العلوم الاجتماعية

31 / معجم تيمور الكبير

من الموضوعات التي شغلت الباحثين في العلوم الاجتماعية مسألة العلاقة بين اللغة العربية الفصحى التي يكتب بها الأدباء واللهجات العامية الدارجة على ألسنة الناس في البوادي والأرياف والأسواق والمنتديات ، ومن أهم المؤلفات التي تناولت ذلك في العصر الحديث كتاب (معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية) من تصنيف الكاتب والأديب والمؤرخ أحمد تيمور باشا الذي ولد في القاهرة عام 1871 م وتوفي فيها عام 1930 م وهو الأخ الأصغر للأديبة عائشة التيمورية ووالد كل من الكاتب المسرحي محمد تيمور والأديب محمود تيمور.

وينحدر من عائلة عريقة من جذور كردية حيث قدم جده محمد تيمور مع الجند العثماني إلى مصر بعد خروج الفرنسيين منها وترقى إلى أن كان من خاصة محمد علي باشا وساعده في الفتك بالمماليك وعين كاشفا ثم محافظا وتوفي سنة 1847 م ، ووالده هو إسماعيل باشا تيمور الذي تولى إدارة عدد من المديريات ومناصب أخرى في زمن عباس وسعيد وإسماعيل وصار رئيسا للقلم الإفرنجي ثم رئيسا للديوان الخديوي وتوفي سنة 1873 م ، أما والدته مهريار هانم فهي شركسية وأما زوجته فهي خديجة هانم بنت أحمد رشيد باشا ناظر الداخلية.

توفي والده وهو صغير فقامت أخته عائشة بتربيته حيث تعلم اللغات ومبادئ العلوم في مدرسة مارسيل الفرنسية ودرس العلوم العربية والإسلامية على يد الشيخ حسن الطويل ثم انقطع عن الدراسة النظامية بعد بضع سنوات وتلقى تعليمه في المنزل فتعلم الفارسية والتركية ، وكوَّنَ وهو ما زال لم يكمل سن العشرين مَكْتبةً شَخْصيَّةً بلغ قوامها ثمانية آلاف مجلد نِصْفُها من المَخْطُوطات ثم جمع مكتبة قيمة غنية بالمخطوطات النادرة ونوادر المطبوعات (نحو 19527 مجلداً وعدد مخطوطاتها 8673 مخطوطاً) أهديت إلى دار الكتب بعد وفاته.

وكانت له صلات قوية بأَعْلامِ عَصرِهِ مثل الشيخِ حسن الطويل والشيخِ طاهر الجزائري والإمام محمد عبده الَّذي تَأثَّرَ به كَثِيرًا ، وقد تردد على مجالسه الكثير من أَقْطاب الفكر والسياسة والأدب في مصر في ذلك الحين مثل سعد زغلول وإسماعيل صبري وحافظ إبراهيم وقاسم أمين وغيرهم ، وكان بيته في درب سعادة بحي باب الخلق صالونًا ثقافيًا وكذلك كان قصره في الزمالك وكذلك كان له عوامة في النيل وعزبة في قويسنا وكان المثقفون من العراق والشام واليمن والمغرب العربي يتوافدون إلى هذه الصالونات الأدبية الأربعة.

وكان تيمور من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق وعضواً بالمجلس الأعلى لدار الكتب المصرية ، وقد ذكر الصحفي السوري محب الدين الخطيب أن محمد الأمين الشنقيطي صرح بأنه (لم ير في مصر مَنْ يفهم كلام العرب مثل الشيخ محمد عبده وأحمد تيمور) ، وقال محمد كرد علي في الثناء عليه : (كنت إذا عرض لي أو لبعض أعضاء المجمع إشكال لغوي أو تاريخي أو أحببت أن أعرف كتابا في موضوع يهمني البحث فيه لا أجد من يشفي غلتي خصوصا بعد فقد أستاذنا الجزائري غير أحمد تيمور).

وقد كتب في مجالات عدة منها التراث العربي مثل كتاب الحب والجمال عند العرب وكتاب لعب العرب وكتاب الموسيقى والغناء عند العرب وكتاب لهجات العرب وكتاب خيال الظل واللعب والتماثيل المصورة عند العرب وكتاب أوهام شعراء العرب في المعاني ، وفي التراث الشعبي صنف كتاب الأمثال العامية والذي يعد من أكبر المراجع في الأمثال الشعبية المصرية وفي التراجم ألف كتاب أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث وكتاب تاريخ العلم العثماني وكتاب تاريخ الأسرة التيمورية وكتاب أعلام المهندسين في الإسلام.

وقد ترجم له خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام وذكر علاقته به ولقاءهما معا فقال : ” أحمد تيمور باشا ، أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور عالم بالأدب باحث مؤرخ مصري من اعضاء المجمع العلمي العربي مولده ووفاته بالقاهرة من بيت فضل ووجاهة ، كردي الأصل مات أبوه وعمره ثلاثة اشهر فربته اخته عائشة وسمى حين ولد أحمد توفيق ودعي في طفولته بتوفيق ثم اقتصروا على احمد واشتهر بأحمد تيمور ، تلقى مبادئ العلوم في مدرسة فرنسية واخذ الادب عن علماء عصره وجمع مكتبة قيمة.

وكان رضي النفس كريمها متواضعا في انقباض عن الناس ، توفيت زوجته وهو في التاسعة والعشرين من عمره فلم يتزوج بعدها مخافة ان تسئ الثانية إلى أولاده وانقطع إلى خزانة كتبه ينقب فيها ويعلق ويفهرس إلى أن اصيب بفقد ابن له اسمه محمد سنة 1340 هـ فجزع ولازمته نوبات قلبية انتهت بوفاته ، وكانت لي معه رحمه الله جلسة في عشية السبت من كل أسبوع يعرض على فيها ما عنده من مخطوطات وأحمل ما أختار منها ثم أرده في الأسبوع الذي يليه وتألفت بعد وفاته لجنة لنشر مؤلفاته ما زالت جادة في عملها مشكورة عليه.

من كتبه : التصوير عند العرب ، ونظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة ، وتصحيح لسان العرب ، وتصحيح القاموس المحيط ، واليزيدية ومنشأ نحلتهم (رسالة) ، وتاريخ العلم العثماني (رسالة) ، وضبط الأعلام ، والبرقيات للرسالة والمقالة ، ولعب العرب ، وقبر السيوطي (رسالة) وأبو العلاء المعري وعقيدته ، والألقاب والرتب ، ومعجم الفوائد (وهو الأم لمؤلفاته كلها) ، والآثار النبوية ، وأعيان القرن الرابع عشر (صغير) ، والأمثال العامية ، والكنايات العامية ، وتراجم المهندسين العرب (نشره في مجلة الهندسة) ، ونقد القسم التاريخي من دائرة معارف فريد وجدي ، والتذكرة التيمورية (مجلدان) ، وأوهام شعراء العرب في المعاني ، وذيل طبقات الاطباء ، ومفتاح الخزانة (فهرس لخزانة الأدب للبغدادي) ، وذيل تاريخ الجبرتي ، والالفاظ العامية المصرية ، وقواميس الكلمات العامية (ستة أجزاء) ، ونقلت مكتبته بعد وفاته إلى دار الكتب المصرية وهي نحو 18 الف مجلد “.

وفي مقدمة معجمه الكبير يتحدث عن دوافعه لتأليفه فقال : ” أما بعد ، فإن اللغة الشريفة العربية – صانها الله وأعادها لسابق جدتها – لما تطرق إليها الفساد بكثرة الدخيل وشيوع اللحن والتحريف بسبب ما استلزمه الفتح الإسلامي من الاختلاط بغير العرب ، هب أئمتها – رضي الله عنهم وجزاهم خير الجزاء – لحياطتها والذود عن حياضها بتدوين أصولها وقواعدها وتقييد شواردها وأوابدها حفاظاً لها من الضياع بتغيير الأزمان والأوضاع فلم يغادروا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها فيما ألفوه ودونوه.

لا سيما ما يختص بالتفريق بين العربي الأصيل وما صار في حكمه من معربات العرب وبين ما ولده المحدثون وابتذلته العامة صوناً للغة من الخطل وتمييزاً للطيب من الخبيث والصحيح من البهرج إما بالتنبيه في المعاجم أو فيما أفردوه لذلك من التأليف ، لم يزل ذلك دأبهم حقبة بعد حقبة وجيلاً بعد جيل حتى وصل الأمر في القرون الأخيرة إلى العالمين المحققين شهاب الدين الخفاجي ومحمد أمين المحبي وقد طمى السيل وطفح الكيل فوضعا كتابيهما في الدخيل شفاء الغليل وقصد السبيل.

ثم احتذاهما غيرهما من أفاضل تلك العصور وما بعدها ممن وقفنا على آثارهم أو لم نقف ، بيد أن هذه الكتب أصبحت غير وافية بحاجة الزمان لحدوث مالم يكن ودروس ما قد كان ، وقد قلبتُ الطرف فلم أجد بين العصريين من عُني بذلك إلاّ أفراداً في رسائل لهم مختصرة وشذرات غير وافية بحيث أصبحنا في حاجة كبرى لوضع كتاب كافٍ يكشف عن أصول الكلمات العامية ومعانيها ويحل معقودها ويوضح غامضها ويبين مرادفها من الفصيح.

فاستخرت الله في جمع هذا الكتاب (خاصاً بلغة عامة المصريين المستعملة الآن) وقيدت فيها ما وصل إليه الجهد مرتباً إياه على حروف المعجم ومصدرِّاً له بمقدمة تشتمل على ثلاثة أبواب لا بد للمطالع من الوقوف عليها ، وسميته بعد ترتيبه وتهذيبه بالمعجم الكبير ، والله آسأل أن يعمم به النفع ويجعله خالصاً لوجهه الكريم.

الغرض الأول من الكتاب وبيان ترتيبه : غرضنا الأول من وضع هذا الكتاب إحياء اللغة العربية الصحيحة بذكر العاميّ وتفسيره ورده إلى نصابه من الصحة إن كان عربيّ الأصل أو بيان مرادفه – إن لم يكن كذلك – ليحلّ محله ويرجع إليه في الاستعمال ، فإن جهلناه اقتصرنا على تفسير المعنى وتوضيحه ليتسنى لمن وجده بعدنا أن يتمم ما بدأنا به ويوفي ما قصرّنا فيه فيكون ذكرنا له بمثابة التنبيه والإرشاد إليه.

وليس قصدنا إثبات كل ما نطقت به العامة سواء صح أو لم يصح بل القصد الاقتصار على ما تتطلبه الحاجة وتدعو إليه الضرورة وإهمال ما عداه مما اشتهرت صحته أو تغير تغيراً طفيفاً لا يطمس معالمه أو يصرفه عن منحاه وكان أمر تصحيحه ميسوراً بالرجوع إلى معاجم اللغة وقواعد العربية ، ولتفصيل هذا الإجمال نقول : تقسم الكلمات العامية من حيث أصولها إلى ثلاثة أقسام قسم عربيّ الأصل وهو الكثير الغالب وقسم دخيل من لغات شتى وقسم عاميّ محض لا أصل له أو غاب عنا أصله.

أما العربيّ الأصل فمنه ما أبقى على أصله واستعمل في معناه الموضوع له كباب وجامع وجمل وإنسان وكضرب وبنى وكعلى وفي ، ولا عبرة بتسكين الأواخر فإنه لا يعد تغييراً في بنية الكلمة بل هي قاعدة لهم في حذف الإعراب وتسكين أواخر الكلم سنتكلم عليها في باب القواعد فمثل هذا لا نرى داعياً لذكره إلاّ لفائدة تعرض أو يتوّهم فيه أنه على خلاف أصله ، ومنه ما حرّفوه بعض التحريف بتغيير حركة بحركة مثل قِفل بالكسر في قُفل بالضم وصَنْدوقْ بالفتح في صُنْدوق بالضمّ وحاله في الذكر كحال سابقه ، إلاّ إذا وافق تحريفه لغة من لغات العرب كقولهم شِعير بالكسر في شَعير بالفتح وككسرهم أحرف المضارعة فنذكره لبيان ذلك إما في حرفه من الكتاب إن كان خاصاً بالكلمة أو في باب القواعد إن كان عاماً.

ومنه ما أُبقى على أصله إلاّ أنه استعمل في غير معناه إما اعتباطاً أو تجوزاً لعلاقة ما فمثله نذكره ونبين الصواب فيه ومنه ما كان التغيير فيه كثيراً أو أبدلت بعض أحرفه بأخرى وحاله في الذكر كحال سابقه ، وأما الدخيل من اللغات الأخرى كالتركية والفارسية والمصرية القديمة وغيرها فنذكره ونفسره ونبين أصله ومرادفه – إن وقفنا عليه – خلا أشياء من اللغات الإفرنجية ضربنا عنها صفحا كبعض أسماء الآلات المستحدثة ودقائق أجزائها لأنا لم نجد فائدة في ذكرها مجردة ولأن إيجاد مرادفات لها ليس مما يستقل به الفرد.

كما أننا أهملنا أعلام البلدان والقرى المصرية مما كان منها أعجميّ الأصل أو عربيه إلاّ في النادر أو لمناسبة لأن في كتبها الموضوعة لها ما يغني عن ذكرها. ، وأما العاميّ المحض وهو ما ارتجلته العامة أو لم نصل إلى معرفة أصله فنذكره ونبين معناه ومرادفه وقد لا نذكر للكلمة مرادفاً لأنه يعرف من تفسيرها وربما وضعنا لبعض المعرّبات العامية مرادفات أصلها معرّب وذلك لأن العرب عرّبتها فصارت عربية.

ولا تخالنّ أننا استقصينا في كتابنا هذا جميع ما كان على شرطنا من الكلام العاميّ بحيث لم تشذ عنا كلمة فذلك مما لا سبيل إليه إلاّ بالتفرغ التام وإفناء الزمن الطويل بحثاً وتنقيباً وإنما مرادنا أنّ ما نذكره فيه لا يخرج عما اشترطناه ونرجو أن يكون ما فاتنا غير كثير ، هذا ولما كان في العاميّ ما هو قديم الاستعمال وما هو حديثه ولا تخفى الفائدة من معرفة تاريخ الكلمة وبدء استعمالها عندهم وكان إثبات ذلك متعذراً بل مستحيلاً ، أردنا تقريبه بالتنبيه على ما رأيناه مذكوراً في كتاب أو شعر أو عبارة مع ذكر وفاة المؤلف أو القائل أو زمنه إذا تيسير لنا ذلك ليُعلم أن الكلمة مما استُعمل في ذلك العصر أو قبله.

كما أننا لم نُخل الكتاب من ذكر كثير من أمثالهم السائرة وألفاظهم المستعملة في المناداة على السلع وفي التندير والضنترة (الطنز) المعبر عنهما عندهم بالتنكيت والتأليس وأقوالهم في الرقي والدعوات وكلمات نسائهم في التأخيذ المسمى عندهن بالشبشبة وشرح ألعابهم وغير ذلك كلما جرت إليه المناسبة واقتضاه المقام بحيث أصبح شاملاً لكثير من احوالهم وعاداتهم فوق ما فيه من لغاتهم وذكرنا أيضاً كناياتهم ورموزهم.

أما ترتيبه فعلى حروف المعجم باعتبار أوائل الكلمات مع مراعاة الحرف الثاني فالثالث وهلم جراً معتمدين في الوضع على هيئة الكلمة وتركيبها بلا نظر إلى زائد أو أصلي إلاّ فيما اقتضته اشتقاقاتهم وتصاريفهم أو دعا إليه تيسير الكشف وتسهيل الراجعة ولفظ ابن وأب وغيرهما – المضافة إلى الأسماء – لا تعتد بها في ترتيب الكلمات في حروفها ، وربما اضطررنا لتفسير كلمة مع أخرى من غير حرفها إما لأنها من متمماتها أو لفائدة تعرض ففي هذه الحالة نثبتها في موضعها من حرفها ونحيل على مكان تفسيرها ، وما فسرناه من الألفاظ اللغوية لم نقتصر فيه على كتاب واحد كالقاموس أو نحوه ولا نتسرع بالانتقاد إلاّ بعد البحث إنصافاً ، وربما رجعنا فيها إلى كتبها المؤلفة فيها إن كانت في الفلاحة أو الكتابة وأدواتها أو غير ذلك “.

وفي كتابه تاريخ الأسرة التيمورية يرصد علاقة جده ووالده بالأسرة العلوية فيقول : ” السيد محمد تيمور كاشف : هو من أسرةٍ كردية كانت تسكن بقره جولان وهي بلدةٌ بكردستان من ولاية الموصل اتصل بها الخراب في القرن الماضي بعد بناء السليمانية ولا يُعرف عن هذه الأسرة شيء بالتفصيل سوى أن أحد أفرادها ـ وهو الْمُتَرْجَم ـ فارقها إثر خصامٍ وقع بينه وبين أخيه والتحق بالجيش العثماني.

ولأفراد هذه الأسرة نَعْرةٌ وتفاخرٌ بأصلهم العربي اعتمادًا على ما أثبتَه مؤرِّخو العرب في أصل الكرد وجزمَ به محققوهم كابن الكلبي وابن خلكان وغيرهما من اتصال نسبهم بقحطان وأنهم من نسْل عمرو مُزَيْقِياء ابن عامر ماء السماء أو أنهم عدنانيون في قولِ آخرين على ما هو مفصَّل في موضعه من كُتُب اللغة والتاريخ ، على أن هذه الأسرة تَمُت إلى العروبة بسببٍ آخَر من جهة الشرف على ما ينقله خلفُهم عن السلف وهو عِلَّةُ ورودِ أسماءِ أفرادِها في الأوراق والصكوك القديمة مقرونة بلفظ السيد حتى بنى الْمُتَرْجَم داره بدرب سعادة سنة ١٢٣٠ نقش على رخامةٍ ببابها (السيد محمد تيمور) ومن تلك الأوراق علمنا أنه محمد بن إسماعيل بن علي كرد والله سبحانه أعلم.

وكان وصولُ الْمُتَرْجَم إلى مصر مع الجنود المرسَلِين إليها بعد نزوح الفرنسيين فوقع بينه وبين محمد علي ـ أحد مقدميهم ـ تآلفٌ غريبٌ وصداقةٌ أكيدةٌ ظهر أثرها بعد ولايته على مصر فإنه لم يكد يرتقي حتى أخذ بيدِ الْمُتَرْجَم معه وتدرَّج به في الارتقاء حتى جعله من كبار قواده واعتمد عليه في كثيرٍ من شئونه كحادثة الفتك بأمراء الجراكسة بالقلعة وغيرها مما كان يُقدِم عليه أو يقوم في وجهه من النوازل والفتن ، ولم يقصره على الجندية بل ولَّاه عدة أعمالٍ من أعمال البلاد المصرية المسماة إذ ذاك (الكشوفية) ومنها لَزِمَه لقبُ الكاشف الذي كان يُلقَّب به حتى بعد ترْكه تلك الأعمال.

ولما جرَّد جيشًا لمحاربة الوهابية بقيادة ولده طوسون باشا اختار جماعةً من قواده المحنَّكين وكان فيهم الْمُتَرْجَم فقدَّر الله لهذا الجيش الهزيمةَ والتشتُّت وذهب الْمُتَرْجَم مع مَن ذهب إلى المويلح ثم رجعوا إلى طوسون باشا بينبع البحر ، وغضب عليهم محمد علي غضبًا شديدًا من جرَّاء ذلك ثم عاد وصفح عنهم تأليفًا لقلوبهم وقلوب عسكرهم وأذِنَ لهم بالحضور إلى مصرَ فوصلوا إليها في شهر ربيع الآخر سنة ١٢٢٧.

ولما مُهِّدت أمور الحجاز وُلِّي الْمُتَرْجَم إمارة مدينة الرسول وبقي بها خمس سنوات ثم فُصِل عنها ولم يَعُد للمناصب المصرية وكان أعجزه الهرم فوظَّفت له الحكومة مرتبًا كافيًا ، وأقام بداره مقبلًا على العبادة إلى أن توفَّاه الله سنة ١٢٦٤ وقد ناهز الثمانين من عمره ودُفن في مرْقَده الذي أعدَّه لنفسه ولأسرته بالقرب من مقام الإمام الشافعي.

ولم يكن يتعاطى شيئًا من أمور الحكومة في تلك الفترة إلا ما كان يستشيره فيه عزيز مصر وكثيرًا ما كان يفعل فيدعوه إلى قصره بشبرا أو يُركِبه معه في عجلته عند ذهابه إليه وبلغ من بِرِّه أنه كان لا يخاطبه إلا بلفظ (أرقداش) أي الأخ أو الرفيق ، وقد تعدَّت هذه المحبة من الوالد إلى الولد فاتصلت بينه وبين إبراهيم باشا نجل العزيز فكان كثيرًا ما يدعوه للسَّمر معه أو يمر عليه بداره بدرب سعادة ويصحبه إلى حيث يريد.

إسماعيل تيمور باشا الكبير : ابن محمد تيمور كاشف وُلد في الساعة التاسعة من يوم ٧ ذي الحجة سنة ١٢٣٠ كما قيَّده والده على ظهر نسخةٍ من قصيدة البردة كان يقيِّد عليها تواريخ مَن يُولَد ل، ولقَّبه يوم ولادته برشدي ولكن لقب الأسرة غلب عليه وعُرف قديمًا في الحكومة بتيمور زاده أي ابن تيمور.

نشأ في بُلَهْنِيَةٍ من العيش ومال من صِغَرِه إلى الاشتغال بالعلوم والآداب فتأدَّب في العربية والعلوم الإسلامية على مَن اختارهم له والده من المؤدبين وتخرَّج في التركية والفارسية على عبد الرحمن سامي باشا (الذي صار بعد ذلك من وزراء الدولة العثمانية ومات سنة ١٢٩٨ أي بعد وفاة تلميذه بنحو تسع سنوات) ، وأتقن أنواع الخط على إبراهيم أفندي مؤنس أبي محمد أفندي مؤنس الشهير وبرع في الإنشاء التركي براعةً لم يُدَانِهِ فيها أحد من أقرانه فأُعجب به العزيز محمد علي واتخذه كاتبًا خاصًّا يعرض عليه ما يحتاج للعرض من الأوراق ويبلِّغ أوامره فيها إلى رؤساء الديوان.

ثم جعله وكيلًا لمديرية الشرقية فمديرًا لبعض مديرياتٍ كان آخرها الغربية أكبر ولايات القطر ، ولكنه كان مع هذا شديد الكلف بالقاهرة والعود إلى مناصب الديوان وقد عزَّ سبيلها عليه حتى عزم العزيز على التجوال في بلاده للإشراف على أعمالها فترقَّب حلوله بطندتا قاعدة مديريته وكان مع العزيز صهره كامل باشا الشاعر المشهور فكاشفه الْمُتَرْجَم بمراده واستنجد بصداقته لوالده فكان منه أن نَظَمَ أبياتًا تركية تشبه الموشَّح ضمَّنها قصةً مضحكة يُفْهَم منها الغرض ثم أنشدها العزيزَ في وقتٍ آنس منه فيه تبسُّطًا وانشراحًا فضحك منها وعَلِم ما في نفس الْمُتَرْجَم فأمر بنقله إلى الديوان.

ثم حدث ما حدث من تخلي العزيز محمد علي عن الحكم وتولِّي ولده إبراهيم باشا فرأى تزايد المشاكل وتراكم القضايا على الجمعية (الجمعية الحقانية) التي كانت أُنشئت سنة ١٢٥٨ كمجلسٍ عالٍ للأحكام فأمر بتأليف مجلسٍ آخَر سمَّاه (الجمعية الحقانية الثانية) وجعل الْمُتَرْجَمَ رئيسًا له وهاك ما جاء بصدده في الوقائع المصرية بعدد يوم الاثنين ٢٦ ذي القعدة سنة ١٢٦٤:

لما كان الجناب الداوري ملتزمًا براحة العباد وكان جُل قصدِه فصل القضايا وحل ما يقع من المشاكل والدعاوى واستحصال جميع راحة الخلق حصل تنظيم مجلس في مصر المحروسة مُعنوَن بجمعية الحقانية الثانية ، وجُعل رئيسه حضرة إسماعيل بيك تيمور زاده وأعضاؤه كلٌّ من إبراهيم أفندي رأفت القائمقام الذي كان وكيل ديوان المدارس وحسن أفندي كامي القائمقام وكيل ديوان الجفالك سابقًا ومحمد أفندي سعيد البيكباشي الذي كان ناظر قلم القضايا بديوان المالية وحسن أفندي سري البيكباشي الذي كان وكيل جفالك الشرقية وواحد من الأفندية الذين حصَّلوا فنَّ الإدارة الملكية.

ثم رُقي بعد ولاية عباس باشا إلى وكالة (ديوان كتخدا) وهو أكبر ديوانٍ إذ ذاك ورئيسه المعبَّر عنه بالكتخدا أو الأفندي أو مأمور الديوان الخديو أكبرُ رجال الحكومة بعد الوالي وله الإشراف على كافة فروعها فهو يشبه رئيس النظَّار (رئيس الوزراء الآن) ، ثم عُزل عن وكالة الديوان بوشايةِ بعض مناظريه وبقي أيامًا في داره ريثما تبيَّن للوالي كَذِبُ الواشي فدعاه وأظهر له الرضاء وأقامه ناظرًا على خاصَّته المسمَّاة ﺑالدائرة الآصفية فقَبِلَها وإن تكن دون منصبه الأول وبقي فيها إلى وفاة عباس باشا.

وفي ولاية سعيد باشا ولَّاه رئاسة ديوانه سنة ١٢٧٥ وهي المعبَّر عن متوليها ﺑديوان أفندي وهنَّأه شاعر الأسرة السعيدية الشيخ مصطفى سلامة النجاري بقصيدةٍ طويلة مطلعها : سعود الدهر جاء بكل قصد ووافى بالمنى من غير وعد ، وبيت تاريخها وفيه تاريخان : سما إسماعيل بك تيمور فردًا لرتبة ازدهى ديوان أفندي ، ثم حدث ما أغضب الوالي ـ وكان سريع الغضب ـ فاشتد على رجال ديوانه كبيرهم وصغيرهم وبدرت منه كلماتٌ على مرأًى ومسمعٍ منهم لم يتحمَّلها الْمُتَرْجَم فخرج من بينهم متأثِّرًا وأرسل يستعفيه من منصبه فلم يُعْفِه ولكنه أصر وبقي أيامًا والوالي يرسل إليه وهو يرد الرسول مستعفيًا حتى أعفاه.

حدَّث بعضُ مَن كان معه في الديوان أن أصدقاءه فيه لما رأوا وقوفه تلك الوقفة خشَوا عليه البطش فزاروه ليلًا وأشاروا عليه بالامتثال وذكَّروه بمغبَّة المعاندة فلم يُجْدِ نصحهم فيه وخرجوا كما أتَوا ، ولكن واحدًا منهم تأثَّر فوقف وقال : إنما نصحناك أيها الأخ إشفاقًا على مهجتك وكلنا مستحسنون لعملك فوالله لو كان فينا عشرة مثلك لما ديست أقدارنا ولكان لهذه المناصب شأنٌ غير هذا.

ولم يكن للْمُتَرْجَم حظٌّ في دولة الخديو إسماعيل باشا فبقي شطرًا من حكمه بعيدًا عن مشاغلِ الحكومة متنقلًا بين كُتُبه وضِياعه معتذرًا عن الاستخدام كلما طُلب له تفضيلًا لما هو أهم في نظره ولشيءٍ كان يعلمه في نفس الخديو منه حتى صادفه مرةً في متنزه الجزيرة فسلَّم كما يُسلِّم على الناس ثم تنبَّه له فالتفت وأشار إليه بالسلام مرارًا فلم يَسَعْه إلا اتباع موكبه إلى قصره والتماس مقابلته لشكره على صنيعه فلما مَثُل بين يديه أقبلَ عليه إقبالًا غيرَ مُنْتَظَر.

ثم دخل إسماعيل باشا صديق المفتش المشهور في تاريخ مصر وكأنه جَهِلَ الْمُتَرْجَم أو تجاهله ولَحَظَ الخديو منه ذلك فقال له ممازحًا : يُشاع على الألسنة الآن أنه إذا اجتمع اثنان متفقان في الاسم لا يدخل بينهما شيطان فكيف إذا كانوا ثلاثة ؟! ، ثم عرَّفه به فاعتذر إليه بدهشةِ القدوم وطول العهد به ،  وبعد أن خرج مِن حضرته أنعم عليه برتبة باشا ثم اختاره ناظرًا لخاصَّة ولي العهد محمد توفيق باشا فقَبِلَها متورِّطًا لأن نفسه كانت سَئِمت الاستخدام بعد أن ذاقت حلاوة العزلة ومنادمة الكتب.

وما أُشيع من أنه قال عندما بلغه الأمر: أبَعْدَ خدمتي للحكومة ورئاستي على الديوان أُجْعَل في آخِرِ عُمري مربِّيًا للأطفال ؟! ، فليس بصحيح ، وقدَّر الله أنه لم يمضِ عليه فيها ستة أشهر حتى فاجأه أجلُه بين غروب يوم الخميس ٢٥ شوال سنة ١٢٨٩ وهو يصلي الركعة الأخيرة من المغرب بقصْرِ ولي العهد بالقبة فنُقل من ساعته إلى داره ودُفن في اليوم التالي بجوار والده ورَثَتْه ابنته السيدة عائشة بقصيدةٍ مثبتةٍ في ديوانها مطلعها : عزَّ العزاءُ على بني الغَبْراء لمَّا توارى البدرُ في الظلماء.

هذا مجملُ خَبَرهِ في مناصبه التي تولَّاها وقد تركنا منها ما لم نتحقَّق من زمنه كالعضوية في مجلس الأحكام ووكالة الداخلية ورئاسة مجلس التجارة كما أننا لم نهتدِ إلى تفصيلٍ في تواريخ ما ذكرْنا إلا أننا وقفْنا على قصيدةٍ في مدحه في ديوان الشيخ علي الدرويش شاعر الأسرة العلوية يقول في مطلعها : ذاتٌ عليها للإمارة رونقٌ وعليه من حُسنِ الثناء دليل ، ومنها : فخر يقول السعد فيه أرخوا نجل تيمور رقى إسماعيل ، ولا ريب في أنه أراد تهنئته برتبة أو منصب كما يُؤخذ من شطر البيت الثاني “.

32 / تاريخ الحركة القومية

عبد الرحمن الرافعي (8 فبراير 1889 م ـ 3 ديسمبر 1966 م) هو مؤرخ مصري تخرج من مدرسة الحقوق الخديوية سنة 1908 م. وعني بدراسة أدوار الحركة القومية في تاريخ مصر الحديث فكتبها في خمسة عشر مجلدا يؤرخ فيها منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر حتى خمسينياته ، ينتمي عبد الرحمن الرافعي إلى أسرة كريمة ترجع بأصولها إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب وقد هاجر أجداده الأقربون من الشام إلى مصر في السنوات الأولى من حكم محمد علي واشتغل معظم أفراد هذه الأسرة بالعلم والقضاء.

وسط هذا الجو ولد عبد الرحمن الرافعي في حي الخليفة بالقاهرة ونشأ في كنف والده الشيخ عبد اللطيف بن مصطفى بن عبد القادر الرافعي الذي كان يعمل في سلك الفتيا والقضاء بعد تخرجه في الأزهر ، وعبد الرحمن الرافعي هو الثالث بين إخوة أربعة أشقاء لمع منهم أمين الرافعي أحد نوابغ الصحفيين في الثلث الأول من القرن العشرين وتوفي شاباً سنة 1927م بعد حياة مليئة بمواقف الثبات والصمود والوقوف إلى الحق مهما كان الثمن.

تلقى عبد الرحمن الرافعي تعليمه في المدارس الحكومية حيث دخل مدرسة الزقازيق الابتدائية سنة 1895 م فمدرسة القربية الابتدائية بالقاهرة ثم مدرسة رأس التين الابتدائية سنة 1898 م عندما انتقل والده إلى الإسكندرية حيث عمل مفتياً للمدينة وفي هذه المدينة أمضى الرافعي سني الدراسة حتى أنهى المرحلة الثانوية سنة 1904 م. ، انتقلت الأسرة إلى القاهرة والتحق الرافعي بمدرسة الحقوق وكانت الحركة الوطنية تشهد نموا واضحا على يد مصطفى كامل فتأثر بأفكارها وانضم إلى الحزب الوطني بمجرد إنشائه وفي سنة 1908 م أنهى الرافعي دراسة الحقوق.

انشغل بعلاقة التاريخ القومي بالوعي القومي من ناحية وبنشوء وتطور الدولة القومية الحديثة من ناحية أخرى وهو أول من دعا في مصر والعالم العربي إلى (حركة تعاونية) لتطوير الزراعة وتنمية الريف ورفع مستوي الحياة الريفية كشرط للنهوض الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وتدعيم أسس الاستقلال السياسي وأول من دعا إلي ربط الريف بحركة التصنيع وبنظام التعليم العام في منظومة متكاملة تستهدف تنمية شاملة لا غني عنها وكذلك حماية الاستقلال الوطني وكان الرافعي قد بدأ نشاطه السياسي عام 1907 حيث انضم إلى الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل.

اتجه عقب تخرجه في مدرسة الحقوق إلى العمل بالمحاماة وتدرب في مكتب محمد علي علوبة بأسيوط فترة قليلة لم تتجاوز شهراً واحداً لبى بعدها دعوة محمد فريد للعمل محررا بجريدة اللواء لسان حال الحزب الوطني حيث بدأت معها حياته الصحفية وصلته الوثيقة بالأستاذ محمد فريد التي لم تنقطع حتى رحل الزعيم الكبير عن الدنيا في سنة 1919م. ، لم يستمر عمله بالصحافة طويلاً فعاد إلى المحاماة وشارك أحد زملائه في فتح مكتب للمحاماة بالزقازيق سنة 1910م ثم افتتحا مكتباً آخر بمدينة المنصورة وظل مقيماً بالمنصورة حتى سنة 1932م ثم استقر به المقام بالقاهرة.

في أثناء إقامته بالمنصورة شغل أوقات فراغه بالتأليف فأخرج كتابه الأول المسمى ” حقوق الشعب ” سنة 1912م وكان هدف الرافعي من تأليفه على حد قوله : ” التباحث في حقوق الشعب والنظريات الدستورية ونظام الحكومات الصالحة وكيف تصل الأمم إلى استرداد حقوقها وكيف تضمن تمتعها بها ” ، ثم أعقبه سنة 1914م بكتابه الثاني ” نقابات التعاون الزراعية ” بهدف تنشيط الحركة التعاونية في مصر ولم يكتف بذلك بل أسس سنة 1919م مع مجموعة من أصدقائه جمعية لنشر جمعيات التعاون الزراعية في قرى الدقهلية بهدف مساعدة الفلاح المطحون.

عندما شبت ثورة 1919م شارك فيها الرافعي بجهد كبير تجاوز حدود المنصورة وتعداها إلى القاهرة ولم يتوقف عند العمل السياسي المناهض للاحتلال بل تخطى ذلك إلى الجهاد بالسلاح ، ويذكر مصطفى أمين أن الرافعي كان عضوا مهما في الجهاز السري للثورة وإن لم يذكر ذلك الرافعي في مذكراته وليس فيما يقوله مصطفى أمين عن الرافعي غرابة في اشتراكه في المجلس الأعلى للاغتيالات لأن الرافعي نادى في أول مقالة له نشرت باللواء بوجوب تكوين الجمعيات السرية والعلنية لحماية الشعور الوطني من العبث والتبدد ودعا إلى استخدام القوة التي تجبر الاحتلال على مغادرة البلاد.

اشترك الرافعي في أول انتخابات أجريت حسب دستور 1923م حيث رشح نفسه في انتخابات مجلس النواب عن دائرة مركز المنصورة وفاز أمام مرشح حزب الوفد وشكل مع من قدر لهم الفوز من أعضاء الحزب الوطني المعارضة في مجلس النواب وتولى رئاسة المعارضة بمجلس النواب على هدي مبادئ الحزب الوطني غير أن هذا المجلس لم تطل به حياة بعد استقالة سعد زغلول من رئاسة الحكومة.

عاد الرافعي إلى المجلس مرة أخرى بعد الانتخابات التي أجريت في سنة 1925م ولم يكد المجلس الجديد يجتمع في يوم 23 من مارس 1925م حتى حُلّ في اليوم نفسه وظلت الحياة النيابية معطلة بعد هذا الحل نحو 8 أشهر حتى اجتمع المجلس النيابي من تلقاء نفسه في 21 من نوفمبر 1925م واتفقت الأحزاب على توزيع الدوائر الانتخابية فيما بينها ولم يخصص للرافعي دائرته السابقة وأصر حزب الوفد على أن تكون دائرة مركز المنصورة من الدوائر التي يسمح فيها بالمنافسة بين الوفد والحزب الوطني ونتيجة لذلك انسحب الرافعي من الترشح لمجلس النواب وظل الرافعي بعيدا عن الحياة النيابية قرابة 14 عاماً عاد بعدها نائباً في مجلس الشيوخ بالتزكية وبقي فيه حتى انتهت عضويته به سنة 1951م.

خلال هذه الفترة تولى وزارة التموين في حكومة حسين سري الائتلافية سنة 1949م. وقد أثار توليه الوزارة لغطاً شديداً حيث إنه فعل ما كان يدين به غيره فقد تزعم يوماً الجبهة المعارضة في الحزب الوطني ضد رئيسه حافظ رمضان عندما قبل الاشتراك في الوزارة سنة 1937م باعتبار أن ذلك لا يتفق مع مبادئ الحزب الوطني التي لا تقبل الوزارة في ظل وجود الاحتلال الذي يمسك بمقدرات الحياة في مصر غير أن الرافعي برر دخوله الوزارة برغبته في كشف الأساليب الاستغلالية التي كانت تمارسها شركة السكر وأصحاب شركات الغزل والنسيج وعلى أية حال فلم يمكث في الوزارة سوى أشهر قليلة.

وكان يبدي تحفظا على فكرة الدعوة لقضية مصر في الخارج وكانت دعوته ألا تُمنِّي الأمم المهضومة الحقوق نفسها بالآمال الكبيرة إذا هي استنجدت بالعالم المتمدن وأسمعته صوت احتجاجها ودعته إلى التدخل بينها وبين غاصبها لأن الدول الآن لم تعد تصغي لصوت الضمير ولا لصوت الحق والواجب ودائما تنظر إلى مصالحها وتسير وراءها في سياستها ، ودافع الرافعي عن الدولة العثمانية صاحبة السيادة على مصر وأيد وجهه نظر حزبه في تعضيد فكرة الجامعة الإسلامية والدعوة لها والالتفاف حولها.

ولم يقف عند تأييد الدولة العثمانية بالقول بل تبعه بالعمل فعندما نشبت الحرب الطرابلسية بين الدولة العثمانية وإيطاليا سنة 1911م وانتهت بوقوع ليبيا في قبضة الاحتلال الإيطالي قام الرافعي مع رجال حزبه بجمع التبرعات لتدعيم قوة الدولة العثمانية والدعوة على صفحات الجرائد للتطوع إلى جانب إخوانهم في طرابلس وعندما سقطت الخلافة العثمانية عل يد أتاتورك كان الرافعي واحدا ممن اشترك في اللجان التي قامت لإحياء الخلافة الإسلامية.

اشترك الرافعي في ثورة 1919 وعدها أعظم الحوادث شأنا في تاريخ مصر الحديث وأبعدها أثرا في حياة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهاجم أسلوب المفاوضات مع المحتل الإنجليزي وأنه لا استقلال مع وجود قوات أجنبية على أرض مصر ونادى بالمقاومة ، وعارض معاهدة 1936 التي أبرمتها الحكومة المصرية مع إنجلترا وقال بأنها تسجل الحماية البريطانية على مصر وتقرر الاحتلال وتجعله مشروعا فضلا عن أنها تضع على عاتق مصر من التكاليف والأعباء المالية لتحقيق أغراض إنجلترا الحربية ما تنوء به مواردها ورفض أن تدخل مصر الحرب العالمية الثانية وأن تحتفظ بجيشها وقواها المالية والمعنوية للدفاع عن استقلالها وكيانها ومصالحها القومية.

يذكر للرافعي أنه كان أحد الموقعين على المذكرة التي قدمتها المعارضة إلى الملك فاروق وأدانت مسلك بعض رجال الحاشية الملكية الذين كان يحقق معهم في مسألة الأسلحة الفاسدة وأوضحت أن الحكم أصبح لا يحترم الدستور وأن النظام النيابي أضحى حبرا على ورق وأن سمعة الحكم المصري في الخارج أصبحت مضغة في الأفواه وأنه يجب تصحيح الأوضاع الدستورية وأن تعاد الأمور إلى نصابها.

وشغلت قضية وحدة وادي النيل فكر الرافعي فكان يرى أن السودان جزء من مصر وأنها بالنسبة لها مثل الإسكندرية أو قنا لا يمكن فصل أي منها عن مصر وأن قضية السودان أجدر من مسألة فلسطين بجهودنا وأن مصر شغلت عن قضية السودان الحيوية بقضية فلسطين وهو ما استغلته السياسة الاستعمارية لتنفيذ برامجها الانفصالية عن السودان .. وعلى غير ما ظل الرافعي ينادي به جاءت حكومة الثورة فوقعت مع إنجلترا اتفاقية تقرير مصير السودان في سنة 1953م.

بعد قيام ثورة 1952م أفرط الرافعي في حسن الظن بالنظام الجديد الذي قربه منه وأولاه عنايته فأشركه في إعداد الدستور الذي فكر في إخراجه سنة 1953م كما تم تعيينه نقيبا للمحامين سنة 1954م بعد قرار الحكومة بحل مجلس نقابة المحامين المصرية التي اجتمعت جمعيتها العمومية في 26 من مارس 1954م وقررت مطالبة حكومة الثورة بعودة الجيش إلى ثكناته وترك السياسة للسياسيين ولقي الرافعي انتقاداً شديداً لقبوله منصب النقيب والتصاقه بالسلطة.

ولم ينس الرافعي في كل أدواره السياسية التي مر بها أنه صاحب قلم وفكر فملأ أعمدة الصحف بمقالاته التي توضح موقفه من كثير من القضايا المطروحة وكانت قضية الاحتلال من أهم القضايا التي تعرض لها وكان يدعو علنا إلى استخدام القوة في مقاومة المحتل ، وعلى الرغم من النشاط المتعدد الذي بذله الرافعى في الحركة الوطنية فإنه لم ينل شهرته إلا بسبب كتاباته التاريخية التي لقيت إقبالا على الاطلاع عليها وأسهمت في تشكيل العقلية التاريخية لأجيال من الشباب والقراء وكان لسمعة الرجل النظيفة وطهارة يده وإخلاصه السياسي أثر كبير في ذيوع مؤلفاته وانتشارها بين قطاعات عريضة من الشباب.

بدأ الرافعي تأليف سلسلة كتبه التاريخية بعد أن انسحب من الترشيح لعضوية البرلمان ونشأ عن ذلك فسحة كبيرة من الوقت استثمرها في كتابة التاريخ .. ولم تسلم كتب الرافعى التاريخية من النقد والاتهام بعدم الالتزام بالمنهج التاريخي الصارم وانحيازه للحزب الوطني الذي ينتمي له وتأريخه للأحداث من خلال هذه النظرية الحزبية وتعاطفه الشديد مع مصطفى كامل وإسباغه عليه كل مظاهر النبوغ والعبقرية والبراءة من كل سوء وكذلك فعل مع محمد فريد وإدانته الشديدة لأحمد عرابي ورفاقه واتهامه للثورة العرابية بأنها سبب كل بلاء وأنها كانت وراء الاحتلال البريطاني وهجومه على حزب الوفد وإنكاره عليه إجراء مفاوضات مع بريطانيا لأن أحد مبادئ الحزب الوطني الراسخة كانت لا مفاوضة إلا بعد الجلاء.

على الرغم من ذلك فإنه لم تحظ كتب تتناول تاريخ مصر الحديث بالذيوع والانتشار مثلما حظيت كتب الرافعى في الوقت الذي لم تكن فيه الساحة خالية للرافعي وحده بل كانت زاخرة بأساتذة التاريخ العظام من أمثال محمد شفيق غربال ومحمد صبري السربوني ومحمد فؤاد شكري وأحمد عزت عبد الكريم ولم يكن صاحب سلطان حتى يفرض كتبه على الساحة الثقافية في مصر.

قدمت مؤلفاته المعرفة التاريخية لأجيال من المصريين وبقيت مرجعا مهما لكل من يرغب في معرفة تاريخ مصر في العصر الحديث على الرغم مما وجه إليها من انتقادات .. نال الرافعي تقدير حكومة ثورة يوليو واحترامها واعتبر اللواء محمد نجيب قائد الثورة كتب الرافعي الأساس للحركة التي قام بها الجيش وأنها ذخيرة وطنية للأمة وقد منحته الدولة سنة 1961م جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية ،

واتفق المؤرخون علي أنه جمع كل ما كان يمكن توفيره من مادة معرفية أتيحت له في زمنه وفي ظروفه الأمر الذي جعل عمله أساسا قويا لعلم التاريخ المنهجي في مصر والعالم العربي ومن ناحية أخرى فإن أصحاب (فلسفة التاريخ) يرونه مؤرخا أخلاقيا أحيانا ومؤرخا وطنيا في أحيان أخرى ، وتوضح هذه الأعمال فهمه للتاريخ وكتاباته باعتباره وسيلة تربوية وطنية رئيسية لتنمية مشاعر الوحدة والانتماء الوطني من ناحية وكفالة التماسك الاجتماعي من ناحية أخرى .. وفي أواخر عمره دهمه المرض وظل يعاني منه نحو عامين حتى لقي ربه في 3 من ديسمبر 1966م.

ومن أقواله عن التاريخ : ” أحببت التاريخ منذ صباي وكنت ولا أزال أراه مدرسة لتقويم أخلاق الشعب والنهوض بتربيته السياسية والقومية وزاد تعلقي به أني رأيت فيه على ضوء التجارب وسيلة ناجحة لتثقيف العقول ورفع مستوى الوطنية والوعي القومي في النفوس .. ” ..

ومن مؤلفاته : حقوق الشعب (1912) .. نقابات التعاون الزراعية (1914) .. الجمعيات الوطنية (1922) .. تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر (1929) جزءان .. عصر محمد علي (1930) .. عصر إسماعيل (1932) جزءان .. الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي (1937) .. مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية (1939) .. محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية (1939) .. مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال (1942) .. ثورة سنة 1919 (1946) جزءان .. في أعقاب الثورة المصرية (1947-1951) ثلاثة أجزاء .. مقدمات ثورة 23 يوليو 1952م (1957) .. ثورة 23 يوليو 1952 (1957) .. مذكراتي .. الزعيم الثائر أحمد عرابي .. شعراء الوطنية .. أربعة عشر عاماً في البرلمان.

وقد كتب عبدالرحمن الرافعي مذكراته بشكل مستقل في كتاب بعنوان (مذكراتي 1889-1951) وقال في مقدمته : ” كنت معتزماً أن أخصص فصلاً من كتاب في أعقاب الثورة المصرية لتدوين خواطري ومذكراتي أتحدث فيها بشيء من التفصيل عن نفسي ثم وجدت أن هذا الفصل يمكن أن يطول وليس من حقي وأنا أؤرخ الحركة القومية أن أقحم فيها حديثاً طويلاً عن نفسي .. ” ..

وكتب فيها بعنواني ” النشأة الأولى ” و” الحياة العلمية ” ، ففي عطفة أبو داوود بشارع درب الحصر قسم الخليفة ولد الرافعي في منزل جده لأمه هكذا بدأ الرافعي حديثه من منزل جده وعن أمه والتي خصص لها الصفحات الأولى من كتابه ليحكي عنها وعن خصالها ويقول عنها : ” والدتي مصرية صميمة وقد توفيت سنة 1893 غير متجاوزة 35 سنة إثر التهاب رحمي أصابها عقب الولادة وكنت لا أزال طفلاً إذ كان سني لا يزيد على 4 سنوات وبضعة أشهر ورغم صغر سني فإني أذكر صوتها جيداً وحنانها وكانت سيدة كاملة الصفات والأخلاق عرفت بطيبة القلب وصفاء النفس ولم أجد بعدها من يحبوني بحنو الأمومة .. “.

ثم انتقل للحديث عن والده فيقول : ” يرجع أصله البعيد إلى الحجاز إذ هو من سلالة عمر بن الخطاب ولذلك سمي الفاروقي وهو من علماء الأزهر وتولى مناصب القضاء الشرعي .. كان عالما تقياً تلقيت عنه نشأتي الدينية فكان يعودني وإخوتي على الصلوات والقرآن ” ، ثم تحدث عن الدراسة الابتدائية ومرحلة الثانوية بإيجاز وعن اختلافه مع والده في مكان الدراسة : ” أراد والدي أن يدخلني الأزهر ولكني اعتذرت بصغر سني وبأني تعودت على المدارسة النظامية ولم آلف نظام الدراسة في الأزهر وإذ كنت أخجل مراجعة والدي فقد وسطت لديه بعض الأقارب لإقناعه بالعدول عن فكرته ” ، أما مرحلة دراسة الحقوق فهي المرحلة التي نشأ فيها الوعي السياسي للرافعي وبدأ في قراءة الصحف وإدراك الأحداث وتم اختيار قهوة في شارع عماد الدين اسمها قهوة الحقوق لتصبح منتدى القراءة المخصص له ولزملاءه لتصفح ما ينشر في الصحف مثل اللواء والمؤيد والأهرام.

ويحكي عن لقاءه الأول بالزعيم مصطفى كامل : ” أما أول مرة قابلته فيها في فبراير 1906 أثناء إضراب طلبة الحقوق فقد تاقت نفسي إلى رؤيتهم وكان اللواء يناصر الطلبة في مطالبهم فذهبت مع لفيف من زملائي إلى دار اللواء بشارع الدواوين وقابلت الزعيم لأول مرة وسمعت حديثه وشعرت بتأثيره الروحي ينفذ إلى أعماق قلبي وصار لي بمثابة أبي الروحي في المباديء “.

ويسجل أثناء مرحلة الشباب الأولى له حوادث مهمة مر بها ووقعت في هذه الفترة مثل إضراب سنة 1906 والذي كان الأول من نوعه في مصر وموجه ضد سياسة التعليم التي وضعها الاحتلال على حد وصفه وسجل أيضاً حادثة دنشواي ووفاة الزعيم مصطفى كامل عام 1908 ، ثم انتقل للحديث عن حياته العملية سواء في المحاماة ثم الصحافة والعودة للمحاماة مرة أخرى حيث عمل فترة تدريب قصيرة بأحد مكاتب المحاماة ثم قبل دعوة محمد فريد للعمل في الصحافة والكتابة بجريدة اللواء وقبل الدعوة وتحدث في هذا الصدد بزيادة صلته بمحمد فريد وقربه منه وعاد للمحاماة عام 1910 وظل يكتب بالتوازي معها .

ويقول عن ثورة 19 : ” كنت سنة 1919 لا أزال في الثلاثين من عمري أزاول مهنتي المحاماة في المنصورة وكانت تغلب علي نزعة الشباب وأتوق إلى أن تسلك الأمة سبيل العنف في جهادها أما الآن فإني أميل إلى مبدأ عدم العنف وبعبارة أخرى لست من دعاة الثورة “.. وأكمل : ” تتبعت منذ نوفمبر حركة تأسيس الوفد المصري وسعيت جهدي مع الساعين في التوفيق بين الوفد والحزب الوطني .. وكنت منذ اشتداد الحركة أقضي معظم الأيام بالعاصمة وشهدت وقائع الثورة الأولى وامتدادها إلى الأقاليم فرأيت بعثاً جديداً للأمة ورأيت روح الإخلاص والتضحية تعم طبقاتها بعد أن كانت من قبل محصورة في دائرة ضيقة ” ..

ثم انتقل لوصف الأحداث واتساعها ومشاركة الناس فيها وردود الفعل عليها وتصرف البوليس معها ، ويقول الرافعي عن حياته النيابية : ” إن المثالية التي جعلتني أختار المعارضة في البرلمان الأول فقد شعرت أن من واجبي كنائب أن أتخذ من الحياة النيابية أداة للكفاح الوطني وأن تكون استمراراً لكفاحي الماضي وهذا يقتضي مني أن أكون على شيء من الاستقلال عن الوزارة القائمة – وزارة سعد زغلول – فأؤيدها فيما تحسن وأنتقدها فيما تخطيء فيه وأعبر عن مباديء وأفكار قد لا تدين بها الأغلبية “.

33 / تكوين مصر عبر العصور

(تكوين مصر عبر العصور) هو عنوان كتاب يتناول رؤية فلسفية لتاريخ مصر ورصد الاستمرارية والتغيير في شخصية البلاد عبر العصور المتعاقبة عليها وهو من تأليف المؤرخ محمد شفيق غربال الذي ولد بالإسكندرية عام 1894 م وتوفي بالقاهرة عام 1961 م ، وقد تأثر فيه بأستاذه المؤرخ البريطاني المعروف أرنولد توينبي مؤلف موسوعة دراسة التاريخ والذي أشرف على رسالته للماجستير وموضوعها (بداية المسألة المصرية وظهور محمد علي).

تخرج شفيق غربال تخرج من مدرسة المعلمين العليا عام 1915 م وسافر في بعثة إلى إنكلترا في عام 1919 م ثم في عام 1924 م ثم عمل بالتدريس في جامعة القاهرة وهو أولَ مصري تولى منصب أستاذ كرسي التاريخ في كلية الآداب ثم صار عميدا لها ، وعين مستشارا فنيا لوزارة المعارف ثم وكيلا لوزارة الشؤون الاجتماعية وأنشأ الجمعية المصرية للدراسات التاريخية والمتحف المصري وعين عضوًا في المجمع العلمي المصري.

وفي عام 1957 م عين عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة حتى وفاته وتولى في أعوامه الاخيرة إدارة معهد الدراسات العربية لجامعة الدول وأشرف على كتابة الموسوعة العربية الميسرة ، كتب عدة مؤلفات منها كتاب المفاوضات البريطانية من الاحتلال إلى معاهدة 36 و كتاب المدينة الفاضلة (ترجمة عن بيكر) وكتاب منهاج مفصل لدراسة العوامل التاريخية في بناء الامة العربية وكتاب محمد علي الكبير وكتاب من زاوية القاهرة.

وقد ترجم له الأستاذ عبد الرحمن بيطار في الموسعة العربي فقال : ” غربال (محمد شفيق) 1311 ـ 1381هـ / 1894 ـ 1961 م ، محمد شفيق غربال من القطر المصري ولد بمدينة الإسكندرية وتلقى بها تعليمه الابتدائي فالثانوي ثم انتقل إلى القاهرة والتحق بمدرسة المعلمين العليا الوحيدة في مصر التي يمكن عن طريقها الوصول إلى الدراسات الإنسانية المتخصصة وفي مقدمتها علم التاريخ وقد أنجبت هذه المدرسة عدداً من رواد النهضة الأدبية والعلمية في مصر.

كان شفيق غربال منذ حداثته شديد الغرام بقراءة التاريخ حتى إنه قرأ فيما قرأ وهو لايزال طالباً في المدرسة الثانوية كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان كاملاً ، وبعد تخرجه في مدرسة المعلمين العليا سنة 1915م أوفدته الحكومة المصرية في بعثة دراسية إلى جامعة ليفربول بإنكلترا لدراسة التاريخ ، ولم يتردد في السفر على الرغم من الأخطار المحتملة بسبب اشتعال الحرب العالمية الأولى وفي الجامعة أكبّ غربال على دراسته بكل جهد وعزم حتى حصل على درجة الإجازة مع مرتبة الشرف سنة 1919.

بعد عودته إلى مصر عمل مدرساً في إحدى المدارس الثانوية بالإسكندرية مدة ثلاث سنوات ثم أوفد مرة أخرى إلى إنكلترا والتحق بمدرسة الدراسات التاريخية بجامعة لندن والتقى المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي وتوثقت الصلة بينهما وأشرف على رسالته للماجستير سنة 1924 م بعنوان (بداية المسألة المصرية وظهور محمد علي) ، واعتمدت على الوثائق الأوربية وعلى التحليل واستقراء الأحداث والموضوعية وأثبت في هذه الدراسة أن المسألة المصرية جزء مهم من المسألة الشرقية ويلزم ربطها بما كان يجري في الدولة العثمانية كلها وأوربا.

عاد غربال إلى مصر سنة 1925 وعين مدرساً للتاريخ بمدرسة المعلمين العليا وفي عام 1929عين أستاذاً مساعداً للتاريخ الحديث بكلية الآداب بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً) وكان أكثر أساتذتها من الأجانب ، ثم رقي إلى كرسي أستاذ التاريخ الحديث سنة 1936 خلفاً للمؤرخ الإنكليزي غرانت ثم انتخب عميداً لكلية الآداب سنة 1939.

استطاع غربال بفضل مقدرته العلمية وقوة تأثيره في طلابه توجيه الاهتمام إلى دراسة التاريخ الحديث وإعداد دروس في تاريخ مصر الحديث السياسي والاقتصادي وفي تاريخ الشرق الأدنى الحديث وشجع طلابه على متابعة الدراسات العليا وفتح لهم آفاق البحث في دور الكتب والوثائق ، وكان الملك فؤاد ابن الخديوي إسماعيل معنياً بتاريخ أسرته فشجع الباحثين الأجانب والمصريين على كتابته والرجوع إلى الوثائق المحلية والأجنبية.

وشارك محمد شفيق غربال في كتابة تاريخ مصر الحديث في الجوانب المختلفة وهو التاريخ العام للبلاد العربية والإسلامية وتخرج على يديه عدد كبير من المؤرخين المتميزين الذين أسهموا في كتابة التاريخ المعاصر للعرب والمسلمين منهم عبد العزيز الشناوي وهو أغزرهم إنتاجاً ومن أهم كتبه موسوعته العظيمة (الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها).

لم يكن محمد شفيق غربال غزير الإنتاج من الكتب لانشغاله في العمل الوظيفي ولكنه كتب بحوثاً عديدة في تاريخ القطر المصري في العهد العثماني مثل (مصر على مفترق الطرق) وهو تحقيق لمخطوط بعنوان (ترتيب الديار المصرية في عهد الدولة العثمانية) ففتح به ميدان البحث في تاريخ مصر العثمانية.

ونشر بحثاً عن الجنرال يعقوب حنا وهو قبطي مصري كان عميلاً للحملة الفرنسية على مصر وقدم خدمات عديدة لهم في السيطرة على مصر وقتل المجاهدين وغيرهم فرحل مع الفرنسيين خوفاً من نتائج أعماله ، كما كتب بحثاً عن الفارس لسكاريس وهو فرنسي عمل في خدمة فرنسا في المنطقة فكتب بحوثاً عن محاولات أوربا لتشجيع مصر للانفصال عن السلطنة العثمانية كإحدى خطوات القضاء على السلطنة العثمانية والخلافة الإسلامية.

من كتبه باللغة العربية بداية المسألة المصرية وظهور محمد علي لم يترجم حتى اليوم ومحمد علي الكبير نشره سنة (1363هـ / 1944 م)، وتاريخ المفاوضات المصرية البريطانية وهو عن فترة الاحتلال منذ سنة 1882 م حتى معاهدة التحالف المصرية البريطانية سنة 1936 م نشره سنة 1952 م ، منهاج مفصل لدراسة العوامل التاريخية في بناء الأمة العربية على ما هي عليه اليوم وهو آخر ما كتبه من دراسات وقد نشر سنة 1961 م وهو محاضرات ألقاها على طلبة معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة.

ومن كتبه المترجمة المدينة الفاضلة عند فلاسفة القرن الثامن عشر لمؤلفه بيكر كما راجع عشرات الكتب المترجمة وكتب مقدمات لعدد منها شكسبير وهنري السادس ترجمه مع آخرين ونشر سنة 1959 م وروميو وجوليت ترجمه مع آخرين سنة 1960 م والملك جون ترجمه مع مجموعة مترجمين وادجار تاريخ قديم نشره سنة 1961 م.

أسهم غربال في إنشاء الجمعية المصرية للدراسات التاريخية وترأسها وكذلك في إنشاء متحف الحضارة المصري ومثّل مصر في عدة مؤتمرات تاريخية ، وانتخب عضواً بالمجلس التنفيذي لليونسكو سنة 1365 هـ / 1946 م لمدة خمس سنوات واختارته اليونسكو سنة 1370 هـ / 1951 م لعضوية لجنة مؤلفة من (12) مؤرخاً في العالم بوصفهم مستشارين تاريخيين.

واختير عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وعضواً بالمجمع العلمي المصري والجمعية الجغرافية والمجلس الأعلى للآثار ، وبعد تقاعده تولى منصب مدير معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية فبعث فيه الحركة والنشاط وأشرف على إخراج أول دائرة معارف عربية صغيرة هي (الموسوعة العربية الميسرة) وتوفي قبل طبعها بعد مرض قصير في القاهرة “.

ويستهل المؤرخ كتابه (تكوين مصر) بعنوان (مصر هبة المصريين) ويشرح منهجه في تناول التاريخ حيث يرى أن التفاعل الحادث بين مبدأ الثبات ومبدأ التغيير في المجتمعات هو الذي يصنع التاريخ ووضع يده على مفاتِيح الشخصية المصرية قائلا : ” هذا الحديث بداية سلسلة من الأحاديث ترمي إلى عرضٍ متصل لتاريخ مصر خلال العصور الماضية وموضوعها تكوين مصر وسوف نسلك إلى ذلك طريقين :

وسنحاول ـ أول الأمر ـ أنْ نعالج نواحي مختارة وموضوعات مُنتخبة مثال ذلك التفاعل في تاريخ مصر بين مبدأي الاستمرار والتغير وعوامل التماسك الاجتماعي ومكان الفرد في المجتمع وأوجه التباين بين المدينة والريف ، ثم نعود فنعالج الموضوع بطريقةٍ أخرى أي من ناحية دراسة اتصالات مصر بالمجتمعات الأخرى الكبيرة وكيف أثَّرت مصر في عالم العهد القديم وفي الحضارة الهيلينية والمسيحية ثم الإسلام فالعالم الغربي وكيف تأثرت بكل هؤلاء.

وقد اتخذت عنوانًا لحديثي الأول : (مصر هبة المصريين) وليس مرَدُّ ذلك إلى معارضة القول المشهور لأبي التاريخ هيرودوت حبًّا في المعارضة ولكن لتوكيد الناحية أو الزاوية التي سوف نعالج منها الموضوع ذلك أنني أريد أنْ أؤكد عمليات الخلق والنمو والمحافظة التي نوجزها في العنوان : تكوين مصر ، كما أريد أنْ أؤكد أنَّ هذا (التكوين) كان من صنع جماعة من الناس ـ المصريين ـ ومن ثم كان العنوان : مصر هبة المصريين.

وأخيرًا أريد أنْ أؤكد ما في هذا النتاج ، نتاج هذا الخلق ـ مصر ـ من صفات الشخصية والرسوخ والانفراد بالذات هذا النتاج الذي أثَّر بدوره في تكوين المصريين ولن تكون مصر التي نعني بها مصر في عصرٍ معين بل خلال العصور كلها وهذا على الرغم من أنني أعرف أنه ليس في مقدور الرجل منا أنْ يحيط بالأدوات والدراسات كافة اللازمة لكل قسمٍ من أقسام تاريخ مصر المعروفة : ألا وهي العصر الفرعوني ثم اليوناني والروماني فالإسلامي ثم العصر الحديث.

دع عنك الإحاطة بها جميعًا ، بيد أنَّ الإخصائي والقارئ غير الإخصائي كلاهما يجد متعةً ذهنية ومغنمًا في آنٍ واحد لو حاد بين الفينة والفينة عن طريق التخصص الطريق الضيق واضعًا نصب عينيه أنَّ هناك مصر دائمًا وأنها تسمو فوق هامات الحقب والعصور ، ولكن هل هناك حقًّا شيء كهذا ؟ هل هناك ما يبرر استخدامنا مدلولات : مصر والصين وما إليها ؟ وهل استخدام تلك المدلولات لكي تمثل شيئًا ماديًّا أمر مشروع ؟ أو أنَّ ذلك لا يعدو أنْ يكون مجرد تسمية أو يكون من نسج الخيال أو الوهم ؟

ليس هنالك شيءٌ من ذلك ، إنَّ مصر أرض شكَّلتها الطبيعة وشكَّلها الإنسان شيئًا له ذاتيته وأهميته وهي وطن مجتمع من بني الإنسان تربط بعضهم ببعض روابط مادية وأدبية إنها وطنٌ مجتمع مغاير لمجتمعات بشرية أخرى ، ولنتناول الآن (المصريين) الذين قلت : إنَّ مصر كانت هبتهم ، لن ألقي بالًا للمسائل المتعلقة بأصلهم أو جنسهم ذلك لأني أعني بالمصري كل رجل يصف نفسه بهذا الوصف ولا يحس بشيءٍ ما يربطه بشعبٍ آخر ولا يعرف وطنًا له غير هذا الوطن مهما كان أسلافه غرباء عن مصر في واقع الأمر.

ومما هو جديرٌ بالذكر أنه مهما تعددت الأصول فقد كان هناك طابع (مصري) تشكل في هذه البيئة المصرية ولست أعني بالطابع السمات الجسمانية بل أعني موقفًا معينًا من الحياة ، فلا يعنيني إذن أنْ أبحث في بقعةٍ ما من بقاع مصر عمن يسمُّونهم ذراري قدماء المصريين وبعض من يعنيهم هذا البحث يظنون أنهم يعثرون عليهم في ريف مصر على افتراض أن الريف كان أقل نواحي المجتمع المصري تأثرًا بالتغير والتبدل أو لأن الريف كان الأرض المنعزلة التي يلجأ إليها القوم ابتغاء النجاة من الغزاة الأجانب.

ولكن الحقيقة هي أن الريف كان على عكس ذلك تمامًا فهو البقعة التي استوطن فيها مرتزقة المحاربين من الإغريق وكذلك رجال القبائل من العرب وبدو الصحراء وأنَّ الريف ـ كما سأشير إليه فيما بعد ـ كان على الدوام المفترس للبشرية المصرية المفترس النهم الذي لا يشبع ، وآخرون ـ ممن يعنيهم هذا البحث ـ يظنون أنهم يجدون بغيتهم في طائفة أقباط مصر واحتمال وجودهم في هؤلاء مثل احتمال وجودهم في غيرهم.

وليكن المصريون الأوائل من يكونون وليكن تأثر سلالتهم بمن وفد على بلادهم واختلط بهم كثيرًا أو قليلًا فالذي يعنينا الآن أنْ نبين أنَّ مصر هبة المصريين ، وإني لأدرك تمام الإدراك ـ وهل يمكن أنْ يكون الأمر غير ذلك ؟ ـ أنَّ النيل منبع حياتنا وأنَّ مصر ما هي إلَّا الأراضي الواقعة على ضفتي النهر وأنْ ليس لها من حدود إلَّا المدى الذي تصل إليه مياه النهر.

ومع ذلك فإن المصريين هم الذين خلقوا مصر ، تأمل النيل مجتازًا آلاف الأميال من خط الاستواء إلى البحر الأبيض هل تجد على طول مجراه إلَّا مصرًا واحدة ؟ إنَّ هبات النيل ـ كهبات الطبيعة سواء بسواء ـ طائشة عمياء إذا ما تُركت دون ضبط فإنها تدمر كل شيء وتخلف مستنقعات الملاريا الوبيلة ، والإنسان وحده هو الذي يستطيع أنْ يجعل من هذه الهبة نعمة لا نقمة وقد كان ذلك ما عمله الإنسان في مصر فمصر هبة المصريين “.

وفي كتابه (من زاوية القاهرة) يتحدث عن هوية مصر وعلاقتها بمحيطها العربي وتريخها الإسلامي مصر وذلك تحت عنوان نظرات في التاريخ العربي فقال : ” ذكر الكندي صاحب كتاب فضائل مصر أن أميرًا من أمرائها قال يومًا وهو بالميدان الذي يلي الفسطاط : أتتأملون الذي أرى ؟ قالوا : وما الذي يرى الأمير ؟ ، قال : أرى ميدان رهان وجنان نخل وبستان شجر ومنازل وذروة جبل ونهرًا عجاجًا وأرض زرع ومرعى ماشية ومرتع خيل وصائد بحر وقانص وحش وملاح سفينة وحادي إبل ومغارة رمل سهلًا وجبلًا في أقل من ميل في ميل.

في هذه الرقعة صورة مصر وفي هذا المركز ـ الفسطاط القاهرة ـ قلب مصر ومصر تتوسط العالم العربي ، ومن زاوية القاهرة نطلع فنرى حلقاته وأدواره متناسبة متوازنة كل حلقة في مكانها وكل دور في موضعه لا يطغى شيء على شيء الضوء موزع التوزيع العادل والظلال كذلك ، وكانت مصر المركز لأسباب منها توسطها الجغرافي الظاهر ومنها أنها المرآة الصادقة لظاهرة عربية عامة ظاهرة التركيب العجيب للأصل والوافد من عناصر الحضارة العربية (وهذه ظاهرة سيزداد تفصيلها فيما يلي بعد قليل) ومنها ثالثًا أن مصر وحدها مصر دون سائر الأقطار العربية اتصلت أدوار تاريخها في نسق محكم مسبوك “.

ويتحدث عن الجوانب الثقافية في هوية مصر فيقول : ” هذا وإذا كان التاريخ العربي ملتقى التواريخ فإن الحرية العربية حياة الأمة العربية اتصفت هي أيضًا بصفة أساسية هي التنوع في إطار الوحدة وإلى هذه الصفة ترجع قوتها في الماضي ، وهذه الصفة هي التي تفسر كيف أنه كلما ازداد عرب اليوم تقاربًا كلما كانت خصائصهم الإقليمية سببًا من أسباب التكامل وعاملًا من عوامل تبادل المنافع.

وبعد ، فما لب الأمة العربية ما خلاصة تاريخها ما جماع عقلها أو روحها ؟ إن أردنا إجابة في كلمة واحدة قلنا : اللغة العربية ، والعربية بصفة أساسية شأنها شأن التاريخ العربي أنزل بها كتاب الله وبنى الأوائل علومها على القواعد وبالأساليب التي أقاموا عليها وبها سائر المرافق والأدوات والرسائل ، وقد نقل المرحوم الأستاذ محمد كرد علي في كتابه الإسلام والحضارة العربية رأيًا في العربية لعالم اللغات السامية رنان يصح الاستماع إليه ولم يكن رنان هذا ممن يحبون العرب.

قال : من أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب حل سره انتشار اللغة العربية فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ بدء فبدت فجأة على غاية الكمال سلسلة أية سلاسة غنية أي غنى كاملة بحيث لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أدنى تعديل مهم ، فليس لها طفولة ولا شيخوخة ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة ولا أدري هل وقع مثل ذلك للغة من لغات الأرض قبل أن تدخل في أطوار أو أدوار مختلفة ؟

وقال أيضًا : ما عهدت قط فتوحًا أعظم من الفتوح العربية ولا أشد سرعة منها ، فإن العربية ولا جدال قد عمت أجزاء كبرى من العالم ولم ينازعها الشرف في كونها لغة عامة أو لسان فكر ديني أو سياسي أسمى من اختلاف العناصر إلا لغتان اللاتينية واليونانية ، وأين مجال هاتين اللغتين في السعة من الأقطار التي عم انتشار اللغة العربية فيها ؟ وأضيف واليونانية واللاتينية ميتتان والعربية حية لغة أحياء ، وكلما أطال الإنسان التفكر كلما آمن بأن لغة العرب كانت أعظم ما خلق العرب لماضيهم ولحاضرهم ولمستقبلهم “.

34 / القاموس الجغرافي للبلاد المصرية

لا شك أن أهم وأكبر مرجع في تاريخ الكفور والنجوع والبلدات المصرية هو كتاب (القاموس الجغرافي للبلاد المصرية) من تأليف العلامة محمد بك رمزي الذي ولد في المنصورة عام 1871 م وتوفي في القاهرة عام 1945 م ، وهو عمل فريد من نوعه أكمل به المؤلف سلسلة طويلة من كتابات مؤرخي مصر من أمثال الأسعد ابن مماتي والمقريزي وابن دقماق وابن الجيعان وعلي باشا مبارك فجمع علمهم جميعا وحققه وقدمه في هذا السفر الجليل.

والده هو عثمان رمزي بك من رجال الخديوي إسماعيل الذين استفادوا من قرار سنة 1867 م القاضي بإعطاء الأراضي البور لمن يستصلحها وربط العشور عليها بعد خمسة عشر سنة من تاريخ الإعطاء فأعطى ثلاثمائة فدان في أرض المقاطعة وكفر سعد بمركز السنبلاوين وأنشأ فيها عزبتين وقفهما فيما بعد ، وجده هو مصطفى أغا كسكة من ضباط المدفعية الأتراك الذين انتقاهم سليمان باشا الفرنساوي في تنظيمه الجيش المصري وتحديثه في عهد محمد علي باشا.

وقد عني والده بتعليمه فأحضر له فقيهًا علمه القراءة والكتابة ومكث في المكتب ثلاث سنوات في عزبة والده بالمقاطعة ثم ألحقه والده بمدرسة القبة بضواحي القاهرة ، وكان أكثر تلاميذ هذه المدرسة من أبناء الضباط الذين اشتركوا في الثورة العرابية فتعطلت المدرسة وألغيت نهائيًا بعد صيف سنة 1882 م فألحقه والده بمدرسة المنصورة الابتدائية ثم التحق بالمدرسة التجهيزية بدرب الجمامزة سنة 1886 م (المدرسة الخديوية فيما بعد).

ثم التحق بمدرسة الحقوق الخديوية وبقي بها إلى السنة الثانية وانقطع ولم يكمل دراسته بها فالتحق بوزارة المالية بوظيفة كتابية صغيرة بإدارة الخزينة ثم نقل إلى وزارة الداخلية بوظيفة معاون إدارة سنة 1893 م بمديرية الدقهلية وظل يتنقل بين أسوان وأسيوط وميت غمر ومنيا القمح ، وبسبب الشروع في ربط الضرائب على الأطيان المبيعة من الحكومة للأهالي، فقد طلبه المستر مكلوب مفتش المالية للقيام بمعاينة الأطيان وتقدير الضرائب عليها بمركز فاقوس.

عاد بعدها إلى وزارة المالية مرة أخرى وعمل في لجان ربط الضرائب عام 1905 م، ورُقّي إلى وكيل مفتش مالية بمراقبة الأموال المقررة ثم أشرف على توزيع أطيان الدائرة السنية بعد تصفيتها في أرمنت ، ثم ندب للتفتيش على أعمال الضرائب في مديريات جرجا وأسيوط والمنيا وبنى سويف وقد ساعدته وظيفته على اكتساب معرفة كبيرة بالريف المصري وتاريخه ، وفي سنة 1921 م أنعم عليه برتبة البكوية وأحيل إلى المعاش عام 1931 م.

وكان يمتلك ثقافة تاريخية واسعة وحس خاص بالمكان أي كان جغرافيًا تاريخيًا وكان يسمى وظيفته (الوظيفة الصامتة) فكان يحمل في حقيبته خطط المقريزي وخطط علي باشا مبارك يسترشد بهما في تنقلاته في الريف لتحقيق تاريخ البلاد المصرية وأسماء مواقعها ، وبذلك جمع بين الدراسة والبحث والتحقيق العلمي وبين الدراسة الحقلية حيث طاف بمعظم القرى المصرية بحكم عمله وسمع من الناس واطلع على سجلات الدولة الرسمية الخاصة بها.

وقد جمع في مجاله بين الخبرته العملية والدرايته العلمية فعين عضوا عضوًا في المجلس الأعلى لحفظ الآثار العربية وعضوًا في لجنة تسمية شوارع القاهرة وعضوًا في لجنة التقسيم الإداري وعضوًا بمجلس حسبي مصر الاستئنافي واستعانت به دار الكتب ومصلحة المساحة ، وكانت أول أعماله أنه نشر عام 1925 م مذكرة ببعض الأخطاء التي وقعت فيها مصلحة التنظيم في تسمية الشوارع والطرق بمدينة القاهرة وضواحيها قدمها لوزير الأشغال.

وفي عام 1933 م قام بتحقيق كتاب تحفة الإرشاد في أسماء البلاد وطباعة كتاب التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية ثم قام بالتحقيق الجغرافي لعدد كبير من المراجع التاريخية للعصر المملوكي ومراجعة ما كتبه الجغرافيون العرب والغربيون عن البلاد المصرية في عصورها المختلفة ، وشرع في تقسيم القرى المصري إلى ثلاثة أنواع الأول تلك التي اندرست (أي اختفت) والثانية هي البلاد القديمة (قبل عصر العثمانيين) والثالثة البلاد الجديدة.

وكتب عن كتاب التحفة السنية قائلا : ” وقد اتخذت كتاب ابن الجيعان أساسًا لأبحاثى ووثيقة رسمية بين ما ظهر قبله من الكتب التي من نوعه في السنين السابقة على سنة 883 هـ التى توافق سنة 1477 وبين ما ظهر منها بعد هذا التاريخ ، وبذلك أمكننى أن أعرف البلاد التى درست من الروك الحسامي والبلاد التى استجدت في الروك الناصري ثم ما عرفته فيما بعد من دار المحفوظات بالقلعة والحجج بوزارة الأوقاف والمحاكم الشرعية مما استجد وما اندثر من القرى المصرية في عهد كتاب التحفة إلى اليوم “.

وقد تعرف الباحث على عزيز سوريال الذي أطلعه على نسخ مخطوطة مصورة فوتوغرافيًا في مكتبات أوروبا من كتاب ابن مماتى فوجد في الباب الثالث من هذا الكتاب ضالته المنشودة وهي أسماء جميع النواحى المصرية التي كانت وحدة مالية في ذلك الوقت وراجع هذه النسخ التي كتبت قبل قرون من كتابه قوانين ابن مماتى ووجد أن جميع أسماء القرى قد وردت في كتاب تحفة الإرشاد إلا القليل مما سقط سهوًا واعتمد عليه في تاريخ القرى القديمة.

وفي عام 1941 م وضع رمزي (الدليل الجغرافي) لأسماء المدن والنواحي المصرية المعتبرة وحدة عقارية لحصر الأراضي وتحصيل الأموال المقررة وقدمه لمصلحة المساحة فطبعته على نفقتها ، وأتبعها بعدة أبحاث خاصة بالوصف الطبوغرافي للعباسية أو منطقة المدرسة الإبراهيمية الثانوية ومدرسة بنبا قادن الثانوية وتاريخ شبرا وروض الفرج وتحولات مجرى النيل في منطقة القاهرة ومكان فم الخليج المصري عند فتح العرب لمصر.

وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” محمد بن عثمان (بك) رمزي عالم جغرافي مصري ولد بالمنصورة وتعلم بها وبالقاهرة وكان أبوه من رجال الخديوي إسماعيل، فعين في بعض الوظائف الصغيرة بالدقهلية وأسوان وأسيوط وميت غمر ومنيا القمح وقنا وجرجا وبني سويف وسمي مفتشا بوزارة المالية ، وكان حيثما اتجه ينقل معه خطط المقريزي وخطط علي مبارك وكتب ماسبيرو وجوتييه وغيرهما ممن كتبوا عن مصر يسترشد بها ويعلّق عليها بما يهديه إليه البحث من معرفة تلك البلدان وتحقيق أسمائها ومواقعها.

وعكف بعد بلوغه الستين واعتزاله العمل الحكومي على تنسيق دراساته وتحقيقاته ومراجعة (جزازاته) فكتب استدراكا على كتاب جغرافية مصر في عهد القبط نشره المعهد العلمي الفرنسي ووضع الدليل الجغرافي سنة 1941 لأسماء المدن والنواحي المصرية ولم يذكر اسمه عليه ، ونشر نبذا كثيرة في الصحف والمجلات المصرية وفي رسائل صغيرة عن تاريخ شبرا وروض الفرج والفيوم وحلوان الحمامات ومجرى النيل وتحولاته الثمانية وأغلاط تسمية الشوارع والطرق في القاهرة وأمثال ذلك وكتب تعليقات على مواضع كثيرة من كتاب النجوم الزاهرة أشير إليها في ختام أجزائه من الرابع إلى التاسع.

واجتمع لديه نحو عشرة آلاف (جزازة) في أسماء المدن والقرى المصرية قديمها وحديثها عامرها ومندرسها ردّ فيها بعض تلك الأسماء إلى أصولها الهيروغليفية أو الرومانية أو العربية ، وقامت دار الكتب بنشرها بعد وفاته فأصدرت المجلد الأول منها باسم (القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945 القسم الأول البلاد المندرسة) ثم أصدرت الثاني والثالث ، وكان من أعضاء المجلس الأعلى للآثار العربية ومن أعضاء اللجنة الدائمة لحفظ الآثار ولجان أخرى وتوفي بالقاهرة “.

وقد تحدث المؤلف في كتابه عن قريته التي نشأ فيها حيث تزوج والده من أكبر عائلاتها التي تنتمي إلى عشيرة المقاطعة العربية فقال : ” المقاطعة هي من القرى القديمة اسمها الأصلي البحتلية كما وردت في تحفة الإرشاد وفي قوانين الدواوين ، وفي العصر العثماني حرف اسمها إلى البهتلية ثم إلى البهدلية بسبب تشابه مخارج الحروف كما وردت في دفتر المقاطعات في سنة 1079 هـ.

وهذه القرية هي موطن أخوالي ووالدتي رحمهم الله جميعا ، وقد أخبرني خالي الشيخ سيد كساب بن موسى رحمه الله أنه في سنة 1150 هـ جاء إلى مصر جده الأعلى شيخ العرب مقاطع بن موسى بن إسماعيل الشوبكي من أهالي ناحية الشوبك التابعة الآن لولاية شرق الأردن ، وبعد أن أقام هو وأسرته مدة سنتين بأراضي ناحية سنيطة الرفاعيين التي بمركز فاقوس لم توافقه الإقامة بتلك الناحية فانتقل بأسرته إلى ناحية البهدلية (البحتلية) هذه واشترى بها أطيانا زراعية واستقر بها فأصبحت موطنه ومن بعده أولاده ثم أحفاده وأولادهم إلى يومنا هذا.

ولما حل ركاب مساحة الأراضي في سنة 1228 هـ لتحرير دفاتر تاريخ البلاد انتهز أولاد شيخ العرب مقاطع هذه الفرصة كما انتهزها غيرهم من أهالي القرى الأخرى وطلبوا تغيير اسم البهدلية لاستهجانه وتسميتها المقاطعة نسبة إلى أبيهم شيخ العرب مقاطع فعرفت بهذا الاسم من تلك السنة وبذلك اختفى اسم البحتلية الذي حرف إلى البهدلية من أسماء النواحي وحل محله اسمها الحالي الذي قيدت به في دفاتر تاريخ هذه الناحية من سنة 1228 هـ المذكورة.

وإن أخوالي وآباءهم وأجدادهم كانوا عمدا لهذه البلدة من يوم أن استوطنوا بها ولا تزال هذه الأسرة بفضل الله حافظة لمركز الرياسة فيها إلى اليوم وعمدتها الحالي هو ابن خالي ، ويوجد بأراضي هذه الناحية العزبة الكبرى لوقف المرحوم والدي عثمان بك رمزي “.

وينقسم الكتاب إلى قسمين : القسم الأول عن البلاد المندرسة ويقع في 478 صفحة من القطع الكبير ويشمل القرى التي ينحط حالها أو تتخرب أو تندرس تماماً ويهجرها أهلها إلى توابعها من عزب وكفور فيختفى اسمها أو مكانها أوتختفى تماماً إسماً ومعنى وتعفى آثارها كلية أو يبقى إسمها علماً على الحوض الزراعى الذي كان فيه جدارها أو على مجموعة من التوابع في زمانها.

القسم الثاني عن البلاد الحالية ويقع في أربعة أجزاء مضافا إليها مجلد يشتمل على فهرس عام لأسماء القرى والبلاد والمدن ويتضمن نحو 14080 اسماً بينما كان عدد القرى والبلدان يزيد قليلاً على ألفى قرية في أي عصر من العصور ، ويضم الجزء الأول شرق الدلتا والجزء الثاني غرب الدلتا والجزء الثالث شمال الصعيد والجزء الرابع جنوب الصعيد بالإضافة إلى فصول ملحقة خاصة بالقاهرة وضواحيها ومنطقة القناة والمناطق الحدودية.

وقد رصد رمزي في كتابه كافة الإحصاءات التي دونت في العصور الإسلامية وكانت كالتالي : في عام 110 هـ / 729 م. في ولاية الوليد بن رفاعة الفهمي وعامل الخراج عبيد الله بن الحبحاب ، وفي عام 255 هـ / 869 م. في إمارة أحمد بن طولون وعامل الخراج أحمد بن المدبر وفي عام 345 هـ / 957 م. في عهد كافور الإخشيدي ومتولي الخراج بولس بن شفا الكاتب وفي عام 483 هـ / 1090 م. في عهد الخليفة المستنصر الفاطمي ووزارة بدر الجمالي وفي عام 572 هـ / 1177 م. في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي ووزارة القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني ( الروك الصلاحي ونقلت في كتاب قوانين الدواوين للأسعد بن مماتي ناظر ديوان المال).

وفي عصور المماليك والعثمانيين كانت كالتالي : في عام 697 هـ / 1298 م. في عهد السلطان حسام الدين لاجين ووزارة تاج الدين الطويل وفي عام 715 هـ 1315 م. في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون وبإشراف أمرائه (الروك الناصري وقد سجل في كتاب التحفة السنية لابن الجيعان مستوفي الديوان) وفي عام 933 هـ / 1527 م. في ولاية سليمان باشا الخادم وتنفيذ الأمير كيوان (دفاتر التربيع العثماني) وفي عهد محمد علي باشا سنة 1224 هـ / 1809 م. (دفتر أسماء نواحي الولايات) وفي عام 1270 هـ / 1854 م. في عهد سعيد باشا وفي عام 1317 هـ / 1899 م. في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني.

وفائد ذلك للباحثين شديدة الأهمية ففي المسح الشامل دونت جميع القرى والبلدات بلا استثناء ويمكن من خلالها تتبع حركة العمران في الأقاليم وما طرأ عليها من زيادة وتوسع مع وصف شامل لأحوالها الزراعية ، مثلا في الروك الصلاحي كانت القرى في الدلتا 1541 وفي الصعيد 530 وفي الروك الناصري كانت في الدلتا 1739 وفي الصعيد 741 وفي التربيع العثماني كانت في الدلتا 1822 وفي الصعيد 1192 وفي القرن التاسع عشر كانت في الدلتا 2156 وفي الصعيد 1392 وذكر في كل ذلك كافة العزب والكفور والنجوع والمدن بمساحتها وموقعها الجغرافي بدقة وقيمة متحصلاتها المالية وأسماء الإقطاعيين وشيوخ العرب في كل واحدة منهم.

كما شرح بالتفصيل في القسم الأول تطور التقسيم الإداري للبلاد المصرية وتطور العمران بها منذ العصور القديمة حيث كانت مصر تنقسم من الناحية الطبيعية إلى قسمين كبيرين هما الوجه البحري (أسفل الأرض / الريف) والوجه القبلي (أعلى الأرض / الصعيد).

وكل منهما يتكون من أقسام صغيرة الغرض منها سهولة حكم الإقليم وجباية ضرائبه والإشراف على شئونه ، وفي العصور الفرعونية ضم الصعيد 22 قسما والدلتا 16 قسما ثم أضيف إلى الدلتا بعد ذلك 4 أقسام جديدة ليصير المجموع 42 قسما ، وتضم قرابة 1000 قرية و 60 مدينة متوسطة بما فيها الثغور بالإضافة إلى طيبة ومنف وهما العواصم التاريخية.

وفي عهد البطالمة قسمت مصر إلى ثلاثة أقسام كبيرة هي الوجه البحري وكان مقسما إلى 33 قسما إداريا ومصر الوسطى وكانت مقسمة إلى 7 أقسام ومصر العليا وكانت مقسمة إلى 14 قسم فكان مجموع الأقسام في العهد البطلمي 54 قسما ، فلما جاء الرومان عدلوا الوجه البحري إلى 22 قسما ومصر الوسطى 7 أقسام ومصر العليا أقسام 8 ليكون المجموع 36 قسما.

وفي العهد البيزنطي أعيد تقسيمها إلى 6 أقسام كبيرة اثنان في الوجه البحري وأربعة في الصعيد ، أما إقليما الوجه البحري فهما إقليم أوجستامنك وإقليم إيجيبت ، والأول يتكون من أبروشيتين هما أبروشية قسم أول وتتكون من 10 أقسام وقاعدتها مدينة بيلوز (الفرما) وأبروشية قسم ثان وتتكون من 6 أقسام وقاعدتها مدينة ليونتو (تل المقدام مركز ميت غمر).

وأما إقليم إيجيبت فكان مكونا من أبروشيتين هما أبروشية قسم أول وتتكون من 10 أقسام وقاعدتها مدينة الإسكندرية وأبروشية قسم ثاني وتتكون من 10 أقسام وقاعدتها مدينة كباسا (شباس الشهداء مركز دسوق) فكان مجموع أقسام الوجه البحري 33 قسما بالإضافة إلى إقليمي برقة وبني غازي التابعين لمصر في ذلك العهد.

وأما أقسام الصعيد فهي أبروشية أركاديا وتتكون من 8 أقسام وقاعدتها أوكسرنخوس (البهنسا مركز بني مزار) وأبروشية طيبة السفلى وتتكون من 9 أقسام وقاعدتها أنطينو (أنصنا / الشيخ عبادة مركز ملوي) وأبروشية طيبة الوسطى وتتكون من 12 قسما وقاعدتها بطوليمايس (المنشأة محافظة سوهاج) وأبروشية طيبة العليا وتتكون من 4 أقسام وقاعدتها أسوان فكان مجموع الوجه القبلي 33 قسما.

وكانت الوحدة الإدارية في عصر البطالمة والرومان يطلق عليها (نوم) وهي كلمة يونانية أطلقت للدلالة على الكلمة المصرية القديمة (هسبو) وتعني القسم وليس لها شبيه في العصر الحديث لأنها أصغر من مساحة المحافظة وأكبر من مساحة المركز ، وكانت تنقسم إلى عدة قرى يطلق عليها اسم (كوما) ويشرف على القسم حاكم يعرف باسم (نومارك) يعاونه كتبة وموظفون وقضاة.

ولما جاء العرب أطلقوا على القسم اسم كورة وكانت تكبر وتصغر بحسب تفاوت العمران ، وأطلقوا على إقليم أوجستامنك اسم الحوف وأطلقوا على إقليم إيجبت اسم الريف وجعلوا الحوف 14 كورة بدلا من 13 وجعلوا الريف 31 كورة بدلا من 20 فكان المجوع 45 كورة ، وأما الصعيد فجعلوه 30 كورة فصار المجوع في الوجهين 75 كورة.

وفي القرن الثالث الهجري قسم الوجه البحري إلى 3 أقاليم كبرى هي الحوف الشرقي وقاعدته بلبيس ويتكون من 11 كورة ، وبطن الريف (وسط الدلتا) ويتكون من 20 كورة وقاعدته المحلة الكبرى ، والحوف الغربي ويتكون من 15 كورة وقاعدته الإسكندرية ، فكان المجموع 46 كورة بالإضافة إلى كل من كور لوبية والقلزم (السويس) والطور وإيام ومدين (بالحجاز) بينما كانت كور الصعيد 30 كورة.

وفي نهاية القرن الخامس الهجري قرر الوزير الفاطمي بدر الجمالي دمج الكور الصغيرة لتكوين الكور الكبيرة والتي بلغت 22 في الوجه البحري و 10 في الصعيد ، وبلغ فيه عدد القرى 3148 قرية منها 1601 في الدلتا و 547 في الصعيد بخلاف الثغور ، ثم أضاف الأيوبيون كورة الدنجاوية بإقليم الغربية وكورة الكفور الشاسعة بالبحيرة ليصبح عدد الكور 24 كورة.

وفي عام 715 هـ أصدر الناصر محمد بن قلاوون مرسوما بفك زمام القطر المصري (الروك الناصري) ويقضي بأن تسمى الكورة عملا مع بعض التعديلات حيث جعل الأعمال 21 عملا بدلا من 24 كورة فكان الوجه البحري 12 عملا منها 3 جديدة هي القليوبية وضواحي القاهرة وقد فصلتا من كورة الشرقية ثم ضواحي الإسكندرية وقد فصلت من كورتي رشيد والبحيرة.

وتم ضم كورة المرتاحية إلى كورة الدقهلية وجعلهما عملا واحدا باسم أعمال الدقهلية والمرتاحية وأطلق على كورة الإبوانية اسم ضواحي ثغر دمياط وأمر بضم كورة السمنودية والدنجاوية وجزيرة قويسنا إلى أعمال الغربية وضم نواحي حوف رمسيس إلى أعمال البحيرة ، وصار في الصعيد 9 أعمال بعد ضم كورة البوصيرية إلى البهنساوية وأنشأت الأعمال المنفلوطية وبلغت عدد القرى وقتها 2278 قرية.

وفي العهد العثماني تحولت الأعمال والكور إلى ولايات ومحافظات حيث قسم القطر كله إلى 13 ولاية منها 7 في الدلتا و6 في الصعيد ، فكان الوجه البحري يشمل القليوبية والشرقية والدقهلية والغربية والمنوفية والبحيرة ، وضم الوجه القبلي الأطفيحية والفيومية والبهنساوية والأشمونين والمنفلوطية وولاية جرجا التي تكونت من دمج الأعمال الأسيوطية والأخميمية والقوصية.

أما المدن الكبرى فقد أطلق عليها اسم محافظات وهي الإسكندرية ورشيد ودمياط والعريش والسويس والقصير ، وكان يرأس كل ولاية حاكم أو كاشف ويرأس كل محافظة محافظ أما القاهرة فكان يرأسها شيخ البلد ، وفي عهد محمد علي قسمت البلاد إلى أخطاط يشمل كل خط منها عددا من القرى على رأسهم موظف يسمى حاكم الخط ثم أمر بتقسيم الولايات إلى أقسام يرأسه موظف يسمى ناظر القسم.

ثم تحولت الولايات إلى مأموريات حيث ضمت 24 مأمورية في الدلتا و 10 في الصعيد ثم عدلت إلى مديريات بلغ عددها 14 مديرية تضم 47 قسما تحوي 3639 قرية وزادت في عهد إسماعيل إلى 64 حيث تحولت الأقسام إلى مراكز وأطلق اسم مأمور بدلا من ناظر قسم ومعاون إدارة بدلا من حاكم خط.

ثم انفصلت عواصم المديريات لتكون مأمورية قائمة بذاتها يرأسها مأمور بندر حيث نشأ 12 بندر مع 75 مركز تشمل 4188 قرية ومدينة ومحافظات القاهرة والإسكندرية والحدود والقنال والسويس ودمياط ، وفي العهد الجمهوري تحولت المديريات إلى محافظات وعدلت حدودها حتى وصلت إلى الوضع الحالي.

35 / الجيش المصري البري والبحري

من أهم الكتابات التي تناولت التاريخ العسكري المصري في العصر الخديوي مجموعة مؤلفات الأمير عمر طوسون ومنها كتاب الجيش المصري البري والبحري وكتاب الجيش المصري في الحرب الروسية المعروفة بحرب القرم وكتاب بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك وكتاب يوم 11 يوليو سنة 1882 م وكتاب الصنائع والمدارس الحربية في عهد محمد علي باشا وكتاب البعثات العلمية فى عهد محمد علي ثم فى عهدي عباس الأول وسعيد.

وقد احتوت كتبه جميعا بما فيها المؤلفات العسكرية على قدر كبير من الوثائق والإحصائيات وقوائم الرواتب والأسماء والأسلحة المختلفة والمواقع الجغرافية المتعلقة بالموضوع وبرامج التدريب ودور الجيش والأسطول في المعارك والحملات العسكرية الكبرى في تلك الفترة والمهام التي كلفت بها الوحدات المختلفة ، وجمع فيها خلاصه ما قاله المؤلفون الذين شاهدوا ذلك ورأوها رأي العين ودونها مع تعليقات وشهادات بعض قادة وجنرالات الجيوش الأجنبية.

والمؤلف هو أنبغ أفراد الأسرة العلوية بمصر الأمير محمد عمر بن الأمير محمد طوسون باشا بن الوالي محمد سعيد باشا بن محمد علي باشا الكبير ووالدته الأميرة بهشت حور وجدته لأبيه الأميرة ملك بير ، وهو مؤرخ وجغرافي ورحالة وآثاري ومن رجال الحركة الوطنية المصرية حيث كان أول من اقترح إرسال وفد من مصر إلى مؤتمر فرساي للمطالبة باستقلالها كما عرف عنه حبه للعمل الخيري ورعايته للكثير من الأنشطة الثقافية والاجتماعية.

ولد عمر طوسون بالإسكندرية في قصر والده عام 1872 م وتوفي بالقاهرة عام 1944 م وأوصى ألا تقام له جنازة ونفذ له الملك فاروق وصيته مقتصرا على تشييع الجثمان الذي شارك فيه الوزراء والأمراء وكبار رجال الدولة ، سافر إلى سويسرا لاستكمال دراسته وتجول في فرنسا وإنجلترا بغرض السياحة فتأثر بما شاهده هنالك من التقدم العلمي والصناعي والزراعي والاجتماعي ثم عاد إلى مصر وهو يجيد التركية والعربية والإنجليزية والفرنسية.

تولِى زمام دائرته فأدارها بنفسه ومع انشغاله بإدارة أعماله لم ينقطع عن المطالعة والبحث في مكتبته إذ كان له ولع بمطالعة كل ماله علاقة بتاريخ مصر والسودان واقترن بإحدى كريمات الأمير حسن باشا نجل الخديوي إسماعيل في سنة 1898 م فرزقه الله النبيل سعيد طوسون والأمير حسن طوسون ومن البنات النبيلة أمينة والنبيلة عصمت ، وعرف بعلاقاته الاجتماعية المتعددة مع أهالي مصر سواء العامة منهم أو رؤساء الأسر والعشائر.

حظي بعضوية كل من المجمع العلمي المصري والجمعية الجغرافية الملكية والمجمع العلمي العربي في دمشق وجمعية الآثار العربية وجمعية الآثار القبطية ، وفي عام 1910 م اكتشف مع غاستون غونديه كبير مهندسي مصلحة الموانئ والمنائر ميناء فاروس القديم ووصفا حواجز الأمواج والمنشآت العملاقة المغمورة تحت السطح بثمانية أمتار وقاما بطرح ونشر نظريات وتفسيرات لاكتشافاتهما في الجمعية الأثرية بالإسكندرية.

وكان موقفه السياسي داعما للحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل ثم محمد فريد مما عرضه لمضايقات سياسية مثل منعه من العودة من فرنسا عند نشوب الحرب وإبعاده عن أن يصل إلى حكم مصر مرتين بعد عزل الخديو عباس حلمي ثم بعد وفاة السلطان حسين كامل ، وقام بدعم الوفد المصري المسافر إلى مؤتمر فرساي بفرنسا بعشرة آلاف جنيه ورغم أنه من أوائل من طرح فكرة الوفد إلا ضغوط الملك فؤاد والإنجليز حالت دون اشتراكه الفعلي فيه.

وفي أوائل الثلاثينيات بدأ عمر طوسون العثور على أديرة وبقايا أديرة أثرية مهمة تقع جميعا على خط رحلة العائلة المقدسة بلغ عددها اثنين وخمسين ديرا ، وفي أواخر الثلاثينات أخبره أحد الطيارين أنه رأى أثناء طيرانه فوق الخليج بقايا أثرية تغطي مساحة واسعة تحت الماء وتمكن طوسون بفضل إرشاد الصيادين المحليين ومعونة الغواصين من تحديد موقع عدة هياكل ضخمة وانتشال تمثال لرأس الإسكندر الأكبر يعرض الآن في المتحف اليوناني الروماني.

وكان شديد الولع بمطالعة كل ما له علاقة بتاريخ مصر والسودان كما كان مغرمًا بالبحث في الصحراء الغربية والواحات فقام برحلات كثيرة إليها واكتشف في أطلال بناء قديم في جنوب غرب واحة الدالة صليبًا قبطيًا من البرونز يرجع عهده إلى القرن الخامس أو السادس الميلادي بالإضافة إلى بعض الأواني الفخارية الأثرية كما اكتشف بقايا أديرة للرهبان في وادي النطرون وقد نشر عنها بحثًا مستفيضًا مع الصور الفوتوغرافية في مجلة الجمعية الملكية للآثار.

وكان في مقدمة أعماله الخيرية ما فعله مع الجمعية الخيرية الإسلامية التي كانت تقوم بدور عظيم في مجال التعليم عبر مدارسها المنتشرة في أنحاء مصر ، فحين تعثرت ميزانيتها بعد أن تأخر كثير من المساهمين فيها في دفع اشتراكاتهم كان أول من استجاب لهذه الدعوة وتبرع بمبلغ خمسة آلاف جنيه و ذلك في سنة 1920 م ولم يكتف بهذا بل دعا غيره للتبرع حتى وصل المبلغ إلى خمسة عشر ألف جنيه فاستعانت به الجمعية في عملها.

وعندما عرف احتياج الجمعية الخيرية القبطية تبرع لها بألف جنيه ودعا الأقباط إلى الإكتتاب لها كما دعا المسلمين إلى الإكتتاب لجمعيتهم ونشر ذلك في الصحف ، كما تبرع لمدرستي البطركخانة والمشغل البطرسي بعد زيارته للأنبا كيرلس بطريرك الأقباط الأرثوذكس بمبلغ من المال يصرف من ريعه على الطلاب المتفوقين في المدرستين ، كما ساهم في دعم جمعيات الشبان المسلمين والعروة الوثقى والمواساة والملجأ العباسي ومشيخة العلماء بالإسكندرية.

وقم بمساعدة أفراد البيت العثماني بعد أن طردهم كمال أتاتورك وأعلن تركية دولة جمهورية بعد أن اسقط الخلافة فتبرع لهم بمبلغ أربعة آلاف جنيه مساعدة منه لهم وتبرع بمبلغ لشراء قطعة أرض في لندن لدفن موتى المسلمين فيها من المقيمين في بريطانيا ، وتبرع بمبلغ أربعين جنيهًا كل سنة لجمعية مشروع القرش وتبرع لنادي الضباط المصريين بالسودان وللنادي السوداني بالقاهرة ولنادي الطلبة المصريين بإنجلترا.

وشارك مشاركة فعالة في جمعية منع المسكرات التي أنشأها الدكتور أحمد غلوش ، وقد لقيت الجمعية عونًا منه فأرسل في سنة 1930 م إلى رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب رسالة طالبهم فيها بالنظر في سن قانون يقضي بمنع تداول المسكرات في البلاد وبعث إليهم بمشروع لهذا القانون ، وترأس وفدًا من الجمعية سنة 1934 م لمقابلة الملك فؤاد وعرض عليه مذكره تطالبه بتحريم المسكرات في المملكة.

وفي عام 1932 م ترأس الجمعية الزراعية الملكية التي تخصصت في شئون الزراعة في مصر والعمل على تنمية الإنتاج الزراعي والحيواني حيث أجرى تجارب على الأراضي الزراعية وطرق إصلاحها وما يناسبها من الأسمدة فأنتجت عدة سلالات من القطن والقمح والشعير وأقام لأول مرة في مصر تجارب الصرف الجوفي وتأثيره على جذر النبات ونموه وأعلن عن تقديم جائزة مالية قدرها خمسة عشر ألف جنيه لمن يبتكر علاجا لإبادة دودة القطن.

وقد بنى جامعا في قرية (بهتيم) في القليوبية وجامعا في مدينة (جوبا) في جنوب السودان ، وكان للسودان وأهله المنزلة الكريمة في قلبه وفي المقابل بادله السودانيون الحب والإكرام والتقدير ، وقد أعلن رفضه لتصريح 28 فبراير 1922 م لأنه لم يعطِ الاستقلال الكامل لمصر مع السودان وتم فيه إرجاء قضية السودان ، وكان شديد الولع بمطالعة كل ما له علاقة بتاريخ مصر والسودان والعلاقة التاريخية بينهما عبر العصور.

وقد اتخذ موقفا سياسيا واضحا من قضية فلسطين حيث ناهض وعد بلفور الذي جاء على لسان وزير خارجية بريطانيا بمنح وطن قومي لليهود على أرض فلسطين ، ولما شهدت القدس المؤتمر الإسلامي الخاص بالقضية الفلسطينية عام 1933 م كلف الأمير الأستاذ حامد المليجي حضور المؤتمر نائباً وممثلاً له وقد ألقى الأستاذ حامد كلمة الأمير في المؤتمر أهاب فيها بالمسلمين أن يتحدوا من أجل قضاياهم خصوصاً قضية فلسطين.

وقد ترجم له الزركلي في كتابه الأعلام فقال : ” عمر بن طوسون بن محمد سعيد ابن محمد علي مؤرخ باحث من الأمراء السابقين بمصر مولده ووفاته بالإسكندرية تعلم في سويسرة وقام بسياحات كثيرة وشغف بالرياضة والصيد في شبابه وأتقن مع العربية التركية والفرنسية والإنكليزية.

وعكف على تاريخ مصر الحديث وآثارها فصنف كتبا كثيرة بالعربية والفرنسية استعان على تأليفها ببعض كبار الكتاب وآزر الحركة الوطنية المصرية بقلمه وماله غير متقيد بتقاليد أسرته في الانكماش عن الدخول في غمار الجمهور ، وساعد أهل طرابلس الغرب حين أغارت عليهم إيطاليا سنة 1910 م وكان من أعضاء المجمعين العلميين بمصر ودمشق ومن أعضاء الجمعية الجغرافية بمصر.

من كتبه العربية : البعثات العلمية في عهد محمد علي وعباس وسعيد ، و يوم 11 يوليه 1882 وهو يوم ضرب الأسطول الإنكليزي أبراج الإسكندرية ، وخط الاستواء ثلاثة أجزاء ، والصنائع والمدارس الحربية ، وصفحة من تأريخ مصر ، والجيش البري والبحري ، وأعمال الجيش المصري في المكسيك ، وكلمات في سبيل مصر ، وتاريخ خليج الإسكندرية القديم وترعة المحمودية ، والمسألة السودانية ، ووادي النطرون ورهبانه وأديرته ومختصر تاريخ البطارقة ، وضحايا مصر في السودان وخفايا السياسة الإنكليزية ، والأطلس التاريخي الجغرافي لمصر السفلى منذ الفتح الإسلامي إلى الآن ، وفتح دار فور ، ومصر والسودان.

ومن كتبه الفرنسية : تاريخ النيل ثلاث مجلدات ، وجغرافية مصر في عهد العرب ، ومذكرات في مالية مصر في عهد الفراعنة إلى أيامنا هذه بالفرنسية ثم بالعربية ، والإسكندرية في سنة 1868 م ، وكان رضيَّ الخلق مترفعا عن الصغائر وفيا لأصدقائه شعبياً محبوبا “.

وقد نعاه الشاعر أحمد محرم بقصيدته التي قال فيها : أأنت الذي وارى الضريح المحبب  .. فيا لك من كنز جليل يُغيّب  .. حملت هموم الناس دهراً فلم يزل  .. بك الدهر حتى ما يواتيك منكب  .. وسعت ذوي الحاجات براً ورحمة  .. وكنت الأب المأمول إن أعوز الأب  .. سجايا كريم لا الرجاء مخيب  .. إذا أمه الراجي ولا البرق خُلَّبُ  .. ومن ذكرك الباقي أوابد شرد  .. تظل مقيماً وهي في الأرض جوَّبُ  .. ويا طول وجدي إن ألمت ملمة  .. وقيل ألا أين الأمير المهذَّبُ .. سنذكره إن عاود الجهل وارتمت  .. أعاصيره من حولنا تتألَّبُ.

وقد أوقف الأمير عمر طوسون مكتبته القيمة التي تضم ثمانية آلاف مجلد لصالح البحث العلمي وسجل ذلك في وصيته التي جاء فيها : ” حضرات نجلي العزيزين سعيد طوسون وحسن طوسون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ، فمن نعم الله علينا وتوفيقه أن أشربت نفسنا حب العلم ونشره وتأصلت فينا رغبة الاطلاع على ما في بطون الكتب من أخبار وعلوم ولما في ذلك من حسن القصد ونبيل الغاية.

اتجهت ميولنا إلى اقتناء نفائس المجلدات والكتب والتآليف قديمها وحديثها بمختلف اللغات حتى أصبح لدينا مكتبة جامعة في شتى العلوم وعلى الأخص في التاريخ والآثار والأدب مودعة في سرايات الرمل والمحمودية والزمالك وديوان الدائرة ، ولما كان من رغباتنا بما حوته هذه المكتبة فقد رأينا أن نوصيكم بإهدائها – بعد انتقالنا إلى الدار الآخرة – للهيئات الآتية راجين من الله النفع والمثوبة :

أولاً كل ما يتعلق بالجيوش والحروب والمسائل العسكرية بجميع اللغات يُهدى إلى مكتبة متحف الجيش المصري ، ثانياً كل ما يتعلق بالآثار بجميع اللغات يُهدى إلى مكتبة المتحف الروماني اليوناني بالإسكندرية ، ثالثاً ما عدا ما تقدم من كتب علمية وأدبية وتاريخية يُهدى إلى مكتبة الإسكندرية بقسميها الأدبي والإفرنجي ، فإن اشتمل كتاب أو مجلد أو تأليف على جملة نواح من التخصص المتقدم كان الإهداء إلى الهيئة الأكثر ترجيحاً لما اشتمل عليه.

وتتولى هذه الهيئات بواسطة مندوبين عنها لكل هيئة مندوب واحد وبحضور مندوب عنكما فرز المكتبة ويتسلم مندوب كل هيئة ما يخصّها ولا يشمل هذا الإهداء شيئاً من مجلدات الوقائع المصرية ومجلدات الإحصاء الصادر عن الحكومة والمجلدات والمذكرات التي تمتُّ بصلة إلى الدائرة وأعمالها ، والله نسأل أن يسدد خطاكم ويوفقكم إلى ما فيه الخير والفلاح والفائدة للعالم أجمع وللأمة المصرية خاصة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، 11 إبريل عام 1933 م والدكم عمر طوسون “.

36 / مصر القديمة

ظل علم المصريات منذ نشأته موزعا بين المؤرخين والآثاريين وقلما وجد شخص يجمع بين الأمرين حتى جاء سليم حسن فكان مؤرخا وآثاريا ومترجما وكاتبا في نفس الوقت فضلا عن كونه مصريا ومسئولا (كان وكيل عام مصلحة الآثار المصرية) ، وقد ألف عدة كتب بالإنجليزية والفرنسية لكن موسوعته (مصر القديمة) هي أهم عمل في علم المصريات حتى يومنا هذا لأنه كان يكتب التاريخ من واقع الآثار المصرية مباشرة.

وهو ما يفسر تعجب البعض من أن الدولة القديمة عنده تشغل مجلدين فقط والدولة الوسطى تشغل مجلدا واحدا والأسرة الحادية والعشرين تشغل وحدها مجلدا كاملا ورمسيس الثاني وحده يشغل مجلدا كاملا ، وذلك لأنه لا يسرد الأحداث ويعلق عليها مثلما يفعل علماء التاريخ والحضارة وإنما هو يرصد لنا آثار كل أسرة بالتفصيل من أول مكان الأثر وكيفية اكتشافه وترجمة الكتابة عليه ودلالة ذلك.

ولذلك فقد جاءت موسوعة مصر القديمة شاملة جامعة وصلت إلى ثمانية عشر مجلد يناهز كل واحد منها زهاء خمسمائة صفحة أو أكثر بالإضافة إلى بقية مؤلفاته في جوانب الحضارة المصرية من آداب وفنون وتشريعات (أكثر من اثني عشر كتابا) وكذلك ترجماته ، وهو بذلك صاحب أكبر إنتاج علمي في تاريخ مصر القديم من بين كل العلماء المصريين والأجانب حتى أطلق عليه بعضهم لقب (مانيتون الثاني).

ورغم توالي الاكتشافات بعد وفاته إلا أنها حتى الآن لم تغير أي شيء من الخطوط العريضة التي وضعها بل على العكس أكدت الكثير مما ذهب إليه وسدت كثيرا مما كان يطلق هو عليه مصطلح (الفجوات في تاريخ مصر القديمة) ، واليوم يبدو أن العلم الحديث سوف يكون في صالح هذا العبقري حيث جاءت النتائج الأولية لتحاليل الحمض النووي لتؤكد نظرياته وهو ما يعني أن سليم حسن يمثل في علم المصريات ما كان يمثله (أينشتين) في علم الفيزياء.

ولد سليم حسن بقرية ميت ناجي التابعة لمركز ميت غمر محافظة الدقهلية بمصر وتوفى والده وهو صغير فقامت أمه برعايته وأصرت على أن يكمل تعليمه ، وبعد أن أنهى مرحلة التعليم الابتدائية والثانوية وحصل على شهادة البكالوريا عام 1909 م ألتحق بمدرسة المعلمين العليا وتتلمذ على يد الباحث والآثاري أحمد كمال باشا ، ثم أختير لإكمال دراسته بقسم الآثار الملحق بهذه المدرسة لتفوقه في علم التاريخ وتخرج منها في عام 1913 م.

ثم طلب الالتحاق بالمتحف المصري ليكون أمينا مساعدا بالمتحف ولكن مساعيه باءت بالفشل حيث كانت وظائف المتحف المصري حكرا على الأجانب فقط فعمل مدرسًا للتاريخ واللغة الإنجليزية بالمدرسة الناصرية بالقاهرة ثم نُقل إلى مدرسة طنطا الثانوية ومنها إلى أسيوط ثم نُقل إلى القاهرة مدرسًا في المدرسة الخديوية الثانوية.

وأثناء فترة عمله بالتدريس اشترك في وضع الكتب التاريخية التي كانت مقررة على طلبة المدارس فألّف تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قُبيل الوقت الحاضر وتاريخ أوروبا الحديثة وحضارتها وشاركه في التأليف عمر السكندري ، وترجم تاريخ دولة المماليك في مصر بالاشتراك مع محمود عابدين وصفحة من تاريخ محمد علي بالاشتراك مع طه السباعي.

وفي عام 1921 م عين في المتحف المصري بعد ضغط من الحكومة المصرية ممثلة في أحمد شفيق باشا وزير الأشغال حيث تتلمذ على يد العالم الروسي جولنشيف ، وفي عام 1922 م سافر إلى أوروبا برفقة أحمد كمال باشا لحضور احتفالات الذكرى المئوية لعالم الآثار الفرنسي شامبليون حيث زار فرنسا وإنجلترا وألمانيا ، وخلال تلك الفترة كتب العديد من المقالات الصحفية تحت عنوان (الآثار المصرية في المتاحف الأوروبية) كشف فيها عن السرقة والنهب الذي يحدث للآثار المصرية مثل رأس نفرتيتي التي شاهدها في برلين.

وفي عام 1925 م تمكن أحمد كمال باشا من إقناع وزير المعارف زكي أبو السعود بإرسال بعض المصريين للخارج لدراسة علم الآثار وكان من بينهم سليم حسن حيث سافر في بعثة إلى فرنسا وألتحق بقسم الدراسات العليا بجامعة السوربون وحصل على دبلوم اللغات الشرقية واللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية) من الكلية الكاثوليكية ، كما حصل أيضا على دبلوم الآثار من كلية اللوفر وأتم بعثته عام 1927 م بحصوله على دبلوم اللغة المصرية ودبلوم في الديانة المصرية القديمة من جامعة السوربون.

ثم عاد إلى القاهرة وعين أمينا مساعدا بالمتحف المصري وانتدب بعدها لتدريس علم الآثار بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) ثم عين أستاذا مساعدا بها ، وفي عام 1928 م اشترك مع عالم الآثار النمساوى يونكر في أعمال الحفر والتنقيب في منطقة الهرم ثم سافر بعدها إلى النمسا وحصل من هناك على الدكتوراه في علم الآثار من جامعة فيينا.

وفي العام 1929 م بدأ سليم حسن أعمال التنقيب الأثرية في منطقة الهرم لحساب جامعة القاهرة لتكون المرة الأولى التي تقوم فيها هيئة علمية منظمة أعمال التنقيب بأيد مصرية ، وكان من أهم الأكتشافات التي نتجت عن أعمال التنقيب مقبرة (رع ور) وهى مقبرة كبيرة وضخمة وجد بها العديد من الآثار.

واستمر في أعمال التنقيب في منطقة أهرامات الجيزة وسقارة عشرة أعوام اكتشف خلال تلك الفترة حوالي مائتي مقبرة أهمها مقبة الملكة (خنت كاوس) من الأسرة الخامسة ومقابر أولاد الملك خفرع بالإضافة إلى مئات القطع الأثرية والتماثيل ومراكب الشمس الحجرية للملكين خوفو وخفرع.

وفي عام 1936 م رقي إلى أستاذ علم المصريات بالجامعة فكان أول مصري في مجاله كما عين في منصب وكيل عام مصلحة الآثار المصرية ليكون بذلك أيضا أول مصري يتولى ذلك ويكون المسئول الأول عن كل آثار البلاد حيث أعاد إلى المتحف المصري مجموعة من القطع الأثرية كان يمتلكها الملك فؤاد ، وقد حاول الملك فاروق استعادة تلك القطع ولكن سليم حسن رفض ذلك مما عرضه لمضايقات شديدة أدت إلى تركه منصبه عام 1940 م.

بعد أن ترك سليم حسن العمل الحكومي تفرغ للدراسة والتأليف ، وفي عام 1954 م استعانت به الحكومة المصرية وعينته رئيسا للبعثة التي ستحدد مدى تأثير بناء السد العالي على آثار النوبة كما أشرف على حفائر مصلحة الآثار في النوبة سنة 1958 م وعلى عملية جرد المتحف المصري سنة 1959 م ، وفي عام 1960 م انتخب بالإجماع عضوا في أكاديمية نيويورك التي تضم أكثر من ألف وخمسمائة عالم من خمس وسبعين دولة.

وقد ساعدته مهارته الأدبية واللغوية في إعادة صياغة الأدب المصري القديم باللغة العربية وتقديمه للقارىء ومن أمثلة ذلك نصائح الوزير بتاح حتب لولده حيث كتب قائلا : ” إن الاستماع مفيد للابن الذي يصغي (يطيع) وإن المستمع يدخل مثل إنسان قد استمع ، ومَن يستمع يصبح مستمعًا فيكون حَسَنَ الإصغاء وحسَنَ الكلام وإنَّ مَن يستمع يكون مالكًا للفائدة لأن الإصغاء مفيد للسامع والإصغاء أحسن من أي شيء لأن من نتائجه الحب الجميل.

أجمل بالابن الذي يصغي عندما يتحدث إليه والده ! فإنه سيصل إلى الشيخوخة بسبب ذلك وإن المستمع يحبه الله ومَن لا يستمع تبغضه الآلهة ، والعقل هو الذي يشكِّل صاحبه فيكون مستمعًا أو غير مستمع وعقل الإنسان هو حياته وسعادته وصحته ، أجمل بالولد الذي يرى الواجب في أن يصغي إلى والده ! وما أعظم فرح الإنسان الذي يقول له الناس إنه ابن فضيلة كفضيلة سيد يستمع ! 

أما المستمع الذي يقال له ذلك فإنه يكون فاضلًا منذ الولادة ومحترمًا في نظر والده وذكراه تكون في أفواه الأحياء الذين على الأرض ما داموا أحياءً ، أما الغبي الذي لا يستمع فلن ينال نجاحًا إذ إنه يعتبر العلم جهلًا والطيب خبيثًا ويعرِّض نفسه كل يوم للوم لما يأتيه من كل شيء مكروه ويعيش على ما يموت الناس فيه والقول الخبيث غذاء فمه وأخلاقه إذن تكون معروفة للحكَّام ويموت حيًّا كل يوم ولن يعامله الناس مطلقًا بسبب السيئات الكثيرة التي يرتكبها كل يوم “.

وينقل لنا ختام هذه النصائح بقول الحكيم : ” تأمل ! إن الولد النجيب الذي يهبه الإله يقوم بأداء أكثر مما يأمره به والده فهو يقيم الحق وقلبه يسير على صراطه ، وبقدر ما تصل إلى ما وصل إليه الناس سيكون جسمك سليمًا وسيكون الملك مرتاحًا لك في كل ما يجري وكذلك ستصل إلى السن التي وصلتُ إليها ، والسنين التي عشتها على الأرض وليست بالقليلة فقد بلغت العاشرة بعد المائة وحباني الملك بمكافأة تفوق كل مكافآت الأجداد لأني أقمتُ العدلَ للملك حتى ضمَّنِي القبر “.

ويتحدث في الجزء الأول من موسوعته عن أصل المصريين فيقول تحت عنوان (تقسيم البلاد إلى أربعة أقاليم) : ” يمكننا الحكم بأن البلاد كانت في بادئ الأمر مؤلفة من قبائل ثم مقاطعات وانمحت الأولى وبقيت الثانية في العصور التاريخية ، وقبل أن نتكلم عن رموز المقاطعات وآلهتها رأينا أن نستعرض رأي الأستاذ (لوريه) في أصل تقسيم البلاد المصرية إلى أربعة أقاليم معينة يعتقد أنها الأساس الذي تألفت منه البلاد منذ أقدم العهود.

والواقع أن نظريته خلابة ويظهر في عرضها أنها قد تكون صحيحة في جملتها إذ يرى أنه أتت قبائل وشعوب من بلاد لوبيا ومن آسيا الصغرى ومن جنوب مصر واختلط بعضهم ببعض وتحاربوا وأخذت الواحدة منهم تحل مكان الأخرى ثم تحالفوا فيما بينهم وانتهى الأمر بأن تألفت منهم أربع طوائف عظيمة : النحلة والبوصة والثعبان والنسر ثم تألفت من النحلة والبوصة مملكة ومن الثعبان والنسر مملكة أخرى.

وفيما بعد وفد على البلاد قوم من آسيا عن طريق بلاد العرب والصومال ونزلوا نحو الشمال وتوغلوا في البلاد حتى الوجه القبلي وهذا الجنس الجديد ذو المواهب العظيمة تأصل في البلاد وكون مملكة ثالثة : مملكة الصقر ، وبعد قرون عدة انقضت في حروب ومحالفات متتالية بين تلك الممالك الثلاث تغلبت في النهاية مملكة الصقر.

ومن ذلك العهد أصبحت تلك الممالك الثلاث موحدة تحت سلطان صولجان ملك واحد وهو (بر ايب سن) آخر ملوك الأسرة الثانية وهذه الحقائق مستقاة من دراسات دقيقة للآثار العتيقة ومن العناصر المختلفة التي تتألف منها ألقاب الفراعنة التي منها ألقاب حور ونبتي ونسوت بيتي ويعتقد الأستاذ (لوريه) أنها إشارات رمزية يقصد منها أولا طوائف القبائل الأولية وفيما بعد رؤساء هذه الطوائف “.

وتحت عنوان (مصر وأصل المصريين) يستطرد الدكتور سليم حسن قائلا : ” وقد كانت مصر مسكونة منذ عصور ما قبل التاريخ بقوم من الجنس الحامي يقال إنه نشأ من البلاد نفسها أي إفريقي الأصل وينسب إلى لوبيي إفريقيا الشمالية المسمين الآن بالبربر وإلى السكان الحاميين من إفريقيا الشمالية الشرقية (الصوماليين) ولا مراء في أن الحاميين المصريين يمثلون أقدم مدنية معروفة في وادي النيل ، وعلى ذلك تكون مصر جزءا من مجموعة المدنيات الحامية الإفريقية الأخرى.

غير أنه عند نهاية عصر ما قبل الأسرات نجد بعض التغيير أخذ يدخل على هذا الشعب الحامي الجنس الناشيء من طبيعة البلاد نفسها ، والظاهر أن هذا التغيير جاء عن طريق الهجرة وأهم العناصر الجديدة التي دخلت البلاد يظهر أنها من أصل آسيوي وكانت لها مميزات خاصة تختلف اختلافا بينا عن الشعب الأصلي وهؤلاء الآسيويون قد اختلطوا شيئا فشيئا بالسكان الأصليين واندمجوا فيهم ”.

وفي نفس الفصل يستطرد بالقول : ” أما الغزاة أو النازحون فيقال إنهم أدخلوا إلى البلاد معرفة المعادن وبخاصة النحاس وأدخلوا كذلك عبادتهم للأموات وديانتهم وكتابتهم وفنونهم ونظمهم السياسية والاجتماعية ولا شك أن دخول هذا الجنس قد أتى تدريجيا من غير عنف ، ومهما تكن الحقيقة في أمر هذا الجنس الجديد فإن هناك أمرا ثابتا ذلك أن النزلاء قد توصلوا إلى الاستيلاء بنجاح على البلاد شيئا فشيئا.

وأهم الوثائق التاريخية التي وصلت إلينا من هذا العهد هي الألواح الإردوازية المنقوشة وقد وصلت إلينا هذه النقوش على أشكال مختلفة ومن الصعب الاهتداء إلى حلها ، على أنها هي الذكرى الوحيدة لدينا لهذا الفتح الطويل الذي كانت نهايته على ما يظهر اتحاد كل البلاد من أسوان إلى البحر الأبيض المتوسط تحت صولجان ملك واحد “.     

37 / دولة الإسلام في الأندلس

(مؤرخ الأندلس) هو اللقب الذي عرف به محمد عبد الله عنان (7 يوليو 1896 ـ 20 يناير 1986) وهو مؤرخ مصري بارز اشتهر بوجه خاص بأبحاثه ومؤلفاته وتحقيقاته في مجال الدراسات الأندلسية .. ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن عرفة العناني العمري في 7 يوليو 1896م بقرية بشلا التابعة لمركز ميت غمر بمديرية الدقهلية في أسرة ترجع أصولها إلى السادة العنانية الذين ينتسبون إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وخرج منهم على مر العصور علماء وفقهاء ،

تلقى عنان دروسه في كتّاب القرية حيث حفظ أجزاء من القرآن الكريم ثم انتقلت الأسرة إلى القاهرة فتلقى دروسه الابتدائية في مدرسة العقادين ودروسه الثانوية في المدرسة الخديوية وحصل على البكالوريا سنة 1914 م ثم درس القانون في مدرسة الحقوق السلطانية وتخرج فيها سنة 1918 م فآثر الاشتغال بالمحاماة على مناصب الإدارة والنيابة العمومية وقد تعلم عنان منذ صباه الإنجليزية والفرنسية والألمانية (وأضاف إليها الإسبانية لاحقًا ليتمكن من مواصلة بحوثه الأندلسية من مصادرها) كما كان على دراية باللاتينية.

اشتغل عنان بالصحافة ونشر بعض المقالات في الصحف منذ سن مبكرة وكان يكتب بانتظام في جريدتي السياسة والسياسة الأسبوعية ولكنه ظل في كتابته الصحفية مستقلًا عن الولاء للأحزاب وسياساتها وآثر الكتابة في السياسة الخارجية والشؤون الدولية وفي النهاية ترك المحاماة وتفرغ للكتابة الصحفية والبحوث التاريخية.

كان عنان أحد أربعة أسسوا الحزب الاشتراكي سنة 1921 م (الثلاثة الآخرون هم سلامة موسى ومحمود حسني العرابي وعلي العناني) غير أنه تركه فيما بعد ولم يلتحق بأي من الأحزاب المصرية الناشئة وإن كان يميل أحيانًا إلى حزب الأحرار الدستوريين وجمعته الصداقة مع الكاتبين محمد حسين هيكل (الذي قدّم لبعض كتبه) وإبراهيم عبد القادر المازني واشترك معهما في تأليف كتاب سياسى بعنوان السياسة المصرية والانقلاب الدستورى (1931) وله كتب في التعريف بالمذاهب الاشتراكية منها كتابه المذاهب الاجتماعية الحديثة.

التحق عنان قبيل الحرب العالمية الثانية بالعمل بإدارة المطبوعات وظل فيها حتى صار وكيلًا لها ثم نقل إلى وزارة المعارف مراقبًا للثقافة العامة وقضى فيها خمسة عشر عامًا استقال بعدها ” نادمًا على فعلته تلك ساخطًا على بيئة الوظيفة الحكومية ناعيًا على أخلاقيات العمل فيها ” ، غير أن الوظيفة لم تشغله عن الكتابة في الأدب والتاريخ ولا حالت دون سفره إلى أوروبا لمواصلة بحوثه حيث سافر عنان إلى إسبانيا للمرة الأولى في صيف عام 1936 م ليدرس المراجع والمخطوطات العربية في مكتبات الإسكوريال ومدريد وغرناطة ويتجول في القواعد التي كانت مسرحًا للأحداث في طليطلة وقرطبة وإشبيلية وغرناطة ومالقة وبلنسية وغيرها ويدرس على الطبيعة معالم الوقائع والأحداث التاريخية الشهيرة وما تخلف في حياة الناس وأزيائهم وعاداتهم وتقاليدهم.

وكانت هذه بداية زيارات عديدة تجول فيها عنان في أرجاء إسبانيا ليرى كل شيء عن كثب ويتردد على دور المحفوظات ويحقق الأسماء ويعين مواقع القرى التي اندثرت أو أخذت أسماء أخرى وفي هذه الفترة بدأ يتعلم الإسبانية ليتفاهم مع محدثيه الإسبان دون مترجم وليستخدم الوثائق والمصادر الإسبانية مباشرة دون وسيط وبلغ مجموع رحلاته في إسبانيا والمغرب ست عشرة رحلة استعان فيها بالعديد من المصادر المخطوطة الإسبانية (ولا سيما مجموعة الإسكوريال ومجموعة أكاديمية التاريخ) والمجموعات المغربية في الرباط وفاس.

نهض عنان في أخريات حياته بمهمة فهرسة القسم التاريخي من الخزانة الملكية بالرباط بالاشتراك مع عبد العالي لمدبر ومحمد سعيد حنشي وبإشراف ومراجعة أحمد شوقي بنبين وقد صدر هذا القسم سنة 1980 م تحت عنوان (فهارس الخزانة الحسنية : فهرس قسم التاريخ والرحلات والإجازات) ، حاضر محمد عبد الله عنان في بعض المراكز العلمية بالخارج ومنها مدرسة الدراسات الشرقية في لندن وانتُخب عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة في عام 1976 م.

كما نشر عنان نحو ثلاثين كتابًا في مجالات مختلفة كان للتاريخ منها النصيب الأكبر وبالأخص تاريخ الأندلس ومنها كتاب (دولة الإسلام في الأندلس) وهو موسوعة ضخمة من أشهر كتب عنان تقع في سبعة أجزاء تضم أربعة آلاف صفحة وتغطي تاريخ دولة الإسلام في الأندلس منذ الفتح وحتى السقوط إلى جانب تمهيد بأحوالها قبل الفتح الإسلامي وخاتمة عن أحوال مسلمي الأندلس بعد سقوطها وجزء أخير عن الآثار الإسلامية الباقية في إسبانيا والبرتغال.

واستغرق إنجازها نحو 25 سنة وقام خلال هذه السنوات بالعديد من الرحلات إلى النواحي الأندلسية والمملكة المغربية اطلع فيها على المصادر المحفوظة في المكتبات الإسبانية والمغربية وزار مواقع الأحداث ،  صدر الكتاب الأول من هذه الموسوعة عام 1943 م (أي بعد سبع سنوات من رحلته الأولى إلى إسبانيا) وانتهى عام 1965 م من المجلد السابع منها وأعيد طبع الكتاب بأجزائه الثمانية عام 2001 م في سلسلة مكتبة الأسرة المصرية بالتعاون بين مكتبة الخانجي (ناشر معظم مؤلفات عنان) والهيئة المصرية العامة للكتاب ولا يزال دارسو التاريخ الأندلسي في الشرق والغرب يعتمدون على هذه الموسوعة ويثقون في المعلومات الواردة فيها.

ومن مؤلفاته الأخرى : تاريخ العرب في إسبانيا أو تاريخ الأندلس (مطبعة السعادة القاهرة 1924) .. مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام (تُرجم إلى الإنجليزية ونُشر في لاهور سنة 1941 تحت عنوان Decisive Moments in the History of  Islam ، كما تُرجم إلى الأوردية أيضًا) .. المآسي والصور الغوامض صور تاريخية بأسلوب قصصي أدبي (1944) .. مأساة مايرلنج دراسة تاريخية تحليلية مستقاة من الوثائق الإمبراطورية النمسوية (نشره بالإنجليزية سنة 1945 تحت عنوان The Tragedy of Meyerling) ثم نشره بالعربية عن دار المعارف سنة 1948م .. تراجم إسلامية شرقية وأندلسية (دار المعارف القاهرة 1947) ترجم فيه لثمانية عشر علمًا من أعلام التاريخ الإسلامي دون أن يتقيد بعصر أو دولة .. قضايا التاريخ والمحاكمات الكبرى ..

ابن خلدون حياته وتراثه الفكري : ألفه عنان في الذكرى الستمائة لمولد ابن خلدون وقسمه إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول عن حياة ابن خلدون وفيه ذكر للدول التي كان له بها علاقة والقسم الثاني وصف لما خلفه ابن خلدون من مؤلفات ولا سيما مؤلفه الأكبر ” المقدمة ” والقسم الثالث عرض لآراء الغربيين في ابن خلدون وأثره في مؤلفات أوروبا في العصور الوسطى وقد ذكر عنان في مقدمة كتابه أن دافعه إلى تأليف هذا الكتاب هو ” وفاء التلميذ لأستاذه ” وقد تُرجم هذا الكتاب إلى الإنجليزية (بعنوان Ibn Khaldun: His Life and Works) والأوردية ونُشر في لاهور .. لسان الدين بن الخطيب حياته وتراثه الفكري (القاهرة 1968) ..

تاريخ الجامع الأزهر .. تاريخ المؤامرات السياسية .. المذاهب الاجتماعية الحديثة .. تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة .. الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية .. مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية .. التجربة المغربية عرض لأوضاع المغرب قبل الاستقلال وتحليل لأسلوب معالجة مشاكله بعد التحرير .. فهارس الخزانة الحسنية فهرس قسم التاريخ والرحلات والإجازات (بالاشتراك مع عبد العالي لمدبر ومحمد سعيد حنشي واشراف ومراجعة أحمد شوقي بنبين) .. السياسة المصرية والانقلاب الدستوري (بالاشتراك مع محمد حسين هيكل وإبراهيم عبد القادر المازني) .. ثلثا قرن من الزمان (مذكرات محمد عبد الله عنان) صدر عام 1988 بعد وفاته.

ومن ترجماته : تاريخ أوروبا الحديث ترجمه عن الإنجليزية وأصدره وهو بعد طالب بمدرسة الحقوق (مطبعة السعادة القاهرة 1915) .. ترجمة كتاب تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين للمؤرخ الألماني يوسف أشباخ (نُشر الأصل الألماني سنة 1833 ونشر عنان ترجمته العربية سنة 1940) .. قصص اجتماعية ونماذج من أدب الغرب تأليف بول بورجيه .. فلسفة ابن خلدون الاجتماعية تحليل ونقد وهو أطروحة طه حسين للدكتوراه (ترجمها عنان عن الفرنسية ونشرها سنة 1925) ..

ومن تحقيقاته : ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب لسان الدين بن الخطيب تاريخ النشر 1400هـ / 1980م .. الإحاطة في أخبار غرناطة لسان الدين بن الخطيب تاريخ النشر 93 – 1397 هـ / 73 – 1977 م ، وقد نال عنان جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية (مصر 1977) ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى (مصر 1978) ووسام الكفاءة الفكرية من العاهل المغربي الحسن الثاني (المملكة المغربية 1981) واختير عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة (1976) ونادي القلم الدولي .. تزوج عنان سنة 1930 من فتاة نمساوية تُدعى يوهانا أسلمت بعد سبع سنوات وصار اسمها هناء وتوفي محمد عبد الله عنان في 20 يناير 1986 م.

وفي مقدمة موسوعته (دولة الإسلام في الأندلس) يشرح جهوده البحثية ونتاجه فيقول : ” تصدر اليوم الطبعة الرابعة من كتاب دولة الإسلام في الأندلس ، وقد أتيح لنا بعون الله وتوفيقه أن نكمل تاريخ الأندلس منذ بدايته إلى نهايته وأن تظهر عصوره الأربعة على النحو الآتي :

العصر الأول ويشمل تاريخ فتوح إفريقية والأندلس وعصر الولاة ثم تاريخ الدولة الأموية الأندلسية منذ قيامها في ظل الإمارة ثم قيام الخلافة الأموية وانحلالها على يد الدولة العامرية ، ثم انهيارها وسقوطها وبدء قيام دول الطوائف الأندلسية : ٢٢ – ٤٥٠ هـ (٦٤٣ – ١٠٥٨ م) وهذا العصر هو الذى نقدمه اليوم إلى القارئ في طبعته الجديدة.

العصر الثاني دول الطوائف ويشمل تاريخ الأندلس منذ قيام دول الطوائف الأندلسية في أوائل القرن الخامس الهجرى حتى سقوطها على يد المرابطين في أواخر هذا القرن : ٤٢٥ – ٥٠٢ هـ (١٠٣٣ – ١١٠٨ م).

العصر الثالث عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس ويشمل تاريخ هاتين الدولتين المغربيتين العظيمتين منذ بدايته حتى نهايته وتاريخ الأندلس الكبرى في ظلهما ثم انهيارها عقب انهيار سلطان الموحدين فى الأندلس في أوائل القرن السابع الهجرى : ٥٠٠ – ٦٦٨ هـ (١١٠٦ – ١٢٦٩ م).

العصر الرابع نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين ، ويشمل تاريخ مملكة غرناطة آخر دول الإسلام في الأندلس منذ قيامها حتى سقوطها ثم تاريخ الأمة الأندلسية المغلوبة تحت نير اسبانيا النصرانية بعد أن غدت طائفة الموريسكيين أو العرب المتنصرين وما نزل بها من محن التنصير المغصوب ومختلف ضروب الاضطهاد المفجعة حتى إخراجها نهائيا من الأراضي الإسبانية وذلك في بداية القرن السابع عشر الميلادي : ٦٣٥ – ١٠١٩ هـ (١٢٣٧ – ١٦١٠ م).

وقد أتيح لنا إلى جانب هذه العصور الأربعة من تاريخ الأندلس أن نصدر في نفس الوقت مؤلفا خاصا عن الآثار والنقوش الأندلسية الباقية في شبه الجزيرة الأندلسية، وذلك بعنوان (الآثار الأندلسية الباقية في اسبانيا والبرتغال) ، وتشغل هذه العصور الأربعة تسعة قرون من حياة الأمة الأندلسية زاخرة بالأحداث والعبر والمآسي المشجية لم نأل جهداً في سردها وتحليلها وإسنادها إلى مصادرها الوثيقة.

وقد أنفقت في كتابة هذه العصور الأربعة من تاريخ الأمة الأندلسية خمسة وعشرين عاماً قمت خلالها بست عشرة رحلة في اسبانيا والمغرب لم أدخر خلالها وسعاً في البحث والتنقيب وتقصى مختلف المصادر والوثائق ودراسة المخطوطات العربية والوثائق القشتالية في مختلف مواطنها.

ولقد كان لهذا التجوال المتكرر في ربوع الأندلس القديمة والزيارات المتعددة للقواعد الأندلسية الذاهبة ولاسيما القواعد الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية وبلنسية وشاطبة ومرسية وسرقسطة وطليطلة وبطليوس وماردة وأشبونة وباجة وغرناطة وألمرية ومالقة، وغيرها ، وهذه الدراسات المستفيضة لآثارها ونقوشها الأندلسية الباقية وهذه المشاهدات لطبائع الإقليم والبقاع والأوساط التي حلت فيها الأمة الأندلسية وعاشت عدة قرون ووضعت أسس حضارتها العظيمة ، كان لذلك كله في نفسي أعمق الآثار وقد أمدني بكثير من الحقائق والفكر الجديدة.

وأود أن أنوه هنا، بأنه فضلا عن استيعاب المصادر القشتالية واللاتينية القديمة والمصادر الغربية الحديثة إلى جانب المصادر العربية المختلفة العامة والخاصة قد أتيح لي أن أنتفع بكثير من المصادر المخطوطة الهامة مما عثرت عليه خلال بحوثي في المجموعات الإسبانية (ولاسيما مجموعة الإسكوريال ومجموعة أكاديمية التاريخ) والمجموعات المغربية في الرباط وفاس “.

38 / شخصية مصر

(شخصية مصر .. دراسة في عبقرية المكان) هو عنوان الكتاب  الموسوعي الذي كتبه العالم الدكتور جمال محمود صالح حمدان في قرية ناي بالقليوبية عام 1928 م وتوفي في منزله بالقاهرة إثر حادث غامض عام 1993 م ، وهو أكاديمي مرموق تخصص في الجغرافيا لذلك فإنه يجعل منها العامل الأساسي في شخصية مصر حيث كان الموقع الجغرافي عبر المراحل التاريخية  المختلفة هو الأكبر تأثيرا في العوامل السكانية والاقتصادية والعطاء الحضاري بحيث صارت مصر هي محصلة التاريخ والجغرافيا.

حصل على إجازة الآداب من جامعة القاهرة (فؤاد الأول) عام 1948 م. ثم أوفد في بعثة علمية إلى انجلترا عام 1949 م ، وفي عام 1953 م حصل على دكتوراه الفلسفة من جامعة ريدنج وكان موضوع الرسالة (سكان وسط الدلتا قديما وحديثا) ولم تترجم الرسالة إلى العربية ، ثم عمل بالجامعات في الفترة من 1953 م إلى 1963 م حيث تدرج في وظائف هيئة التدريس حتى درجة أستاذ للجغرافيا ، ثم قرر التفرغ للبحث العلمي بعد خلاف من المسئولين بالجامعة لحصول غيره على ترقية كان هو الأحق بها وكان آنذاك في الخامسة والثلاثين من عمره.

وهو عضو في كل من الجمعية الجغرافية المصرية وجمعية نيويورك الجغرافية وعضو اللجنتين الأصلية والفرعية للمواد الاجتماعية في وزارة التربية والتعليم بمصر ، وفي عام 1958 م نال جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية وفي عام 1959 م حصل على جائزة الدولة التشجيعية ، وفي عام 1967 م أصدر أول جزء من كتابه شخصية مصر ثم بدأ في تنقيحه منذ عام 1981 م ولمدة عشر سنوات ، وقد منح وسام العلوم من الطبقة الأولى عن الكتاب عام 1988 م كما حصل على جائزة معرض الكتاب العربي.

طبل منه الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل إبان توليه رئاسة تحرير الأهرام أن يكتب للجريدة ولكنه لم يكتب غير مقال واحد وذلك لأن هيكل حذف جملة مما كتبه دون الرجوع إليه وقاطع أحمد بهاء الدين لأنه طالب في عموده بالأهرام بمعاش استثنائي له ، وكتب مقالات قبل شهور من هزيمة يونيو 1967 م تستهين بقوة إسرائيل وتصور الكيفية التي بها يتحقق انتصار مصر والعرب عليها ، وقد عاش في عزلة تامة متفرغا للبحث والتأليف ولم يكن يستقبل أحدا في منزله غير شقيقته التي كانت تزوره أسبوعيا.

وبعد انتصار اكتوبر 1973 م ألف كتابه (6 أكتوبر في الاستراتجية العالمية) متوقعا أن تصبح مصر قوة رئيسية في العالم ولكن بعد اتفاقية كامب ديفيد تغير رأيه في السادات وصار سلبيا كما زادت حدة عزلته ، وكانت حاجاته اليومية يؤمنها له عامل بالجراج وكان التخاطب بينهما يتم بأسلوب اتفقا عليه سواء بالطرق على الباب أو التصفيق باليد ولم يتغير هذا الأسلوب طوال ربع قرن ، واقتصر اتصاله بالعالم الخارجي عن طريق الصحف والراديو وكتب في الجغرافيا والعلوم الاجتماعية أكثر من ثلاثين كتابا لكن أشهرها (شخصية مصر).

وقد جاء الكتاب في أربعة أجزاء تناول أولها شخصية مصر الطبيعية والذي يتناول وصف وادي النيل والدلتا والصحاري وسيناء من الناحية الجيولوجية والجغرافية والطبوغرافية ليكون محصلة ذلك ما أطلق عليه حمدان وصف (وجه مصر) ، أما الجزء الثاني فيتناول شخصية مصر البشرية حيث العامل الأهم فيه هو التجانس في كل الجوانب (الطبيعي ـ المادي ـ العمراني ـ الحضاري ـ البشري) وهو الذي أدى إلى الوحدة السياسية التي كانت ثابتة رغم موجات الصعود والهبوط الحضاري عبر التاريخ وصنع منها شخصيتها السياسية المتفردة ودورها الاستيراتيجي في العالم.

وفي الجزء الثالث يتناول المؤلف شخصية مصر التكاملية والتي هي حاصل التفاعل بين الإنسان والطبيعة وتترجم عمليا إلى نشاط اقتصادي خاصة في الزراعة والصناعة والتعدين وترسم (خريطة مصر الاقتصادية) ، وفي الجزء الرابع يتناول شخصية مصر الحضارية التي تشمل خريطة المجتمع المصري من الناحية السكانية وعلاقة مصر بالعالم من حولها حيث تقع في ملتقى قارات العالم القديم وما ترتب على ذلك من علاقة وطيدة مع كل آسيا وأفريقيا وأوروبا وفي النهاية يتناول المؤلف موقع مصر بالنسبة للعرب وعلاقة الوطنية المصرية بالقومية العربية.

وقد جاءت عبقرية الكاتب في الوصف الدقيق الذي لم يكتف به وإنما جعله خطوة على طريق تقديم الحلول المختلفة لمشكلات مصر المزمنة مثل الزيادة السكانية وتآكل الرقعة الزراعية وتكدس العاصمة وضعف البنية التحتية بحيث يعطي (روشتة) متكاملة لأي حكومة تريد عمل نهضة حقيقة مبنية على حقائق ومعلومات لكن الأهم على الإطلاق في هذا البحث الجبار كان  الإجابة الواضحة على السؤال الأزلي المتعلق بهوية مصر والتي أمسك الجغرافي العبقري بخيوطها بين يديه ورسم معالمها الأساسية في ثنايا الأفكار وبين سطور الكتاب.

وقد أفنى جمال حمدان عمره في البحث والدراسة لخدمة بلاده في المقام الأول واعتزل الحياة متفرغا للعلم يعيش حياة الرهبان ويعمل في صمت بعيدا عن أجواء الشهرة وبريق المال حتى وافته المنية في شقته المتواضعة وذلك في أوائل التسعينات بعد أن أثرى المكتبة المصرية بقدر كبير من المؤلفات والأبحاث التي تضعه في مصاف العباقرة الكبار ، رحمه الله وأجزل له المثوبة والعطاء.

ولا أخفي استمتاعي الشخصي وأنا أعيد قراءة الكتاب المرة تلو المرة لأن موضوعاته تصادف هوى في نفسي إذ يتحدث بالتفصيل عن البلاد التي أعيش على أرضها وأنتمي إلى شعبها كما أن المؤلف كتب موضوعاته وهو في قمة نضجه العلمي أي بعد دراسات وافية لسنوات طوال ولم يصدر الكتاب كاملا إلا في نهاية الثمانينات أي بعد أن انتهت المراحل التاريخية ودخلنا في الزمن المعاصر (من وجهة نظري) لذلك جاءت توصيفاته مشتملة على نتائج كل التجارب الماضية في التاريخ المصري خلال كل من العصر الفرعوني القديم والعصر الإسلامي الوسيط والعصر الخديوي الحديث والعصر الجمهوري تحت حكم الزعامات التاريخية عبد الناصر والسادات ، لذلك يأتي الكتاب وكأنه دليل عملي لفهم طبيعة الشخصية المصرية في الزمن الحاضر والعوامل التي أثرت عليها سواء كانت جغرافية أو تاريخية مما يشكل أول مفتاح لاستيعاب معنى الهوية المصرية وخصائصها المتعددة ، ولا يمكن ولوج هذا الأمر والإحاطة بجوانبه إلإ بالمرور عبر باب الجغرافيا لأن مستقر الإنسان ومقامه هو العامل الأول المؤثر في صياغة شخصيته بل وأخلاقه ومزاجه العام وطريقة معيشته ونمط تفكيره.

ويرى حمدان أنه قد اجتمعت الجغرافيا والتاريخ معا لصناعة الانتماء الحالي للعروبة والإسلام  لكن هذا الانتماء لا يلغي الخصوصية المصرية التي تمنحها شخصيتها المستقلة وتعطيها ميزة هامة أطلق عليها جمال حمدان مصطلح (الوحدة السيكولوجية) والتي نتجت عن أحادية البيئة المصرية حيث يقول : ” الدولة المؤلفة من إقليم طبيعي واحد قد تفتقر أحيانا إلى تنوع الموارد الاقتصادية والخامات والإنتاج أما الدولة متعددة الأقاليم الطبيعية فتتمتع ولا شك بهذا التنوع ولكنها قد تخسر أحيانا وحدة السكان وتجانسهم على الأقل في أنماط الحياة الاقتصادية واليومية ومن ثم في طرق الحياة والتقاليد والعادات والنظرة العامة .. وإذا كانت مصر الأحادية قد افتقدت بالفعل بعض السلع وخامات الإنتاج سواء معدنية أو زراعية وكان الأساس الطبيعي للدولة أحاديا بصفة عامة فإنها قد كسبت عبر التاريخ مصر الموحدة نفسيا وقوميا وشعبيا وكان هذا من الناحية السياسية مادة لاحمة من الدرجة الأولى “.

ومن ناحية التأثير السياسي والأهمية الاستيراتيجية يرى حمدان كانت مصر دائما مركز دائرة (قلت أو كبرت ضاقت أو اتسعت) وامتلكت دورا قياديا حتى وقت أن كانت مستعمرة وذلك بسبب اجتماع كل من الموقع الجغرافي الممتاز والموضع الطبيعي المثالي وهو ما يعني التقاء الحيز المكاني بالقدرات الطبيعية والبشرية التي تتمكن من التفاعل معه لتصنع (عبقرية المكان) ، لو كانت مصر في موقعها لكن من دون مقومات النهضة لصارت أشبه بواحة صغيرة معزولة أو جزيرة منفصلة يتحتم تبعيتها للكتل الحضارية الأقوى ولو كانت بذات الحجم والمكانة لكن في موقع طرفي أو هامشي من العالم لكانت بعيدة عن التأثير الحضاري والدور القيادي وفي ذلك يقول :

” والحقيقة أن كيان مصر ومصيرها وظيفة مباشرة للعلاقة المتغيرة بين قيمتها كموقع وقوتها كموضع .. موقع خطير يتطلب لتحقيقه وضمانه موضعا غنيا كفئا فإذا ما اجتمعا طفرت مصر كقوة إقليمية كبرى أما إذا قصر الثاني عن الأول وقصر دون متطلباته وقعت مصر فريسة إقليمية وضحية بمعنى آخر إن مكانتنا هي محصلة مكاننا وإمكانياتنا على حد سواء وبصيغة رياضية إن معادلة القوة في مصر هي : القوة = الموقع X  الموضع .. ذلك مفتاح الماضي كما هو دليل المستقبل ومن الممكن أن نتتبع في تاريخ مصر ذبذبات العالقة بين الموضع والموقع لنرى متى وأين اجتمع الحد الأقصى أو الحد الأدنى من الاثنين معا أو من أي منهما على انفراد ومن المحقق أننا سنجدها تتفق إلى حد مثير مع مصيرها ووضعها السياسي “.

من أجل ذلك كان على الدولة المصرية عبر تاريخها الطويل أن تكون في توازن دائم بين الهجوم والدفاع فلم تكن دولة استعمارية تبني اقتصادها على غزو جيرانها ولا هي أيضا دولة منكمشة بعيدة عن مواجهة الأخطار الخارجية ، ولما كانت الجبهة الشرقية هي أهم بؤرة مهددة للبلاد في تاريخها الحديث فقد صاغ حمدان نظرية الأمن الجيوستيراتيجي قائلا : ” من يسيطر على فلسطين يهدد خط دفاع سيناء الأول ، من يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط يتحكم في سيناء ، من يسيطر على سيناء يتحكم في خط دفاع مصر الأخير ، من يسيطر على خط دفاع مصر الأخير يهدد الوادي “.

وتتبدى عبقرية جمال حمدان الحقيقية في اكتشافه جوهر الشخصية المصرية المتمثل في صفة الاعتدال وذلك كنتيجة طبيعية لصفة التوسط التي تملكها مصر بسبب الموقع الجغرافي وتعدد المكونات الحضارية فيقول : ” التوسط دراسة في عبقرية المكان والاعتدال دراسة في عبقرية الإنسان ” حيث جعلها محور الارتكاز بين الخصائص الخمس المميزة للشخصية المصرية وهي : التدين ، المحافظة ، الاعتدال ، الواقعية ، السلبية والتي فصل فيها بالقول :

” فأما التدين إذا بدأنا تفصيل ما أجملنا فسمة مصرية أصيلة وقديمة قدم الأديان بل سابقة هي للأديان ولعلها هي التي منحت المصري قوة داخلية ومقاومة خارجية وصلابة غير عادية ضد الكثير من الأخطار والمحن والمآسي التي تعرض لها عبر التاريخ سياسية كانت أو اجتماعية خارجية أو داخلية من استعمار الغزاة أو قهر الطغاة غير أن هذه الخاصية ـ يخشى البعض ـ كانت أيضا مهربا إلى حد ما من الصدام مع تلك الأخطار والتحديات ومن ثم قد في النهاية تفضي بنا إلى خاصية السلبية أو تؤكد تشخيصها ، ومهما يكن فإن التدين والنزوع الديني إذا جاز أن يرد في دوافعه إلى الزراعة وطبيعة الحياة الزراعية على الأقل جزئيا فلعله أن يكون بدوره دافعا جزئيا مثلها وبجانبها إلى الصبر والدأب والجلد والتحمل وهي الصفات التي تبدو عريقة القدم والجذور في التاريخ المصري ويكاد يجمع الكل بلا تردد على التصاقها الشديد بالإنسان المصري عامة والفلاح المصري خاصة.

أما المحافظة بل والمحافظة الشديدة كما يشدد العقاد فتعني أن المصري مقيم على القديم والتراث والتقاليد والموروثات ولا يقبل على الجديد بسهولة وهذا يعني بدوره أنه تقليدي مقلد غير ثوري غير مجدد بل إنه ـ عند العقاد أيضا ـ إذا ثار على الإطلاق فإنما ليحافظ على القديم والموروث أي أنه ـ للغرابة والدهشة وبصيغة نقيض النقيض ـ ثوري من أجل المحافظة ، ومن المحافظة وعدم الثورية على أية حال خطوة قصيرة ومنطقية إلى الاستقرار فالاستقرار نتيجة المحافظة ولكنه بالمقابل يعود فيدعمها ومن هذه الحلقة المفرغة أو اللولب الصاعد يتحقق الاستمرار إلى أبعد حد وينتفي التغيير إلى حد بعيد وهكذا تنتهي الدائرة مرة أخرى لتعود بنا حيث بدأنا بالمحافظة على القديم وعدم التجديد .. إلخ.

وإذا كان ثمة مصل مضاد نوعا لهذه المحافظة المستمرة أو الاستمرارية في المحافظة فهو الاعتدال وإن كان هذا نفسه غير بعيد عن المحافظة إن لم يكن حقا امتدادا مباشرا لها فالاعتدال المغروس المركوز في طبيعة المصري أيا كان أصله فيبتعد به عن التطرف الشديد يمينا ويسارا ، يبتعد به ضمنا وديالكتيكيا ولحسن الحظ عن التطرف في المحافظة بذلك يوفر له هامشا معقولا من المرونة والتلاؤم والتغير والحيوية التي تضمن له على أقل تقدير القدرة على التطور البطىء التطور خطوة خطوة وبالجرعات الصغيرة وبالتالي تضمن له البقاء الطويل على المدى البعيد ، وأخيرا بحكم الاعتدال كان المصري العادي أو المتوسط أميل في الغالب إلى الوداعة والهدوء والدماثة والبشاشة وإلى الشخصية الاجتماعية الودود السلسة المنطلقة غير المنغلقة أو المعقدة كما كان أجنح إلى التعاون منه إلى التنافس وفي الوقت نفسه أبعد شيء عن العنف والقسوة والدموية والمزاج الحمراوي الدموي.

ومن الاعتدال بعد هذا نقلة لا شك قصيرة ومباشرة إلى الواقعية فالإنسان المصري رجل عملي علمته البيئة والتجربة أي الجغرافيا والتاريخ احترام الواقع والالتصاق به وعدم الانفصال عنه أو التناقض معه فهو إلا في القليل النادر لا يهرب من الواقع سواء بالتدين المفرط (الدروشة) أو بأحلام اليقظة والتمني المجنحة (الغيبيات) أكثر كثيرا مما يتصادم معه ويتحداه وهو من ثم مطيع بالضرورة أكثر مما هو متمرد الطبع فإذا ما عجز عن تغيير الواقع فإنه في العادة أو في النهاية يخضع له ويرضخ للأمر الواقع إلا أنه حينئذ قد يسخر منه للتعويض والتنفيس ، من هنا تأتي شهرته الداوية في السخرية التعويضية  ، والتعويض بالتعريض بالواقع دون التعرض له وهو بدوره التناقض الخفيف الذي أفضى به في نظر البعض إلى الشخصية الفهلوية التي تعوض عن عجزها العملي بالتذاكي المفرط واصطناع اللامبالاة أو ادعاء الحلم والتخفي وراء العقل والتعقل.

والنموذج المثالي أو التقليدي في ذلك هو علاقة الفلاح المصري بالسلطة والحكومة فهو يكرهها ويخشاها منذ قال الجبرتي : والمصري يكره الحكام في كل صورة حتى أدناها ، إلى أن حدد العقاد علاقته بالحكومة كعلاقة عداوة مريبة لكنه مع ذلك يقبل بها بل وقد يتملقها إلا أنه حتما يسخر منها ويتندر بها سرا أوعلنا ، ولقد يعود بنا هذا السلوك أو التصرف الواقعي إلى صفة الاعتدال كنوع من الإفراط في العقل إلا أنه أدعى وأفضى إلى السلبية كالمنتج النهائي لكل الخصائص السابقة وكالحلقة الأخيرة في سلسلتها المترابطة المتداعية.

فالمحصلة النهائية لتلك المتوالية التنازلية من التدين إلى المحافظة إلى الاعتدال إلى الواقعية إنما هي منطقيا شخصية سلبية نوعا أكثر منها إيجابية جدا ، فهو ـ المصري العادي ـ في الأعم الأغلب وفي أغلب الآراء يتجنب الصدام ويتحاشاه لا سيما في المواقف العدائية وبالتالي يؤثر السلامة على المواجهة والسلام على الصراع وفي النهاية السلم على الحرب ومن هنا إلى جانب رد فعله السلبي الساكت إزاء القهر الحاكم أو الطغيان الحكومي جاءت التهمة الموجهة إليه منذ أقدم العصور إلى اليوم ابتداءا من الإغريق حتى العدو الإسرائيلي بأنه شعب غير محارب صحت هذه التهمة أو لم تصح “.   

ويرى حمدان أن الإفراط في روح التسامح والتساهل لدى المجتمع هي المسئولة عن أخطر عيوب مصر وهي أنها تسمح للرجل العادي المتوسط أو (الرجل الصغير) بأكثر مما ينبغي وتفسح له مكانا أكبر مما يستحق الأمر الذي يؤدي ـ خاصة على مستوى النظام الحاكم حيث تحكم التفاهة حينئذ وتسود ـ يؤدي إلى الركود والتخلف والعجز والفشل والإحباط وعلى العكس تضيق أشد الضيق بالرجل الممتاز إذ لا مكان له  في توسطها ووسطيتها وأفضل مكان له خارجها ويقول في ذلك : ” فشرط النجاح والبقاء في مصر أن تكون اتباعيا لا ابتداعيا تابعا لا رائدا محافظا لا ثوريا تقليديا لا مخالفا ومواليا لا معارضا ولذلك فإن مصر ليست ولا يمكن أن تكون ثورية حقا “.

ورغم قسوة جمال حمدان في تشريحه لصفات المصريين الخلقية وإبراز الجوانب السلبية المتراكمة في المجتمع إلا أنه في تحليله لمفهوم (شخصية مصر الاجتماعية) وعلاقتها بالسياسة والاقتصاد والثقافة يخالف القناعات الموروثة أو الآراء سابقة التجهيز حيث إنه يرفض تماما الربط بين الطغيان السياسي والشخصية المصرية ويرى في ذلك تجنيا متعمدا وظلما بالغا إذ يرى أن الطغيان أثر بالسلب في شخصية المصريين وليست شخصية المصريين هي من صنعت الطغيان ويفصل ذلك بالقول :

” ما عرفته مصر في أغلب تاريخها من الطغيان والأوتوقراطية الضارية إنما كان للأسف روح العصر وليس لحسن الحظ روح المكان وهو إذا كان قد طال في مصر بعد أن كان قد صفي في أوروبا مثلا لعدة قرون فذلك بفعل الاستعمار الدخيل الآتي من أوروبا نفسها  ، وها هنا تبرز متناقضة غريبة : تاريخيا وكأمر واقع أصيبت مصر طويلا بالطغيان الأوتوقراطي الجاهل الذي ضاعف منه الاستعمار ألأجنبي الغاشم في حين أننا رأينا أن مصر كبيئة فيضية إنما مؤهلة بطبعها للاشتراكية التعاونية الرشيدة الخالية من الاستغلال والابتزاز فكيف ؟ .. إن الطغيان ومركبه هنا حقيقة بالفعل لا بالقوة وهذا بالدقة مفتاح الحقيقة العلمية .. إنه حقيقة بالتاريخ لا بالجغرافيا وظاهرة تراثية لا وراثية أي موقوتة مهما طالت ، هو إذن لا يعبر عن أي طبيعة كامنة في مصر كبيئة أو كشعب ولا يمثل انبثاقة طبيعية من المكان وإنما انحرافة سياسية عبر الزمان ، وفي النهاية لا يعبر عن شخصية مصر الاجتماعية الكامنة الأصيلة قط وإنما شخصية مصر الحقيقية طلقة حرة من الانحراف أو الضغط ..

هي بيئة ومجتمع المشاركة الجماعية والجهد المشترك في ظل التعاون والتماسك والتضامن (الاشتراكية الرشيدة باختصار) وليس أدل على هذا من أن انحرافة الطغيان حين قومها الشعب بالعنف والثورة أعطت مكانها تلقائيا  لصورة أو أخرى من النظام الاشتراكي مثلما حدث في الدولة الوسطى بعد  ثورة إيبوير وكما حدث في يوليو جزئيا .. كذلك فإذا كان لكبت الطغيان واضطهاده من آثار نفسية أو خلقية فقد كانت فردية سطحية عابرة ولم تمس جوهر الشخصية الصلبة المتحدية ولا حرفت الطابع القومي الصحي في قليل أو كثير ، فما كانت طبيعة أولى في الدم والعرق بداهة ولا طبيعة ثانية مكتسبة من البيئة كما رأينا ولا حتى طبيعة ثالثة مبتسرة من فرض وفرط الضغط والقسر والقهر كما نصر .. إن مصر ليست أرض الطغيان كما زعم البعض وإن كان هذا قد طغى على أجزاء من تاريخها بعض أو كل الوقت ، وليست دماثة الفلاح وصبره وداعة واستكانة وخنوعا كما أن نظامه وطاعته ليسا خوفا وطمعا وإنما هي جميعا خامة الحضارة والتقدم نشأها النيل ولكن شوهها الاستبداد ولقد بقي النيل ولسوف يزول الاستبداد “.

ويذهب حمدان إلى أنه إذا كانت مصر دفعت ثمنا فادحا من حرية المجتمع لصالح الحاكم فإن ذلك كان بدافع الوحدة السياسية وإقرار النظام أي أنه تنازل مبني على مصلحة وفائدة وليس بدافع الذل والعبودية لكن في نفس الوقت كانت آثار الاستبداد شديدة السلبية حيث ينتقي كل حاكم أعوانه ممن هم على شاكلته يحشدهم حوله وفي هذا يقول :

”  فعصر الرجل القوي أو الفرعونية الكبيرة مثلا هو عصر التهريج والأدعياء والمتجبرين عادة وعصر الرجل الصغير أو الفرعونية الصغيرة هو عصر التفاهة والأوساط والمتكبرين غالبا .. وفي جميع الحالات فإن هذه الانتخابية تشجع العناصر الرخوة الهلامية الهشة الانتهازية الوصولية واللا فقاريات أخلاقيا وتشيع بذلك مناخ النفاق والتزلف والتملق وتنمي روح الانحناء والخنوع والاستكانة وبالتالي تتكاثر وتفرخ الأذناب والزواحف والمتسلقات والهوام والإمعات وسائر الكائنات الدنيئة الذيلية القميئة في المجتمع وعلى العكس تحارب العناصر الصلبة الأبية المستعصية التي تتمسك بالكرامة والعزة فتضاد حتى تباد أو تنقرض وتتوارى بالتدريج فشال وانهزاما “.

ويرى أن هذا الأمر يؤدي إلى النجاح الاجتماعي للفاشلين أخلاقيا ويتوارى خيرة أبناء الأمة عن حكم البلاد فتضعف الشخصية القومية على المدى الطويل وتجنح للسلبية والصمت والتوجس أو اليأس من الحياة أو التعويض باللجوء للدين أو المقاومة بروح السخرية المريرة .. ويستطرد قائلا : ” إن الفلاح المصري إنسان يخشى السلطة ويدين لها بالطاعة وهو يعشق الاستقرار ويكره العنف ثم هو طويل البال لا يفكر في الثورة ولا يسعى إليها ولكنه يتمرد حينما تضيق به السبل ولا يبقى في قوس الصبر منزع فلا غرابة إذن أن الفلاح كان وما زال يتوجس من الحكومة ويرهبها ويستريب في كل عملها وأعمالها وال يثق فيها قط.

ويحاول حمدان في النهاية أن يضع خارطة طريق للمستقبل فيقول : ” السبق الحضاري والسياسي إن كان ميزة المجتمع المصري على غيره نتيجة البيئة المشجعة والوفرة والغنى فإن عيوب المجتمع المصري بالنسبة إلى غيره هي بكل بساطة أيضا عيوب وأمراض الحضارة كما أن هذه العيوب والأمراض تتناسب مباشرة مع طول المدى الحضاري وذلك نتيجة الخوف من المغامرة والمخاطرة بفقدان تلك المكاسب الابتدائية المكتسبة والحرص المفرط على المحافظة السلبية عليها بالتضحية أحيانا بالعزة والكرامة أو الحرية والإيجابية ..

غير أن النتيجة النهائية لهذا الانحسار المستمر المساوم أبدا وصفقات التراجع إلى ما لا نهاية هي أننا سنصل يوما ما إلى نقطة الانكسار بعد الالتواء وبدل المرونة سيحدث التصادم ومحل المهدئات ستحل الجراحة أي سنصل إلى نقطة اللاعودة وعندئذ سيفرض الحل الجذري الراديكالي نفسه فرضا ولكن بعد أن يكون المستوى العام قد تدنى إلى الحضيض والكيف قد تدهور إلى مجرد كم والمجد إلى محض تاريخ وذلك هو الثمن الفادح للاعتدال .. من هنا فإن ما تحتاجه مصر أساسا إنما هو ثورة نفسية بمعنى ثورة على نفسها أولا وعلى نفسيتها ثانيا تذكر الآية المباشرة : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، مطلوب يعني تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها فهذا ال يسبق ذلك ولكنه يترتب عليه ثورة في الشخصية المصرية وعلى الشخصية المصرية ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر وكيان مصر ومستقبل مصر “.

ويرى أن أكبر كوارث مصر هي فن النظم الاستبدادية التي تسير بلا خطة واضحة وتجمع بين المتناقضات فيقول : ” حسنا واقع الأمر في مصر المعاصرة بسيميائية إيديولوجية غريبة ونادرة المثال جمعت بين طرفي نقيض في متناقضة فذة أخرى من متناقضاتها العديدة : فوضى الحرية الاقتصادية والليبرالية الرأسمالية الطبقية وقهر الطغيان السياسي الشرقي الاشتراكي .. الحرية الاقتصادية المطلقة واللا حرية السياسية على الإطلاق .. وعن هذا يعبر البعض ربما بقوة أكثر منه بالتقريب بأن مصر حكومة بلا شعب سياسيا وشعب بال حكومة اقتصاديا .. نحن إذن دولة شمولية سياسيا برجوازية اقتصاديا دولة اشتراكية بالاستبداد والدكتاتورية ورأسمالية بالطبقية والاستغلال “.

ويقوم بتوصيف الوضع الاقتصادي المستقبلي قائلا : ” أول وأشمل مثلما هو أبسط وأبرز أعراض هذه الأزمة هو الانفجار الاستهلاكي فهو يعني أن أعباءنا تزيد كثيرا عن مواردنا وأننا نعيش خارج حدود دخلنا ننفق أكثر مما نملك ونستهلك أكثر مما ننتج وبالتالي إننا نعيش الآن بالكاد (من اليد إلى الفم) بل ربما على رأسمالنا كدخل وهذا ما يكمن خلف جميع مشكلاتنا الاقتصادية الأخرى من عجز في الميزانية وفي ميزان المدفوعات والميزان التجاري ثم ما يترتب على ذلك من استدانة فتضخم فغلاء فانخفاض في مستوى الدخل والمعيشة إلى آخر الدائرة المفرغة المعهودة “.

كما ينذر حمدان بتأثير الأزمات الاقتصادية الخانقة على شخصية المصريين تحت عنوان (وصمة الشخصية) فيقول : ” وفي الأثناء فإن الثمن الذي يدفعه الإنسان المصري لا يقل فداحة عما يدفعه الاقتصاد المصري والإساءة إلى الشخصية المصرية لا تقل عنها إلى شخصية مصر أي أن الإهانة والهوان المنتظم موجه إلى كلا المواطن والوطن على السواء .. فعلى الجانب الاقتصادي المادي لا حصر للخسائر اليومية الجارية من وقت وجهد ومال   أما عن المواطن العادي المتوسط فقد انحطت طموحاته وتطلعاته الحياتية والخدمية واتضعت حتى باتت مثله العليا في الحياة اليومية مثلا دنيا كما تعرضت شخصيته للتشويه نتيجة الضغوط والانحرافات الأخلاقية التي تفرض عليه في التعامل والتعايش مع الآخرين .. الاختلاس ، الرشوة ، الفساد ، المحسوبية ، الواسطة .. إلخ “.

ويستطرد قائلا : ” وإذا كانت مصر الآن قد أصبحت قطعة من أوروبا في الأسعار وإن تكن أبعد شيء عن أن تعد قطعة من أوروبا في الإنتاج والدخل ومستوى المعيشة ومن هذا الفارق جاء التخلف الحضاري والأزمة الاقتصادية فإن الحل هو ذلك بالضبط : أن تصبح قطعة من أوروبا في الإنتاج والدخل ومستوى المعيشة .. لا حل لأزمة مصر الاقتصادية يعني إلا بأن تتحول إلى (دولة أوروبية) لا بمفهوم الخديوي إسماعيل ولا بمفهوم أتاتورك ولكن بمعنى الحضارة والعلم والتكنولوجيا والإنتاج والدخل ومستوى المعيشة .. وفي هذا كله تبدو بوضوح أهمية دور (الدولة الفائقة) فالاقتصاد الآن أصبح سياسة والسياسة أصبحت صناعة الخبز ومن ثم فلئن صح أن الأزمة الاقتصادية عندنا أخطر من أن تترك للاقتصاديين فإن من الصحيح كذلك أنها ليست أزمة اقتصادية صرفا إذ أن نصفها على الأقل أزمة سياسة أولا وأزمة أخلاق ثانيا ..

وحول فضية الهوية وعلاقة مصر التاريخية بالوطن العربي يتحدث حمدان قائلا : ” ثمة عدة حقائق فإذا بدأنا من البداية فإن أول ما يجبهنا هو أن الفرشة الجنسية الأساسية التي كانت تغطي نطاق الصحاري في العالم القديم من المحيط إلى الخليج كانت تنتمي إلى أصل واحد متوسطي وفي العصر المطير حين كانت الصحراء سافانا يسودها صيد العصر الحجري القديم كانت كثافة السكان مخلخلة ولكنها غطائية  عالمية عميمة بصفة عامة وفي هذا الإطار كانت الحركة والهجرة والترحل ظاهرة دائمة ومن ثم كان الاختالط الجنسي أساسيا ولا محل لعزلة أو نقاوة ما.

وكل اذي حدث بعد ذلك مع عصر الجفاف أن تجمعت كل مجموعة من هؤلاء السكان في رقعة محدودة وبذلك تحول الغطاء العالمي إلى الأرخبيل الجزري الذي نعرف الآن ، ومعنى هذا أنه حدث (تقطع) في الغطاء القديم المتجانس جنسيا إلى عدة رقع متباعدة جغرافيا ولكنها تظل متجانسة جنسيا وهذا بالدقة مفتاح أنثروبولوجية عالمنا العربي ، فشعوب المنطقة ـ قبل العرب والإسلام ـ هم أساسا وأصال أقارب انفصلوا جغرافيا ابتداءا من العراق إلى الشام إلى الجزيرة العربية ومن مصر إلى المغرب أو السودان ، والتوطن المحلي والمؤثرات الدخيلة الموضعية والتزاوج الداخلي الذي حدث بعد ذلك لا يمكن أن ينتج أكثر من ابتعادات محلية ضئيلة لا تغير من وحدة الأصل الدموي وتجانس العرق في كثير “.    

وحول اللحاق بركب الحضارة الحديثة يقول : ” أمام مصر الآن باختصار خياران ال ثالث لهما : الانحدار التاريخي أو الثورة التاريخية ، فإما أن تغير حياتها ونظمها وتثور على نفسها ثورة نفسية وعملية وإما فإن أمامها 100 سنة أخرى على الأقل من الانحدار التاريخي المتسارع تتخبط فيه وتترنح ما بين الانقلاب والانقلاب المضاد .. آفة مصر وجريرة الشخصية المصرية هي الاعتدال المفرط وفرط المحافظة التي تفضل الحلول الوسطى ومساوماتها الجزئية على الحلول الجذرية والتطور على الطفرة والإصالح على الثورة .. مطلوب إذن يعني حدث عظيم وأعظم في الوجود المصري لا يرج مصر وحدها ويخرجها من مأزقها التاريخي الوجودي ودوامة الصغار والهوان والأزمات التراكمية المعيبة التي فرضت عليها ولكن أيضا ترج الدنيا كلها من حولها لتفرض عليها احترامها وتقديرها من جديد والاعتراف بها شعبا أبيا كريما عزيزا إلى الأبد “.

39 / موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

شهد النصف الأول من القرن العشرين قيام الدول الغربية بعمل (طبخة رديئة) في مطبخها السياسي وهو المشروع الاستعماري الصهيوني الذي نشأت فيه إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية في تكرار لتجربة الإمارات الصليبية التي فعلت نفس الشيء منذ قرون وباءت بالفشل وانتهى أمرها إلى زوال ، وظلت الدوائر العالمية تسعى باستماتة حتى نقبل طوعا أو كرها بازدراد هذه الطبخة وهضمها والقبول بها وفق أعذار شتى ومبررات لا حصر لها وهو ما ترفضه الإرادة الحرة وتأباه الوطنية الصادقة. 

وسوف يظل الصراع العربي الإسرائيلي هو لب الكوارث في المنطقة حتى تنقضي هذه المرحلة التاريخية وتتغير موازين القوى وتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي ويرجع الحق إلى أصحابه وحتى يحدث ذلك فلا بد من فهم أبعاد هذا الصراع ومعرفة العدو حق المعرفة ، ولا شك أن أهم كتاب تناول بالتفصيل تاريخ الجماعات اليهودية وتأثيرات الحركة الصهيونية هو (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية) التي صنفها العالم والأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الوهاب محمد المسيري صاحب المؤلفات الغزيرة في الفكر والعلوم الاجتماعية.

ولد في دمنهور بالبحيرة عام 1938 م وتوفي في القاهرة عام 2008 م ، تخرج من قسم اللغة الإنجليزية كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1959 م وعين معيداً فيها ثم سافر إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك عام 1964 م وعلى الدكتوراه من جامعة رتجرز بنيوجيرزي عام 1969 م ، وهو من أبرز المفكرين الذين تناولوا الحداثة الغربية بالنقد والتحليل ودرسوا تأثيراتها المختلفة في المجالات السياسية والاجتماعية.

وقد عايش أثناء دراسته طبائع المجتمع الأمريكي وثقافته التي تقوم على المادية الطاغية وصاغ لنفسه فلسفة خاصة محورها فكرة (المجتمع التراحمي) الذي تقوم علاقاته على التراحم والتعاطف بين أفراده في مقابل المجتمع التعاقدي الذي تقوم العلاقات فيه على أساس تعاقدي ومصلحي ، وصك مصطلح العلمانية الشاملة لوصف المجتمع العلماني بعد التطورات التي حصلت فهي ايديولوجية كاسحة لا يوجد فيها مجال للإنسان أو للقيم ولا يمكنها التصالح مع الدين أو القيم الثابتة أو الإنسان وتحاول أن تختزل حياة الإنسان في البعد المادي فحسب.

قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود كما عمل أستاذا زائرا في أكاديمية ناصر العسكرية والجامعة الإسلامية العالمية (ماليزيا) وعضو مجلس الخبراء في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومستشارا ثقافيا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك وعضو مجلس الأمناء في جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية ببليسبرغ بولاية فرجينيا في الولايات المتحدة الاميركية.

صدرت له عشرات الدراسات والمقالات عن إسرائيل والحركة الصهيونية ويعتبر واحدًا من أبرز المؤرخين العالميين المتخصصين في الحركة الصهيونية كما كتب عدة مؤلفات في نقد وتقييم الحضارة الغربية الحديثة ومظاهرها من خلال كتابه (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة) ، وقد انتمى أولا لليسار المصري ثم انضم إلى حزب الوسط وكان له نشاط سياسي في مطلع الألفية حيث شغل منصب المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) التي تأسست للمطالبة بإصلاح ديمقراطي في مصر.

وقد جاءت السيرة الذاتية له في صدر الموسوعة وفيها : ” الدكتور عبد الوهاب المسيرى : ليسانس آداب ـ أدب إنجليزي ـ جامعة الإسكندرية (١٩٥٩) ، ماجستير في الأدب الإنجليزي والمقارن ـ جامعة كولومبيا ـ الولايات المتحدة الأمريكية (١٩٦٤) ، دكتوراه في الأدب الإنجليزي والأمريكي والمقارن ـ جامعة رتجرز ـ الولايات المتحدة الأمريكية (١٩٦٩) ، خبير الصهيونية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام (حتى عام ١٩٧٥) ،عضو الوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم (حتى عام ١٩٧٩) . 

أستاذ بجامعة عين شمس وجامعة الملك سعود وجامعة الكويت (حتى عام ١٩٨٩) ، أستاذ غير متفرغ بجامعة عين شمس (١٩٨٩) ، المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي (١٩٩٢ ـ حتى الآن) . ، عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية ـ واشنطن ـ الولايات المتحدة (١٩٩٧) ، أستاذ زائر بجامعة ماليزيا الإسلامية فى كوالالامبور وبعديد من الجامعات العربية وبأكاديمية ناصر العسكرية.

صدر له العديد من الكتب من أهمها : نهاية التاريخ مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيونى (١٩٧٢) كتبه حينما كان يعمل رئيساً لوحدة الفكر الصهيونى وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام ، كما صدر له كتاب من جزأين بعنوان الأيديولوجية الصهيونية دراسة حالة فى علم اجتماع المعرفة (صدرت منه طبعة ثانية من جزء واحد عام (١٩٨٨).

وقد وضع المؤلف عدة مؤلفات بالإنجليزية حينما كان يشغل منصب المستشار الثقافي للوفد الدائم للجامعة العربية لدى هيئة الأمم المتحدة (١٩٧٥ـ ١٩٧٩) من أهمها كتاب عن الصهيونية بعنوان أرض الوعد نقد الصهيونية السياسية  (قرر تدريسه فى عدد من الجامعات الأمريكية) ، وكتاب أخر عن تطور العلاقة بين إسرائيل وجنوب أفريقيا (نشرت منه عدة طبعات بعدة لغات) كما صدر له كتاب ثالث (بالعربية) عنوانه : الفردوس الأرضى دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية.

وفى السنوات الأخيرة صدرت للدكتور المسيرى عدة كتب من أهمها : الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية وهجرة اليهود السوفييت ، وقد نشرت له دار الشروق عام ١٩٩٧ الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ ومن هو اليهودي ؟ ، كما نشرت له عام ١٩٩٨ اليد الخفية ونشر له مركز الدراسات المعرفية والمعهد العالمى للفكر الإسلامى بواشنطن والقاهرة كتاب إشكالية التحيز (سبعة مجلدات) من تأليفه وتحريره.

وللدكتور المسيرى العديد من المقالات فى الجرائد والمجلات والحوليات العربية والأجنبية ، وقد قام الدكتور المسيرى بكتابة المداخل الخاصة بالصهيونية والانتفاضة فى عدد من الموسوعات والكتب والمراجع المتخصصة وقد ترجمت بعض أعماله إلى الفارسية والتركية والبرتغالية والفرنسية،

وللدكتور المسيرى اهتمام خاص بالنقد الأدبى وتاريخ الفكر والحضارة (بحكم تخصصه الأكاديمى) فألقى العديد من المحاضرات عن هذه الموضوعات فى الجامعات والمؤتمرات العربية والغربية ، كما نشر العديد من المقالات فى الجرائد والمجلات والحوليات العربية والأجنبية وله عدة كتب فى الشعر الرومانتيكى الإنجليزى وشعر المقاومة الفلسطيني .. وسلسلة من القصص للأطفال تنشرها دار الشروق تحت عنوان حكايات هذا الزمان “.

وفي مقدمة الموسوعة يشرح طبيعتها والهدف من تأليفها ومنهج البحث فيها فيقول : ” تتناول هذه الموسوعة كل جوانب تاريخ العبرانيين فى العالم القديم وتواريخ الجماعات اليهودية بامتداد بلدان العالم وتعداداتها وتوزيعاتها وسماتها الأساسية وهياكلها التنظيمية وعلاقات أفراد الجماعات اليهودية بالمجتمعات التى يوجدون فيها وبالدولة الصهيونية ، وتغطى الموسوعة كذلك أشهر الأعلام من اليهود مثل موسى بن ميمون وغير اليهود ممن ارتبطت أسماؤهم بتواريخ الجماعات اليهودية مثل نابليون وهتلر.

كما تتناول هذه الموسوعة كل الجوانب المتعلقة بتاريخ اليهودية وفرقها وكتبها الدينية وطقوسها وشعائرها وأزمتها في العصر الحديث وعلاقتها بالصهيونية وبمعاداة السامية (معاداة اليهود) ، وتغطى الموسوعة الحركة الصهيونية ونشاطاتها ومدارسها وأعلامها وبعض الجوانب الأساسية للدولة الصهيونية ، وتهدف الموسوعة إلى توفير الحقائق التاريخية المعاصرة عن الظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية وإلى تقديم رؤية جديدة للموضوعات التى تغطيها ، وهى تحاول إنجاز ذلك من خلال عدة طرق :

تقديم تاريخ عام للعقيدة والجماعات اليهودية وللحركة الصهيونية : تقدم الموسوعة رؤية تاريخية جديدة لكل من العقيدة والجماعات اليهودية والحركة الصهيونية أكثر علمية وحياداً وتفسيرية من تلك الرؤية الغربية التقليدية التى تبناها المؤلفون اليهود وغير اليهود فى الشرق والغرب والمتأثرة بما يسمى (التاريخ المقدس) أى التاريخ الذى ورد فى العهد القديم ، والرؤية الجديدة تضع تواريخ الجماعات اليهودية فى أنحاء العالم فى إطار التاريخ الإنسانى العام كما أن الموسوعة قامت بربط تاريخ الصهيونية عقيدة وحركة وتنظيماً بتاريخ الفكر الغربى والإمبريالية الغربية.

التعريف الدقيق للمفاهيم والمصطلحات السائدة والتأريخ لها من منظور جديد،وإبراز جوانبها الإشكالية : فعلى سبيل المثال حينما تتعرض الموسوعة لظاهرة مثل يهود الاتحاد السوفيتى (سابقاً) فإنها تفعل ذلك من خلال عدة مداخل عن تاريخ اليهود وتوزيعهم الوظيفى وأعدادهم وأسباب هجراتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية فى كل من روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية ، كما توجد عدة مداخل أخرى عن أنواع يهود الاتحاد السوفيتى (قرائين – الكرمشاك – جورجيين – يهود البايشية – يهود الجبال – يهود بخارى … إلخ) ، وتضم الموسوعة أيضاً مداخل عن موقف ماركس وإنجلز والبلاشفة من المسألة اليهودية وعلاقة اليهود بالفكر الاشتراكى وتطور الرأسمالية الغربية.

إسقاط المصطلحات المتحيزة وإحلال مصطلحات أكثر حياداً وتفسيرية محلها : تتسم المصطلحات المستخدمة لوصف الظاهرة اليهودية والصهيونية بأنها متحيزة لأقصى حد وتجسد التحيزات الصهيونية والغربية ، ولتجاوز هذا الوضع تم استبعاد مصطلح مثل (الشعب اليهودى) الذى يفترض أن اليهود يشكلون وحدة عرقية ودينية وحضارية متكاملة (الأمر الذى يتنافى مع الواقع) وحل محله مصطلح (الجماعات اليهودية) ، وبدلاً من كلمة (الشتات) استخدمت العبارة المحايدة (أنحاء العالم) وبدلاً من (التاريخ اليهودى) تشير الموسوعة إلى (تواريخ الجماعات اليهودية) ، والمصطلحات البديلة ليست أكثر حياداً وحسب وإنما أكثر دقة وتفسيرية.

ويمكن تلخيص هدف الموسوعة فى أنها محاولة تطوير خطاب تحليلى (مصطلحات ومفاهيم) لوصف الظاهرة اليهودية والصهيونية ، وهو خطاب يسترجع البعد التاريخى لهذه الظاهرة من حيث كونها ظاهرة تاريخية اجتماعية يمكن فهمها والتعامل معها.

وغني عن القول أن موسوعة عربية عن الظواهر اليهودية أمر له أهمية بالغة بالنسبة للمتخصصين وغير المتخصصين فى هذا الحقل ، أما بالنسبة للمتخصصين فإن الموسوعة تحاول أن تضع إطاراً شاملاً وجديداً يمكن من خلاله دراسة اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل ، وعلى المستوى القومي فإن هذه الموسوعة ستزود صانع القرار العربي مهما كانت اتجاهاته السياسية بقدر كبير من المعلومات اللازمة لاتخاذ أى قرار ، كما أن العاملين في مجالي السياسة والإعلام وفى غيرهما من المجالات سيجدون مرجعاً عربياً يزودهم بالمعلومات الضرورية عن اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل ، وسيستفيد من الموسوعة أيضاً المتخصصون فى الفروع الأخرى من المعرفة ممن يتصدون للظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية بالدراسة كل في حقل تخصصه.

وموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية التي صدرت عام ١٩٩٩ والتي نالت جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة للكتاب ذلك العام هي من ضمن مساعي الدكتور المسيري العديدة الرامية إلى إلقاء الضوء على حقيقة الحركة والدولة الصهيونية (والعقيدة اليهودية والجماعات اليهودية في العالم) ، وقد استغرق إعدادها ما يزيد عن ربع قرن واشترك في هذه العملية عشرات الأفراد (مؤلفون – محرر فني – مساعدي باحث – سكرتارية – مكتب للترجمة العبرية – محرر لغوي – طابع على الكمبيوتر) وقد قام الدكتور المسيري بجهوده الذاتية بإعداد هذه الموسوعة والإنفاق عليها طيلة هذه الفترة.

وحينما عرف بأمر الموسوعة قام مائير كاهانا (عضو الكنيست السابق ورئيس جماعة كاخ الصهيونية الإرهابية) بإرسال خطابات تهديد بالقتل لمؤلفها والمشرف عليها في يناير عام ١٩٨٤ واعترف بإرسال الخطابات في حديث مع جريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في عددها الصادر في ٢١ فبراير ١٩٨٤ ، وبلغ عدد هذه الخطابات ثلاثة عشر خطاباً أرسل ستة منها على عنوان الدكتور المسيري بالرياض (المملكة العربية السعودية) وأرسلت الستة الأخرى على عنوانه بالقاهرة أما الخطاب الثالث عشر فقد أرسل له في القاهرة فور عودته من الرياض جاء فيه أن مرسلي الخطاب يعلمون بأمر عودته وأنهم (يعدون قبراً له) ، كما جاء في هذه الرسائل أنه إن لم يتوقف الدكتور المسيري عن نشاطاته المعادية للصهيونية (وأهم هذه النشاطات – بطبيعة الحال – هو تأليف الموسوعة) فستصل إليه الأيدي الصهيونية وستقوم بتصفيته ، وقد وضع الدكتور المسيري تحت حراسة سلطات الأمن المصرية، حمايةً له.

كما أرسلت جامعة بار إيلان خطاباً إلى الملحق الثقافي الإسرائيلي تطلب منه الكتابة إلى السفير الأمريكي لتشويه سمعة بعض الشخصيات المصرية المعادية للصهيونية ومن ضمنها الدكتور المسيري (نشرت جريدة العربي المصرية نص الخطاب في عددها الصادر بتاريخ ١١ نوفمبر ١٩٩٣) .

تقع الموسوعة فى ثمانية مجلدات متوسط عدد صفحات كل منها ٤٥٠ صفحة ويتناول كل مجلد واحد منها موضوعاً محدداً ، فالمجلد الأول يتناول الإطار النظرى للموسوعة وقضايا المنهج أما المجلدات التالية (الثانى والثالث والرابع) فتتناول موضوع الجماعات اليهودية ويتناول المجلد الخامس اليهودية والمجلد السادس الصهيونية والمجلد السابع إسرائيل.

ويضم كل مجلد عدة أجزاء ويضم كل جزء عدة أبواب ويضم كل باب عدة مداخل وعدد مداخل الموسوعة حوالى ٢٣٠٠ مدخل ، والموسوعة مرتبة موضوعياً فعلى سبيل المثال يتناول المجلد الرابع تواريخ الجماعات اليهودية فى بلدان العالم الغربى ويضم ١٨ باباً يتناول كل باب منها تاريخ جماعة يهودية بعينها فى إحدى بلدان العالم الغربى (إنجلترا – ألمانيا – روسيا… الخ) ،  ويضم باب إنجلترا ثلاثة مداخل (إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة – إنجلترا منذ عصر النهضة – إنجلترا فى الوقت الحاضر) تغطى موضوع تاريخ الجماعة اليهودية فى إنجلترا.

إلا أن الموسوعة لا تقتصر على التصنيف الموضوعى إذ يوجد فى المجلد الثامن فهرس ألفبائى عربى بكل مداخل الموسوعة ، فإذا أراد القارئ أن يعرف شيئاً عن (إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة) فإنه سيذهب إلى حرف الألف حيث سيجد عنوان المدخل وبجواره رقم المجلد والصفحة “.

40 / موسوعة القبائل العربية

تشكل القبائل العربية جزءا كبيرا من التكوين السكاني في مصر والوطن العربي كما لعبت دورا كبيرا في التاريخ الإسلامي بدءا من حركة الفتوحات الإسلامية وحتى مقاومة الاستعمار في العصر الحديث ، وعلى مدار القرون كتب عدد كبير من المؤرخين والنسابين في تاريخ القبائل وأنسابها ومواطنها وأعلامها مثل ابن الكلبي وابن حزم وابن خلدون وغيرهم كما ظهرت الكتب المختصة بقبائل مصر مثل كتاب البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب للمقريزي وكتاب قلائد الجمان في التعريف بعرب الزمان للقلقشندي.

وفي العصر الحديث ظهرت (موسوعة القبائل العربية بحوث ميدانية وتاريخية) لتكون جامعة لعلم من سبق وشاملة لكل ما استجد وهي من تصنيف المؤرخ والنسابة الأستاذ محمد سليمان الطيب الذي ولد في مصر عام 1957 م وتوفي فيها عام 2019 م ويرجع في جذوره إلى قبيلة بني سُلَيم العدنانية كما ذكر هو ذلك في الموسوعة ، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة وعمل بالمحاماة فترة ثم اعتزل وتفرغ للقراءة والتأليف والبحث الميداني للقبائل وأنسابها في ربوع الوطن العربي.

ومن مؤلفاته الأخرى : كتاب سكان منطقة تبوك ولمحة تاريخية عن محافظتها وآثارها وكتاب من قرى جنوب المدينة المنورة نقيعاء الأشراف ذوو حسن وكتاب موسوعة رجالات وأعلام المملكة العربية السعودية وكتاب الإنصاف في تاريخ الأشراف في المغرب الأقصى (الأدارسة) وكتاب بطولات الأميرة ذات الهمة وكتاب حاتم الوادي سعيد بن ججليش الشراري وكتاب إمام الحنابلة وتاج الأولياء الشيخ عبد القادر الجيلاني وكتاب الرجل المثالي سويلم بن حراثان المتيقي الشراري كما عرفته وعرفه الغير.

وقد استهل المؤلف الموسوعة بإهداء يقول فيه : ” إلى الشعب العربي الكريم متمثلًا في قبائله العربية الأصيلة والعريقة من بني عدنان وبني قحطان ، إلى سائر الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج ، إلى كلّ من يعتز بعشيرته وقبيلته وقومه وبلاده العربية العزيزة ويسعى دومًا لمجد أمته وعزتها ورفعتها بين الأمم ، إلى هؤلاء جميعًا من بني جلدتي الأعزاء.

أهدي هذه الموسوعة لسرد تاريخ وأنساب القبائل العربية بتجميع دقيق من أشهر الكتب والمخطوطات لكبار النسَّابين والمؤرخين حديثًا وقديمًا مهتديًا بالبحوث الميدانية لتصحيح ما اعترى مصنفات بعض محققي العصر من خطأ أو سهو أو نسيان ، وكذلك لإظهار الترابط الدموي والعرقي بين العناصر أو القبائل العربية في شتى البلاد العربية في المشرق والمغرب العربي في قارتي آسيا وإفريقيا عبر ما يزيد على ألف وخمسمائة عام ، حفظ الله بلادنا العربية وعامة بلاد المسلمين “.

وبعد ذلك كتب تنويها عن التعديلات التي استلزم عملها بعد صدور الطبعة الأولى وما وصل إليه من ملاحظات حيث يقول : ” أُقدِّم اعتذاري للقارئ العزيز عن الطبعة الثانية للمجلَّدات من واحد إلى خمسة عام ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م من موسوعة القبائل العربية وذلك لما اعتراها من سهو أو نقص في بعض المعلومات عن أنساب وتواريخ بعض القبائل المُرشَّحة في هذه المجلَّدات ، فقد حالت ظروفي وإمكانياتي المتواضعة حينئذ أن أُلمَّ بجميع التفصيلات عن هذه القبائل في هذا المصنَّف الموسوعي الضخم والذي سيكون منهلًا ترتوي منه الاجيال العربية في الحاضر والمستقبل إن شاء الله تعالى.

ويعلم الله سبحانه وتعالى كم كابدت وعانيت من جرَّاء الخوض في هذا العلم الشاف وكم اعترضتني الصعاب والعقبات في طريقي الوعر .. ورغم هذه المعاناة فما زلت صادق العزم بل ومُجنِّدًا نفسي لهذه الرسالة العلمية والتاريخية الخالدة لإخراج المزيد من المجلَّدات في الموسوعة خلال السنوات القادمة لتجمع بإذن الله قبائل العرب من المحيط إلى الخليج.

وحقًّا ، فقد كان نشر المجلَّد الأول في طبعته الأولى ثم ما تلاه من مجلَّدات في الطبعة الثانية بادرة خير حيث تلقيت العديد من الملاحظات والإضافات والاستدراكات الهامة من أبناء القبائل في أنحاء وطننا العربي الكبير مما دفعني إلى عمل المزيد من البحوث الميدانية خلال الثلاث سنوات المنصرمة إلى جانب اقتناء العديد من المراجع التاريخية الهامة في هذا المضمار ، وكانت نتيجة ذلك هو جني ثمرة هذا الجهد المضني والوافر وإخراج هذه الطبعة الثالثة المزيدة والمُنقَّحة التي بين أيديكم عام ١٤٢١ م / ٢٠٠١ م.

وقد قُسِّمت الموسوعة في هذه الطبعة إلى قسمين : القسم الأول يتناول القبائل العربية التي لها امتداد في إفريقيا (مصر والسودان وبلاد المغرب العربي) وستكون في الوقت الحاضر ثلاثة مجلَّدات ضخمة وسيستدرك بها مجلَّدين أو ثلاثة في المستقبل إن شاء الله لإكمال باقي القبائل العربية في بلاد المغرب والسودان.

أما القسم الثاني فيبدأ من المجلَّد الرابع حتى السابع ويتناول القبائل العربية في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وستكون في الوقت الحاضر أربعة مجلَّدات ضخمة وسيلحق بها ثمانية مجلَّدات أخرى مستقبلًا إن شاء الله لإكمال باقي القبائل في الأقطار العربية بالمشرق العربي.

وهكذا سنسير على الطريق بحول الله لإنتاج باقي مجلدات الموسوعة تباعًا، ومن سار على الدرب وصل والله المستعان وبه تعالى التوفيق ، صاحب الموسوعة محمد سليمان الطيب القاهرة في ديسمبر ٢٠٠٠ م/ شوال ١٤٢١ هـ “.

وفي المقدمة يستعرض منهجه وأهدافه في كتابة ذلك العمل الجبار فيقول : ” قال نبينا الكريم – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : (خيركم من تعلَّم العلم وعلَّمه) وقال أيضًا : (أعوذ باللّه من علم لا ينفع) صدق رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام ، وإن شاء الله تعالى هذا العلم الجليل القدر والذي أخذني حب جارف للتعمق والغوص فيه ونَهْل المزيد منه عبر سنوات طويلة سوف ينفع الله بي بني أُمتي وبني جلدتي وقومي الأعزاء الذين أنا فرد منهم، يسعدني ما يسعدهم.

وهذا العلم ينمي عند قومي – العرب – الاعتزاز بأنفسهم وعروبتهم المجيدة وجذورهم وفعالهم ومعدنهم الكريم والفخر بتاريخ أجدادهم وماضيهم التليد ليكون العرب بحق (خير أمة أخرجت للناس) بعد أن اختارهم الله ليرفعوا راية الحق والعدل والدين القويم لباقي الأمم ، وليكن العرب أحرص ما ينبغي بينهم في السعي دومًا وراء الفضيلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكونوا قدوة حسنة لسائر المسلمين بل والبشر أجمعين.

وإن علم النسب وتاريخ القبائل وتعريفه للناس أرى فيه العلم الذي يؤلف أبناء المجتمع ولا يُنفِّرهم ويجعلهم كثر تماسكًا واحترامًا وتقديرًا لأنفسهم أولًا ولغيرهم من إخوانهم العرب ثانيًا ويُقرِّبهم ولا يباعد بينهم ، وإن ذلك نراه في حكمة الخالق سبحانه وتعالى أن جعل النّاس شعوبًا وقبائل مختلفة ليتعارفوا فيما بينهم، ولعلَّ الهدف الأساسي الذي يرمز له مولانا سبحانه وتعالى من وراء هذا التعارف أو ذلك التآلف هو غاية نبيلة يأمرنا بها الله عزَّ وجلَّ ألا وهي الاختلاط مع الآخرين وليس الانطواء والانعزال لإثارة غريزة التنافس بين القبائل والشعوب في فعل الخير وتقليد الشِّيم والعادات الكريمة ونبذ الآخرى غير المستحبة أو غير النبيلة لأنَّ الله جَبَل النّاس على الخير وفعله وجعله في الفطرة الإنسانية ولأن الشيء القبيح أو المكروه والسعي ينفر منه النّاس وتزدريه النفوس البشرية وتبغضه القلوب وترفضه العقول هذا في البشر بصفة عامة.

ونحن العرب أولى النّاس في التمسُّك بالخير ونبذ الشر وكل ما هو مُشين بعد أن هدانا الخالق بنور القرآن وبعث فينا خير الوري ، وقد اصطفاه منا – نحن العرب – دون سائر الأمم ليظهر دين الحق ويبين الشريعة السمحاء التي يريدها عزَّ وجلَّ لهداية البشرية ونحمد الله على نعمائه أبين فَضَّلنا على سائر خلقه بنبيه خاتم وأشرف المرسلين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم من رب العالمين “.

ويتحدث عن علم الأنساب شارحا : ” إن علم النسب من أصعب العلوم الإنسانية والاجتماعية مسلكًا وأشدها وعورة ، ومما يدلُّ على صعوبة هذا العلم الجليل القدر هو أن أمة كبيرة كأمتنا العربية لَمْ يطرق منها باب هذا العلم سوى عشرات قلائل من الرجال ومن تقصى منهم فقط هم الذين أفلحوا واشتهروا ونالوا أسمى آيات التشريف وهم يُعدُّون على الأصابع وما زالت مخطوطاتهم تُطبع أو تُحقق حتى الآن رغم مرور مئات السنين على بعضهم وأبرزهم ابن الكلبي وابن حزم وابن خلدون والقلقشندي والسويدي وغيرهم فهم رجالات قلائل ، أما أغلب الذين خاضوا في هذا العلم فقد طواهم الزمان وخمد ذكرهم.

وببساطة القول : إن الأمر الواجب والحتمي لأي محقق أو باحث يريد التشريف والعرفان والتقدير والخلود في التاريخ للأجيال أو أن يكتب له وسام بحروف من نور، لابد لهذا الباحث أن يتحرى جميع المصادر لا أن يتعصب لمصدرٍ واحد وأن يمارس البحث الميداني بقدر المُستطاع كي يغوص في أخبار وأنساب القبائل وخاصة تلك الكيانات الحديثة في القرون الأخيرة وحتى يأخذ البينة عن الثقات بعد أن يجمع رأيًا موحدًا في الروايات والتي يتقارب فيها الصحيح المتفق عليه من عدة مصادر ، وكما لابد للباحث في هذا المجال ميدانيًّا أن يتجنب أرباب الهوى الإمعات حيث إن الشق الميداني هام ومفيد بالنسبة لمن يريد حسم الرأي فيما تضاربت فيه الأقوال وتناقضت لتلك القبائل الحديثة التكوين والتي لَمْ يجمع فيها المحقِّقون رأيا مرجحًا على الأقل في أطوار نمائها الأولى “.

وحول مشكلات علم الأنساب وهجرات القبائل يقول : ” ومشكلات الأنساب والأحساب والوصول فيها إلى عين اليقين بين العرب قبل الإسلام وبعده كانت تدور رحاها بين نسَّابة القبائل العربية حين الأزمات التي تفوز النعرات القَبَلية ، وقد تضاربت – على سبيل المثال – الأقوال في أشهر القبائل في تاريخ العرب وهذا الشيء نجده منذ الجاهلية وأبرز ذلك الخلاف في نسب قُضَاعة والذي هو مذبذب بين عدنان وحِمْير قحطان ومن أشهر قبائل قُضَاعة بلِّي وجُهَيْنة ، وكذلك نسب ثَقيف رغم أن التأكيد التاريخي يؤيد نسبهم إلى إياد العدنانيين إلَّا أن جمهرة العَلماء يقولون إنهم من هوازن – وهذا ما أخالفه – وسوف نشرح ذلك إنْ شاء الله بتحليل مطوَّل.

وكذلك نسب خُزَاعة وجُذام وخَثْعم وبُجَيْلة ، وبالمثل نرى أمثلة في القبائل التي ظهرت بعد الإسلام مثل حرب وبني خالد وغيرهما ومما سوف نشرح عنهما في هذا المجلد من الموسوعة مثل بني عطية والمساعيد والحويطات ، وما زالت الآراء تتضارب من محققي هذا القرن في كثير من القبائل ويتأرجح رأي كلّ منهم لما يأخذ من إسناد تاريخي أو حجة أو قياس زمني أو بحث ميداني إلى غير ذلك وسنوضح بتحليل تاريخي ومنطقي نسبها الراجح والأقرب للحق والصحة ، واللّه سبحانه هو هادينا ومرشدنا.

ونحن واثقون في الله أنه سوف يعطينا الهداية والحق ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ومن يكله إلى نفسه سوف يجف ريقه ويلهث زائغ البصر وراء حاجته دون جدوي ، وإننا نستعين باللّه وحده أن نحسم هذه المشكلات التي هي جسيمة على كاهل المحققين جميعًا وأنا فرد منهم فدعواتنا للّه أن يوفقنا للحق واللّه لا يخيِّب رجاء من طلب.

ونلفت نظر القارئ العزيز أنه رغم أن هناك قبائلَ عربية صريحة النسب سواء قحطانية أم عدنانية ومعنى صراحة النسب هو معرفة الجد المؤسس لمن يرتد في بطون العرب والجد المؤسس هو الذي تتسمى به القبيلة وهو أب القبيلة التي يعود له تكون هيكلها وكيانها بداية من الأسرة ثم العائلة ثم العشيرة ثم القبيلة – ورغم صراحة النسب هذه – إلَّا أنه من المستحيل أن تظل قبيلة مقتصرة على ذرية جدها المؤسس لها ولا يدخلها عناصر أخرى خارج عمود نسبها ، وكم نجد قبائل قحطانية بها عشائر عدنانية وكم نجد قبائل عدنانية بها عشائر قحطانية وهذا لأنَّ طبيعة المجتمع القَبَلي العربي منذ فجر التاريخ وحتى هذا القرن دائم التنقل والترحال إما بحثًا عن موارد الحياة أو لظروف اجتماعية قَبَلية أو لظروف سياسية تتعرض لها بعض الكيانات.

ومنذ الجاهلية والعرب على هذا الحال، وطبقًا لهذه السمة السائدة قد نجد قبيلة أو عشيرة تنضم إلى قبيلة أخرى إما رغبة فيها أو رهبة منها وتنضوي الأولى تحت اسم الثانية ويندثر اسم القبيلة المنضمة وقد تنتقل قبيلة إلى ديار قبيلة أخرى بعد ضعفها ثم تتوسع في ديارها وتقطن منازلها التاريخية ، وقد تنمو القبيلة من جد مؤسس لها في ديار قبيلة، ثم يتكاثر نسل هذا الجد وقد يطغى اسمه على سائر القبيلة سواء كان يشترك معها في جذوره الأولى أم يختلف نهائيًّا .. وهكذا فقلما نجد قبيلة عربية صافية على عنصرها الأول أو مقتصرة على عمود نسب مؤسسها “.

وحول علاقة القبائل بالقومية العربية يقول : ” إن الإنسان العربي الحر يميل بشدة إلى البحث عن هويته العربية وحقيقة معدنه وجذوره وشجرة نسبه التي فيها حسبه وأصله وجنسه العربي السامي الكريم وهذه سمة من سمات العرب منذ فجر التاريخ وحتى الآن ، ولأن العرب هم في الأصل أُناس قَبَليون لا شعوبيون أي لَمْ تذب فيهم الأرومات والأصول والأحساب والأنساب ولذلك نجد أن عنصرهم يتميز بالنقاء.

وتتضح الصورة جلية في شتى الأقطار العربية وكما نراها حتى اليوم في تلك الكيانات القبلية المتماسكة والتي ما زالت تحافظ على عنصرها وتراثها وجذورها ونقاء معدنها ، وكما أننا نرى أيضًا أن لكل قبيلة عربية مجدها وتاريخها التليد الراسخ في أعماق أبنائها يفاخرون به قولًا أو نثرًا أو شعرًا ، وسيظل ذلك التاريخ عن ماضي الأجداد مطبوعًا في العقول لا يُنسى جيلًا وراء جيل كما كان متناقلًا عن الأسلاف كابرا عن كابر.

وحقًّا ، فالتنافس الشريف والنبيل بين قبائل العرب والذي يحث على مكارم الأخلاق والتمسك بالشِّيم الكريمة والخصال الحصِدة جدير بالقول والرضا من المولى عزَّ وجلَّ وثانيًا فهو مرغوب من سائر المجتمع العربي من المحيط إلى الخليج ، وكما أن الاحترام المتبادل بين القبائل العربية يُولِّد الألفة والمودة والمحبة بين أبناء تلك القبائل،وهذا ما يحبذه ديننا الإسلامي وبالتالي تصبح الشعوب العربية في مجموعها في تعاضد وترابط متين أساسه الأصل واللغة والدين والطباع الواحدة والموطن الممتد والمصير المشترك ، وهذا لأنَّ الترابط والالتحام والتآخي هو حجر الأساس القوي لبناء مجتمعنا العربي الإسلامي الحر الأبي والذي يتمثل في بيت عربي واحد يحمل على كاهله أحمالا كالجبال الراسيات لا يميل ولا يتزعزع له ركن ولا ينقض له جانب على مدى الدهر حتى يرث الله الأرض ومن عليها “.

وحول الدور التاريخي للقبائل العربية في نصرة الإسلام يقول : ” وقد فتح اللهُ على هذه القبائل التي أصبحت جماعة واحدة بعد أن كانت شتى ومتناحرة وبفضل الإسلام فتح على أيديهم الأمصار والمدن في مشارق الأرض ومغاربها ، وقد انتشر الدين الحنيف في بقاع الأرض على أيدي رجال وفرسان من عدنان وقحطان سجل لهم التاريخ صفحات كُتبت من نور ، وكما سخر الكيانات القَبَلية زعماء وقادة العرب على مر تاريخ العرب بعد الإسلام وحتى منتصف هذا القرن وذلك في مقاومة الغزوات الاستعمارية الشرسة على ترابنا العربي الطهور سواء في المشرق أم المغرب ، ولا ينكر ناكر ولا يجحد جاحد بأن الفضل للّه ثم في هذا التكتل الاجتماعي التلقائي المتمثل في تماسك القبائل العربية في نواح كثيرة من البلاد العربية وذلك في المحافظة على ديارنا العربية الإسلامية حُرَّة أبيَّة، كما نتمتع نحن أبناء هذا الجيل بها بعد زوال كابوس المستعمرين الغرباء عن بلادنا في مختلف الأرجاء.

وحقًّا، فقد كانت القبائل العربية وستظل حصنًا وملاذًا في الظروف الحالكة التي مرت بها أمتنا كما كانت دومًا ينبوعًا وكنزًا ثمينًا يمد المقاومة العربية ضد حملات الغزاة بموجات وموجات من الرجال والأبطال الذين اقتحموا غمرات الوغى بعزم صادق على أمل النصر أو الشهادة ، وقد سقط الآلاف بل الملايين من أبناء العرب في هذين القرنين الأخيرين فما بالنا في القرون الأولى فلن نحصر آلاف الشهداء العرب الأبرار الذين روت دماؤهم ثرى بلادنا الطهور وقد سقطوا في ساحة الشرف والجهاد والحق ذودًا عن الكرامة العربية وذودًا عن أهليهم وديارهم.

ورغم بعض التناحر القَبَلي الذي كان في جهات عديدة من بلادنا العربية وفي أزمان مختلفة إلَّا أن هذا الشيء لَمْ يَفُت في عضد الأمة العربية في مجموعها وفي شكلها العام كأمة راسخة البنيان قوية الأركان ، فالعربي من أقوى وأشد المتعصبين لأبناء قومه وجلدته لا يقبل ولا ينام على ضيم حل بهم من أي جنس ، ونجد أن الحمية والنخوة العربية تجري في عروق أي عربي مجرى الد، فهذه فطرة فطرها الله لنا وجُبلنا عليها ونراها تترجم دائمًا بصورة تلقائية إلى طاقة هائلة وشحنة متقدة من هبتنا لحماية الذمار والديار العربية في أي وقت ، ولا يأبه العربي باي خلاف جانبي عارض مع إخوانه الآخرين سواء عشيرة أم قبيلة أم حتى شعب بأكمله !

هذه المبادئ وتلك الصفات التي تغلب على طابعنا نحن العرب وما أجملها من صفات ، فحيَّا الله العرب على مر الزمان وعاش كلّ من رفع لمجد وعزة العرب الرايات ، وعروبتنا المجيدة – بعون الله تعالى – لن ينطفئ نجمها ولن يخمد ذكرها بين الأمم ما دام أبناؤها البررة المصلحون يتحلون بالحق والإخلاص والجهاد في شتى الميادين ، فلنضع نصب أعيننا تاريخ وأمجاد أجدادنا البهرام ليكونوا لنا قدوة بهم نقتدي وبمبادئهم نحتذي وعلى عهدهم نسير وعلى نهجهم نخطو في حاضرنا المشرق بالأمل والخير ومستقبلنا الزاهر إن شاء الله ، ونحمد الله .. فأُمتنا العربية ذاخرة دائمًا في كلّ العصور بالقادة والمصلحين والعلماء المفكرين والرجال المخلصين الذين يجعلون سائر الأمم يشيرون للعرب بالبنان ويعطونهم حقهم من التقدير والاحترام “.