إلا أن لقيه في الطريق يأتي مسرعًا ليدرك الجنازة ، وعلى الجملة كان سيبويه طرفة مصر في عصره علمًا وأدبًا وفكاهة وجنونًا ، كان يقوم فيهم مقام العالم والواعظ والأديب ومقام الجريدة السيارة الناقدة اللاذعة وكان منظره بديعًا يدور في الأسواق على حماره أو حمار غيره وما أكثر من كان يتقي لسانه بتقديم حماره !
فبحق قال جوهر الصقلي لما دخل مصر وذكرت له أخباره : لو أدركتُه لأهديته إلى مولانا المعز في جملة الهدية ، وبحق لما سمع به فاتك (ممدوح المتنبي) قال : ذكروني به لعلي أستدعيه فإنه نزهة “.

58 / أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم هو أول كتاب جغرافي ذكر حدود الوطن العربي كما نعرفه اليوم وذلك في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) حيث قسم المقدسي بلاد الإسلام إلى أقاليم عربية وأخرى أعجمية فقال : ” والأقاليم العربية جزيرة العرب ثم العراق ثم آقور ثم الشام ثم مصر ثم المغرب وأقاليم العجم أوّلها المشرق ثم الديلم ثم الرحاب ثم الجبال ثم خوزستان ثم فارس ثم كرمان ثم السند ” ، وآقور هي الجزيرة الفراتية والرحاب هي منطقة تبريز وما حولها والمشرق يقصد به خراسان وما وراء النهر والجبال هي همدان وأصفهان.
ومؤلف الكتاب هو الرحالة والتاجر والجغرافي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البشاري المقدسي وينحدر من عائلة عربية عملت في خدمة الطولونيين وساهم جده في بناء مدينة عكا ، ولد في القدس عام 336 هـ / 947 م وتوفي في القاهرة عام 380 هـ / 990 م وقضى حياته كلها في التجوال بين البلاد الإسلامية للعمل بالتجارة حتى وصف بلقب الواوي (نسبة إلى ابن اوى كثير التنقل والترحال) ، وانتهى من تأليف كتابه في شيراز عام 375 هـ ثم رحل إلى مصر عام 378 هـ حيث أهداه إلى مكتبة الفاطميين.
وقال المقدسي عن كتابه : ” فإنه ما زالت العلماء ترغب في تصنيف الكتب لئلا تدرس آثارهم ولا تنقطع أخبارهم فأحببت أن أتبع سنتهم وأقفو سننهم وأقيم علما أحيي به ذكري ونفعا للخلق أرضي به ربي ” ، ويقول في المقدمة : ” اعلم أني أسست هذا الكتاب على قواعد محكمة وأسندته بدعائم قوية وتحريت جهدي الصواب واستعنت بفهم أولي الألباب وسألت الله عز اسمه أن يجنبني الخطأ والزلل ويبلغني الرجاء والأمل فأعلي قواعد وأرصف بنيان ما شاهدته وعقلته وعرفته وعلقته وعليه رفعت البنيان وعملت الدعائم والأركان “.
ويتحدث المقدسي عن منهجه في ترتيب البلاد ورسم الخرائط الخاصة بجغرافية الأقاليم والألوان الدالة على التضاريس فقال : ” وقد قسمناها أربعة عشر إقليما وأفردنا أقاليم العجم عن أقاليم العرب ثم فصّلنا كور كلّ إقليم ونصبنا أمصارها وذكرنا قصباتها ورتّبنا مدنها وأجنادها بعد ما مثّلناها ورسمنا حدودها وخططها وحرّرنا طرقها المعروفة بالحمرة وجعلنا رمالها الذهبيّة بالصفرة وبحارها المالحة بالخضرة وأنهارها المعروفة بالزرقة وجبالها المشهورة بالغبرة ليقرب الوصف إلى الأفهام ويقف عليه الخاصّ والعامّ “.
وقال في كتابه عن مصر : ” وقد كرّر الله في القرآن ذكره وأظهر للخلق فضله أحد جناحي الدنيا ومفاخره فلا تحصى مصره قبة الإسلام ونهره أجلّ الأنهار وبخيراته تعمر الحجاز وبأهله يبهج موسم الحاجّ وبرّه يعمّ الشرق والغرب قد وضعه الله بين البحرين وأعلى ذكره في الخافقين حسبك ان الشام على جلالتها رستاقه والحجاز مع أهلها عياله وقيل إنه هو الرّبوه ونهره يجرى عسلا في الجنّة قد عاد فيه حضرة أمير المؤمنين ونسخ بغداد إلى يوم الدين وصار مصره أكبر مفاخر المسلمين “.
وقال عن الفسطاط : ” خزانة المغرب ومطرح المشرق وعامر الموسم ليس في الأمصار أهل منه كثير الأجلّة والمشايخ عجيب المتاجر والخصائص حسن الأسواق والمعايش إلى حمّاماته المنتهى ولقياسيره لباقة وبهاء ، ليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه ولا أحسن تجمّلا من أهله ولا أكثر مراكب من ساحله أهلّ من نيسابور وأجلّ من البصرة وأكبر من دمشق ، به أطعمة لطيفه وإدامات نظيفة وحلاوات رخيصة كثير الموز والرطب غزير البقول والحطب خفيف الماء صحيح الهواء معدن العلماء طيّب الشتاء ، أهل سلامة وعافية ومعروف كثير وصدقة نغمتهم بالقرآن حسنة ورغبتهم في الخير بيّنة وحسن عبادتهم في الآفاق معروفة “.
وذكر اتصال البادية العربية بالصحراء الكبرى في مصر فقال : ” وبين أقاليم العرب بادية ووسط أقاليم الأعاجم مفازة لا بدّ من إفرادهما والاستقصاء في وصفهما لشدّة الحاجة اليهما وكثرة الطرق فيهما ، وأما البحار والأنهار فقد أفردنا لهما بابا كافيا لشدّة الحاجة اليه والأشكال فيه ” ، وقال أيضا : ” ذكر بادية العرب .. اعلم أن بين أقاليم العرب غير المغرب بادية ذات مياه وغدران وآبار وعيون وتلال ورمال وقرى ونخيل قليلة الجبال كثيرة العرب مخيفة السبل خفيّة الطرق طيّبة الهواء رديّة الماء “.
ووصف الديار المصرية ومدن الدلتا فقال عنها : ” العبّاسيّة هي قصبة الريف عامرة طيّبة قديمة شربهم من النيل موضع الريف والخصب بنيانهم أفرج من بنيان مصر بها أضداد تحمل اليها وجامع حسن من الآجرّ رفقة سريّة والمحلّة الكبيرة ذات جانبين اسم الجانب الآخر سندفا بكلّ جانب جامع وجامع المحلّة وسطها وجامع تلك على الشطّ لطيف وهذه أعمر وبها سوق زيت حسن والناس يذهبون ويجيئون في الزواريق شبّهتها بواسط ودميرة أيضا على الشطّ طويلة عامرة بها بطّيخ نادر الاسكندريّة قصبة نفيسة على بحر الروم عليها حصن منيع وهو بلد شريف كثير الصالحين والمتعبّدين “.
ويقول عنه المستشرق النمساوي لويس سبرنغر : “هو أكبر جغرافي عرفته البشرية قاطبة ولم يسبقه شخص في اتساع مجال أسفاره وعمق ملاحظاته وإخضاعه المادة التي جمعها لصياغة منظمة ” ، أما المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير فيقول في كتابه (مقتطفات من أهم الجغرافيين العرب في العصور الوسطى) : ” كتاب المقدسي أساسي لمعرفة العالم الإسلامي في تلك الفترة ونظرا لما كان يتمتع به من حب استطلاع يقظ دوما ومن روح تسامح فريدة تماما وبقدرة نادرة على الفهم فقد نتج عن كل تلك المزايا المذكورة أن أصبح كتابه وصفا بديعا للعالم “.

59 / مسند الموطأ
(مسند الموطأ) هو عنوان الكتاب الذي صنفه شيخ المذهب المالكي بالديار المصرية في القرن الرابع الهجري الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الغافقي الجوهري الذي ولد في مصر عام 320 هـ / 932 م وقضى فيها حياته كلها وتوفي بالفسطاط في عام 381 هـ / 991 م ، ويرجع في نسبه إلى قبيلة غافق اليمنية التي سكنت مصر منذ الفتح الإسلامي وتتلمذ على عدد كبير جدا من شيوخ مصر ومن الوافدين إليها منهم الحافظ والمحدث والفقيه والمقرىء والمفسر.
وهو كتاب قيم تناول فيه المؤلف ضبط أسانيد كتاب الموطأ كما احتوى الكتاب على ترجمة وسعة للإمام مالك بن أنس وجملة من أقواله وآرائه في العلم والسنة وقد كتبها المؤلف عن طريق الإسناد للتثبت من روايتها ، وضم كذلك تراجم لجميع شيوخ الإمام مالك الذين أخرج أحاديثهم في الموطأ مع ذكر لجملة من أخبارهم وفضائلهم ودرجتهم في المعرفة والحفظ والضبط بالإضافة إلى عدة مسائل فقهية تعليقا على شرح الأحاديث الواردة في الكتاب ، وقد تم تحقيق الكتاب وطبعه حديثا على يد كل من لطفي الصغير وطه بوسريح.
وقد تتلمذ الجوهري على يد عدد من الشيوخ منهم الإمام الفقيه المعمر قاضي الإسكندرية ومسندها أبو الحسن علي بن عبد الله بن يزيد بن أبي مطر المعافري الإسكندراني المالكي المتوفي عام 339 هـ عن مائة عام ، والشيخ الإمام المحدث الصدوق المعمر أبو الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو المديني المصري الخامي المتوفي عام 341 هـ عن ثلاث وتسعين سنة ، والعلامة أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي نزيل مصر مؤلف كتاب (النفيس في الأحكام) والمتوفي بمصر عام 344 هـ عن ثمانين سنة.
ومنهم الشيخ الثقة المحدث أبو عمرو عثمان بن محمد بن أحمد بن محمد بن هارون بن وردان السمرقندي المصري الحذاء المتوفي عام 345 هـ عن خمسة وتسعين عاما ، والشيخ المحدث الأمين أبو القاسم إسماعيل بن يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن عيسى بن الجراب البغدادي البزاز الذي نزل مصر وحدث بها وتوفي عام 345 هـ ، والإمام المحدث الصدوق أبو الحسن أحمد بن بهزاد بن مهران الفارسي السيرافي المصري المتوفي عام 346 هـ ، والإمام الحجة أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن محمد بن جامع المصري السكري المقرىء المتوفي عام 347 هـ.
ومنهم الشيخ المحدث أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي الموت المكي المتوفي بمصر عام 351 هـ عن تسعين سنة وهذا الشيخ هو أكثر من روى عنه المؤلف ، والمحدث الثقة أبو محمد عبد الله بن جعفر بن محمد بن الورد بن زنجويه البغدادي المصري راوي السيرة والمتوفي عام 351 هـ ، والمحدث الحجة أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن عطية بن الحداد الأسدي الزبيري البغدادي نزيل تنيس والمتوفي عام 354 هـ ، والمدرس بجامع الفسطاط الشيخ مؤمّل بن يحيى بن مهدي بن هارون الأسواني التمار المتوفي عام 359 هـ عن تسعين عاما.
ومنهم العلامة شيخ المالكية أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة العماري المصري المتوفي عام 355 هـ (من ولد عمار بن ياسر ويعرف بالقرطي نسبة إلى مهنة أسرته وهي بيع القرط) وهو مؤلف كتاب الزاهي في الفقه وكتاب أحكام القرآن وكتاب مناقب مالك وكتاب تسمية الرواة عن مالك ، والشيخ الإمام المعمر الفقيه الفرضي القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكرياء بن حيويه النيسابوري المصري الشافعي الذي قدم مصر صغيرا وعاش فيها وتوفي عام 366 هـ.
ومنهم الإمام الحافظ القدوة محدث الديار المصرية أبو القاسم حمزة بن محمد بن علي بن العباس الكناني المصري صاحب كتاب (مجلس البطاقة) والمتوفي عام 357 هـ عن ثمانين عاما ، والمحدث الإمام أبو عبد الله الحسن بن الخضر بن محمد الأسيوطي المتوفي عام 361 هـ ، والإمام المسند المفتي الفقيه أبو أحمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الناصح الدمشقي الشافعي نزيل مصر المعروف بلقب (ابن المفسر) والمتوفي عام 365 هـ عن تسعين عاما.
ومنهم قاضي قضاة مصر الإمام العالم المسند المحدث أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن بجير الذهلي البغدادي المالكي والمتوفي عام 367 هـ عن ثمانية وثمانين عاما ، والإمام المحدث الصادق مسند مصر أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري المصري (منسوب إلى عسكر مصر المعدل) والمتوفي عام 370 هـ عن سبعة وثمانين عاما ، ومحدث مصر أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل البناء بن المهندس المتوفي عام 385 هـ عن تسعين سنة.
ذكره الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء فقال : ” الجوهري .. الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الغافقي الجوهري من أعيان المصريين المالكية ، سمع أبا إسحاق بن شعبان وأحمد بن محمد المكي وأحمد بن بهزاذ وعبد الله بن الورد وأبا الطاهر الخامي وعلي بن عبد الله بن أبي مطر ومؤمل بن يحيى وأبا القاسم العثماني وعدة ، روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو الحسن بن فهد وابنه وأبو العباس بن نفيس المقرئ .
وصنف (مسند الموطأ) بعلله واختلاف ألفاظه وإيضاح لغته وتراجم رجاله وتسمية مشيخة مالك فجوده ، وكان يرويه جعفر الهمداني عن العثماني ، عن الحضرمي وابن خلف معا عن أحمد بن نفيس عنه سمعه الشيخ حسن من بنت الواسطي بإجازتها من جعفر وألف حديث مالك مما ليس في الموطأ ، قال الحبال وأبو القاسم بن منده : مات في رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، قلت : أظنه مات كهلا ، سمع أبو علي بن الخلال (مسند الموطأ) من جعفر الهمداني ووقع لي في العثمانيات من حديثه “.
وذكره القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك وتقريب المسالك ضمن الطبقة السادسة من شيوخ المالكية فقال : ” أبو القاسم الجوهري .. هو عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الغافقي الجوهري ، فقيه كثير الحديث عن الشيوخ بالفسطاط وكبار فقهاء المالكية وشيوخ السنة.
سمع من ابن شعبان ومؤمل بن يحيى وأبي القاسم العثماني والحسن بن رشيق وأحمد بن محمد الإمام وأبي الطاهر القاضي وأبي علي المطرز وعبد الصمد بن محمد النيسابوري وحمزة بن محمد الكناني، وغيرهم ، روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو محمد الأجدابي من القرويين ، ومن المصريين ابنه وأبو الحسن بن فهر وأبو العباس بن يعيش المغربي وأبو علي المراني وأبو بكر بن عقال الصقلي ، ومن الأندلسيين خلف الجعفري وأبو محمد بن الوليد وابن الحذاء وأبو عمر الطلمنكي.
قال أبو عبد الله محمد بن الحذاء القاضي : كان فقيها ورعا، منقبضا خيرا من جلة الفقهاء ، قال أبو عمر الطلمنكي : وكان لزم بيته لا يخرج منه ، قال الباجي : لا بأس به ، وألف كتاب مسند الموطأ وكتاب مسند ما ليس فيه الموطأ ، قال ابن الحذاء : وتوفي فيما أحسب سنة خمس وثمانين وثلاثمائة “.
وذكره برهان الدين بن فرحون اليعمري في كتابه الديباج المذهب بأعيان المذهب فقال : ” ومن الطبقة السادسة من مصر عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الغافقي الجوهري أبي القاسم فقيه كثير الحديث من شيوخ الفسطاط وكبار فقهاء المالكية وشيوخ السنة .. وألف كتاب مسند الموطأ وكتاب مسند ما ليس في الموطأ ، توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى ورضي عنه “.
وذكره محمد مخلوف في كتابه شجرة النور الزكية في طبقات المالكية فقال : ” أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي الجوهري الإِمام الفقيه العالم المحدث الثقة الفاضل ، سمع من ابن شعبان والحسن بن رشيق وأبي علي المطرزي وغيرهم وعنه ابنه وأبو بكر بن عبد الرحمن القيرواني وأبو الحسن بن مسرور وأبو بكر بن عقال وابن الحذاء وغيرهم ، ألّف كتاب مسند الموطأ وكتاب مسند ما ليس في الموطأ “.

60 / المختلف والمؤتلف
من أهم علوم الحديث الشريف ما عرف باسم علم الرجال أو الجرح والتعديل والذي يعني دراسة شخصيات رواة الحديث والتثبت من تحقيقهم لشروط الرواية من الصدق والعدالة وكذلك سيرتهم الذاتية وسلامتهم من الفسق وخوارم المروءة ، ومن أهم الكتب في هذا العلم كتاب (المؤتلف والمختلف) الذي كتبه محدث الديار المصرية الإمام عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري تلميذ الإمام الدارقطني ، ولد في الفسطاط عام 332 هـ / 943 م وتوفي فيها عام 409 هـ / 1018 م ويرجع في نسبه إلى قبيلة الأزد العربية القحطانية التي دخلت مصر مع الفتح الإسلامي.
والكتاب يحوي سجلا لأسماء رواة الحديث مع نبذة مختصرة عنهم مرتبة أبجديا مع ذكر من روى عنهم الشخص ومن روى لهم بحيث يكون مثل الفهرس يستعان به في بقية كتب الحديث ، وقد تطور هذا العلم بعد ذلك وأدى إلى ظهور مؤلفات تراجم المحدثين ثم توسعت وشملت السيرة الذاتية لغيرهم من الأعيان والأدباء وسائر الشخصيات ، وقد استهل المؤلف كتابه هذا بعبارة نقله عن شيوخه إلى تلاميذه وهي توضح منهجه حيث يقول : ” أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس لأنه شيء لا يدخله القياس ولا قبله شيء ولا بعده شيء يدل عليه “.
ومن مؤلفاته الأخرى كتاب أدب المحدِث والمحدَث وكتاب أسباب الأسماء وكتاب الأوهام التي في مدخل أبي عبد الله الحاكم النيسابوري وكتاب إيضاح الإشكال في الرواة وكتاب الرباعي في الحديث وكتاب الغوامض والمبهمات وكتاب العلم وكتاب الفوائد المنتقاة عن الشيوخ الثقات من حديث أبي الحسن محمد بن أحمد الإخميمي وكتاب مشتبه النسبة وكتاب المتوارين وكتاب القضاة وكتاب فيه مجلس من أوهام أبي عبد الله البخاري في تأريخه الكبير وكتاب في أسباب ورود الحديث وكتاب المقلين والمقلات من الصحابة وكتاب من روى من التابعين عن عمرو بن شعيب وكتاب فوائد حديث الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي عن شيوخه.
وفي كتابه الفوائد يروي عن شيوخه عددا من النوادر والأشعار والمواقف المؤثرة مثل قوله : ” وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادُ النهاوندي قال : حدثني محمد السقاء – وَهُوَ صَالِحٌ فَاضِلٌ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ ـ قَالَ : رَكِبْتُ فِي سفينةٍ مِنْ تِنِّيسَ إِلَى مِصْرَ ، قَالَ : فَاشْتَدَّ هَوْلُ الْبَحْرِ عَلَيْنَا فَتَضَرَّعَ النَّاسُ وجأروا إلى الله عز وجل قال : فنبغ رجلٌ مِنْ وَسَطِهِمْ ، وَقَالَ : عَجِبْتُ لِقَلْبِكَ كَيْفَ انقلب ، قال : فاستجهلناه ، وَقُلْنَا : انْظُرْ فِي أَيِّ وقتٍ يُخَاطَبُ اللَّهُ بمثل هذا؟ ، قال : ثُمَّ زَادَ الْهَوْلُ فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ قَالَ : وَشِدَّةُ حُبِّكَ لِي لِمْ ذَهَبَ؟ ، قَالَ : فَكُنَّا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ أَشَدَّ غَيْظًا من الأولى ، ثم زاد الهول فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : (وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا وذا أَنَّنِي .. أَرَاكَ بِعَيْنِ الرِّضَا فِي الْغَضَبِ) ، قَالَ : فَمَا تَمَّ الْكَلامُ حَتَّى سَكَنَ الْهَوَاءُ ، قَالَ : فَوَضَعْتُ عَيْنِي عَلَيْهِ وَقُلْتُ : هَذَا وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ أَكُونُ مُرَافِقًا لَهُ وَصَاحِبًا ، قَالَ : فَمَا هُوَ إِلا أَنْ وَصَلْنَا اتَّبَعْتُهُ فَلَمْ أجده ولم أدر أَيَّ طريقٍ سَلَكَ “.
ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال : ” الحافظ عبد الغني .. أبو محمد عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان بن عبد العزيز الأزدي الحافظ المصري ؛ كان حافظ مصر في عصره وله تواليف نافعة منها مشتبه النسبة وكتاب المؤتلف والمختلف وغير ذلك وانتفع به خلق كثير ، وكانت بينه وبين أبي أسامة جنادة اللغوي وأبي علي المقرئ الأنطاكي مودة أكيدة واجتماع في دار الكتب ومذاكرات فلما قتلهما الحاكم صاحب مصر استتر بسبب ذلك الحافظ عبد الغني خوفاً أن يلحق بهما لاتهامه بمعاشرتهما وأقام مستخفياً مدة حتى حصل له الأمن فظهر.
وكانت ولادة الحافظ عبد الغني لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة وتوفي ليلة الثلاثاء ودفن يوم الثلاثاء سابع صفر سنة تسع وأربعمائة بمصر ودفن بحضرة مصلى العيد رحمه الله تعالى ، وذكر أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي المعروف بابن الطحان في تاريخه الذي جعله ذيلاً لتاريخ ابن يونس المصري أن عبد الغني بن سعيد المذكور مولده في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة والله أعلم وتوفي والده سعيد المذكور سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة وعمره ثلاث وأربعون سنة رحمه الله تعالى وقال ولده الحافظ عبد الغني : لم أسمع من والدي شيئاً.
وقال أبو الحسن علي بن بقا كاتب الحافظ عبد الغني بن سعيد : سمعت الحافظ عبد الغني بن سعيد يقول : رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان معاوية بن عبد الكريم الضال وإنما ضل في طريق مكة وعبد الله بن محمد الضعيف وإنما كان ضعيفاً في جسمه لا في حديثه.
وقال أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ الصوري : قيل للدارقطني هل رأيت في الحديث أحداً يرجى علمه فقال : نعم شاباً بمصر كأنه شعلة نار يقال له عبد الغني ، فلما خرج الدارقطني من مصر جاءه المودعون وتحزنوا على مفارقته وبكوا فقال : لقد تركت عندكم خلفاً ، يعني عبد الغني ، وقال أيضاً – أعني الصوري – لما صنف عبد الغني (المؤتلف والمختلف) عرضه على الدارقطني فقال له : اقرأه ، فقال : كيف أقرأه لك ومعظمه أخذته عنك فقال : نعم أخذته عني متفرقاً والآن قد جمعته “.
وترجم له الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلم النبلاء فقال : ” عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان الإمام الحافظ الحجة النسابة محدث الديار المصرية أبو محمد الأزدي المصري صاحب كتاب المؤتلف والمختلف ، مولده في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وكان أبوه سعيد فرضي مصر في زمانه .
سمع أبو محمد من : عثمان بن محمد السمرقندي وهو أكبر شيخ له ، ومن أحمد بن إبراهيم بن عطية ، وأحمد بن بهزاذ السيرافي وسماعه منه في عام اثنين وأربعين ، وسمع من إسماعيل بن يعقوب بن الجراب ، وعبد الله بن جعفر بن الورد ، وأحمد بن إبراهيم بن جامع ، وأبي الطيب القاسم بن عبد الله الروذباري ، وعلي بن أحمد بن إسحاق المزكي ، والحسن بن يحيى القلزمي ، وأبي أحمد بن الناصح المفسر ، والحسن بن الخضر الأسيوطي ، ومحمد بن علي النقاش التنيسي ، وعلي بن جعفر الفريابي ، وأبي قتيبة سلم بن الفضل ، وإبراهيم بن علي الحنائي صاحب الكجي ، وأبي نجيد محمد بن القاسم الحذاء ، والخضر بن محمد المراغي ، وأبي الحسن الدارقطني ، ويعقوب بن مبارك ، وحمزة بن محمد الكناني الحافظ ، والقاضي أبي الطاهر السدوسي ، وأبي الحسن بن حيويه ، وطبقتهم بمصر ، والقاضي يوسف بن القاسم الميانجي ، وأبي سليمان بن زبر ، والفضل بن جعفر المؤذن ، وطبقتهم بدمشق .
حدث عنه : الحافظ محمد بن علي الصوري ، ورشأ بن نظيف المقرئ ، وعبد الرحيم بن أحمد البخاري ، وابن بقاء الوراق ، وأبو علي الأهوازي ، والقاضي أبو عبد الله القضاعي ، وأبو إسحاق الحبال ، وخلق سواهم ، وبالإجازة أبو عمر بن عبد البر ، وغيره .
وكان من كبار الحفاظ ، قال البرقاني : سألت الدارقطني لما قدم من مصر : هل رأيت في طريقك من يفهم شيئا من العلم ؟ قال : ما رأيت في طول طريقي إلا شابا بمصر يقال له عبد الغني كأنه شعلة نار ، وجعل يفخم أمره ويرفع ذكره ، وقال أبو الفتح منصور بن علي الطرسوسي : أراد أبو الحسن الدارقطني الخروج من عندنا من مصر فخرجنا معه نودعه فلما ودعناه بكينا فقال لنا : تبكون وعندكم عبد الغني بن سعيد وفيه الخلف .
ولعبد الغني جزء بين فيه أوهام كتاب (المدخل إلى الصحيح) للحاكم يدل على إمامته وسعة حفظه ، قال عبد الغني : لما رددت على أبي عبد الله الحاكم (الأوهام التي في المدخل) بعث إلي يشكرني ويدعو لي فعلمت أنه رجل عاقل ، قال أبو بكر البرقاني : ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني .
وقال محمد بن علي الصوري : قال لي الحافظ عبد الغني : ابتدأت بعمل كتاب (المؤتلف والمختلف) فقدم علينا الدارقطني فأخذت عنه أشياء كثيرة منه فلما فرغت من تصنيفه سألني أن أقرأه عليه ليسمعه مني فقلت : عنك أخذت أكثره ، قال : لا تقل هكذا فإنك أخذته عني مفرقا وقد أوردته فيه مجموعا وفيه أشياء كثيرة أخذتها عن شيوخك ، قال : فقرأته عليه .
قال أبو الوليد الباجي : عبد الغني بن سعيد حافظ متقن قلت لأبي ذر الهروي : أخذت عن عبد الغني ؟ فقال : لا إن شاء الله ، على معنى التأكيد وذلك أنه كان لعبد الغني اتصال ببني عبيد يعني أصحاب مصر ، قال أحمد بن محمد العتيقي : كان عبد الغني إمام زمانه في علم الحديث وحفظه ثقة مأمونا ما رأيت بعد الدارقطني مثله .
قلت : اتصاله بالدولة العبيدية كان مداراة لهم وإلا فلو جمح عليهم لاستأصله الحاكم خليفة مصر الذي قيل إنه ادعى الإلهية وأظنه ولي وظيفة لهم ، وقد كان من أئمة الأثر نشأ في سنة واتباع قبل وجود دولة الرفض واستمر هو على التمسك بالحديث ولكنه دارى القوم وداهنهم فلذلك لم يحب الحافظ أبو ذر الأخذ عنه ، وقد كان لعبد الغني جنازة عظيمة تحدث بها الناس ونودي أمامها : هذا نافي الكذب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم ، قال أبو إسحاق الحبال : توفي في سابع صفر سنة تسع وأربعمائة .
قلت : ومات معه في هذا العام المحدثون المسندون : أبو الحسين أحمد بن محمد بن المتيم البغدادي الواعظ ، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن الصلت الأهوازي شيخا أبي بكر الخطيب ، وأبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني الصوفي شيخ البيهقي ، والمعمر أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن خزفة الصيدلاني الواسطي ، وأبو طلحة القاسم بن أبي المنذر القزويني الخطيب راوي سنن ابن ماجه .
أخبرنا عيسى بن عبد الرزاق أخبرنا جعفر الهمداني أخبرنا أبو طاهر السلفي سمعت جعفر بن أحمد اللغوي سمعت محمد بن علي الصوري الحافظ سمعت عبد الغني بن سعيد سمعت أبا القاسم الحسين بن عبد الله القرشي سمعت بنانا الزاهد يقول : من كان يسره ما يضره متى يفلح ؟
أخبرنا أحمد بن سلامة المقرئ إجازة عن هبة الله بن علي أخبرنا علي بن الحسين أخبرنا عبد الرحيم بن أحمد الحافظ أخبرنا عبد الغني بن سعيد أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد العطار حدثنا إبراهيم بن دنوقا حدثنا زكريا بن عدي حدثنا بشر بن المفضل عن غالب القطان عن بكر عن أنس قال : كنا نصلي مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في شدة الحر فإذا أراد أحدنا أن يسجد على الأرض بسط ثوبه فسجد عليه .
غالب هو ابن خطاف قيده الدارقطني بفتح الخاء اتفق الشيخان عليه من طريق بشر ، قال عبد الغني بن سعيد في كتاب (العلم) وهو جزآن : أخبرنا محمد بن عبد الله بن البياع في كتابه من نيسابور حدثنا الأصم فذكر حديثا “.